التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 363-402

تر من حر الشمس، فقال: أضح لمن أحرمت له.
وروى النجاد بإسناده في لفظ آخر عن نافع: أن ابن عمر رأى رجلاً قد نصب في مقدمة رحله عوداً عليه ثوب، وهو محرم، فقال ابن عمر: إن الله لا يحب الخيلاء، إن الله لا يحب الخيلاء.
وروى بإسناده في لفظ آخر عن نافع، عن ابن عمر: أنه رأى رجلاً من آل... بن أسيد يظلل عليه بشيء من الشمس، فناداه ابن عمر: اتق الله.

وفي لفظ آخر عن نافع: أن ابن عمر رأى رجلاً قد وضع عودين على راحلته، وهو محرم، يستتر بهما، فاتنزعهما.
فإن قيل: يعارض هذا ما روى النجاد بإسناده عن الحسن: أن عثمان ظلل عليه، وهو محرم.
و [ما روى] عكومة، عن ابن عباس: لا بأس بالظل للمحرم.
قيل له: هذا محمول عليه إذا كان هناك عذر من حر، أو برد، فلا يكون بينهما تعارض.
ولأنه محرم ستر على رأسه بما يقصد به الترفه في بدنه، فجاز أن تتعلق به الفدية، كما لو غطاه.
وفيه احتراز من الزمان اليسير؛ لأن التعليل للجواز، وفيه احتراز منه إذا جلس تحت خيمة، أو تحت سقف.
ولأن ذلك لا يقصد به الترفه في البدن في العادة، وإنما يقصد به جمع الرحال.
وأيضاً فإن الفدية تجب بإتلاف وبغير إتلاف، ثم ثبت أن الإتلاف لا فرق بين أن يكون عن مباشرة، أو غير مباشرة، وهو أن يدل على الصيد، أو ينصب شركاً، كذلك ما لم يكون عن إتلاف لا فرق بين أن يكون عن مباشرة، أو غيرها، وهذا إذا ظلل على رأسه.
ولا يلزم [عليه] الحلاق، وتقليم الأظفار، والطيب؛ لأن ذلك

لا تتصور فيه إلا المباشرة.
وأيضاً فإن الإحرام يحرم تغطية رأسه بغير إذنه، ثم ثبت أن ثوب الغير يستوي في المنع من استعماله المباشرة وغيرها، كذلك ثوب نفسه في حق الإحرام بعلة أنه أحد التحريمين، أو أحد نوعي التحريم.
ولا يجوز أن يقال: إن ثوب الغير يحرم إمساكه؛ لأنا نفرض المسألة في ثوب الغير إذا كان وديعة عنده؛ فإنه لا يمنع من إمساكه، وإنما يمنع من التصرف فيه.
يبين صحة هذا: أنهم منعوا الجنب من الاجتياز في المسجد، وقالوا: كل بقعة منع من الجلوس فيها منع من الاجتياز، كدار الغير.
وطريقة أخرى جيدة، وهو: أن المحرم أمر أن يكشف رأسه؛ ليحصل له الشعث والغبار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المحرم الأشعث الأغبر".
وإذا ظلل على رأسه زال ذلك المعنى، فمنع منه.
ولا يلزم عليه إذا جلس تحت سقف، أو تحت خيمة؛ لأن ذلك لا يستدام في حال سيره وقعوده، وهذا يستدام، وجرى ذلك مجرى ما لو ترك يده على رأسه، أو ترك على رأسه مكتلاً، لم يمنع، ولم تجب الفدية؛ لأنه لا يستدام في العادة.
واحتج المخالف بما روت أم الحصين قالت: حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم

حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً، وأحدهما آخذ بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر رافع ثوبه؛ ليستره من الحر حتى رمي جمرة العقبة.
والجواب: أن ذلك الاستظلال كان زماناً يسيراً، وقد أجاز أحمد مثل هذا في رواية الأثرم وقد ذكر له هذا الحديث، فقال: هذا في الساعة رفع له الثوب بالعود، يرفعه بيده من حر الشمس.
وقال - أيضاً - في رواية أبي داود: إذا كان بطرف كساء أرجو أن لا يكون به بأس.
وهكذا نقل ابن منصور - وقد سئل عن القبة المحرمة - فقال: لا، إلا أن يكون شيئاً يسيراً باليد، أو ثوباً يلقيه على عود.
وقال - أيضاً - في رواية حرب - وقد سئل: هل يتخذ على رأسه الظل فوق المحمل؟ - فقال: لا، إلا الشيء الخفيف.
وإذا كان كذلك، فقد قلنا بموجب الخبر؛ لأن الخلاف فيما وراء ذلك، هو إذا اتخذ الظل على طريق الاستدامة.
واحتج بأنه لو تعلقت به الفدية لا يستوي فيه الزمان اليسير والكثير، كما لو غطى رأسه.
والجواب: أن الترفة بتغطية الرأس أبلغ من الاستظلال، فجاز أن يستوي في ذلك القليل والكثير، ويفترق الحال في غيره، كالاستمتاع

بالوطء في الفرج؛ لما كان أبلغ منه فيما دون الفرج استوى في ذلك الإنزال وعدمه، [و] في ما دون الفرج يفترق الحال بين الإنزال وعدمه.
ولأن أبا حنيفة قد فرق بين أن يستديم اللبس جميع النهار أو بعضه في باب الفدية.
ولأنه لا يمتنع أن يختلف حكم القليل والكثير في إيجاب الدم في مسألتنا، كما اختلف حكمه في إتلاف الشعر بين القيل والكثير في الدم.
واحتج بأن ما جاز التظلل به راكباً كالسقف، ولأنه تظلل بما لم يماس رأسه، فجاز ذلك، كما لو تظلل نازلاً، وقد نص أحمد على أنه لو جلس تحت خيمة، أو تحت سقف جاز.
وقال - أيضاً - في رواية حنبل: لا يستظل على المحمل، ويستظل بالقارة والخيمة في الأرض، وهي بمنزلة البيت.
والجواب: أنه لا فرق بين الراكب والنازل، وإن طال ذلك وكثر افتدى؛ راكباً كان، أو نازلاً، وإن قل ذلك، ولم يكثر، فلا فدية عليه؛ سواء كان راكباً، أم نازلاً.
وقد بينا الفرق بين اليسير والكثير، وبين الخيمة والسقف وبين المحمل، وأن ذلك لا يقصد به الترفه في البدن في العادة، وهذا بخلافه.

70 -

مسألة

إذا لبس أو تطيب ناسياً فعليه الفدية في أصح الروايتين:

رواها صالح وعبد الله وحنبل، فقال: من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع عنه يلزمه لو قتل صيداً ناسياً أو... ناسياً - وهو محرم - لم يكن عليه شيء، وقد أوجب الله عز وجل في قتل الخطأ عتق رقبة.
وقال - أيضاً - في رواية ابن منصور في من لبس قميصاً عشرة أيام ناسياً: عليه كفارة واحدة ما لم يكفر.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
وفيه رواية أخرى: لا كفارة عليه.
رواها أبو طالب، وحرب، وابن القسم: فقال في رواية أبي طالب: إذا وطئ - يعنى: ناسياً - بطل حجه، وإذا قتل صيداً، أو حلق شعره، لم يقدر على رده، فهذه الثلاثة العمد والنسيان سواء، وكل شيء من النسيان بعد الثلاث فهو يقدر على رده مثل أن يغطي برأسه، ليس عليه شيء، ويلقيه.
وكذلك نقل حرب عنه: إذا لبس قميصاً ناسياً يخلعه، ويفزع إلى التلبية.
وكذلك نقل ابن القاسم: إن تعمد التغطية وجب عليه، والناسي

يفزع إلى التلبية.
وبهذا قال الشافعي، وهو اختيار الخرقي من أصحابنا.
وجه الرواية الأولى: أن هذا معنى يحظره الإحرام، فلم يختلف فيه الساهي والعامد.
دليله: الحلاقـ، وقتل الصيد، وتقليم الأظفار.
فإن قيل: ذكر ابن أبي هريرة: أن للشافعي في قتل الصيد قولين: أحدهما: لا جزاء عليه.
قيل له: الصحيح أن عليه الجزاء.
فإن قيل: الحلق والقتل إتلاف، فلهذا استوى حكم الساهي والعامد، كإتلاف مال الغير، وليس كذلك اللبس والطيب؛ لأنهما ليسا بإتلاف.
قيل له: هذا يوجب الفرق بينهما، ألا ترى أن الحلق وفوات الحج ليس بإتلاف، ومع هذا لا يختلفان في حال العمد والسهو؟ على أن هذا المعنى لا يوجب الفرق بينهما في حال السهو، كما لم يوجب في حال العمد.
وربما قالوا: إن الحلق والقتل لا يمكن تلافيهما بعد وقوعهما، فاستوى فيهما حكم العمد والسهو، وليس كذلك الطيب واللباس؛ لأن تلافيهما بعد وقوعهما ممكن بأن يغسل الطيب، وينزع المخيط.

وهذا لا معنى له؛ لأن الفدية تجب بحصول الاستمتاع باللبس والطيب في الأوقات الماضية، وهذا المعنى لا يمكن رفعه، وإنما يمكن الامتناع [من ذلك] في الأوقات المستقبلة، والفدية لا تجب باستمتاع لم يحصل بعد.
على أن هذا المعنى لم يوجب الفرق بينهما في حال العمد، كذلك لا يوجب في حال السهو.
وربما قالوا: المحرم من الحلق والقتل جهة الإتلاف دون الاستمتاع والترفه، ألا ترى أنه لو نتف شعره بحيث يتألم به الفدية؟ فاستوى عمده وسهوه كسائر الإتلاف، وليس كذلك الطيب واللباس؛ لأن المحرم منهما جهة الاستمتاع دون الإتلاف بدليل أنه لو أتلف طبياً كثيراً لم يلزمه الفدية، فاعتبر فيه القصد إلى الاستمتاع به مع العلم بتحريمه وذكره لإحرامه.
وهذا - أيضاً - لا معنى له؛ لأن الاستمتاع قد حصل له في الزمان الماضي، وقد بينا أن الفدية تجب لما يمضي من الزمان.
وعلى أن هذا المعنى [لا] يوجب الفرق بينهما في حال العمد، كذلك لا يوجبه في حال السهو.
وقياس آخر، وهو: أنه محرم لبس ما يشتمل عليه بالخياطة، أشبه إذا لبسه، وهو عالم بتحريمه.

ولا يلزم عليه إذا لبسه بعد التحلل الأول وقبل الطواف؛ لأنه لا فرق بين الأصل والفرع في العمد والسهو؛ ففي الأصل تسقط الكفارة في الحالين، وهاهنا تجب في الحالين.
وعلى أنه بعد التحلل ليس بمحرم على الإطلاق.
وأيضاً فإن ما يحظره الإحرام لا يختلف فيه حكم العالم بحظره والجاهل بدلالة الحلق، وقتل الصيد، وتفويت الحج، وترك الميقات، وتشهد لصحة ذلك الأصول، ألا ترى أن كل عبادة خطر فيها معنى من المعاني فإن حكم العالم بحظره والجاهل سواء، كالأكل والجماع في الصوم والصلاة.
فإن قيل: الإحرام من الميقات مأمور به، وهذا منهي عنه.
قيل له: الحلاق وقتل الصيد منهي عنه، ويستوي فيه العامد والجاهل.
ولأن المأمور به فرض عليه، كما أن تجنب المحظورات فرض عليه، فحكم أحدهما حكم الآخر.
ولأن الجهل بأحكام الشرع مع التمكن من العلم لا يسقط أحكامها عن الجاهل، كمن جعل تحريم الزنا ووجوب العبادات.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، وروي: "عفي لأمتي".

والجواب عنه: أن الظاهر يقتضي أن يكون [نفس] النسيان مرفوعاً عن الأمة، وقد علمنا أنه غير مرفوع، فثبت أن المراد بالخبر غير ما يقتضي ظاهره، ولا يخلو إما أن يكون المراد به الحكم، أو المأثم، وليس واحد منهما مذكوراً في الخبر، فليس له أن يدعي أن المراد به الحكم، إلا ولنا أن ندعي أن المراد به المأثم.
فإن قيل: نحمله عليهما.
قيل له: العموم يدعى في الألفاظ، وليس هاهنا لفظ يبني عليهما.
واحتج بما روى صفوان بن يعلى بن أمية، أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة، وعليه مقطعة تضمخ بالخلوق، فقال: يا رسول الله! أحرمت بالمعمرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما كنت تصنع في حجتك؟ " قال: كنت أنزع هذه المقطعة، وأغسل هذا الخلوق، أو قال: الصفرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اصنع في عمرتك ما كنت صانعاً في حجتك".
فوجه الدلالة من الخبر: أن السائل كان جاهلاً بالحكم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الخلوق، ولم يأمره بالفدية، فلو كانت واجبة لأمره بها؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
والجواب: أن تحريم الطيب يثبت في ذلك بدلالة أنه روي في

الخبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم انتظر الوحي حين سئل، فلما سري عنه قال: "أين السائل عن العمرة؟ " فأتي به، فقال: "أما الجبة فاخلعها، وأما الطيب فاغسله"، ولم يوجب الفدية؛ لأن الطيب كان قبل التحريم.
فإن قيل: في الخبر ما يدل على أن تحريمه كان ثابتاً قبل ذلك، وهو ما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للسائل: "ما كنت تصنع في حجتك؟ " قال: كنت أنزع المقطعة، وأغسل الخلوق.
ولأنه روي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يومئون إليه، ويستجهلونه في فعله، وهذا يدل على تقدم التحريم وشهرته.
ولأنه يحتمل أن يكون توقف؛ لا [ن] تحريم التزعفر لم يكن حصل.
قيل له: يجوز أن يكون حرم في الحج، ولم يحرم في العمرة إلى هذه الحال.
وأما قوله: إن الناس كانوا يسخرون مني، فيجوز أن يكون اعتقدوا: أن العمرة محمولة على الحج قياساً، والنص إنما علم بالوحي، وما ظنوه قبل ذلك لا حكم له.

وقولهم: إنه توقف في تحريم التزعفر، فلو كان كذلك لبين له تحريم اللبس المختص بالإحرام، فأما التزعفر فلا يختص تحريمه بالإحرام؛ لأنه استعماله قبل الإحرام، فلا يمنع من البقاء عليه لأجل الإحرام، وإنما يمنع منه لمعنى آخر.
فإن قيل: هذه القصة كانت بالجعرانة سنة ثمان، وتحريم اللباس سنة ست عام الحديبية بقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاسِهِ﴾ [البقرة: 196]. قيل له: هذا دل [على] تحريم الحلق والطيب، [و] ليس فيه اللباس.
واحتج بأن الحج عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فوجب أن يكون في محظوراتها ما يختلف حكم عمده وسهوه قياساً على الصوم.
والجواب: أن الصوم يفرق بين عمده وسهوه في جميع محظوراته عندهم؛ لأن الأكل والشرب والجماع يفرق بين عمده وسهوه، فالوصف غير صحيح.
وعلى أن الصوم ليس للصائم أمارة تدل على كونه صائماً، فلذلك جاز أن يعذر في النسيان، وفي المحرم علامة تدل على كونه محرماً، وهو التجرد، والتلبية، وأعمال النسك، فلم يعذر في النسيان، فلذلك

استوى العامد والساهي.
وعلى أنه لو أكل في الصيام ناسياً لم يفسد، ولو أكل جاهلاً بالحكم فسد صومه، وكان يجب أن يقول في الحج كذلك.
فإن قيل: قولكم: (إن الحج عليه أمارة، فلهذا سوى بين عمده وسهوه، والصوم لا أمارة عليه) تنتقض علة الفرع بالطهارة؛ لا أمارة عليها، ومع هذا يستوي عمد الحدث وخطؤه، وعلة الأصل تبطل بالذبيحة؛ عليها أمارة، وقد فرقت بين العمد والخطأ في باب التسمية.
قيل: نحن اعتبرنا وجود الأمارة وعدمها حال التلبس بالعبادة، وعدم الأمارة في الطهارة بعد الفراغ منها، وبعد نقضها، فلا يلزم عليه على ما قلنا.
وأما الذبيحة فإن الأمارة إنما توجد في وقت الذبح، والتسمية تنعدم على تلك الحال، فلا توجد الأمارة المشروطة في وقت التسمية.
واحتج بأنها عبادة لها تحليل وتحريم، وكان من المنهي عنه فيها ما يفرق بين عمده وسهوه، كالصلاة.
والجواب: أن السلام مشروع في الصلاة، واللباس غير مشروع في الحج.

71 -

مسألة

قليل اللبس وكثيره سواء في إيجاب الدم، وكذلك الحكم في الطيب:

نص عليه في رواية ابن القاسم، وسئل: هل تغطية الرأس وقت؟ فإن هؤلاء يقولون: إذا كان قدر يوم وجبت كفارة، ومالك يقول: إذا [....] من حر أو برد، فقال أحمد: إذا تعمد التغطية، وقصد ذلك، وجبت عليه.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن لبسه يوماً كاملاً - أو ليلة كاملة - فعليه دم، وإن لبسه أقل من يوم فعليه صدقة، وكذلك إن لبس أقل من ليلة، وإن طيب عضواً كاملاً فعليه دم، وإن طيب أقل من عضو فعليه صدقة.
وقال مالك: إن نزعه أو غسله في الحال، فلا فدية عليه، وإن حصل له انتفاع ما، فعليه الفدية.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة:196]. وتقديره: من كان مريضاً، فلبس، ففديه، أو به أذى من رأسه، فحلق أو ستر، ففدية.

وظاهر الآية يقتضي تعلق الفدية بوجود اللبس والستر من غير اعتبار معنى آخر معه.
ولأنه لبس ممنوع منه، أو طيب ممنوع منه لحرمة الإحرام، فوجب أن يكون مضموناً بالفدية، كما لو طيب عضواً كاملاً، أو استدام اللبس يوماً كاملاً.
ولأن الطيب واللباس استمتاع، فاعتبر فيه مجرد الفعل دون الاستدامة.
دليله: الوطء في الفرج.
وإن شئت قلت: فعل حرمه الإحرام، فلم تتقدر فديته بالزمان، كسائر المحظورات من الوطء، والحلق، وتقليم الظفر، وقتل الصيد.
واحتج المخالف بأن المعتاد من اللبس هو لبس يوم كامل، أو ليلة كاملة، ألا ترى أن الناس يلبسون ثياب النهار في أوله، وينزعونها في آخره، ويلبسون ثياب الليل في أوله، وينزعونها في آخره؟ فإذا لبس أقل من يوم، أو ليلة، فلم يلبس لبساً معتاداً، فيجب أن لا يلزمه دم، ألا ترى أنه لو اتزر بالقميص، أو تردى به، لم يجب عليه دم؛ لأنه لم يلبسه لبساً معتاداً.
وكذلك إن طيب عضواً فعليه دم، وإن طيب أقل من عضو.

وكذلك إذا قص ظفراً أو ظفرين فعليه صدقة، ولا يلزمه دم؛ لأنه ليس في العادة أن يقص ظفراً أو ظفرين، ويترك الباقي.
وكذلك إذا حلق شعرة، أو شعرتين.
والجواب: أن المعلوم من أحوال الناس أنهم يمسحون بالطيب بعض الرأس، وبعض الوجه، ومن أنكر هذا فإنه ينكر الضرورات.
وكذلك معلوم في لبس الثياب من الليل، فتكون من أوله، ثم ينزعها وينام في الفراش، ولا يستديم لبس القميص والسراويل من أول الليل إلى آخره، وكذلك ثياب النهار في الصيف، وتكون في طرفي النهار.
ولأن الإنسان لا يلبس الخفين في بيته في العادة.
ولأنه لو لبس الجوربين في الكفين، أو لبس الخفين في رأسه، وجبت الفدية، وهو غير معتاد، وكذلك لو لبس الجبة والفرو في الصيف فعليه الفدية، وإن لم يكن معتاداً، فبطل اعتبار العادة في ذلك؛ لأن حلق اللحية والحاجبين ليس بمعتاد، ومع هذا تجب الفدية.
فأما القميص إذا اتزر به فإنه بمنزلة الإزار، وذلك لبس مباح، فلهذا لم تجب الفدية، وليس كذلك هاهنا، لأن هذا لبس محظور لحرمة الإحرام.

وأما حلق الشعر، وتقليم الأظفار، فذلك يجري مجرى الإتلاف، فاختلف حكم كثيرة وقليله، كما يقول في إتلاف الصيد، وليس كذلك اللباس والطيب؛ فإن المحرم منهما جهة الاستمتاع، فكان الاعتبار فيهما بما يقع عليه الاسم، كما يقول في الاستمتاع بالمرأة وبالجماع؛ فإنه يستوي يسيره وكثيره.
فإن قيل: أليس قد قلتم: إذا ظلل على رأسه زماناً طويلاً افتدى، وإن كان يسيراً لم تجب الفدية؟ كذلك هاهنا.
قيل: الترفه بالظلال دون الترفه بما يلاقي جسده، فجاز أن يفرق بينهما، كما أن الاستمتاع بالوطء في الفرج أبلغ منه دون الفرج، فاعتبرنا الإنزال فيما دون الفرج في الفساد والفدية، ولم نعتبره في الفرج لقوته.
وفيما ذكرنا على أبي حنيفة دلالة على مالك.

72 -

مسألة

إذا دهن المحرم بزيت، أو شيرج، فلا فدية عليه في أصح الروايتين، وسواء في ذلك استعماله في رأسه، أو بدنه:

قال في رواية الأثرم - وقد سئل عن المحرم يدهن بالزيت والشيرج - قال: نعم، يدهن به إذا احتاج إليه.
وظاهر هذا: أنه لا فدية عليه؛ لأنه أباح استعماله.

وفيه رواية أخرى: عليه دم.
قال في رواية أبي داود: الزيت الذي يؤكل لا يدهن به المحرم رأسه، فذكرت له حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ادهن بزيت غير مقتت، فسمعته يقول: الأشعث الأغبر.
وظاهر هذا: أن فيه الفدية؛ لأنه منع منه، وهو اختيار الخرقي، وقد يحتمل أن يكون منع منه على طريق الكراهية من غير فدية.
وقال أبو حنيفة: عليه الفدية.
وقال الشافعي: إذا دهن به رأسه أو وجهه، فعليه الفدية، وإن دهن به سائر بدنه لم يجب عليه شيء.
والرواية الأولى: ما روى أحمد في "المسند" قال: ثنا روح، قال: ثنا حماد، عن فرقد السبخي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ادهن بزيت غير مقتت، وهو محرم.
قال أبو عبيد: يعني: غير مطيب، والمقتت الذي فيه الرياحين، يطبخ بها الزيت حتى تطيب، ويتعالج به من الرياح.
فإن قيل: يجوز أن يكون ادهن بعد الحلق، وقبل الطواف.

قيل له: إذا رمى فقد تحلل، ولا يسمى محرماً على الإطلاق.
ولأنه في هذا الوقت كان يتطيب بأطيب الطيب، وهو المسك، وقد روته عائشة رضي الله عنها، فلا معنى لتخصيص الزيت، واستثنى الذي ليس بمطيب في هذا الوقت، فلم يجز حمل الخبر عليه.
والقياس أنه ليس عليه رائحة مستطابة، فلم يكن من الطيب، أو نقول: فلم تجب به فدية.
دليله: السمن والزبد.
ولأنه لو استعمله في بعض عضو كامل لم يجب به الدم.
دليله: ما ذكرنا.
واحتج المخالف بان الزيت والشيرج، كما أصل الأدهان التي هي الطيب، ومعلوم أن الدهن لم يكتسب من هذه الأشياء إلا الرائحة؛ لأن جرم البنفسج والورد غير قائم فيه، ولا مخالط له، ووجدنا الرائحة بانفرادها لا حكم لها في الأصول، ولا تتعلق بها وجوب الكفارة، ألا ترى أنه لو لبس ثوباً مبخراً بند أو عود، لم يلزمه شيء؟ فلما اتفقوا على أنه يجب في دهن البنفسج والورد دم، علم أنه إنما يجب لأن الشيرج الذي هو أصله في نفسه طيب.
ويدل على أنه طيب ما روي عن علي: أنه كان إذا أراد أن يحرم ادهن من دبة زيت.
وهذا يدل على أنه طيب؛ لأنه كان يستعمله على وجه التطيب

الذي ندب إليه لأجل إحرامه.
والجواب: أن قولهم: (إنه لم يكتسب من تلك الأشياء إلا الرائحة، والرائحة بانفرادها لا تجب بها الفدية) غير مسلم؛ لأن المقصود من الطيب ريحته دون جرمه، وغاية الطيب هو الشم، فإذا كان كذلك لم يكن فرق بين ما طيب برائحته من غير جرمه، وبين ما خلط بجرم الطيب.
وما ذكروه من الثوب المبخر فإن الفدية تجب [فيه] به.
وما ذكروه من حديث علي فيحتمل أن يكون قصد بذلك التداوي؛ لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يبارك في الزيت، لا أنه على وجه الطيب.

  • فصل: والدلالة على الشافعي: أنه لو دهن به بدنه لم يجب به دم، كذلك إذا دهن به رأسه ووجهه.
    دليله: السمن والزبد.
    ولأنه عضو لو دهنه بالسمن والبزر، لم يجب به الدم، كذلك إذا دهنه بالزيت والشيرج، كالبدن.
    ولأن الرأس موضع [من] بدنه، فإذا دهنه بالزيت والشيرج لم يلزمه دم.

دليله: سائر البدن.
ولأن حكم الرأس والجسد سواء فيما يرجع إلى تغطيته وطيبه، وكان يجب مثله هاهنا.
فإن قيل: إنما يقصد باستعمال الشيرج في الرأس والوجه تحسين الشعر وترجيله وإزالة الشعث عنه، فلهذا وجب فيه دم، وليس كذلك سائر البدن؛ لأن هذا المعنى معدوم فيه.
قيل له: إذا استعمل الماء في رأسه ووجهه، فإنه يقصد به إزالة الشعث وتحسين الشعر، ومع هذا لا يجب فيه شيء.
على أنه يجوز [أن يقصد] باستعمال الشيرج في سائر بدنه إزالة القشف والشعث، كما يقصد باستعماله في رأسه ووجهه.

73 -

مسألة

إذا لبس المحرم ثوباً مصبوغاً بعصفر جاز له ذلك، ولا فدية عليه:

نص عليه في رواية حنبل، فقال: لا بأس أن يلبس المحرم الثوب المصبوغ ما لم يمسه روس، ولا زعفران، وإن كان غير ذلك فلا بأس، ولا بأس أن تلبس المحرمة الحلي والمعصفر.

وكذلك نقل الفضل بن زياد عنه: لا بأس أن تلبس المرأة الحلي والمعصفر من الثياب، ولا تلبس ما مسه الورس والزعفران.
وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: يمنع من لبسه، وإن لبسه - هو ينفض - فعليه الفدية.
دليلنا: ما روى أبو داود قال: ثنا ابن حنبل قال: ثنا يعقوب قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق قال: فإن نافعاً مولى عبد الله بن عمر حدثني عن عبد الله بن عمر: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما شاءت من ألوان الثياب من معصفر، أو خز، أو حلي، أو سراويل، أو قميص، أو خف.
هذا نص.
فإن قيل: يحمل هذا عليه إذا كان لا ينفض.
قيل له: لو كان كذلك لم يفرق بين المصبوغ بالورس والزعفران وبين المصبوغ بالعصفر، ولما فرق بينهما دل على أن المعصفر مباح على الإطلاق.
وعلى أن الإباحة عامة، فمن خصها فعليه الدليل.

ولأنه إجماع الصحابة؛ روي ذلك عن علي، وابن عمر، وجابر، وعائشة: فروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي جعفر: أن عمر رأى على عقيل ثوبين موردين، وهو محرم، فقال له عمر: إن هذا لا يصلح، فقال له علي: إنا أهل بيت لا يعلمنا أحد بالسنة.
وفي لفظ آخر: قال عمر: ما هذا؟ قال علي: ما إخال لأحد يعلمنا بالسنة.
وروى بإسناده عن أبي هريرة: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه خرج حاجاً، ومعه علي، قال: وجاء محمد بن جعفر، وقد كان دخل بأهله في تلك الليلة، فلحقهم بليل، فجاء وعليه معصفرة، فلما رآه عثمان انتهره، وأفف به قال: أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المعصفر؟ فقال له علي: إنه لم ينهك، ولا إياه، وإنما نهاني.
فإن قيل: فلا حجة في هذا؛ لأن عمر وعثمان خالفاه.
قيل له: لم ينكر عمر ذلك إلا مخافة أن يرى الجاهل ذلك، فيظن أن جميع الصبغ واحد، وأن ثياب الطيب يجوز لبسها في الإحرام، ألا ترى أنه سكت عنهما، وأقرهما على لبسه؟ ولو كان عنده حراماً لما سكت، ولا أقر على ذلك.
والذي يبين صحة هذا؛ أن إنكاره إنما كان على هذا الوجه لا غير:

ما رواه النجاد بإسناده عن نافع: أن عمر رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبين مصبوغين بمشق، وهو محرم، فقال: ما هذا الثوب؟ فقال: هذا ما ترى مصبوغين بمشق، فقال: إنكم أئمة ينظر إليكم، فعليكم بهذا البياض، ويراكم الرجل فيقول: رأيت على رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين مصبوغين!.
وهذا يدل على ما قلناه.
وأيضا [ما] روى النجاد بإسناده عن أبي الزبير قال: كنت مع ابن عمر، فأتاه رجل عليه ثوبان معصفران، وهو محرم، فقال: في هذين علي بأس؟ قال: فيهما طيب، قال: لا، قال: لا بأس.
وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن نافع قال: كن - نساء ابن عمر وبناته - يلبسن الحلي المعصفرات وهن محرمات، لا ينكر ذلك عبد الله.
فإن قيل: فقد روى النجاد بإسناده عن نافع: أن ابن عمر كان يكره المعصفر للمحرم.
قيل له: قد نقلنا عنه ما يدل على إباحته، ويحتمل أن يكون كره ذلك

مخافة أن يراه الجاهل، فيظن جواز سائر الأصباغ مما فيها طيب وغيره.
وأيضاً روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي الزبير، عن جابر قال: إذا لم يكن في الثوب المعصفر طيب، فلا بأس به للمحرم أن يلبسه.
وأيضاً روى أبو بكرة بن جعفر بإسناده عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: أن عائشة كانت تلبس المعصفر وهي محرمة.
فإن قيل: فقد روى أبو بكر بإسناده عن الأسود، عن عائشة قالت: تلبس المحرمة ما شاءت إلا البرقع، وتلبس ما شاءت إلا المتورد بالمعصفر.
وروى النجاد بإسناده عن إبراهيم، عن عائشة: أنها كانت تكره الثوب المصبوغ بالزعفران والمشبعة بالعصفر للرجال والنساء، إلا أن يكون ثوباً غسيلاً.
قيل له: تحمل كراهتها لئلا يظن الجاهل أن جميع الأصباغ التي فيها الطيب يجوز لبسها.
وروى حنبل في "مسائله" قال: ثنا أبو عبد الله قال: ثنا روح قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن عائشة بنت سعد قالت: كن - أزواج النبي صلى الله عليه وسلم -

يحرمن في المعصفرات.
والقياس أن كل ثوب يجوز للمحرم لبسه إذا لم ينفض، جاز لبسه وإن كان ينفض عليه.
أصله: المصبوغ بالسواد والكحلي وسائر الأصباغ.
وإن شئت قلت: كلما لا تجب به الفدية إذا كان لا ينفض، لا تجب به وإن كان ينفض.
دليله: ما ذكرنا.
ولأنه لبس ثوباً معصفراً فأشبه إذا كان لا ينفض.
فإن قيل: إذا كان ينفض وصل جرم الطيب، وهو المعصفر إلى جسمه، وليس كذلك إذا لم ينفض؛ فإنه لا يصل إلى جسمه جرمه، ولا يعلق بيديه شيء منه.
قيل له: ما يصل إلى جسمه، وما يصل إلى ثوبه سواء في التطيب في العادة؛ لأنه قد جرت العادة: أن الناس يطيبون ثيابهم، كما يطيبون أبدانهم.
ولأن الإحرام بالصلاة لما أوجب إزالة النجاسة عن بدنه، أوجب إزالتها عن ثوبه، كذلك الإحرام بالحج والعمرة لما أوجب إزالة الطيب عن بدنه، وجب أن يوجب إزالته عن ثوبه.

فإن قيل: إذا لم ينفض فليس هناك إلا اللون، واللون بانفراده لا حكم له، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء: "اغسليه، ولا يضرك أثره"، فأمر بإزالة أجزاء الدم، وأسقط حكم اللون.
قيل له: لا نسلم أن هاهنا اللون فقط، بل اللون والرائحة، وللرائحة تأثير في إيجاب الفدية كالطيب، فلما لم تجب الفدية بهذا إذا لم ينفض، لم تجب وإن نفض.
وأما النجاسة فيجوز أن يقال: عفي عن لونها للمشقة، ولا مشقة هاهنا.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن لبس المعصفر في الإحرام.
والجواب: أن هذا - إن ثبت - فقد روينا عن علي: أنه قال: لم ينهك، ولا إياه، إنما نهاني.
فيحمل النهي إليه خاصاً.
وعلى أنا نحمله على الاستحباب؛ لأن المستحب لبس البياض في الإحرام.
واحتج بأن المعصفر صبغ له رائحة مستلذة، فأشبه الزعفران والورس.

والجواب: أن قوله: (صبغ) لا تأثير له؛ لأن الصبغ وغيره - مما له رائحة تستلذ كالكافور والعود والعنبر وغير ذلك - سواء في المنع، وإيجاب الفدية، وإذا وجب حذف هذا الوصف انتقض بكل ما له رائحة تستلذ، كالتفاح والسفرجل والخوخ والشيح والقيصوم.
وعلى أنا لا نسلم الوصف؛ لأن القصد من العصفر اللون دون الرائحة؛ لأن رائحته غير مستلذة.
ثم المعنى في تلك الأشياء: أنها طيب، فلهذا منع منها، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه ليس بطيب.
ولأنه [إذا] لم ينفض لم تجب به فدية، فلهذا لم تجب به - وإن نفض - كالسواد.

74 -

مسألة

إذا خضب المحرم لحيته بالحناء، أو يديه، أو رجليه، فلا فدية عليه، كالمعصفر:

وقد قال أحمد في رواية الميموني: الحناء مثل الزينة، ومن يرخص في الريحان يرخص فيه.
وقال - أيضاً - في رواية محمد بن حرب، وقد سئل عن الخضاب للمحرم، فقال: ليس بمنزلة طيب، ولكنه زينة، وقد كره الزينة عطاء للمحرم.

وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: عليه الفدية.
دليلنا: ما روى ابن المنذر بإسناده في كتابه عن عكرمة: أن عائشة وأزواج النبي صل الله عليه وسلم كن يخضبن بالحناء، وهن حرم.
فإن قيل: يحتمل أن يكون بعد التحلل الأول.
قيل له: قد أجبنا عن هذا فيما تقدم، وأن ذلك لا يقع عليه اسم المحرم على الإطلاق.
ولأن في تلك الحال يجوز استعمال الطيب، فلا معنى لتخصيص الحناء بذلك.
ولأنه يقصد لونه دون رائحته في العادة، فأشبه الوشمة- وهي خضاب يصبغ به- والسواد والنيل.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صل الله عليه وسلم: أنه نهى المعتدة أن تختضب بالحناء، وقال: "الحناء طيب ".

وإذا ثبت أنه طيب وجبت فيه الفدية.
والجواب: أن هذا من النبي صل الله عليه وسلم على وجه الزينة، لا أنه طيب في الحقيقة، فمنعت منه لأجل الزينة.
واحتج بأن له رائحة مستلذة، فوجبت الفدية باستعماله في بدنه، كالزعفران، وماء الورد، والمسك.
والجواب: أنه ينتفض بالتفاح والسفرجل والخوخ وسائر الرياحين.
وعلى أن المعنى في الورس والزعفران: أنه تقصد رائحتهما، وهما طيب في العادة، والحناء يقصد لونه دون رائحته، فبان الفرق بينهما.

75 -

مسألة

فإن لبس ثوبًا مبخرًا بعود أو ند فعليه الفدية:

وقد قال أحمد في رواية أحمد بن نصر في المحرم يشم الطيب: عليه الكفارة.
وقال في رواية ابن إبراهيم: لا يلبس ثوبًا فيه طيب.
وقال في رواية ابن قاسم- وقد سئل عن المحرم يفترش الفراش والثوب المطيب- فقال: هو بمنزلة ما يلبس.

وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه، ويجوز عنده لبس الثوب المطيب والنوم عليه إذا كان جافًا لا ينتفض عليه، وإن كان على ظاهر الثوب طيب- وليس على ما يلي بدنه طيب- جاز لبسه.
دليلنا: ما تقدم من حديث ابن عمر: أنه سأل رسول الله صل الله عليه وسلم: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: "لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا السراويل، ولا البرنس، ولا ثوبًا مسه الورس ولا الزعفران ". وفي لفظ آخر: نهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مسه الورس والزعفران من الثياب.
وإذا ثبت تحريم لبس الثوب الذي مس الورس والزعفران، فالثوب المصبوغ بهما- أو بغيرهما من الطيب- أولى بالتحريم.
والقياس أنـ[ـه] يعد طيبًا في العادة، فوجب أن يكون محرمًا تتعلق به الفدية قياسًا على استعمال الغالية.
ولأن المقصد من الطيب رائحته لا لعينه، ألا ترى أنه إذا استعمل ماء الورد- وقد ذهبت رائحته- لم تلزمه الفدية؟ فإذا كان كذلك، وجب أن تجزئه الفدية في مسألتنا.

فإن قيل: يبطل بالجلوس في العطارين.
قيل له: ذلك لا يسمى متطيبًا في العادة.
واحتج المخالف بأنه غير مستعمل لجرم الطيب، وإنما تختلف الروائح فقط، والرائحة بانفرادها لا حكم لها؛ لأنه لو جلس في العطارين، أو في الكعبة وهي تجمر، فشم روائح الطيب لم يلزمه شيء.
والجواب: أن دخان العود والند جسم، والزعفران والعنبر والكافور جسم، فاستعماله استعمال لجسم الطيب.
وعلى أنا قد بينا: أن الاعتبار بالرائحة دون جسم الطيب بدليل ماء الورد إذا ذهب ريحه.
وأما إذا جلس في العطارين أو إلى الكعبة، واعتمد شم الروائح، فإن أحمد قد أطلق القول في رواية ابن القاسم، فقال في المحرم يشم الطيب: عليه كفارة.
وقال- أيضًا- في رواية ابن القاسم في الرجل يحمل معه الطيب، وهو محرم: كيف يجوز هذا؟ وعطاء يقول: إن تعتمد شمه فعليه الفدية.
قيل له: يحمله للتجارة؟ فقال: لا يصلح إلا أن يكون فيما [لا] ريح له.
وهذا يقتضي وجوب الكفارة.
وإن شيخنا يقول: لا فدية عليه في ذلك؛ لأنه لا يسمى متطيبًا في

العادة، وليس كذلك إذا تبخر بالعادة؛ فإنه متطيب في العادة، فلهذا فرقنا بينهما.

76 -

مسألة

إذا شم المحرم شيئًا من الرياحين لم يلزمه شيء في إحدى الروايتين:

رواها جعفر بن محمد عنه فقال: المحرم يشم الريحان، ليس هو من الطيب، ورخص فيه.
وكذلك نقل ابن منصور عنه في المحرم: يشم الريحان، وينظر في المرآة.
وكذلك نقل حرب عنه قال: أما الطيب فلا تقربه، والريحان ليس مثل الطيب.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وفيه رواية أخرى: فيه الفدية.
قال في رواية أبي طالب والأثرم: لا يشم المحرم الريحان، كرهه ابن عمر، ليس هو من آلة المحرم.
والروايتان فيما يتخذ منه الطيب مثل البنفسج، والورد، والقيصوم،

والياسمين، وهو الذي يتخذ منه الزنبق، والخيري، وهو المنثور، وفيما لا يتخذ منه كالريحان الفارسي، والثمام، والبرم، والنرجس، والمرزيكوش، ففي الجميع روايتان على ظاهر كلام أحمد.
وهو قول شيخنا أبي عبد الله.
وقد قال أحمد في رواية المروذي وابن إبراهيم- وقد سئل عن الريحان والبقول للمحرم- فقال: ما زرعته أنت فلا بأس، وما نبت فلا.
وهذا يقتضي أن جميع ما ينبته يجوز شمه، وامتنع مما ينبت لنفسه؛ لأن جنس الحرم يمنع من أخذه.
ويحتمل أن يكون المذهب رواية واحدة: لا كفارة عليه، ويكون قوله: (ليس من آلة المحرم) على طريق الكراهة دون التحريم.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه بشم شيء من الرياحين فدية.
وللشافعي في شم الريحان الذي لا يتخذ منه الطيب قولان: أصحهما: أن عليه الفدية.
دليلنا: ما رواه أبو بكر، عن عثمان بن عفان: أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "المحرم يدخل البستان، ويشم الريحان ".

ولأن من شم شيئًا من هذه الأشياء لا يسمى متطيبًا في العادة، فلم تجب به الفدية، كما لو شم الفاكهة التي لها رائحة طيبة كالأترج، والتفاح، والسفرجل، ونحو ذلك.
ولأنه لو شمه ناسيًا لم تلزمه الفدية، كذلك إذا تعمد شم الأترج والتفاح ونحو ذلك.
أو نقول: إنه لا يتخذ منه الطيب، أشبه ما ذكرنا.
وفيه احتراز من الورد، والبنفسج؛ لأنه يتخذ منه الطيب، وهذه العلة أجود مما قبلها.
واحتج المخالف بما روى الشافعي بإسناده عن جابر: أنه سئل عن المحرم: يشم الريحان؟ فقال: لا.
وروى ابن المنذر، عن جابر قال: لا يشم المحرم الريحان، ولا الطيب.
وروى- أيضًا- عن عمر: أنه كان يكره شم الريحان للمحرم.
وقد روى الأثرم ذلك.

والجواب: أنه يعارض هذا ما روى حمران بن أبان، عن أبان بن عثمان بن عفان: أنه سئل عن المحرم: يدخل البستان؟ قال: نعم، ويشم الريحان.
وروى ابن المنذر عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه كان لا يرى بأسًا للمحرم [أن] يشم الريحان.
وإذا اختلفوا لم يمكن ترجيح قول بعضهم على بعض.
واحتج بأن الشم تطيب في العادة، فجاز أن تجب به الفدية، كاستعمال الغالية، وشم الزعفران، والورس، والمسك.
والجواب: أنا نقول بموجب هذا، وأنه تجب بالشم فدية إذا كان للطيب مثل الزعفران، والمسك، ونحو ذلك، وما اختلفنا فيه ليس بطيب في العادة، فهو كالفواكه الطيبة الرائحة.

77 -

مسألة

إذا حلق المحرم ثلاث شعرات من رأسه- أو قصر- قبل أن يحل له ذلك، فعليه دم في أصح الروايتين:

رواها حنبل عنه فقال: إذا نتف المحرم ثلاث شعرات أهراق لهن

دمًا، فإذا كانت شعرة، أو اثنتين كان فيهما قبضة من طعام.
وبهذا قال الشافعي.
وفيه رواية أخرى: في أربع شعرات فصاعدًا دم، فأما الثلاث فما دون فلا دم في رواية المروذي وابن إبراهيم وابن منصور: فقال في رواية المروذي: كان عطاء يقول: إذا نتف ثلاث شعرات فعليه دم، وكان ابن عيينه يستكثر الدم في ثلاث، ولست أوقت، فإذا نتف متعمدًا أكثر من ثلاث شعرات فعليه دم، والناسي والمعتمد سواء.
قال أبو حنيفة: إذا حلق أو قصر ربع رأسه فعليه دم، وإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة.
وقال مالك: إن حلق أو نتف مقدارًا يماط به الأذى فعليه دم من غير تقدير ثلاث أو أربع.
وجه الرواية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ﴾ [البقرة: 196]. وتقديره: فحلق، ففدية، ومن حلق ثلاث شعرات يسمى حالقًا.
ولأنه محرم حلق من شعره عددًا يقع عليه اسم الجمع المطلق لم يلجئه الشعر إليه، أشبه إذا حلق ربعه، أو حلق ما يماط به الأذى.
وفيه احتراز من شعر الحلال، ومن شعر البهيمة؛ لقولنا: من شعره.

وفيه احتراز مما دون الثلاث؛ لقولنا: الجمع المطلق.
وفيه احتراز منه إذا نتف شعرًا يؤذيه؛ لأنه ألجأه.
ولأنه إذا كان لابد من تقديره بالثلاث أولى من الربع، لأن الربع لم يقدر به في شيء من الشريعة، والثلاث قد قدرت بها أحكام كثيرة مثل المسح، وخيار الشرط عندهم، وخيار المصراة عندنا، وصوم كفارة اليمين، وصوم المتمتع في الحج، وقال ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: 65].
واحتج المخالف بأنه حلق من رأسه أقل من الربع، أو قدرًا لا يماط به أذى، أشبه إذا حلق شعرة، أو شعرتين.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الثلاث بما دونها؛ لما بينا، وهو: أن الثلاث قد جعلت حدًا في الشريعة في أحكام كثيرة، وخولف بينها وبين ما دونها، والربع لم يثبت حدًا، فبطل ما ذكره.
وكذلك ما يماط به الأذى لم يتعلق به حد في الأصول، ألا ترى أنه لو غطى يسيرًا من رأسه افتدى؟ واحتج بأن القليل لا يوجب الدم، والكثير يوجبه، فلابد من حد فاصل بينهما، فيجب أن يكون ذلك الحد الربع؛ لأنا وجدنا الربع يقوم مقام الكل في كثير من المواضع، ألا ترى أن الرائي إذا رأى شخصًا يقول: رأيت فلانًا، وإنما رأى أحد جوانبه الأربع.
والجواب: أنا قد بينا: أن الربع لا يجوز أن يكون حدًا هاهنا؛ لأنه

لم يحد حدًا في بعض الأصول، وقد جعل الثلاث حدًا.
وما ذكروه من رؤية مقدم الإنسان فلا يصح؛ لأن الإنسان ليس بمربع، فيكون مقدمه ربعه، وإنما هو مسطح.
وعلى أنه إنما يقول: رأيته؛ إذا عرفه، لا لأجل أنه رأى ربعه، ومتى عرفه بجزء منه يقول: رأيت فلانًا، ورأسه أقل من الربع، وكذلك إذا رأى يده وعرفه بها، قال: رأيته، فبطل ما قاله.
واحتج مالك بأنه قدر لا يؤثر في إماطة الأذى، فلا يجب به الدم.
دليله: ما دون الثلاث.
والجواب عنه: ما تقدم من الفرق.
واحتج بعض أصحابنا بأنه حلق أقل من أربع شعرات، فلم يجب الدم، كما لو حلق شعرتين.
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج بأن ما يجزئ في مسح لا يجب به دم.
أصله: ما دون الثلاث.
والجواب: أنه لا يمتنع أن [لا] تتقدر الثلاث في المسح، وتتقدر في الحلق، كما لو يتقدر كشف الرأس بربعه، ويتقدر المسح بربعه عندهم.
والمعنى في الأصل: أنه لا يتناوله اسم الجمع، وهذا بخلافه.

78 -

مسألة

فإن حلق شعرة ففيها مد من طعام، وفي شعرتين مدان في أصح الروايات:

نص عليها في رواية أبي داود، فقال: إذا نتف شعرة أطعم مدًا.
وهو اختيار الخرقي.
والثانية: في شعرة قبضة من طعام.
نص عليها في رواية حنبل، فقال: في شعرة، أو شعرتين: قبضـ[ــه] من طعام، وفي ثلاثة دم.
وتتخرج رواية ثالثة: في كل شعرة درهم، أو نصف درهم، وفي الثلاث دم.
نص عليها في ليلة من ليالي منى في رواية إسحاق بن إبراهيم في الرجل يبيت من ليالي منى بمكة: يتصدق بدرهم، أو بنصف درهم.
وكذلك نقل أبو طالب عنه: من غلبته عينه تصدق بدرهم، أو بنصف درهم.
ولا تختلف الرواية: أنه لا يجب ثلث الدم.
واختلف قول الشافعي على ثلاثة أقوال: أحدها: يجب ثلث الدم.
والثاني: مد.

جارٍ التحميل