فإن قيل: فقد يحتاج في يوم النحر إلى أشياء تفتقر إلى الخطبة؛ لأن يوم الحج الأكبر، وفيه مناسك كثيرة بمنى، وخروجهم إلى مكة لطواف الزيارة والسعي بين الصفا والمروة، وعودهم إلى منى للمبيت غير أهل السقاية والرعاء ومن له عذر، وهذا يحتاج إلى خطبة مستأنفة.
قيل له: هذا يذكره في خطبة عرفة.
واحتج المخالف بما رواه أبو داود بإسناده عن الهرماس بن زياد الباهلي: أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يخطب الناس على ناقته العضباء يوم النحر بمنى.
وروى أبو داود بإسناده عن أبي أُمامة الباهلي أنه قال: سمعت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلّم يوم النحر بمنى.
وروى ابن جريج، عن أبي الزبير، عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، عن عمرو بن العاص: أن النبي صلى الله عليه وسلّم بينما هو يخطب يوم النحر إذ قام إليه رجل، فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، فذكر الحديث، وذكر الخطبة.
والجواب: أن تلك الخطبة لم تكن من أسباب الحج، ولم يذكر
فيها مناسك الحج، وإنما ذكر أحكاماً أخرى، وهي خطبة مشهورة.
فإن قيل: فهذا لا يدل على أنه لم تكن من خطب الحج، ألا ترى أن أبا داود روى بإسناده عن أبي جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أنه وصف حج النبي صلى الله عليه وسلّم، فذكر فيه: أنه خطب يوم عرفة، فقال في خطبته: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا.
ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب؛ كان مسترضعاً في بني سعد، فقتلته هُذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضعه ربا العباس بن عبد المطلب.
اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله".
وذكر كلاماً طويلاً لا يتعلق بالحج، ولم يدل على أن تلك الخطبة لم تكن من خطب الحج.
وقد ذكر في هذا ما يتعلق بمناسك الحج؛ فإنه قال فيما سُئل عنه: "لا حَرَجَ، لا حَرَجَ".
وقال: "أيها الناس! تعلموا مناسككم؛ فإنها من دينكم".
وقال فيها: "إذا رميتم وحلقتم وذبحتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء".
وغير ذلك.
قيل له: هذا الاحتمال موجود في خطبة عرفة أيضاً، وفي كل خطبة خطبها، وأنه يحتمل أن يكون لبيان حكم شرعي لا يتعلق بالحج، ولكن الإجماع حصل على أن خطبة عرفة كانت للحج.
واحتج بأنه يوم معين شُرع فيه ركن من أركان الحج، وهو طواف الزيارة، فوجب أن تكون الخطبة فيه مسنونة قياساً على يوم عرفة.
وفيه احتراز من اليوم الذي يحرم بالحج فيه؛ لأنه غير معين.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه من أيام الحج لم يخطب في الذي قبله، وهذا قد خطب في الذي قبله، فلم يخطب فيه.
ولأن يوم عرفة يختتص الرُّكن به، فقوي، وهذا اليوم لا يختص الرُّكن به، فضعف.
ولأن يوم النحر يُخطب فيه في سائر الأمصار؛ ليُعلم ما يُفعل فيه، ولم يحتج إعادة الخطبة.
قالوا: إذا سُنت الخطبة في يوم عرفة فلأن تُسن في يوم النحر أولى؛ لأن يوم النحر يوم الحج الأكبر، وأعمال المناسك فيه أكثر.
والجواب: أن هذا يوجب أن يكون يوم التروية أولى أن تُسنَّ
فيه الخطبة من اليوم الذي قبله؛ لما ذكرت.
......
136 -
مسألة
في النفر الأول خطبة مسنونة، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق:
وهو معنى قول أحمد في رواية ابن القاسم: يخطب بعد يوم النحر بيوم.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: ليس فيه خطبة مسنونة، وإنما الخطبة المسنونة اليوم الثاني من يوم النحر.
وهو قول مالك.
دليلنا: ما روى أبو داود في "سننه": أن النبي صلى الله عليه وسلّم خطب في أوسط أيام التشريق.
فإن قيل: ليس فيه بيان كيفية تلك الخطبة.
قيل له: ولأن الإمام يحتاج أن يعلم الناس أن من تعجل في ذلك اليوم، فلا إثم عليه، ومن تأخر، فلا إثم عليه، وأن من تأخر فعليه الرمي في اليوم الرابع.
فإن قيل: هذه الأحكام يذكرها في خطبته يوم الثاني من يوم النحر.
قيل له: في اليوم الثاني ليس عندنا خطبة.
وعلى أنه إن جاز أن يقال: يذكرها في خطبة اليوم الثاني، جاز أن يقال: يذكرها في خطبة يوم عرفة.
واحتج المخالف بأنه يوم أُبيح فيه للحاج النفر، فأشبه اليوم الأخير.
والجواب: أن اليوم الأخير لا حاجة به إلى الخطبة؛ لأنه لم يُشرع فيه، ولا بما بعده نسك، وليس كذلك في النفر الأول؛ لأن فيه نسكاً يحتاج إلى بيان من تعجل وتأخر، فلهذا أفرقنا بينهما.
......
137 -
مسألة
ليس في اليوم السابع خطبة:
وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية ابن القاسم؛ لأنه سأله: متى يخطب يوم عرفة، فقال: قبل صلاة الظهر، فقيل له: ثم يخطب في الحج؟ فقال: يخطب بعد يوم النحر.
وظاهر هذا: أنهما خطبتان في الحج؛ يوم عرفة ويوم النَّفر الأول.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: يخطب يوم السابع.
دليلنا: أنه يوم لم يُشرع فيه نسك من مناسك الحج، فلم تُشرع فيه الخطبة.
دليله: اليوم الأخير من أيام التشريق.
ولا يلزمه عليه يوم عرفة، ويوم النفر الأول؛ لأنه يوم شرع فيه النسك.
واحتج المخالف بما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلّم خطب الناس اليوم السابع من ذي الحجة، وأمرهم بالغدو إلى منى.
والجواب: أنه ليس فيه بيان الخطبة.
واحتج بأن هذا اليوم، وإن لم يكن فيه نسك؛ فإنه يخطب لما يعلمونه من اليوم الثامن، وهو يوم التروية؛ فإنه يأمرهم بالغدو إلى منى محرمين، وأن يوفوا منى قبل صلاة الظهر، فيصلون الظهر فيها مع الإمام، ويصلون العصر في وقتها، والمغرب في وقتها، والعشاء الآخرة في وقتها، والصبح في الغد في وقتها، فإذا طلعت الشمس رحلوا إلى عرفة في أول بزوغها، فهو كيوم عرفة، يبين لهم ما يفعلون في يومهم؛ لأن في مناسك كثيرة، ويبين لهم رجوعه من عرفة، ومبيتهم بالمزدلفة، وجمعهم بين المغرب والعشاء الآخرة، ووقوفهم على قرح إذا أصبحوا، ودفعهم الإمام منها إذا اشتد النهار قبل طلوع الشمس إلى أن يوافوا منى.
والجواب: أن هذه الأشياء ليست مناسك في أنفسها، ولا هي مقصودة، فلم تشرع الخطبة لبيانها، وتفارق الخطبة في يوم عرفة ويوم النفر الأول؛ لأنها تتضمن بيان أشياء مقصودة؛ إما أركان، أو واجبات يأثم بتركها.
ويجبرها الدم.
......
138 -
مسألة
إذا ترك المبيت بمنى الليالي الثلاث من غير عُذر فقد أساء، وهل يجب عليه الدم، أم لا؟
قال أبو بكر في كتاب "الشافي": فيه ثلاث روايات:
أحدها: عليه دم.
رواها حنبل عن أحمد أنه قال: ولا يبيت أحد ليالي منى من وراء العقبة، ومن وراء البيت رجع من ساعته، فمن بات فعليه دم.
وقد نص -أيضاً- في رواية الجماعة: إذا ترك المبيت بالمزدلفة فعليه دم، والحكم فيهما واحد.
وبهذا قال مالك.
وفيه رواية أخرى: لا دم عليه، ولا صدقة.
نص عليه في رواية المروذي: من بات بمكة ليالى منى يتصدق بشيء، وإن بات من غير عُذر أرجو أن لا يكون عليه شيء.
وهو اختيار أبي بكر، وبه قال أبو حنيفة.
وفيه رواية ثالثة: عليه صدقة قدرها درهم، أو نصف درهم.
نص عليه في رواية أبي طالب وابن إبراهيم: لا يبيت أحد بمكة ليالى منى، فمن غلبته عينه فليتصدق بدرهم، أو بنصف درهم، كذا قال عطاء.
وقال -أيضاً- في رواية حرب في الرجل يبيت من وراء العقبة ليالى منى، قال: يتصدق بشيء.
وقال في رواية الأثرم: فمن جاء للزيارة فبات بمكة يعجبني أن يطعم شيئاً، وخففه بعضهم بقول: ليس عليه شيء، وإبراهيم يقول: عليه دم، وضحك، وقال: الدم شديد.
وكذلك نقل محمد بن عبده.
وللشافعي قولان:
أحدهما: عليه دم، وهو أصح.
والثاني: لا دم عليه.
وجه الرواية الأولى -وأنه يجب الدم خلافاً لأبي حنيفة ومن وافقه-: ماروى عبد الله بن عمر: أن العباس بن عبد المطلب استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلّم يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له.
فدل على أنه ليس لسائر الناس ترك المبيت، ولا الترخص بذلك،
وإذا لم يجز تركه ثبت وجوبه، ووجوب الدم لتركه لقوله عليه السلام: "من ترك نُسكاً فعليه دم".
فإن قيل: نحن نقول: ليس لأحد أن يترخص بغير عذر، وتاركه مسيء.
قيل: إذا ثبت أنه ليس لأحد تركه لغير عذر ثبت وجوبه، وعندك أنه لا يجب.
فإن قيل: قد يجوز لغير العباس تركه عندك، وهم الرعاة ومن له عذر.
قيل له: لأنه في معنى العباس من جهة العذر، فلهذا جاز له تركه.
ولأنه نسك يفعل بعد كمال التحلل، وكان واجباً يجب بتركه دم.
دليله: الرمي والطواف والوداع.
فإن قيل: طواف الوداع نسك في نفسه، وهذا ليس بنسك في نفسه.
قيل له: الرمي بنسك في نفسه، ومع هذا فهو واجب، ويجب بتركه دم.
ولأنه مبيت مأمور به بعد الوقوف، وكان واجباً.
دليله: ليلة لمزدلفة؛ فإنها تجب رواية واحدة.
فإن قيل: تلك مقصودة لفعل نسك، وهو الجمع بين المغرب والعشاء، وهذا معدوم في ليالي منى.
قيل: الجمع عندنا لا يُفعل للنسك، وإنما يفعل لأجل السفر.
واحتج المخالف بأن البيتوتة بمنى ليست نسكاً في نفسها، وإنما تراد للتأهب لغيرها، وهو الرمي بالنهار، فصار كالبيتوتة بها ليلة عرفة؛ لما أُريدت للتأهب لغيرها، وهو الخروج إلى عرفات بالنهار، لم يجب بتركها شيء، كذلك هاهنا.
والجواب: أن قوله: (البيتوتة ليست بنسك في نفسها) غير صحيح، بل هي مقصودة في نفسها بدليل أن العباس بن عبد المطلب استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يبيت بمكة ليال منى لأجل سقايته، فأذن له، فلو لم تكن مقصودة لم يستأذن فيها، ولم يخصها بالذكر.
وعلى أن الرمي بعد الزوال لا تعلق له بالبيتوتة، ولا تفتقر إليه، ويفارق هذا المبيت ليلة عرفة؛ لأن ذلك ليس بنسك، وإنما هو استراحة، ولهذا الناس بين بائت بمكة في هذه الليلة، وليس كذلك هاهنا؛ لأن هذا نسك يُفعل بعد كمال التحلل، فهو كالرمي والطواف.
فإن قيل: والدلالة على أنها مأمور بها لأجل الرمي بالنهار: أنها
تسقط بالفراغ من الرمي، وهو ترك الكون بها بالليل.
قيل له: يجوز أن يُقال: إن الكون بها نهاراً وقت الرمي يُراد للتأهب للرمي، فإذا فرغ منه سقط الكون بها بقية النهار، فأما الليل فلا تعلق له بالرمي؛ لأن التأهب للرمي لا يحصل فيه.
يبين صحة هذا: أنه يُكره له ترك الكون بها نهاراً بعد الرمي.
واحتج بأنه لما رُخص للرعاة وأهل السقاية ترك المبيت بها، عُلم أن تركه للعذر ولغير العذر لا يوجب شيئاً.
والجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلّم رخص للحائض في ترك طواف الصدر، ورخص لضعفة أهله في الدفع من المزدلفة، ولم يدل ذلك على جواز الرخصة لغيرهم، كذلك هاهنا.
فصل:
فإن ترك ليلة من ليالي منى ففيها روايات:
أحدها: في ليلة مُدٌّ، وفي ليلتين مُدَّان.
والثانية: في ليلة قبضة من طعام، وفي ليلتين قبضتان.
وهاتان الروايتان نص عليهما في حلق الشعر.
والثالثة: في ليلة درهم، أو نصف درهم، وكذلك في الليلة الثانية.
نص عليه ذلك في رواية إسحاق بن إبراهيم.
ولا تختلف الرواية أنه لا يجب في ليلة دم، وقد نص في رواية الجماعة في ليلة المزدلفة، وكان الفرق بينهما: أن ليلة المزدلفة نسك
بانفرادها، وليالي منى جميعاً نسك واحد، فلا يجب في بعضها ما يجب في جميعها، كما قلنا في ترك حصاة وحصاتين، والكلام في هذا قريب من الكلام في ترك حصاة وحلق شعر، وقد مضى.
ونقل الأثرم عنه في رجل جاء للزيارة، فبات بمكة: يعجبني أن يطعم شيئاً، وقال إبراهيم: عليه دم، وضحك، وقال: دم شدَّد فيه، يطعم شيئاً؛ تمراً أو نحوه.
فقد نص على إسقاط الدم في ليلة.
ونقل ابن منصور عنه: من بات دون منى ليلة يطعم شيئاً.
......
139 -
مسألة
طواف الصدر واجب، وتركه لغير عذر يوجب دماً:
نص عليه في رواية ابن منصور وابن إبراهيم وأبو طالب والأثرم والمروذي وحرب وأبو داود:
فقال في رواية ابن منصور فيمن نفر، ولم يودع البيت: فإذا تباعد فعليه دم، وإذا كان قريبا رجع.
وكذلك نقل ابن إبراهيم: إذا نسى الرجل طواف الصدر، وتباعد بقدر ما تُقصر فيه الصلاة، فعليه دم.
وكذلك نقل الأثرم عنه في من ترك طواف الصدر: عليه دم.
وكذلك نقل المروذي عنه في من نسى طواف الوداع: عليه دم، فإن كان بالقرب فليرجع.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال مالك: ليس بواجب.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: مثل قول مالك.
دليلنا: ما روى أبو بكر الأثرم بإسناده عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت".
وهذا أمر فاقتضى الوجوب.
وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلّم رخص للحائض في تركه، فلو لم يكن واجباً لما احتاجت إلى الرُّخصة في تركه، فروى الأثرم بإسناده عن ابن عباس قال: أُمر الناس أن يكون آخ عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض.
فإن قيل: ولو كان واجباً لما كان الحيض عذراً في سقوطه، كطواف الزيارة.
قيل له: الصلاة واجبة، وتسقط لأجل الحيض.
وأيضاً طواف الصدر نسك يُفعل بعد كمال التحلل، فوجب أن يجب بتركه دم، أو نقول: وكان واجباً، كالرمي في أيام منى.
ولأنه طواف شُرع بعد الوقوف فكان واجباً.
دليله: طواف الزيارة.
ولأن المناسك على ضربين:
منها ما لا يتعلق بالبيت، فيجب بتركه دم.
ومنها ما يتعلق بالبيت، فيجب -أيضاً- أن لا يجب بتركه دم.
واحتج المخالف بأنه لو كان واجباً يلزمه بتركه دم، لما اختلف المعذور وغيره، كاللباس.
والجواب: أن هذا لا ينفي وجوبه، ألا ترى أن الشافعي قد قال في المريض الذي لا يستطيع الرمي بنفسه: إذا أذن لغيره، فرمى عنه، أجزأه؟ ولو كان صحيحاً لم يجزئه، ولزمه الدم إذا ذهب الوقت، ففرَّق بين المعذور وبين غيره، ولم يدل ذلك على نفي وجوبه.
ولأن المناسك التي ليست بأركان إذا تركها لعذر لم يجب بتركها شيء.
واحتج بأن طواف لا يتعلق به تحلل، أو طواف ليس بركن في
الحج، فوجب أن لا يكون واجباً قياساً على طواف القدوم.
والجواب: أن طواف القدوم مشروع قبل التحلل، وطواف الصدر مشروع بعد التحلل، فهو كطواف الزيارة.
على أن محمد بن أبي حرب الجرجرائي نقل عن أحمد قال: الطواف ثلاثة واجبة: طواف القدوم، وطواف الزيارة، وطواف الصدر، أما طواف الزيارة فلا بد منه، فإذا تركه رجع معتمراً، وطواف الصدر إذا تباعد بعث بدم.
......
140 -
مسألة
إذا طاف للصدر، ثم أقام بعد ذلك لشراء حاجة، أو عيادة مريض ونحوه، لم يجزئه من طواف الصدر، وعليه أن يطوف حين يخرج:
نص عليه في رواية الأثرم وحرب:
فقال في رواية الأثرم في رجل ودع البيت، ثم تشاغل: فإذا كان قد جاوز الردم رجع، فودع.
أي: إذا جاوز الردم، ثم رجع في حاجة، فليودع.
وكذلك نقل حرب عنه: إذا فرغ، ثم بدت له حاجة، أراه قال: إذا جاوز الردم، ولا شيء عليه، وإن لم يجاوز أعاد.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يعيد، وإن أقام شهراً.
دليلنا: ما تقدم من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت".
وهذا يقتضي أن آخر شغله بمكة يكون الطواف بالبيت، وإن أقام لقضاء حوائجه وأشغاله، وزيارة أصدقائه، لم يكن آخر عهده بالبيت.
فإن قيل: المراد بالخبر: أنه يختم مناسكه بالطواف، وقد وُجد ذلك منه.
قيل له: لا يصح هذا التأويل؛ لأنه قال: "حتى يكون آخر عهده بالبيت"، ولم يقل: آخر مناسكه بالبيت.
وأيضاً فإن هذا الطواف سُّمي طواف الصدر، وطواف الوداع، وإذا أقام بعده شهراً لم يوجد الاسم في العرف والعادة، فيجب أن لا يُعتد به.
فإن قيل: تأخيره لا يمنع وقوع الاسم، ألا ترى أن طواف الزيارة سُّمي طواف الإفاضة والزيارة، ثم لو أفاض ولم يطف حتى ترك مكة شهراً وأكثر، ثم طاف، وقع موقع الواجب، وإن زال الاسم عنه.
قيل له: حقيقة الاسم معتبرة في طواف الوداع بدليل أنه لو طاف
قبل النفر الثاني لم يعتد به، ولو طاف للزيارة قبل ذلك لاعتد به.
واحتج المخالف بأنه طاف بالبيت بعدما حل له النفر، فوجب أن يجزئه من طواف الصدر.
دليله: إذا خرج بعده.
والجواب: أنه إذا خرج بعده وُجد الاسم، وإذا أحدث مقاماً بعده زال عنه الاسم، فلهذا لم يعتد به.
واحتج بأن الطواف الذي فعله جائز بلا خلاف، ولا يخلو إما أن يكون تطوعاً أو الصدر؛ لأن طواف الصدر مستحق عليه في هذا الحال، ولا يقع عن تطوع، ويقع عن المستحق، كمن عليه طواف الزيارة لا يقع عن تطوع، ويقع عن المستحق.
والجواب: أنه يقع تطوعاً عندنا، وليس يمتنع مثل هذا على أصلنا؛ لأنه لو طاف بنية الوداع من لم يكن قد طاف للزيارة، لم يجزئه عندنا طواف الزيارة، وإن كان الفرض في ذمته، وكذلك لو طاف بنية التطوع، وعليه طواف الزيارة، لم يقع عن الفرض.
على أن قوله: (لا يكون تطوعاً؛ لأن طواف الصدر مستحق عليه) غير صحيح؛ لأنه إنما يستحق عند العزم على الخروج.
واحتج بأنه لو طاف بالبيت، ثم اشتغل بعده بإخراج رحله من منزله وشدِّه، أو اشترى بعده خبزاً يأكله في الطريق، لم يبطل الوداع، ولم يلزمه أن يعيد الطواف.
والجواب: أن أبا داود قال: قلت لأحمد: إذا ودع البيت، ثم نفر يشتري طعاماً يأكله؟ قال: لا، يقولون: حتى يجعل الردم وراء ظهره.
وقال -أيضاً- في رواية أبي طالب: إذا ودع لا يلتفت، فإن التفت رجع حتى يطوف بالبيت.
وظاهر هذا: أن فعل هذه الأشياء يمنع من الاعتداد بالطواف.
ولو سلمنا ذلك، فالمعنى فيه: أن هذا أُهبة الخروج والصدر، فلم يُبطل الطواف، ولأنه لم يحدث مقاماً، ولا مُكثاً، وهاهنا قد أحدث مقاماً، فلهذا فرقنا بينهما.
......
141 -
مسألة
والصبي له حج صحيح، فإن كان مميزاً، فأحرم بإذن الولي، صح إحرامه، وإن لم يكن مميزاً، فأحرم عنه الولي، صار محرماً بإحرامه، ويجتنب ما يجتنب المحرم، فإن فعل شيئاً من محظورات الإحرام لزمته الفدية:
نص عليه في مواضع:
فقال في رواية الأثرة في الصبي يُحج به: يجتنب ما يجتنب الكبير.
واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلّم: ألهذا حج؟ قال: "نعم".
وقال وفي رواية حنبل: إذا رمى عن الصغير أبوه، أو وليه، أجزأه ذلك، وكذلك المريض إذا لم يُطق.
وقال في رواية أبي طالب: الأخرس والمريض والصبي يُلبي عنهم.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يصح حج الصبي، وإن أصاب في إحرامه شيئاً قد حظره الإحرام، لم يلزمه شيء.
دليلنا: ما روى أحمد في "مسنده" بإسناده عن ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلّم بالروحاء، فلقى ركباً، فسلم عليهم، فقال: "من القوم؟ " قالوا: المسلمون، قالوا: فمن أنتم؟ قال: "رسول الله صلى الله عليه وسلّم" ففزعت امرأة، فأخذت بعضد صبي، فأخرجته من مِحفتها، فقالت: يا رسول الله! هل يصح لهذا حج؟ قال: "نعم، ولكِ أجر".
فأثبت له حجاً صحيحاً، فوجب أن تلزمه الفدية بالجنابات، كما تلزم غير الصبي.
فإن قيل: يحتمل أن يكون بالغاً، فسُمي صبياً لقرب عهده بالبلوغ.
قيل له: حقيقة اسم الصبي يقع على غير البالغ، فلا يجوز حمله على المجاز.
ولأن جواز حج البالغ كان مشهوراً معلوماً بينهم، ولهذا لم تسأل عن حج نفسها، ولا سأل أهل الرفقة عن حج أنفسهم.
وعلى أن البالغ لا يمكن رفعه بعضده، فلما قال الراوي: (رفعت صبياً من محفتها) دل على أنه صغير.
ولأن قولها: (ألهذا حج؟) محمول على أن المراد ألهذا تعلم أفعال الحج حتى يمرن عليها، ويعتادها، فقال صلى الله عليه وسلّم: "نعم".
قيل: لسنا نمع أن يحصل له التمرين ويعتاده، لكن الخبر يقتضي أن يكون له حج.
وأيضاً روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: "أيما صبي حج، ثم بلغ فعليه حج"، فأثبت له حجاً، وعندهم لا حج له.
والقياس أن من صح وُضوءه صح عقده الإحرام، كالبالغ.
فإن قيل: الوضوء لا يفتقر إلى النية، والحج يفتقر إلى النية، فلم يصح منه.
قيل له: الوضوء يفتقر عندنا إلى النية كالحج، فلا فرق بينهما.
ولأنه يصح إحرامه بالصلاة، فصح إحرامه بالنُّسك، كالبالغ.
فإن قيل: لا يصح إحرامه بالصلاة عندنا.
قيل له: يصح عندك؛ لأن أبا حنيفة قد قال في ثلاثة أنفس؛ أحدهم صبي: إذا صلوا جماعة كان الصبي والرجل صفاً خلف الإمام، فإن أوقف صبية بجنب رجل في الصف، ونوت صلاة الإمام، وأحرمت،
بطلت صلاة الرجل الذي بجنبها وخلفها.
فدل على أن صلاة الصبي صحيحة، وأن له موقفاً في الصف، ولو لم تكن له صلاة صحيحة لم يكن له موقف.
وقد قيل: إن كل من جُنب ما تجنبه المحرم كان إحرامه صحيحاً، كالبالغ إذا أغمي عليه؛ فإنه يُجنب ما تجنبه المحرم.
والقوم يمنعون من هذا، ويقولون: لا يُجب على طريق الوجوب، بل على وجه التمرين والتعليم.
ولأن الحج من فرائض الأعيان يجب بوجود مال، فجاز أن ينوب الولي عن المولى عنه.
دليله: زكاة الفطر.
فإن قيل: الأب لا يؤدي عنه أفعال الحج كما يؤدي صدقة الفطر، فكيف يجوز أن تعتبروا الإحرام بها؟
قيل له: يؤدي عنه ما يعجز عنه من أفعال الحج إذا كان طفلاً، فيحرم عنه، ويقف به، ويرمي، ويطوف به.
وأيضاً فإن أبا حنيفة قد قال: يجوز أن يصير المغمى عليه محرماً بإحرام يفعله غيره عنه.
فهلا جاز أن يصير الصبي محرماً بإحرام يفعله غيره؟
فإن قيل: المغمى عليه من أهل العبادات وحكم التكليف، فلم يجز أن يثبت له حكمُ الإحرام بفعل غيره.
قيل له: المغمى عليه غير مكلف عندك؛ لأنه لا يقضي ما تركه من الصلوات، فسقط هذا.
وعلى أنه لا يمتنع أن لا يكون مكلفاً، ويصح منه، كما صحت منه الطهارة، وتحريمة الصلاة، وكما صح منه الإسلام، وكما صحت من العبد والمرأة الجمعة.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم".
وفي إيجاب الفدية عن الصبي إثبات القلم عليه.
والجواب: أن هذا محمول على رفع المأثم، أو محمول على غير مسألتنا من العبادات بدليل ما ذكرنا.
واحتجَّ بأن الصبي لا يكون محرماً حقيقة؛ لأنه لو صح لوجب أن يلزمه الحج إذا وجد زاداً وراحلة كالبالغ، فلما لم يلزمه دل على أنه لا يصير محرماً، كالمجنون.
والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يلزمه الحجُّ إذا ملك زاداً وراحلة، ويصح منه فعل الحج بدليل أنه يصح وضوءه، ولا يجب عليه بوجود
الماء، وتصح من البالغ أكثر من حجة، ولا تجب عليه، كذلك هاهنا.
وأما المجنون ففرق بينه وبين الصبي بدليل أن لا تصح منه الطهارة، ولا موقف له في الصف، ولا حكم لقوله؛ لنه لا يُقبل إذنه في دخول الدار، ولا تُقبل الهدية من يده إذا قال: (هو رسول فلان)، والصبي بخلاف ذلك.
واحتج بأنه غير مكلف، فلم يصح إحرامه بالحج، كالمجنون.
والجواب: أنه يبطل بالمغمى عليه؛ فإنه غير مكلف عنده، ويصح عقدة الحج عنه عندهم.
وعلى أن عدم التكليف لا يمنع صحة العقد بدليل أنه يصح وضوءه وعقوده ووكالته، وإن كان غير مكلف، وتصح الجمعة من المرأة والعبد، وإن لم يكلفا فعلها.
ثم المعنى في المجنون ما ذكرنا.
واحتج بأن ما يوجبه الإنسان على نفسه من العبادات بالقول آكد مما يوجبه بالدخول فيه؛ لأن وجوبه بالدخول مختلف فيه، وبالقول متفق عليه، ثم لا خلاف أن الصبي لو أوجب الإحرام بالقول، وهو النذر، لم يجب، فالدخول فيه أولى أن لا يجب.
والجواب: أن نذره للوضوء لا يصح، وفعله له يصح، ونذر أهل الرفقة للمغمى عليه لا يصح، وعقدهم الإحرام عنه يصح.
ولأن المقصود بالنذر هو الوجوب واللزوم، والصبي ليس من أهل
الوجوب بدليل الصلاة والصيام، وليس كذلك العقد والدخول فيه؛ فإن المقصود به فعله، والصبي ممن يصح منه الفعل.
يبين صحة هذا: أن الوضوء يصح منه، ولا يجب عليه، فدل على الفرق بينهما.
واحتج بأنه لو صح إحرامه، لوجب أن يفسد بوطئه فيه، وإذا فسد أن يلزمه قضاؤه؛ لأنه ليس من أهل الوجوب.
والجواب: أنا نقول: إنه يفسد حجه؛ لأن أكثر ما فيه: أن عمد الصبي خطأ، ووطء الناسي والمخطئ عندنا يفسد الحج، والصبي كذلك.
وأما القضاء فيحتمل أن لا يجب؛ لأنه ليس من أهل الوجوب، وتجب الفدية في ماله، ويحتمل أن يجب القضاء؛ لأنه سبب من جهته، وإنما لا يجب عليه ابتداءً بالشرع، وهو أشبه بقول أحمد؛ لأنه قال في رواية أبي طالب في العبد يأذن سيدهن فيحج، فيطأ وهو محرم: فسد حجه، يتم على ما قبل، وعليه الحج متى قدر.
فقد أوجب عليه القضاء، وإن لم يكن من أهل الوجوب.
فعلى هذا: هل يلزمه القضاء في حال صغره، أم بعد بلوغه؟
يحتمل وجهين؛ أصحهما: أن يلزمه في حال صغره.
وأما الطيب واللباس وقتل الصيد:
فإن قلنا: لا تجب الفدية بفعله خطأ، وإنمات تجب بفعله عمداً، لم يلزمه الفدية؛ لأن عمد الصبي خطأ.
وإن قلنا: تجب الفدية بفعله خطأ، وجبت الفدية.
وهل تجب في ماله، أو في مال وليه؟ يحتمل أن تجب في مال وليه الذي أدخله فيه وعرضه للزومه.
والمنصوص عنه في رواية الأثرم: وقد سئل عن الصغير يُحج به، فيصيب صيداً: أيُجزى عنه؟ قال: نعم.
وكذلك نقل أبو الحارث عنه في صبي محرم أصاب صيداً: يجزي عنه وليه.
ونقل الميموني عنه في عبد قتل صيداً بعد أن أحرم: هل جزاؤه على مولاه: فقال: إن أذن له.
وهذا يقتضي أن لا يكون ذلك على الولي.
......
142 -
مسألة
إذا حج الولي بالصبي فقياس قول أحمد: أن النفقة في مال الصبي؛ لأنه قال: يضحي عنه الوصي من مال الصبي:
وقال مالك: إن كان للصبي من يحفظه ويكنفه، فالنفقة الزائدة على نفقة الحضر من مال الصبي.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل قول مالك.
والثاني: مثل قولنا.
دليله: أن هذا مما له فيه مصلحة؛ لأنه يعرف أفعال الحج، ويألفها، فهو كنفقة المعلم على الخط، وتعليم القرآن، وأجرة من يحمله إلى الجامع.
فإن قيل: مؤنة تلك الأشياء تقل، ومؤنة الحج تكثر.
قيل له: لا فرق عندك بين القريب من مكة والبعيد في ذلك.
فإن قيل: فلو لم يتشاغل بتعليم الطهارة والصلاة أدى ذلك إلى فواتها في كبره؛ لأنها تجب على الفور وجوباً مُضيقاً.
قيل له: وكذلك الحج عندنا يجب على الفور وجوبه مُضيقاً.
......
143 -
مسألة
إذا أُغمي على رجل من أهل الرفقة، فأحرم عنه رجل من أهل الرفقة، لم يصر محرماً، ولم ينعقد الإحرام:
نص على هذا في رواية إسحاق بن إبراهيم في من أغمي عليه حتى بلغ الميقات، فأحرم عنه رفيقه، وقدم مكة، وطاف به، وسعى به، وشهد المشاهد كلها، فلما قضى حجه، وهو لا يعقل: فإن كان أفاق بعرفة،
أجزأه الحج، وإن لم يعقل، فلا حج له.
وقوله: (إن كان أفاق بعرفة أجزأه)؛ يعني: إذا عقد الإحرام لنفسه بعرفة أجزأه، فأما إن استدام الوقوف بإحرام الرفيق، فلا يجزئه.
وقال -أيضاً- في رواية ابن منصور: وذكر له قول سفيان في المغمى عليه: هل يُلبي عنه؟ قال: أرى أن يمضي، فإذا أفاق لبى، فإن كان عليه أيام يرجع، وإن لم يكن عليه أيام لبى، وأهراق دماً، ومضى.
قال أحمد: جيد.
قال سفيان: وإن لم يفق ما أرى أن يُلبي عنه، ليس هو بمنزلة الصبي.
قال أحمد: جيد.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يصير محرماً، وينعقد الإحرام عنه.
دليلنا: أنه بالغ، فوجب أن لا يصير محرماً بإحرام غيره عنه.
دليله: النائم.
فإن قيل: النائم غير عاجز عنه؛ لأنه إذا نُبه ينتبه، وليس كذلك هذا؛ لأنه عاجز عنه.
قيل له: فيجب أن يحرم عنه غير أهل الرفقة لعجزه عنه، ولما لم يجز ذلك، بطل الفرق.
ولأنه إحرام عن المغمى عليه، فلم ينعقد، كما لو أحرم عنه غير أهل رفقته.
وأ نقول: كل من لم يجز له أن يحرم عنه قبل الإغماء، لم يجز أن
يحرم عنه بعد الإغماء.
دليله: غير أهل الرفقة.
فإن قيل: ليس عند أبي حنيفة في ذلك نص.
قيل له: إلا أن أصحابكم قد سلموا ذلك.
فإن قيل: فأهل رفقته أخص بحفظ متاعه، والتصرف عليه، فلا يمتنع أن يكونوا أخص بهذا الحكم من غيرهم، كالأب لما كان أخص بالتصرف عن ابنه الصغير، كان أخص بالإحرام عنه عندكم.
قيل له: أهل الرفقة في حفظ متاعه يجرون مجرى الملتقط للمال؛ إنما يأخذه يحفظه على صاحبه، فأما أن يملكوا التصرف فيه، فلا يجوز، وليس كذلك الأب؛ فإنه يملك التصرف في ابنه في ماله بالعقد، فملك الإحرام عنه.
ولأن الإحرام عنه لا يصح إلا بالنية، والمغمى عليه لم توجد منه نية.
فإن قيل: المسألة محمولة على أنه توجد ونوى.
قيل له: تلك النية لا حكم لها؛ لأنه قد عرض ما يقطعها، ألا ترى أنه لو كان صحيحاً، فنوى الإحرام، ثم عزبت نيته، واستعمل بعمل
آخر، ثم أحرم، لم يجزئه.
واحتج المخالف بأن الإحرام ركن من أركان الحج، وفرض من فروضه، فجاز أن يقوم فعل غيره مقام فعله في حال العُذر، ويصير كأنه فعله بنفسه، كما لو كان مريضاً لا يمكنه أن يطوف بنفسه، فطيف به، قام فعل غيره مقام فعله في ثبوت حكم الطواف له، وصار كأنه طاف بنفسه.
والجواب: أنا نقول بموجبه، وأنه يجوز الإحرام عن الغير في الجملة، وهو في حق الصغير والكبير والمريض، وعلى أن فرقاً بين الطواف وبين الإحرام، وذلك أنه لو طاف به غيره، وهو صحيح أجزأه، ولو أحرم عنه غيره، وهو صحيح، لم يجزئه، لأن المأخوذ عليه في الطواف حصوله حول البيت إذا طيف به، فقد حصل حوله، فصار كأنه طاف بنفسه، وإذا أحرم عنه غيره، فلم يحصل فيه معنى يصير به محرماً، فنضير الإحرام عنه أن يطوف غيره عنه، فلا يجزئه.
واحتج بأن أحمد قد وافقنا على أن الإنسان يجوز أن يصير محرماً بإحرام يفعله عنه غيره؛ لأنه يقول: إن الإنسان إذا أحرم عن ابنه الصغير، صار الابن محرماً به، ونحن نقول: إنه إذا أحرم عن المغمى عليه يصير المغمى عليه محرماً.
فإذا حصل الاتفاق على هذه الجملة احتجنا أن ننظر أيُّما أولى بأن يثبت له حكم الإحرام، فقلنا: إن المغمى عليه أولى بذلك من الصبي لوجهين:
أحدهما: أن أحكام العبادات قائمة عليه، ألا ترى أنه يلزمه قضاء الصوم والصلاة؟
والثاني: أن نية الحج قد وجدت منه، وهو عاجز عن أدائها.
والصبي لا تلزمه العبادات، ولا تصح منه النية.
والجواب: أن الصبي أولى بذلك؛ لأن وليه يعقد عليه النكاح والعقود، ولا يعقد رجل من أهل الرفقة النكاح، ولا سائر العقود.
وقولهم: (إن المغمى عليه يتوجه عليه وجوب العبادات) لا يصح على أصلهم؛ لأن عندهم يسقط عنه فرض الصلاة بعد اليوم والليلة.
وعلى أن هذا يوجب أن يصح الإحرام عن النائم؛ لأنه تتوجه عليه العبادات.
وقولهم: (إن نية الحج قد وجدت منه) فقد بيَّنَّا فساد النِّيَّة، فلم يصح ما قاله.
......
144 -
مسألة
إذا أحرم العبد، ثم عتق قبل الوقوف، أجزأه عن حجة الإسلام:
نص عليه في رواية حرب وابن القاسم وسندي وابن منصور.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجزئه عن حجة الإسلام.
دليلنا: ما روى عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعرفة، وأتاه ناس من أهل نجد، فقالوا: يا رسول الله! كيف الحج؟ فقال: "الحج عرفة، فمن جاء قبل طلوع الفجر ليلة جمع فقد تم حجه".
فإن قيل: الخبر يقتضي أن حجه تام، ونحن نقول: حجه تام، وليس فيه أن يجزئه من حجة الإسلام.
قيل له: قولهم: (كيف الحج؟) يقتضي حجة الإسلام.
ولأن التعريف يرجع إلى المعهود، وهو حجة الإسلام، فيجب أن يرجع الخبر إليه.
ولأنه وقف بعرفة في زمانه في إحرام صحيح، وهو كامل، فوجب أن يدرك به حجة الإسلام.
دليله: إذا أسلم، وهو حر بالغ.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الإحرام حصل في حال الحرية، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه حصل في حال الرِّق.
قيل له: يجوز أن ينعقد الإحرام على سبيل المراعاة، فإذا كمل في حال الوقوف يكون فرضه، ويكون بمنزلة ما لو أحرم بالفرض.
ويبين صحة هذا: أنه ينعقد موقوفاً على الوقوف والإدراك والفوات، فجاز أن يكون موقوفاً على إدراك حجة الإسلام، وعلى التطوع.
وإن شئت قلت: أتى بأفعال إحرامه على كمال حاله، فوجب أن يجزئ عن حجة الإسلام قياساً على ما ذكرنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه أتى بالإحرام وأعماله في حال الكمال.
قيل له: قد بينا: أن الإحرام يقع مُراعي موقوفاً على الوقوف على ما بينا.
فإن قيل: جاز أن يقال: يقع مراعى، فيجب أن نقول: إذا أعتق بعد الوقوف أو بعد الفراغ: أن يجزئه، ويكون مراعى.
قيل له: [....].
واحتج المخالف بأن هذه حجة أُديت بإحرام حصل في حال الرِّقِّ، فوجب أن لا تُجزئ عن حجة الإسلام.
دليله: إذا أعتق بعد الوقوف.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أن الأفعال وُجدت في حال النقص، وليس كذلك هاهنا؛ لأنها وُجدت في حال الكمال، فلهذا فرقنا بينهما.
واحتج بأن إحرامه في الابتداء لم يقع بحجة الإسلام بدلالة أنه لو
مضى فيه لم يجزئه عنها، فلم يجز له أن يبني عليه حجة الإسلام، كما لو أحرم بعمرة لم يجز أن يؤدي به حجة الإسلام.
والجواب: أنا قد بينا: أنه يقع مراعى في الوقوف:
فإن وقف كاملاً كان الإحرام عن فرضه.
فإن وقف كاملاً كان الإحران عن فرضه.
وإن وقف ناقصاً كان عن تطوعه.
وقد يكون الإحرام مراعى بين الحج والعمرة، وهو إذا نوى الإحرام؛ فإنه ينعقد، ويصرفه إلى أيهما شاء.
وعلى أن الحج والعمرة عبادتان مختلفتان، فلا يجوز أن ينعقد بإحداهما وينصرف إلى الأخرى، وليس كذلك الفرض والتطوع، ألا ترى أن الصلاة لا يجوز أن تنعقد بالظهر، ثم تنصرف إلى العصر، ولا بالعصر ثم تنصرف إلى الظهر، ويجوز أن يصلي في أول الوقت، ثم تنصرف في آخر الوقت إلى الفرض.
والجواب: أن الصلاة والصوم يقعان على سبيل المراعاة عندنا في الصبي، وعند أبي حنيفة في الصلاة في أول الوقت؛ فإنها تقع مراعاة:
فإن بقى على شرط التكليف إلى آخر الوقت كانت عن فرضه.
وإن زال شرط التكليف قبله كانت تطوعاً.
وإذا كفر المرتد بالمال كان موقوفاً، فإن أسلم، أجزأه عن فرضه.
وعلى أن الصلاة تفتقر إلى تعيين النية، ألا ترى أنه لو أطلق النية لم تصح؟ والحج لا يفتقر إلى تعيين النية، ألا ترى أنه يصح أن يطلق النِّية؟
......
145 -
مسألة
إذا أحرم العبد بإذن سيده لم يكن له أن يُحلله، وكذلك الأمة:
وقد أومأ إليه أحمد في رواية عبد الله وإسحاق بن إبراهيم، ويأتي شرح كلامه فيما بعد.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز له تحليله.
دليلنا: أنه عقد لازم، فإذا وقع بإذن المولى لم يكن له أن يفسخه.
دليله: النكاح.
فإن قيل: العبد يملك البُضع بعقد النكاح، ألا ترى أن بدله، وهو المهر، يلزمه؟ وإذا ملكه لم يجز لغيره أن يفسخه، وإن كان الملك قد حصل له بإذن الغير، كالصغير إذا زوجه أبوه، وتزوج هو بإذن الأب،
وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لا يملك منافعه بالإذن بأمره.
ولأنه غير جائز أن يثبت له حق على مولاه على جهة الاستحقاق، ألا ترى أنه لا يثبت عليه دين لهذه العلة؟ فإذا كان كذلك، صار إذنه له في الإحرام بمنزلة العارية، وللمُعير أن يرجع في عاريته أي وقت شاء.
قيل له: ليس هذا بإعارة، وإنما هو إسقاط حق؛ لأن العبد ممنوع من عقد الإحرام وعقد النكاح لحق سيده، فإذا أذن له فيه، فقد أسقط حقه عنه، ولزمه عقد الإحرام لحق الله تعالى، كما يلزم الحر الذي لا حق لأحد عليه.
يبين صحة هذا: أنه لو كان بمنزلة المعير لوجب إذا رضى به السيد أن يكون للعبد فسخه؛ لأنه يجوز للمستعير أن يرجع في العارية، كما يجوز للمعير، فلما لم يجز للعبد فسخه، ولا يكون بمنزلة المستعير، كذلك السيد لا يجوز فسخه، ولا يكون بمنزلة المعير.
وقياس آخر، وهو: أنه عقد لازم لو لم يأذن لكان له أن يفسخه، وإذا أذن لم يكن له أن يفسخه، كالزوج إذا أذن له لزوجته في حجة التطوع.
فإن قيل: الزوجة تملك منافعها بالإذن، كما تملك سائر الأشياء إذا ملكتها، فلم يكن له أن يرجع فيها، كما لو ملكها شيئاً لم يكن له
أن يرجع فيه، وليس كذلك العبد؛ فإنه يملك من الوجه الذي ذكرنا.
قيل له: قد أجبنا على هذا في السؤال الذي قبله.
واحتج المخالف: بأن إذنه في الإحرام لا يوجب استحقاق منافعه عليه؛ لأنه لا يجوز أن يثبت له على مولاه حق، فصار بمنزلة العارية، وللمعير أن يرجع في ذلك.
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج المخالف بأن السيد إذا باع العبد كان للمشترى تحليله منه، فوجب أن يكون ذلك للبائع؛ لأن المشتري يملكه على الوجه الذي كان للبائع مالكاً له.
والجواب: أنه لا يملك تحليله، كما لا يملك البائع، بل ننظر فيه:
فإن علم المشتري أنه محرم لم يكن له فسخ البيع، ولزمه تركه حتى يحج.
وإن لم يكن علم كان له ردُّه بالعيب، وإن لم يكن له تحليله.
......
146 -
مسألة
فإذا أحرم العبد بغير إذن سيده انعقد إحرامه، وكذلك الزوجة إذا أحرمت بحجة التطوع بغير إذن الزوج:
وهل يجوز للزوج والسيد أن يحلله من الإحرام؟ على روايتين:
إحديهما: يجوز ذلك.
قال في رواية عبد الله في مملوك لرجل قال: إذا دخل أول يوم من رمضان، فامرأته طالق ثلاثاً إن لم يُحرم أول يوم من رمضان: يحرك أول يوم ولا تطلق امرأته.
قيل له: فيمنعه سيده أن يخرج إلى مكة؟ قال: لا يعجبني أن يمنعه أن يخرج.
فقد حكم بصحة الإحرام بغير إذنه، ولم يستحب أن يحلله؛ لأنه قال: لا يعجبني أن يمنعه، وظاهر هذا على طريق الاختيار، وهو اختيار شيخنا، وهو قول أكثر الفقهاء.
وفيه رواية أخرى: لا يجوز أن يحلله.
وهو ظاهر كلامه في رواية إسحاق بن إبراهيم في مملوك لرجل قال: إذا دخل أول يوم من رمضان فامرأته طالق ثلاثاً إن لم يُحرم.
فقال: يُحرم، ولا تطلق امرأته.
قيل له: فإن منعه سيده أن يخرج؟ قال: ليس له أن يمنعه أن يمضي إلى مكة إذا علم منه رُشداً.
وقال -أيضاً- في موضع آخر من "مسائل ابن هانئ" في المرأة تحلف بالحج والصوم، ولها زوج؛ هل لها أن تصوم بغير إذنه؟ قال: نعم، فما تصنع وقد ابتليت، وابتلى زوجها، وقد أوجبت على نفسها؟
وقال في رواية ابن منصور امرأة أهلت بالحج، وزوجها كاره، قال: لا ينبغي أن يمنعها، وإن كانت على وجه اليمين، فعليها كفارة.
وقال في موضع آخر من "مسائله" في امرأة أرادها زوجها، فلبت
بحج، أو عمرة: وجب عليها ما لبت.
فقد صرح بأنه لا يجوز له أن يحلله، وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا، ذكره في كتاب "الخلاف".
وقال داود: لا ينعقد الإحرام من أصله.
فالدلالة على أنه ينعقد في الجملة: ما روى أبو بكر بإسناده عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "إذا حج المملوك أجزأ عنه حجة المملوك، فإن أعتق فعليه حجة الإسلام، وكذلك الأعرابي والصبي مثل هذه القصة، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين".
فوجه الدلالة: أنه أثبت له حجاً صحيحاً، ولم يُفصل بين أن يكون بإذن سيده، أو بغيره.
ولأن الحج من العبادات المحضة، فوجب أن ينعقد بغير إذن سيده، كالصلاة والصيام.
وإن شئت قلت: كل عبادة يصح إحرام العبد بها بإذن السيد صح إحرامه بغير إذنه.
دليله: ما ذكرناه.
ولأنه مكلف، فصح إحرامه بالحج على الإطلاق، كالحر.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "كل عمل ليس عليه
أمرنا فهو رد"، وإحرامه بغير إذن سيده ممنوع منه، فوجب رده.
والجواب: أنه محمول على غير الحج بما ذكرنا.
واحتج بأنه محجور عليه، أشبه الصبي والمجنون.
والجواب: أنه يبطل بالمحجور عليه لسفه، أو فلس.
ثم المعنى في الصبي والمجنون عدم التكليف، وهذا مكلف.
واحتج بأنه عقد من العقود فلهذا لم يصح من العبد؛ ليقف على إجازة السيد، كالنكاح.
والجواب: أن النكاح لا يصح موقوفاً، فلهذا لم يصح من العبد؛ ليقف على إجازة السيد، والإحرام يصح موقوفاً على إجازة السيد.
والدلالة على أن للسيد أن يحلله: أن السيد تملك رقبته، ومتى مضى على إحرامه عطل حق السيد، وكان له منفعة.
ولأن الحر إذا حُصر بغير حق كان له أن يتحلل، فلأن يتحلل العبد بالقهر الواجب أولى وأحرى.
واحتج من قال: (ليس له تحليله) بأنه إحرام انعقد صحيحاً، فلم يملك تحليله.
دليله: لو أذن له في ذلك.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الإذن بعدمه في الإحرام، كما لم يجز ذلك في عقد النكاح والبيع وغيره من العقود.
ولأنه إذا أذن له فقد رضى بإسقاط حقه من المنفعة.
واحتج بأن الحج عبادة، فأشبه الصلاة والصيام.
والجواب: أنه يملك تحليله من ذلك إذا كان نفلاً، كما يملك في الحج.
واحتج بأن الحج يلزم بالدخول فيه، كما تلزم حجة الفرض ابتداء بالشرع، ثم ثبت أنه لا يملك تحليله في عبادة واجبة، كالصوم والصلاة الفرضين، كذلك هاهنا.
والجواب: أن الصوم والصلاة وجبا بأصل الشرع، فلهذا لم يملك تحليله، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه وجب بسبب من جهته يقصد به إسقاط حق سيده، فملك تحليله، كالبيع ونحوه.
وتأملت كلام أحمد، فرأيت أكثره يدل على أنه يملك تحليله، وتكون الدلالة على ذلك: عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33].
وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: 196]، وهذا اسم عام.
ولأنا قد حكمنا بصحة الإحرام، وإذا صح تعلق به حق الله تعالى، كالحر إذا أحرم بحجة التطوع تعلق بها حق الله، وقد تعلق بمنافعه حق