التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 367-406

عنه بقدر ذلك.
ويحتمل أن تكون الإصابة بفعل آدمي، أو بعد أن بلغت أوان نقلها، فأحب له النبي - صلى الله عليه وسلم - رد الثمن؛ لأنه أكمل الأخلاق وأشرفها.
واحتج بما روى أبو الزبير عن جابر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من اشترى ثمرًة، فأصابتها جائحة، فهو من مال المشتري، ولا يرجع على البائع بشيء).
والجواب: أن هذا الخبر لا يعرف، ولا يمكن أن يقام له إسناد.
ولو صح حملناه على أنها أدركت، وجاء أوان جذاذها ونقلها، فلم ينقلها حتى ذهبت، فتكون من ضمان المشتري؛ لأنه إذا ترك النقل في وقته مع القدرة عليه فهو المفرط.
ويحتمل أن يحمل على أن الجائحة من جهة آدمي.
واحتج بأنه مبيع لو أتلفه آدمي كان من ضمان المشتري، فإذا تلف بجائحة سماوية وجب أن يكون من ضمانه، كما لو كان المبيع ثوبًا، أو عبدًا، فتلف بعد القبض.
والجواب: أنه إذا تلف بفعل آدمي رجع بالضمان على المتلف، فلا ضرر على المشتري في ذلك، وإذا تلف بفعل الله- تعالى- لم يرجع على أحد بشيء، فعليه فيه ضرر، فجاز أن يرجع على البائع لعدم كمال القبض.
ولهذا قلنا: إن الغاضب إذا غصبت منه العين، وتعذر الرجوع على

الغاصب الأول، رجع على الثاني، ولو لم يكن غاصب آخر سقطت مطالبته.
وكذلك إذا كان بالحق ضامن، وتعذر المضمون عنه، رجع على الضامن.
وكذلك العبد الجاني لو أتلفه متلف، رجه المجني عليه [عليه]، ولو مات سقط حقه.
وجواب آخر، وهو: أنه لا يمتنع أن لا يسقط حق المشتري بفعل الله، ويسقط بفعل الآدمي، كالموت؛ لا يسقط الإرث، والقتل يسقطه، وكذلك الخمر إذا تخللت بفعل الله تعالى.
وأما الثوب والعبد فالمعنى فيه: أن كمال القبض قد وجد فيهما، وليس كذلك هاهنا؛ لأن القبض التام لم يوجد بدليل: أنها لو عطشت كانت من ضمان البائع، فبان الفرق بينهما.
واحتج بأن المشتري ملك التصرف فيه، فكان من ضمانه.
دليله: ما ذكرنا.
والجواب: أن أبا بكر عبد العزيز قال في (تعاليق أبي إسحاق): إذا اشترى الرجل الثمرة وقد بدا صلاحها، وقبضها المشتري، ليس له أن يبيعها.
قال: وهو قول زيد بن ثابت.
قال: وهو قول أحمد: إنه لا يبيعها المشتري حتى يصرمها.

وهذا صريح من أبي بكر بالمنع من التصرف فيها بالبيع.
وجهه: أنه مبيع لو تلف قبل قبضه كان من ضمان البائع، فلم يجز له التصرف فيه.
دليله: لو ابتاع قفيزًا من صبرةٍ.
وعلى أن ثبوت التصرف لا ينفي الضمان على البائع بدليل أن المستأجر ملك التصرف في المنافع، ومع هذا فلا ننفي الضمان عن المؤجر.
وكذلك المبتاع ملك التصرف في العبد المشترى قبل القبض بالعتق، ومع هذا فلو تلف كان من ضمان البائع عندهم.
وكذلك إذا ابتاع عبدًا قد وجب عليه القصاص، فقتل في يد المشتري؛ فإنه من ضمان البائع، وإن كان قد ملك التصرف.
ثم المعنى في الأصل: ما ذكرنا.
واحتج بأنه لو كانت من ضمان البائع، لوجب أن تكون الثمرة بعد خرصها في يد المالك من ضمان الفقراء، حتى إذا تلفت بآفة سماوية تسقط عنه الزكاة.
والجواب: أنا هكذا نقول، وأن الزكاة تسقط.
نص عليه في رواية حنبل، فقال: إذا خرص، وترك في رؤوس النخل، فعليهم حفظه، فإن أصابته آفة جائحة، فذهبت الثمرة، سقط عنه

الخرص، ولم يؤخذ به.
واحتج بأنه لو كانت الثمرة من ضمان البائع، لوجب أن يكون الزرع من ضمان البائع أيضًا، وهو إذا ابتاع حنطة في سنبلها بعد إصلاحها، أو باقلًا في قشرته العليا، فتلف قبل قبضه.
والجواب: أنا لا نعرف الرواية في ذلك، ويحتمل أن يقال: إنه من ضمان البائع، كالثمار؛ لأن أحمد أسقط عن أرباب الزرع الزكاة في مقدار ما يأكلون، كما أسقطه في الثمار، ذكره في رواية المروذي، وجعل الحكم فيها سواء.
ويحتمل أن يفرق بينهما، ويكون الزرع من ضمان المشتري، والثمرة من ضمان البائع، وهو أشبه؛ لأن الزرع والباقلا لا يجوز بيعه من غير شرط القطع إلا بعد تكامل صلاحه وأوان جذاذه، فإذا تركه بعد ذلك فرط، فضمنه، وليس كذلك الثمار؛ لأنه يجوز بيعها بعد بدو الصلاح، وقبل تكامل ذلك على الترك، فهو غير مفرط.
فإن قيل: فما تقولون فيه إذا أدركتها الجائحة بعد أوان جذاذها ونقلها، إلا أنه لم ينقلها.
قيل له: ظاهر كلام أحمد: أنها توضع عنه أيضًا؛ لأنه أطلق القول بالوضع، ولم يفرق؛ لأن الجائحة حصلت قبل القبض، فأشبه إذا وقعت قبل أوان الجذاذ.
ويحتمل أن لا توضع عنه؛ لأنه إذا ترك النقل في وقته مع القدرة

عليه، فهو مفرط فيه، فلهذا كان عليه الضمان.
فصل: والدلالة على أنها توضع فيما دون الثلث خلافًا لمالك ورواية حنبل: ما تقدم من الأخبار، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بوضعها، ولم يعتبر في ذلك مقدارًا.
فإن قيل: روى ابن وهب قال: أخبرني زيد بن عياض، عن رجل حدثه، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معنٍ الأنصاري: أنه بلغه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا ابتاع المرء الثمرة، فأصابته عاهة تذهب بثلث الثمرة، فقد وجب على صاحبه الوضيعة في المال).
فخص ذلك بالثلث، وهذا مقيد، فهو يقضي على تلك الأخبار المطلقة.
قيل له: هذا الخبر غير معروف، ولا يقوم به سند.
وعلى أن نطقه: أن الجائحة إذا ذهبت بالثلث، وجب على صاحبه، ونحن نقول بذلك.
ودليله: أن ما دون الثلث لا يجب على صاحبه.
ولفظ خبرنا عام، وفيه تعليل يدل على القليل، وهو قوله: (بم يأخذ مال أخية؟!).

فإن قيل: فعلماء أهل المدينة أجمعوا على تقدير ذلك بالثلث، فلولا أن الخبر وارد بالثلث لم يقدروه بذلك؛ لأنهم أعرف به من غيرهم.
فروى عبد الرحمن بن القاسم وربيعة وأبي الزناد، عن القاسم بن محمد قال: إذا أصيب المبتاع بثلث الثمن، فقد وجب على البائع الوضيعة.
وعن ربيعة وأبي الزناد قالا: لا وضيعة في الجائحة.
وعن يحيى بن سعيد مثل ذلك.
قيل له: علماء أهل المدينة تأولوا ظاهر الخبر، كما تأولته، وخصوه على الثلث، كما خصصته، ولا يلزمنا قولهم.
والقياس: أنها ثمرة مبيعة محتاجة إلى تبقيتها في النخل، فإذا تلفت كانت من ضمان البائع.
دليله: الثلث فصاعدًا.
أو كل ما كان سببًا في الضمان على البائع إذا وافق الثلث فصاعدًا، كان سببًا في ضمانه في ما دون الثلث.
دليله: إذا تلفت بعطش.
ولأنه لا يخلو؛ إما أن تكون مقبوضة، أو لا تكون، فإن كانت مقبوضة، وجب أن لا يفرق بين الثلث وما دونه، كسائر المبيعات بعد القبض، وإن لمتكن مقبوضة، وجب أن لا يكون من ضمانه شيء، كسائر المبيعات قبل القبض.
فإن قيل: الثمرة لا بد أن يطرح الطير منها والريح وغير ذلك الشيء

اليسير، فلو قلنا: هو من ضمان البائع، كان تعسفًا، ولو قلنا: الكل من ضمان المشتري، كان ضررًا عليه، فحددناه بالثلث، فقلنا: الثلث فما دون من ضمان البائع، وما نقص من ضمان المشتري؛ لأن الثلث آخر حد القلة، وأول حد الكثرة، وقد جعلت مقدارًا في الأصول بدليل: الوضيعة، وتحمل العاقلة، ومساواة جراح المرأة جراح الرجل.
قيل له: فيجب أن يعتبر مثل هذا إذا تلفت بعطش.
وعلى أن العادة لم تجر في ذلك بمقدار الثلث والربع، وإنما جرت بالشيء اليسير الذي هو دون الثلث بكثير، فكان يجب أن نقول: ما يخرج عن العادة يضمن.
...

309 -

مسألة بيع العرايا جائز- وهو: بيع ثمرةٍ على النخل خرصًا بمثله من التمر الموضوع على الأرض نقدًا من الواهب لها ومن غيره- إذا كان دون خمسة أو سقٍ لمن به حاجة إلى أكل الرطب، ولا ثمن معه، فإن لم يكن به حاجة لم يجز:

نص على هذا في رواية الجماعة؛ صالح وأبي الحارث وابن القاسم وسندي: فقال في رواية ابن القاسم وسندي: العرية: أن يهب الرجل للجار،

أو ابن العم النخلة والنخلتين؛ ما لا تجب فيها الزكاة، فللموهوب أن يبيعها بخرصها تمرًا.
ومالك يقول: لا يبيعها إلا من ربها الذي وهبها.
وله أن يبيعها ممن شاء من الناس.
ومالك يقول: يبيعها إلى الجذاذ بثمن، ولا يبيعها بتأخير، إنما يبيعها ممن يقبضه.
وقال الخرقي: يبيعها لمن يأكلها رطبًا، فإن تركه المشتري حتى يتمر، يبطل البيع.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك بحال.
وقال مالك: يجوز بيعها من واهبها خاصة دون غيره من الناس، ولا يجوز بيعها بتأخير الثمن عن وقت العقد، وهل يختص ذلك بما دون خمسة أوسق؟ على روايتين.
وقال الشافعي: يجوز بيع العرية للمحتاج إلى أكل الرطب أو غير المحتاج فيما دون خمسة أوسقٍ قولًا واحدًا، وفي خمسة أوسق فصاعدًا قولان: أحدهما: المنع.
والثاني: الجواز.
فالدلالة على جواز بيع العرية في الجملة خلافًا لأبي حنيفة: ما روى أحمد في (المسند) بإسناده عن سهل بن أبي حثمة قال: نهى

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع التمر بالتمر، ورخص في العرايا أن تشترى بخرصها يأكلها أهلها رطبًا.
وروى أبو داود بإسناده عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص في بيع العرايا بالتمر والرطب.
وروى- أيضًا- بإسناده عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص في العرايا فيما دون خمسة أوسقٍ، أو في خمسة أوسق.
شك داود بن الحصين.
وروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن زيد بن ثابت قال: رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العرايا؛ نخل المدينة كانت توهب للمساكين، فلا يستطاع أن ينتظر بها، فيباع ثمرها بما شاؤوا من تمر.
وروى محمود بن لبيد: أنه قال لرجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إما زيد بن ثابت، وإما غيره: ما عراياكم هذه؟ فقال- وسمى رجالًا محتاجين من الأنصار-: شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الرطب يأتي، ولا نقد

بأيديهم يبتاعون بها رطبًا يأكلونه مع الناس، وعندهم فضول من قوتهم من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم؛ يأكلونه رطبًا.
وهذه الأخبار نصوص في جواز بيع العرية.
فإن قيل: هذا عندنا، وهذا محمول على رجل وهب ثمرة نخلة لرجل، فلم يجذها الموهوب له حتى يبدو للواهب، فيمنعه منها كراهية أن يدخل بستانه، فيضر به، ويعوضه منها خرصها تمرًا، ويقبل ذلك الموهوب له، فتطيب للواهب والموهوب، ويخرج من حكم من وعد وعدًا، ثم أخلفه، ويخرج الموهوب من حكم من أخذ عوضًا عن شيء لم يملكه، فيجوز ذلك؛ لأن الغرض منه إيصال هذا القدر إليه.
قالوا: ويبين صحة هذا التأويل: العرية مأخوذة من العارية، والعارية تمليك بغير بدلٍ إلا أنه يختص تمليك المنافع، والعرية تمليك الأعيان بلا بدل، وإنما اختلف بناء اللفظتين في الوضيعة لاختلاف المعبر عنه، كما تقول: عدل وعديل، وحصان وحصين، ورزان ورزين.

ويدل عليه قول الشاعر: ليست بسهناء ولا رجبيًة... ولكن عرايا في السنين الجوائح فمدح النخيل بأنها موهوبة الثمرة في السنين التي تصيب الثمار آفة فتجتاحها، ولو كانت العرية بيعًا لما كان ذلك مدحًا.
قالوا: ويدل عليه ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا خرصتم فدعوا الثلث، أو الربع؛ فإن في المال العرية والوصية).
وروي: (خففوا في الخرص؛ فإن في المال العرية والوصية).
فضم العرية إلى الوصية، والوصية تمليك بغير بدل، وكذلك العرية.
ولأنه أمر بتخفيف الخرص لأجله، ومنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعث أبا حثمة خارصًا، فجاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله! إن أبا حثمة زاد علي في الخرص، فدعاه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال له: (إن ابن

عمك يزعم أنك زدت عليه في الخرص)، فقال: يا رسول الله! قد تركت عليه خزمة أهله.
فدل على أنه أراد ما يهبه أهله؛ إذ لو كان المراد به البيع لما تركها عليه.
قيل له: العرية ليست هي العطية فحسب، بل هي اسم لكل ما أفرد عن جملة؛ سواء كان للهبة، أو للبيع، أو للأكل.
هكذا قال أبو عبيدٍ.
ومثله قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا زكاة في العرية)، والمراد به: ما يفرده من المال ليأكله، ولهذا تسقط الزكاة فيه عندنا.
وإذا كانت اسمًا لكل ما أفرد عن جملة؛ سواء كانت لهبة، أو لبيع، لم يمكن حملها على الهبة في هذا الموضع لوجوه كثيره، منها: أنه نقل عنه: أنه أرخص في بيع العرايا.
وما ذكروه ليس ببيع، وإنما هو رجوع في الهبة، فالاسم لا يتناوله حقيقة، ولا مجازًا.
فإن قيل: لما كان معناه عندنا: أن الواهب يعاوض الموهوب على ذلك خرصًا سماه بيعًا على طريق المجاز، كما قال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُم﴾ [التوبة: 111]، وأطلق اسم الشراء على ما ليس بشراء حقيقة على طريق التشبيه.

وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الناس غاديان؛ بائع نفسه فموبقها، ومشترٍ نفسه فمعتقها).
قيل له: نفس الحر لا يمكن بيعها، فجاز أن يحمل البيع فيها على المجاز، وبيع التمر بالتمر يمكن حمله على الحقيقة في الشرع، فلم يجز حمله على المجاز.
وما ذكروه من الرجوع في الهبة لا يسمى بيعًا حقيقة، ولا مجازًا.
الثاني: قوله: رخيص في بيع العرايا.
فسماه رخصة، وهذا الاسم لا يقع إلا على ما فيه ضرب من التسهيل والتخفيف، وإنما يكون هذا في العرايا؛ لأنه مستثنى من بيع الرطب بالتمر، فأما فيما ذهبوا فليس فيه ضرب من التخفيف.
الثالث: قوله: فيما دون خمسة أوسق.
وما ذكروه لا يختص بهذا القدر، بل يجوز في هذا القدر وزيادة عليه.
فإن قيل: يجوز أن يكون السؤال وقع عن هبة هذا المقدار، فخرج جواب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سؤال السائل، فرخص له في هبته على هذا الوجه.
قيل له: هذا الكلام خرج منه ابتداًء، ولم يخرج على سؤال سائل.

والرابع: قوله: رخص في العرايا أن تباع بخرصها تمرًا.
ولا تأثير للخرص عندهم.
فإن قيل: نعتبر الخرص، ولكن لا نجعله مستحقًا، بل نعتبره؛ لنخرج به من حكم من وعد وعدًا، فأخلفه.
قيل له: فالخبر يقتضي كونه شرطًا؛ لأنه علق جواز ذلك بشرط الخرص.
الخامس: قوله: يأكلها أهلها رطبًا.
فبين أنه إنما جاز بيع العرايا؛ ليحصل لمن يشتريها رطب يأكله، والموضع الذي حملوا عليه الخبر لا يوجد فيه هذا؛ لأن الرطب هناك لصاحب النحل، فلا يحتاج أن يدفع التمر ليحصل الرطب؛ لأن الرطب ملك له.
السادس: أن الراوي قد نقل خلاف ما قالوا، وهو حديث محمود: أن قومًا شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الرطب يأتي، ولا نقد بأيديهم يبتاعوا به رطبًا يأكلونه مع الناس، وعندهم فضول من قوتهم من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم، يأكلونه رطبًا.
وهذا يمنع أن يكون المراد بالرخصة الهبة على الوجه الذي ذكرتم.

فإن قيل: يحمل هذا على أنه أجاز هذا البيع قبل تحريم الربا، فلما نزل تحريم الربا نسخه.
قيل له: لو كان كذلك لما خص بما دون خمسة أوسق.
وعلى أنه رخص في العرايا في الموضع الذي نهى عن بيع التمر بالتمر، وذلك النهي كان في الحالة التي يحرم فيها الربا.
وقد قيل: إن كل عقد جاز في دار الحرب، جاز في دار الإسلام.
دليله: بيع التمر بالتمر.
وليس لهم أن يقولوا: إن الربا لا يجري في دار الحرب؛ لأنا لا نسلم ذلك.
وإن شئت قلت: كل بيع لو اتصل به القبض صح، كذلك إذا لم يتصل به.
دليله: ما ذكرنا.
وعكسه: سائر العقود الفاسدة.
وإن شئت قلت: بيع رطب بتمر خرصًا على رؤوس النخل، فجاز.
دليله: اليسير، كالتمرة والتمرتين.
وليس لهم أن يقولوا: إن علة الربا لا توجد في اليسير؛ لأنا قد

بينا في علة الربا: أن اليسير يوجد فيه الكيل على قدره.
وقيل: إن الخرص قد ورد الشرع بكونه تتقدر به الأشياء، فجاز أن يتخلص به من الربا.
دليله: الكيل والوزن.
وقد ورد الشرع بالخرص؛ ليعرف مقدار النصاب الذي تجب فيه الزكاة بدليل قوله: (يخرص النخل فتؤدى زكاته تمرًا، كما يخرص العنب فتؤدى زكاته زبيبًا).
وعندهم أن الخرص لا يتخلص به من الربا بحال.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن المزابنة.
وهي: بيع الثمرة على رؤوس النخل بخرصها تمرًا.
والجواب: أن هذه الأخبار مطلقة في النهي، وفي أخبارنا زيادة، وهو: أنه نهى عن ذلك، وأرخص في العرايا، والأخذ بالزائد أولى.
ولأنا نحمل النهي على خمسة أوسق فصاعدًا بدليل ما ذكرنا من أخبارنا، وهي خاصة.
واحتج بأنها لو كانت موضوعة على الأرض لم يجز بيعها بخرصها تمرًا، كذلك إذا كانت على رؤوس النخل قياسًا على ما زاد على خمسة

أوسق إذا كانت أقل.
دليله: إذا كانت على الأرض.
والجواب: أن هذا قياس يسقط نصوص الأخبار التي ذكرناها، ولا يجوز استعماله مع إسقاط النص، ولهذا قال أبو حنيفة: القياس يقتضي أن الأكل ناسيًا يفطر، لكن تركته لحديث أبي هريرة: (إن الله أطعمك وسقاك)، ونترك القياس في الوضوء بنبيذ التمر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ به في حديث ابن مسعود، كذلك هاهنا.
وعلى أن ما زاد على خمسة أوسق قدر كثير لا تدعو الحاجة إلى جواز بيعه، وكذلك الرطب على الأرض لا حاجة إلى جواز بيعه بالخرص، فلم يجز، وما دون خمسة أوسق قليل تدعو الحاجة إلى جواز بيعه على رؤوس النخل بالتمر؛ ليحصل للمشتري رطب يأكله مع الناس، وهذا هو المعنى الذي جوز بيع العرايا لأجله.
وقد تبيح الحاجة البيع، وتوجب العفو، كما نقول: إن القياس يقتضي أن لا يصح عقد الإجارة؛ لأنها تعقد على معدوم، وكذلك السلف، ولكن الحاجة لما مست إليه أجيز، ورخص فيه.
ولهذا فرقنا بين ما دون خمسة أوسق وبين الخمسة؛ لأن ما دونه

في حكم القليل، ولهذا نقول: ما نقص من الثمار لا تجب فيه الزكاة للقلة.
واحتج بأن ما يعتبر فيه استيفاء المماثلة من جهة الكيل إذا كان أكثر من خمسة أوسق، اعتبر- أيضًا- إذا كان دون خمسة أوسق.
دليله: التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير.
والجواب عنه: ما تقدم.
فصل: والدلالة على مالك في جوازه من الواهب له ومن غيره: ما تقدم من الأخبار.
ووجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز بيع العرايا، ولم يخص بها أحدًا، فدل على جوازها في حق الواهب وغيره.
ولأن كل عقد جاز مع الواهب جاز مع غيره.
دليله: سائر العقود.
ولأن الأصل في جواز بيع العرية: أن الحاجة تدعو إلى ذلك ليحصل للمشتري رطب يأكله مع الناس، وقد دل على ذلك حديث محمود بن لبيد، ولا حاجة للواهب إلى ذلك؛ لأن النخل له.

ولأن بيعها من غيره يحصل به سد الحاجة، كما يحصل به منه، فلا معنى لتخصيصه.
فإن قيل: نسلم لكم: أنها جوزت للحاجة، ولكن الحاجة غير ما ذكرت، وإنما هي: أن الواهب يلحقه ضرر بدخول الموهوب له وخروجه إلى بستانه لأجل النخلة، فرخص في بيعها منه لتزول عن الواهب هذه الضرورة.
قالوا: والذي يدل على أن هذا هو الأصل ما روى حماد بن سلمة، عن أيوب وعبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى المبتاع والبائع عن المزابنة.
قال: وأرخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العرايا؛ النخلة والنخلتين توهبان للرجل، يبيعها بخرصها تمرًا.
قيل له: قد روينا في حديث محمود بن لبيد نصًا صريحًا: أن القوم شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الرطب يأتي، ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبًا يأكلوه مع الناس، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم.
فتبين أن الرخصة خرجت على هذا دون ما قالوه.

ولأنه لو كان كما قالوا، لم يختص ذلك بما دون خمسة أوسق، ولوجب أن يجوز زيادة على ذلك؛ لوجود الضرر في الكثير، كما هو في القليل، ولما خصوه بما دون خمسة أوسق، دل على أن الحاجة إلى ذلك ما ذكرنا من أكل الرطب.
وأما حديث ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرخص في العرايا؛ النخلة والنخلتين توهبان للرجل.
فليس فيه تخصيص ببيعها من واهبها، أو من غيره، فالخبر مطلق، فوجب حمله على عمومه.
فصل: والدلالة على أنه لا يجوز بيعها نسيئًا خلافًا لمالك أيضًا: ما روى أبو الحسن الدارقطني بإسناده عن سعد بن أبي وقاص قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الرطب بالتمر نسيئة.
وهذا عام في بيعه مطلقًا، وفي بيعه على وجه الأرض.
ولأنه جنس فيه الربا، بيع بعضه ببعض نسيئًا، فلم يجز.
دليله: بيع التمر بالتمر، والرطب بالرطب، والبر بالبر، ونحو ذلك مما يجري فيه الربا.
فإن قيل: لما فارقت العرية غيرها في جواز بيع الرطب بالتمر خرصًا على طريق الرخصة، جاز أن تفارق غيرها في باب الأجل.

ولأنه لما كان موضوع العرية لأجل الحاجة، وهو أكله للرطب، فمعنى الحاجة موجود هاهنا، وهو أن لا يجد تمرًا يبتاع به الرطب، فجاز أن يبتاع في ذمته.
قيل له: ليس إذا دخلها الربا من وجهٍ، يجب أن يدخلها من وجه آخر، ألا ترى أنه لا يجوز بيعها متفاضلًا؟ ولأنه إنما جاز بيعه خرصًا؛ لأنه يتعذر كيله، والقبض في المجلس غير متعذر.
ولأن مالكًا أجاز بيع الموزونات جزافًا عند عدم الميزان، ولم يوجب ذلك جواز بيعها نسيئًا.
فصل: والدلالة على أنه لا يجوز ذلك ممن لا حاجة به إلى أكل الرطب خلافًا للشافعي، وهو: أن العرية مستثناة لأجل الحاجة الداعية إلى أكل الرطب لمن لا تمر معه، وبهذا وردت السنة في حديث محمود بن لبيد قال: رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم؛ يأكلون به رطبًا.
فرخص لهم لأجل الحاجة إلى أكله.
وكذلك في حديث سهل بن سعد: يأكلها أهلها رطبًا.
وإذا كانت الرخصة وردت على هذا الوجه، وجب أن تكون مقصورًة عليه.

والذي يبين صحة هذا: أنهم خصوا ذلك بما دون خمسة أوسق على الصحيح من قولهم.
فإن قيل: لا يمتنع أن يعلق الحكم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمعنى، ثم يكون ذلك الحكم ثابتًا في عدم معناه، ألا ترى أن السعي والرمل والاضطباع في الحج كان لسبب، وهو: أن مكة كانت دار شرك، وقصدوا ذلك إظهار الجلد عليهم، ثم مع هذا فالسنة باقية، كذلك هاهنا.
قيل له: الأصل في هذا: أن الحكم إذا تعلق بمعنى أن يزول بعدم معناه، فإن وجدنا في موضع بقاء الحكم مع عدم معناه فلدليلٍ دل عليه، وهناك دل الدليل من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو: أنه استدام الرمل في وقته بعد زوال معناه.
واحتج المخالف بعموم الأخبار: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرخص في العرايا.
وهذا عام في الغني والمحتاج.
والجواب: أنا قد روينا في حديث سهل زيادة: وهو قوله: يأكلها أهلها رطبًا.
وفي حديث محمود: أن هذا الإطلاق خرج على وجه الرخصة.
واحتج بأن كل بيع [جاز مع الفقراء] جاز مع الأغنياء، كسائر البيوع.

والجواب: أن سائر البيوع لا يختلف الغرض فيها بالفقراء والأغنياء، وهذا البيع يختلف الغرض فيه من الوجه الذي ذكرنا.
فصل: والدلالة على أنه لا يجوز بيع ذلك إذا كان خمسة أوسق خلافًا للشافعي في أحد القولين، ولمالك في إحدى الروايتين: ما تقدم من حديث أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرخص في العرايا فيما دون خمسة أوسق، أو خمسة أوسق.
الشك من داود بن الحصين.
فموضع الدلالة: أن الأصل قد ثبت في النهي عن المزابنة، وهو: بيع التمر بالتمر مطلقًا، وورد الخبر في الرخصة في أقل من خمسة أوسق من غير شك، ووقع الشك في الخمسة، فوجب أن يحمل على الأصل في المنع.
وأيضًا روى أبو سعيد الخدري: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا زكاة في العرية).
ثبت أن العرية قدر لا تجب فيه الزكاة، وهو ما دون خمسة أوسق.
ولأن الأصل في جواز العرية الحاجة، والخمسة أوسق في حد الكثرة بدليل وجوب الزكاة فيها، ولا حاجة بها، فيجب أن يمنع منه، ويجوز بما دونه؛ لكونه قليلًا تدعو الحاجة إليه.

فإن قيل: خمسة أوسق إلا رطلًا كثير؛ لأن الرطل لا يؤثر فيه، وأنتم تجيزون به.
قيل: له تأثير بدليل أنه يسقط الزكاة.
وذهب المخالف إلى عموم قوله: أرخص في العرايا.
وهذا مطلق، وقد روينا في حديث أبي هريرة تخصيصًا بما دون ذلك، فوجب حمله عليه.
...

310 -

مسألة

إذا قال: بعتك هذه الصبرة؛ كل قفيزٍ بدرهمٍ، فالبيع صحيح في جميعها على ما سمى:

ذكره الخرقي في (مختصره).
وعلى قياسه إذا قال: بعتك هذا الثوب؛ كل ذراع بدرهم، أو اشترى إبلًا، أو بقرًا، أو غنمًا، أو جرابًا هرويًا، فقال: كل واحد من هذا بكذا.
وقد علق القول في رواية أبي طالب في رجل قال لرجل: اشتريت منك كل ما في البيت؛ كل كر بكذا من الطعام، والشعير بكذا، والأرز

بكذا، ما اشترى، ثم يكيله، ويقبضه، فيقع الشراء، أرأيت لو احترق البيت قبل أن يكيله، أليس من مال البائع؟ وظاهر هذا: أنه لا يصح العقد حتى يوجد الثمن، وليس هذا على ظاهره، ومعناه: أنه لا يلزم قبل قبضه.
وهو قول مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة في غير الصبرة: إن كان لا يعلم مبلغ الذرع والعدد فالبيع فاسد، وإن علم مبلغ ذلك فهو بالخيار؛ إن شاء أخذ كل ذراع وكل قفيز بدرهم، وإن شاء ترك.
وأما الصبرة قال: بيع صحيح في قفيز منها بدرهم؛ سواء علم مبلغ كيلها، أو لم يعلم.
دليلنا: أن ثمن كل ثوب معلوم، وإنما بقي أن يعلم جملة الثمن، ويمكننا أن نصل إلى معرفة ذلك على صفة لا تفتقر إلى المتعاقدين ولا إلى واحد منهما بأن تعد الثياب أو الكيل، فيجب أن يجوز كما لو قال: (بعتك برأس مالي وربح درهم في كل عشرة) صح البيع؛ لأنا نتوصل إلى معرفة مبلغه على صفة لا تفتقر إلى المتعاقدين ولا إلى واحد منهما، وهو أن تعد الدراهم، كذلك هاهنا.
فإن قيل: كيف يصح هذا على أصلكم؟ وقد قال أحمد في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث: أكره أن يقول: للعشرة كذا، وكذا، أو ده

دوا زده، أو ده يازده، لكن يقول: قام علي بكذا، وأبيعه بكذا.
فقد منع أحمد من بيع المرابحة على هذا الوجه.
قيل: إنما كره أحمد ذلك، ولم يبطله، وخلافنا في صحة العقد وبطلانه، وإنما كره بيع المرابحة على ذلك الوجه لما رواه أحمد عن ابن عمر وابن عباس: أنهما كرها بيع ده دوا زده، وهذا معدوم هاهنا.
ولأنه لو قال: (علي أنه مئة ذراع، كل ذراع بدرهم) جاز، وإن كنا لا نعلم جملة الثمن في الحقيقة إلا بالذرع؛ لأنه يجوز أن يزيد، ويجوز أن ينقص، كذلك هاهنا؛ لأن الثمن إذا صار معلومًا في التفصيل لم يجبب أن يكون معلومًا في الجملة؛ لأن العلم بقدر الثمن في التفصيل ينفي غرر الجهالة عن العقد، كما ينفيه العلم بقدره في الجملة.
فإن قيل: التفصيل مخالف للجملة؛ لأنه إذا عرف في الجملة، وجهل في التفصيل، كان ما يجب عليه بالعقد معلومًا.
وإذا كان معلومًا في التفصيل معلومًا أمكن الوقوف على مقداره بالكيل والعد، فهو كما لو تلف بعض المبيع، وبقي البعض؛ لما أمكن الوقوف على ما قابله من الثمن بالتقويم، لم يضر الجهل به حال العقد، كذلك هاهنا.

واحتج المخالف بأن الثمن مجهول في حال العقد؛ لأنه إذا لم يدر كم عدد الذرعان لم يدر جملة الثمن، وجهالة الثمن في حال العقد تبطل العقد، ألا ترى أنه لو اشترى برقمه، أو برأس ماله، أو بما اشترى به فلان، لم يجز العقد؛ لأن الثمن مجهول في حال العقد، كذلك هاهنا.
والجواب: أنا لا نسلم: أنه مجهول حال العقد لما بينا، وهو: أنه يتوصل إلى معرفته من غير المتعاقدين، أو أحدهما، فهو كبيع المرابحة.
ولا يشبه هذا إذا اشتراه برقمه؛ لأنه يجوز أن يزيد وينقص على ما يظنه المشتري، فهو مجهول.
وكذلك إذا اشتراه برأس ماله، وكذلك إذا اشتراه بما اشترى به فلان؛ لأنه ربما غبن البائع أو المشتري، فيزيد الثمن وينقص، فلم يصح لأجله الجهالة، وهذا معدوم هاهنا، لأنه إن عرف قيمة كل شاة فلا غرر فيه؛ لأنهما قد رضيا في كل شاة بدرهم، فلهذا فرقنا بينهما.
وقد أطلق أحمد القول في جواز البيع بالرقم، فقال في رواية أبي داود: وقد سئل عن بيع الرقم، فكأنه لم ير به بأسًا.
وقال- أيضًا- في رواية أبي طالب: لا بأس ببيع الرقم، فيقول: أبيعك برقم كذا وكذا، وزيادة على الرقم كذا وكذا، كل ذلك جائز وصالح [......] إنما هو ببيع الرقم.

وهذا محمول على أنهما عرفا مبلغ الرقم، وأوقعا عليه.
...

311 -

مسألة

إذا قال: (بعتك ذراعًا من هذه الدار)، وهما يعلمان مبلغ ذرعان الدار، صح البيع:

وقد قال أحمد في رواية حنبل: وذكر له قول الثوري: أكره أن يقول: (أبيعك ذراعًا من نصف هذا الثوب مما يليك) حتى يذرعه، ثم يبيعه، وإذا قال رجل لآخر: (بعني نصف دارك مما يلي داري) فهو مردود، فقال: إذا ذرع فهو جائز.
ومعناه: إذا ذرع جملة الدار أو جملة الثوب، فالبيع جائز في بعضه.
وهو قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: البيع باطل.
دليلنا: أنه إذا علم ذرعان الدار كان المبيع بينهما معلومًا، فإذا كانت ذرعانها عشرة، والمبيع ذراع، كان المبيع عشرًا، فيصير كأنه قال: بعتك عشرها، ولو قال هذا كان البيع صحيحًا، كذلك إذا قال: بعتك عشرها، ولو قال هذا كان البيع صحيحًا، كذلك إذا قال: بعتك [ذراعًا]، وهما يعلمان أن الدار عشرة أذرع؛ لأن الواحد من العشرة عشر.

ويفارق هذا إذا لم يعلم مبلغ ذرعانها؛ لأن المبيع لا يكون بينهما معلومًا؛ لعدم العلم بجملة الأذرع، فلا يعلم كم المبتاع من جملة الدار.
وقد قيل: اشترى من الدار جزءًا معلومًا غير معين، فجاز، كما لو اشترى سهمًا من كذا، وكذا سهمًا من الدار.
ولا يلزم عليه إذا لم يعرف مبلغ ذرعان الدار؛ لأن الجزء غير معلوم.
ولا يلزم عليه إذا عين الذراع من موضع بعينه، ولم يذكر الابتداء والانتهاء؛ لقولنا: (غير معين)، وهناك قد عين.
وقد قال أحمد في رجل قال لرجل: (بعني نصف دارك مما يلي داري)، فهو بيع مردود؛ لأنه لا يدري أين ينتهي بيعه، ولو قال: (أبيعك نصف هذه الدار، أو ربع هذه) جاز.
واحتج المخالف بأن الذراع عبارة عن مقدار بعينه لا يزيد، ولا ينقص، وبقاع الدار تختلف، فإذا لم يقيد، لم يجز، كما لو اشترى شاة من هذا القطيع، أو ثوبًا من جملة هذه الثياب.
ويفارق هذا شراءه قفيزًا من صبرة؛ أنه يجوز؛ لأن القفزان من صبرة واحدة لا تختلف، والذرعان تختلف.
والجواب: أن الذراع عبارة [عن مقدار] مخصوص لا يزيد،

ولا ينقص، وليس بعبارة عن البقعة حتى يقال: إن بقاع الدار مختلفة، فإذا قال: ذراعًا من كذا، أفاد السهم المشاع، وقام مقامه في البيان، ألا ترى أنه لا فرق بين أن يقول: أوصيت بقفيزٍ من عشرة أقفزة من غلة هذا القراح، وبين أن يقول: أوصيت بعشر غلته؛ فإن أحد اللفظين قائم مقام الآخر، كذلك قوله: ذراع من عشرة أذرع، أو عشرها، [يجب] أن يكون سواء.
وعلى أن قولك: بعتك ذراعًا، يحتمل أن يريد السهم، ويحتمل أن يريد البقعة المخصوصة، فيجب حمله على السهم؛ ليكون البيع صحيحًا؛ لأن المبيع إذا أمكن حمله على الصحة لم يجز حمله على الفساد، ولهذا قال أبو حنيفة في مسألة: مد عجوة ودرهم: البيع صحيح؛ لأن له وجهًا في الصحة.
ولأنا إذا حملناه على البقعة ألغينا ذكر ذرعان الدار، وإذا حملناه على السهم لم يكن لغوًا.
ولا يشبه هذا شاة من القطيع، وثوبًا من جملة هذه الثياب؛ لأن ذلك مجهول؛ لأنه ليس بعبارة عن سهم مشاع، ولا معين، فلهذا بطل.


312 -

مسألة

إذا كان البائع يعلم كيل الصبرة، فباعها جزافًا، لم يجز، إلا بعد أن يعلم المبتاع بقدر كيلها، فإن لم يبين له كان للمبتاع الرد:

قال في رواية حرب: إذا كان يعلم كيله، فجاء رجل يطلبه، فلا يبيعه مجازفة حتى يعلم منه ما يعلم.
وقال الخرقي: ومن عرف مبلغ شيء لم يبعه صبرًة.
وبهذا قال مالك.
وقال أبو حنيفة والشافعي: البيع جائز، ولا يلزمه إعلام المشتري.
دليلنا: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من غشنا فليس منا).
وهذا غش.
ولأن المبتاع دخل على أن البائع بمثابته في الجهل بمقدار المبيع.
وأيضًا روى ابن وهب من أصحاب مالك عن مسلمة بن علي وغيره، عن الأوزاعي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يباع الطعام مجازفة، وهو يعلم ما كيله.
وهذا- وإن كان مرسلًا- فهو حجة عندنا وعند أبي حنيفة، ولنا أن نبني فروعنا على أصولنا.

ولأنه باع جزافًا ينفرد بعلم قدر كيله، فلم يجز.
دليله: إذا قال: (بعتك ملء هذه الغرارة)، والبائع يعلم قدر ما تسعه.
ولا يلزم عليه إذا كان المشتري عالمًا مبلغ كيلها في البلد جاز، وإن لم يعلم لم يجز؛ لأنه لا يؤمن هلاكها، فلا يدري بماذا يرجع المشتري؟ قيل: [....]. ولأنه إذا علم قدره، ولم يعلمه، فقد قصد تدليسه وغبنه وغشه، فملك الخيار، كما لو باع شاة مصراة، أو أمًة قد سود شعرها.
واحتج المخالف بأن البيع معلوم بالمشاهدة، فوجب أن يغني عن معرفة كيله.
دليله: لو جهلا مبلغها.
فلهذا جاز العقد، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه قصد التدليس، فهو كما لو باع أمة سود شعرها، أو جعده، أو شاة أصر لبنها.
وإن شئت قلت: علة المعنى في الأصل: أن البائع غير عالم بمبلغ كيله، وهاهنا قد انفرد بمعرفة مبلغه، أشبه إذا باعه ملء هذه الغرارة.

313 -

مسألة

لا يجوز بيع المكيلات بعضها ببعضٍ جزافًا، وكذلك الموزونات:

نص على هذا في رواية بكر بن محمد، فقال: لا بأس أن يشتري ما يكال بما يوزن جزافًا، وما يكال بما يكال فلا، ولا ما يوزن بما يوزن جزافًا، ويشتري الإبل والعروض جزافًا، وإن لم يعلم عدده، وما يعد فلا بأس أن يشتري جزافًا، وإن لم يعرف عدده؛ يجئ إلى قطيع إبل، أو غنم، أو بقر، فيشتريها جزافًا.
وقال- أيضًا- في رواية الحسن بن ثواب: لا يجوز أن يشتري نقرة ذهب بنقرة فضة لا يعلم وزنها.
وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز ذلك.
وقال مالك: لا يجوز ذلك في الدراهم والدنانير، ويجوز فيما عدا ذلك.
دليلنا: ما روى أبوب بكر بإسناده عن جابر قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تباع الصبر بالصبر من الطعام لا يدري ما كيل هذا، ولا ما كيل هذا.
وهذا عام في الصبر إذا كانت من جنس واحد أو من جنسين.
وأيضًا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الغرر.

وأصل الجزاف غرر.
وطريقة أخرى، وهو: أن جواز بيع المكيل بالمكيل جزافًا يفضي إلى الربا بعقدٍ، وذلك أن إحدى الصبرتين تستحق، فيرجع عليه بمثلها؛ لأن لها مثل، ولا يخلو أن يزيد على القدر، أو ينقص.
ويفارق هذا المعدودات؛ لأنه لا ربا فيها، ولأن الواجب القيمة.
ولا يلزم عليه إذا أتلف على رجل صبرًة؛ أنه يلزمه مثلها، وإن أفضى إلى الربا؛ لأنه لا يمكن الاحتراز من التفاضل؛ لأنه يتلفه بغير اختياره، وليس كذلك ما ملك بعقد؛ لأنه يمكنه الاحتراز من التفاضل، فلهذا لم يجز.
ولأنه بيع مكيل بمكيل جزافًا، أو بيع موزون بموزون جزافًا، فلم يصح العقد.
دليله: إذا باعه بشرط الخيار أربعة أيام.
فإن قيل: المعنى هناك: أنه لو لم يكن جزافًا لم يصح العقد.
قيل له: لا نسلم لك هذا، بل يصح عندنا.
ولأنه مكيل بمكيل، أو موزون بموزون جزافًا، فلا يصح.
دليله: إذا باع صبرة طعام جزافًا، أو دراهم صبرة بدراهم صبرة.
وإن شئت قلت: لأنه مما يضمن بمثله، فلم يجز بيعه بجنسه جزافًا.

دليله: ما ذكرنا.
ولا يلزم عليه المعدودات؛ لأنها لا تضمن بالمثل.
فإن قيل: هناك إنما بطل العقد لأجل الربا, والربا هاهنا معدوم لاختلاف الجنسية.
قيل له: لا يمتنع أن يبطل العقد لعدم الربا, كما لو باعه شيئًا في كمه أو داره لم يره, أو كان ثمن السلم جزافًا.
ولأن العلم بقدر المعقود عليه أحد جهتي العلم بالمعقود عليه, فكان لعدمه تأثير في الفساد, كالجهل بالعين.
ولأن بيوع الأعيان أحد نوعي العقد, فجاز أن يؤثر الجزاف في فساده, كالعقد على ما في الذمة؛ يؤثر الجزاف في فساده, وهو رأس مال السلم والقرض.
وليس لهم أن يقولوا: إن ذلك معقود على ما في الذمة, وهذا على العين؛ لأن علة الأصل تبطل بالإقرار والنذر؛ هو في الذمة, ولا يفتقر أن يكون معلوم القدر, وعلة الفرع تبطل بمال الشركة والمضاربة؛ هو عقد على عين, ولا يصح في الجزاف.
واحتج المخالف بأن هذا معلوم بالمشاهدة, فصح العقد عليه.
دليله: المعدودات, والمكيلات بالموزونات.
والجواب: أنه يبطل ببيع طعام بطعام ودراهم بدراهم جزافا؛ فإنه

معلوم بالمشاهدة, ولا يصح العقد, وكذلك رأس مال السلم- إذا كان جزافًا- معلوم بالمشاهدة, ولا يصح.
وعلى أن المكيل والموزون لما فارق المعدود في تعلق الربا به, وفي أنه يضمن بمثله, جاز أن يفارقه في مسألتنا, فلا يجوز بيع بعضه ببعض جزافًا, ويجوز في غيره.
...

314 -

مسألة

إذا كان المبيع ثوبًا, أو عبدًا, أو دارًا, أو صبرةً, ونحوه مما يتعين ملك المشتري فيه, وتلف قبل قبضه, فهو من مال المشتري:

نص على هذا في رواية أبي الحارث في رجل اشترى طعامًا, فطلب من لحمه, فرجع, وقد احترق: فهو من مال المشتري.
واحتج بحديث ابن عمر: ما أدركت الصفقة حيًا مجموعًا, [فهو من المبتاع].
وكذلك نقل ابن منصور عنه في رجل اشترى طعامًا, وقلبه, ولم يقبضه: فهو من مال المشتري.
قال أبو بكر: هذا محمول على أنه اشتراه صبرة.

وقال مالك: إن امتنع المبتاع عن القبض مع قدرته على القبض, فهو من ضمانه, فإن تلف قبل ذلك, فهو من ضمان البائع.
وقال أبو حنيفة والشافعي: ذلك من ضمان البائع.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن عائشة: أن رجلا اشترى غلامًا, فاستغله زمانًا, ثم أصاب به عيبًا, فخاصمه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -, فقضى برده, فقال الرجل: يا رسول الله! إنه استغل غلامي, فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الخراج بالضمان).
فوجه الدلالة: أنه جعل الخراج بالضمان, وخراج المبيع قبل القبض للمبتاع, فكان ضمانه عليه.
فإن قيل: الخبر يقتضي تعليق الخراج بالضمان, وأن من كان الضمان عليه كان الخراج له, ولا يقتضي أن من حصل الخراج له, كان الضمان عليه, وهذا كما يقال: ليس لله نبي إلا صالح, فلا يقتضي أن لا يوجد صالح إلا وهو نبي.
قيل له: الباء للبدل, فقد جعل الخراج بدل الضمان, فلا فرق بين أن يقول: (الضمان بالخراج), وبين أن يقول: (الخراج بالضمان), كما أنه لا فرق بين ان يقول: (هذه الألف بهذا الثوب), وبين أن يقول: (هذا الثوب بهذه الألف) في أن كل واحد منهما بدل عن الآخر.

وفارق هذا قوله: (ليس لله نبي إلا صالح)؛ لأنه ليس هناك حرف البدل.
وأيضا ما رأيت في (مسائل الفرج بن الصباح البرناطي) ويغلب على ظنى أنه سماع أبي حفص البرمكي؛ لأن ولده أخرج إلي المسائل قال: نا أبو على بن الصواف قال: نا أبو بكر بن عبد الخالق قال: نا أبو همام قال: نا الوليد بن مسلم قال: الأوزاعي, عن الزهري قال: حدثني حمزة بن عبد الله بن عمر: أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيًا مجموعًا فهو من مال المبتاع.
وقول الصاحبي: (مضت السنة) يقتضي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -, وهذا نص؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثبت ذلك من ضمان المبتاع.
ولأنه مبيع تعين من مال البائع, فإذا لم يستحق على البائع تركه في ملكه, ولم يشترط القبض في صحة العقد, كان من ضمان المبتاع.
دليله: المقبوض.
ولا يلزم عليه إذا ابتاع قفيزًا من صبرة, أو منا حديدًا من زبرةٍ, أو مئة بيضة من ألف بيضة؛ أنه من ضمان البائع؛ لأن المبيع هناك غير متعين من مال البائع.
ولا يلزم عليه إذا اشترى ثمرة معلقة قد بدا صلاحها, فتلفت بآفة

سماوية؛ أنه من ضمان البائع, وإن كانت متعينة؛ لقولنا: (فإذا لم يستحق على البائع تركها في ملكه), وتلك يجب عليه تركها إلى الجذاذ بإطلاق العقد.
فإن قيل: لا معنى لقولكم: (تعين)؛ لأن ما لم يتعين- أيضًا- هو من ضمان المبتاع, وهو إذا ابتاع سهمًا مشاعًا في عقار, وتلف قبل قبضه, فهو غير متعين, ومع هذا فهو من ضمان المبتاع.
وكذلك المعدود أيضًا؛ لأن ابن منصور نقل عن أحمد: أنه ذكر له قول الثوري: كل شيء ليس فيه كيل, ولا وزن, فخراجه وحمله ونقصه على المشتري, وكل بيع فيه كيا ووزن, أو عدد, فلابد للبائع أن يوفيه.
فقال أحمد: أما العدد فلا, ولكن كل ما كان يكال ويوزن, فلابد للبائع أن يوفيه؛ لأن ملكه قائم فيه.
قيل له: أما العقار؛ فإنه في معنى المتعين, ألا ترى أنه لا يحتاج عند القبض إلى معنى يحصل به التمييز, بل يسلمه على صفته, وليس كذلك قفيز من صبرة؛ لأنه يحتاج عند القبض إلى معنى يحصل به التمييز, وهو الكيل.
وأما المعدود إذا كان مشاعًا, فحكمه حكم المكيل والموزون المشاع.
وقد ذكر الخرقي هذا في (مختصره), فقال: إذا وقع البيع على

مكيل, أو موزون, أو معدود, فتلف قبل قبضه, فهو من مال البائع, وما عداه فلا يحتاج فيه إلى قبض, فإذا تلف فهو من مال المشتري, وما قاله في رواية ابن منصور فهو محمول على أن المعدود كان متعينًا من مال البائع, ولم يكن مشاعًا من جملة مثل أن يبتاع صبرة [بيض], أو صبرة باذنجان, ونحو ذلك.
وأجود من هذه العبارة: أنه مبيع انقطعت علق البائع منه, فكان من ضمان المبتاع.
دليله: بعد القبض.
ولا يلزم عليه إذا كان المبيع ثمرة معلقة؛ لأنه لم تنقطع علقه منه, وهو السقي.
ولا يلزم عليه إذا كان مكيلًا؛ لأنه لم تنقطع علقه, وهو تميزه عن ملكه.
ولا يلزم عليه الصرف؛ لأن علقه باقية, وهو القبض قبل التفرق.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه يجوز التصرف فيه, فلهذا كان من ضمانه, وليس كذلك قبل القبض؛ لأنه لا يجوز التصرف فيه, فلهذا لم يكن من ضمانه.
قيل له: لا نسلم لك هذا, بل يجوز التصرف فيه قبل قبضه, وهذه

جارٍ التحميل