إذا قرن؟ قال: نعم، إذا لم يسق الهدي، ولا بد له أن يهل بالحج في عامه، وليس عليه لعمرته شيء، وعليه دم إن عجل به العام.
وكذلك قال في رواية الحسن:] وللذي يهل بحج [وعمرة- وليس معه هدي- أن يجعلها متعة، كما جعلها رسول الله "صل الله عليه وسلم" حين أمرهم بها.
فقد نص على جواز الفسخ.
والوجه فيه ما روى أبو حفص] بإسناده عن [أنس: أن رسول الله "صل الله عليه وسلم" وأصحابه قدموا مكة، وقد لبوا] بحج وعمرة [، فأمرهم النبي "صل الله عليه وسلم" بعدما طافوا بالبيت، وسعوا بين الصفا والمروة،] أن يجعلوها عمرة، فأحل القوم، وتمتعوا].
وبإسناده عن ابن عباس: أنه كان يأمر القارن أن يجعلها عمرة إذا لم يسق معه الهدي.
ولأنا إنما استحببنا فسخ الحج إلى العمرة؛ ليأتي بزيادة نسك، وهو الدم، وإذا كان قارناً ففسخ أتى بزيادة، وهي إفراد العمرة عن أفعال الحج، والدم أيضاً.
واحتج بأنه لم يجز فسخ العمرة إلى الحج، كذلك ى يجوز فسخ الحج إلى العمرة.
والجواب: أنه إنما لم يتحلل من العمرة إلى الحج؛ لأن نيته لم تشتمل على أفعال الحج، ونية الحاج شملت أفعال العمرة.
ولأنه لا يجوز إدخال العمرة على الحج، ويجوز إدخال الحج على العمرة.
ولأنه لو أحرم بعمرة لم يجز أن يتحلل منها بحجة، ولو أحرم بحجة، ثم أحصر، جاز أن يتحلل بعمل عمرة، فبان الفرق بينهما.
ولأنه لا يستفيد بذلك فائدة، وهاهنا يستفيد فضيلة التمتع.
واحتج بأن هذا فسخ الحج إلى العمرة، فلم يجز.
دليله: إذا ساق الهدي.
والجواب: أنه يبطل بالفسخ الذي كان في وقت النبي "صلى الله عليه وسلم".
ثم المعنى في الأصل: أن ذلك الفسخ لم يكن جائزاً في وقت النبي "صل الله عليه وسلم"، وهذا كان جائزاً في وقته، فجاز في وقتنا هذا، كفسخ البيع بالإقالة.
ولأنه لو فسخ لتحلل من عمرته بمكة، فينحر بمكة، فتصير مكة محلاً للذبح، والمستحب أن ينحر بمنى، فيؤدي إلى مخالفة المسنون في الذبح، وهذا معدوم فيمن لم يسق الهدي، فبان الفرق بينهما.
واحتج بأنه فسخ حج، فلم يجز.
دليله: لو وقف بعرفة، ثم أراد الفسخ، او فسخ، لا بنية العمرة.
والجواب عنه إذا أراد الفسخ بعد الوقوف: إنما لم يصح؛ لأنه لم يكن جائزاً في وقت النبي "صل الله عليه وسلم"، وهذا الفسخ كان جائزاً في وقته.
ولأنه إذا فسخ قبل الوقوف استفاد به فضيلة التمتع، وهذا المعنى لا يحصل له بعد الوقوف؛ لأنه قد أدرك الحج.
وهكذا الجواب عنه أراد الفسخ لغير عمرة: لأنه لم يكن ذلك جائزاً في وقت النبي "صل الله عليه وسلم".
ولأنه لا يستفيد به فائدة، وهاهنا بستفيد به فضيلة التمتع، فبان الفرق بينهما.
46 -
مسألة
المكي يصح له التمتع والقران، ولا يكره له ذلك، إلا أنه لا يلزمه دم:
نص عليه في رواية ابن منصور في رجل مكة بعمرة في أشهر الحج، وهو يريد الإقامة، ثم ينشئ الحج، أمتمتع هو؟ قال: نعم.
وقد نص على هذا في رواية] صالح، ذكره [في طاعة ((طاعة الرسول))، فقال تعالى:} فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ {] البقرة: 196 [، فالظاهر: أن الهدي قد وجب على من تمتع من الناس كلهم، من كان من أهل مكة] حاضري المسجد الحرام، فقال: ما اختلف [الناس أنهم لم يروا على أهل مكة هديا في متعة.
وظاهر هذا: أنه حكم بصحة المتعة في حقه بظاهر الآية، وأسقط الدم عنه.
وكذلك نقل المروذي عنه فقال: ليس على أهل مكة هدي المتعة، ولا لمن كان دون ما تقصر فيه الصلاة.
وظاهر هذا: أنه حكم بجوازها في حقهم من غير دم.
وقد علق القول في موضع آخر من مسائل المروذي فقال: ليس لأهل مكة متعة.
ومعناه: ليس عليهم دم المتعة.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يصح له التمتع والقران، بل له ذلك، ومتى فعله لزمه دم جناية.
وفائدة الخلاف: أنا نحن لا نكره له ذلك، بل نستحب له ذلك، وعنده بكره، ويلزمه دم جناية؛ لأنه ملم بأهله، فيحصل الخلاف في نفي الكراهة، ونفي الدم الذي هو دم جناية.
دليلنا: أن كل نسك جاز لأهل الآفاق جاز لأهل مكة.
دليله: الإفراد.
وكل من جاز له أن يفرد جاز له أن يتمتع ويقرن.
دليله: غير أهل مكة.
ولأن ما لا يكره لغير أهل مكة لا يكره لأهل مكة.
أصله: سائر الطاعات من الصلاة، والصيام، والزكاة والحج المفرد، والاعتكاف، وسائر ما هو قربة وطاعة.
ولأن ما كان طاعة لأهل الآفاق ينالون به رضا الله -سبحانه- ويستحقون ثوابه، فهو لأهل مكة أولى؛ لأن سكان حرم الله وحاضري
مسجده أولى بوفور القرب والطاعة من غيرهم.
واحتج المخالف بقوله تعالى:} فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴿إلى قوله:﴾ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴿] البقرة: 196 [
فإنما أباح التمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.
والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن قوله:﴾ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ ﴿راجع إلى الهدي، فكانه قال: فمن تمتع فعليه الهدي إلا المكي؛ فإنه لا هدي عليه، ونحن نقول: لا دم عليه.
فإن قيل: لو كان كذلك لقال: ذلك على من لم يكن؛ لأن الهدي يكون عليه، لا له، ألا ترى أنه لا يصح أن يقال: لك صوم رمضان؛ بمعني: عليك.
قيل له: يجوز أن تقوم (اللام) مقام (على) قال تعالى:﴾ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴿] غافر: 52 [؛ معناه: عليهم.
وقال:﴾ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا {] الإسراء: 7 [يعني: فعليها.
فإن قيل: هذا مجاز.
قيل له: الأصل في كلامهم الحقيقة، ومدعي المجاز يحتاج إلى دليل.
وجواب آخر عن أصل الدليل، وهو: أن قوله:} فَمَن ﴿] البقرة: 196 [شرط، وقوله:﴾ فَمَا اسْتَيْسَر ﴿] البقرة: 196 [جزاء، و﴾ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ ﴿] البقرة: 196 [استثناء،] والاستثناء يرجع [إلى الجزاء دون الشرط، كقول القائل: (من دخل الدار فأعطه إلا فلاناً) إن الاستثناء يرجع إلى الجزاء، وهو قوله: فأعطه، فيصير كأنه قال: إلا فلاناً، فلا تعطه، كذلك هاهنا يصير كأنه قال: فمن تمتع فعليه دم، إلا المكي؛ فإنه لا دم عليه.
ويبين صحة هذا، وأن قوله:﴾ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ ﴿لا يرجع إلى قوله:﴾ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴿] البقرة: 196 [:] أن [﴾ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ ﴿] البقرة: 196 [لم يحسن] عقيبه [، وإذا ذكر عقيب الجزاء حسن، فدل على أنه راجع إليه.
فإن قيل: قوله:﴾ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ {إشارة إلى من أتيح له التمتع، ونظير هذه الآية أن يقول قائل: من دخل الدار فعليه درهم، ثم يقول: ذلك لمن لم يكن من بلد كذا، فنفهم منه: أنه أراد بقوله: (ذلك لمن لم يكن) إشارة إلى من أبيح له دخول الدار.
قيل: لا فرق بينهما، وذلك أن قوله: (لمن لم يكن من بلد كذا) راجع إلى الجزاء، وهو استحقاق الدرهم، ولم يرجع إلى الشرط الذي
هو جواز الدخول.
وجواب آخر، وهو: أن الآية اقتضت متمتعاً يجب عليه الهدي، فيجب أن يكون الاستثناء راجعاً إلى متمتع يجب عليه الهدي، والمكي ليس عليه دم، فلم يرجع إليه الاستثناء.
واحتج بأن المكي يحصل له إلمام بأهله بين العمرة والحج، ويباح له الإحلال بينهما، فوجب ألا يكون متمتعاً كالكوفي إذا أحرم بعمرة في غير أشهر الحج، وطاف لها في أشهر الحج، ورجع إلى الكوفة، ثم حج من عامة ذلك: أنه لا يكون متمتعاً.
وفيه احتراز عن التمتع إذا ساق الهدي، ورجع إلى أهله، وحج من عامة ذلك: أنه يكون متمتعاً؛ لأنه إذا كان مقيماً على إرادته الحج في تلك السنة، فإن سوق الهدي يمنعه من الإحلال بينهما، فلا يثبت له حكم الإلمام.
والجواب: أنه ينتقض بالمتمتع إذا ساق الهدي، ورجع أهله، فإنه وجد منه الإلمام، ومع هذا فهو متمتع.
وقولهم: (إنه لا يثبت له حكم الإلمام) غير صحيح؛ لأن معنى الإلمام: هو النزول بأهله، والرجوع إلى منزله، لا غيره، وهذا موجود منه إذا رجع إلى أهله، ومعه هدي.
ويبين صحة هذا: أنهم لا يشترطون في الإلمام الاستمتاع بأهله،
فلا معنى لقولهم: إنه إذا ساق الهدي، ليس هو على صفة تسبيح الاستمتاع.
ثم المعنى في الأصل: أن الإحرام بالعمرة حصل في غير أشهر الحج، فهذا يجب دم التمتع، وكذلك هاهنا؛ لأنه جمع بين إحرام الحج وإحرام العمرة في أشهر الحج، ولم يتخللها سفر تقصر فيه الصلاة، أشبه غير المكي.
واحتج بأنه لو صح التمتع للزمه هدي المتعة كالكوفي، فلما لم يلزمه دل على أنه لا يكون متمتعاً، كالكوفي إذا أحرم بعمرة في غير أشهر الحج.
والجواب: أنه إنما لم يلزم المكي الدم؛ لأن دم التمتع وجب بنص القرآن والإجماع والنص ورد والإجماع انعقد في غير المكي، فلهذا لم يلزمه دم.
ولأن دم التمتع يجب بشرائط منها الترفه بأحد السفرين؛ لأنه كان يلزمه أن ينشئ لكل واحد من الحج والعمرة سفراً من بلده، وهذا المعنى معدوم في المكي؛ لأنه لم يحصل له الترفه، ولهذا نقول: لو سافر بين الحج والعمرة سفراً تقصر فيه الصلاة لم يجب الدم.
47 -
مسألة
إذا رجع المتمتع إلى الميقات بعد الفراغ من العمرة لم يسقط عنه دم المتعة، فإن رجع إلى موضع تقصر فيها الصلاة سقط عنه دم المتعة:
نص عليه في رواية الأثرم وحرب فيمن أحرم بعمرة في أشهر الحج: فهو متمتع إذا أقام حتى يحج، فإن خرج من الحرم سفراً تقصر في مثله الصلاة، ثم رجع، فحج، فليس بمتمتع، ولا هدي عليه.
وهذا لفظه في رواية حرب، وقد علق القول في رواية يوسف بن موسى وأحمد بن الحسين: إذا قام بإنشاء الحج من مكة فهو متمتع، فإن خرج إلى الميقات، فأحرم بالحج، فليس بمتمتع.
وهذا محمول على أن بين الميقات وبين مكة مسافة تقصر فيها الصلاة.
وقال أبو حنيفة: إن رجع إلى أهله سقط الدم فإن لم يرجع إلى أهله لم يسقط.
وقال مالك: إن رجع إلى بلده، أو بقدر مسافته في البعد سقط عنه الدم.
وقال الشافعي: إن رجع إلى الميقات سقط عنه الدم.
دليلنا: ما روي عن عمر بن الخطاب: أنه قال: إذا اعتمر في أشهر الحج، ثم أقام، فهو متمتع، فإن خرج، ثم رجع، فليس متمتع.
وهذا عام فيه إذا خرج إلى بلده، أو إلى ميقاته، أو غيرهما من البقاع.
وروى أبو حفص بإسناده عن نافع، عن ابن عمر في الفتنة وأقام حتى الحج، وقال: من كان أقام معنا حتى الحج، فعليه المتعة، ومن رجع إلى أهله، ثم حج، فليس عليه متعة.
فإن قيل: هذا يعارضه ما روي عن يزيد الفقير قال: دخلنا مكة عماراً، ثم زرنا قبر النبي "صل الله عليه وسلم"، وحججنا من عامنا ذلك، فسألنا ابن عباس فقال:] أنتم [متمتعون.
قيل: هذا يقتضي: أنهم متمتعون، ونحن لا نمنع ذلك، لكن هل يكون عليه دم التمتع؟ ليس فيه، وغير ممتنع أن يكون متمتعاً لا دم عليه، كالمكي.
ويخص أبا حنيفة [بأنه جمع بينهما] في سفرين صحيحين، فسقط الدم.
دليله: لو عاد إلى بلده، أو إلى مثله في المسافة.
ويخص الشافعي بأن جمع بينهما في أشهر الحج من غير أن يتخللهما سفر تقصر فيه] الصلاة، أشبه [لو لم يخرج إلى الميقات.
واحتج المخالف من أصحاب أبي حنيفة بأنه جمع] بينهما في أشهر الحج من غير [إلمام بأهله، أشبه لو لم يسافر، أو سافر ما لا تقصر فيه الصلاة.
] والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه [جمع بينهما في سفر واحد، وليس كذلك هاهنا، لأنه فصل بينهما بسفر تقصر فيه الصلاة، أشبه إذا رجع إلى أهله.
واحتج بأنه لم ينقض سفره بالعود إلى ما تقصر فيه الصلاة، فصار كما لو سافر.
والجواب: أنا لا نسلم أنه لم ينقضه.
يبين صحة هذا: أنه بالسفر يحصل ميقاته ميقات أهل البلدان.
واحتج أصحاب الشافعي بأن دم التمتع يجب بشرائط، منها ترك الإحرام من الميقات، فإذا رجع إليه سقط.
والجواب: أنا لا نسلم أنه يجب بترك الإحرام، وإنما يجب بالترفه بأحد السفرين، فإذا سافر ما يقصر فيه، لم يحصل منه ذلك.
والذي يبين صحة هذا: أن القارن لم يترك الإحرام من الميقات، ومع هذا يجب عليه الدم، فعلم أن العلة الترفه.
فإن قيل: لو كانت العلة الترفه لوجب أن يجب على المفرد الدم؛ لأنه مترفه بأحد السفرين.
قيل له: إنما يجب بالترفه، والجمع بينهما في أشهر الحج، فإذا قدم الحج حصلت العمرة في غير أشهره.
فإن قيل: فيجب أن يقول: لو تحلل من حجه في يوم النحر، ثم أحرم فيه بعمرة: أن يكون متمتعاً؛ لأن يوم النحر من أشهره، فيكون جامعاً بينهما في أشهر الحج، وقد قلتم: لا يكون متمتعاً، على ظاهر كلام أحمد في رواية إسحاق بن هانئ، فقال: لا يجب على من اعتمر
بعد الحج هدي.
قيل: هو- وإن كان من أشهر الحج- فقد جعل في حكم ما ليس من أشهره، بدليل: أن الحج يفوت فيه، ولا يدركه بإدراكه، ومثل هذا ما قالوه إذا بقي من وقت صلاة الجمعة ركعة: هو وقت لصلاة الجمعة في حال الاستدامة، وليس بوقت في حال الابتداء، فلو أراد أن يبتدئ الجمعة في هذا الوقت، ويتمها في وقت العصر، لم يصح عندهم.
واحتج بأنه رجع للإحرام بالحج إلى ميقاته، وجب أن لا يجب عليه دم قياساً عليه إذا رجع إلى ما تقصر فيه الصلاة.
والجواب: أنه حصل مسافراً بين الحج والعمرة سفراً صحيحاً، وهذا معدوم هاهنا.
واحتج بأنه موضع لا يستحق فيه الإحرام بالشرع، فلا يسقط دم التمتع بالعود إليه.
دليله: ما ذكرنا.
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج بأنا اعتبرنا الرجوع إلى الميقات، واعتبرتم الرجوع إلى ما تقصر فيه الصلاة، فكان اعتبارنا أولى؛ لأن للرجوع إلى الميقات والإحرام منه تأثيراً في إسقاط الدم، وهو إذا جاوزه غير محرم، ثم
رجع إليه محرماً أو غير محرم، وأحرم منه، وليس للرجوع إلى غيره تأثير في إسقاط الدم في موضع من المواضع.
والجواب: أنه إنما كان له تأثير في إسقاط الدم؛ لأنه كان يلزمه الإحرام من الميقات، فإذا جاوزه وجب عليه الدم وجوباً مراعى، فإذا رجع سقط عنه الدم،] و [ليس كذلك المتمتع؛ لأنه إذا أحرم بالعمرة من الميقات لم يلزمه الإحرام بالحج من ميقاته، بل ميقاته مكة، ولا يكون عوده إلى الميقات مسقطاً للدم؛ لأنه لم يلزمه الإحرام منه.
48 -
مسألة
إذا أحرم بعمرة في رمضان، وطاف لها في شوال، وحج من عامه ذلك، لم يكن متمتعاً حتى يحرم بالعمرة في أشهر الحج:
نص عليه في رواية الأثرم، وإبراهيم بن الحارث: ومن أهل بعمرة في غير أشهر الحج، ثم قدم في شوال لا يكون متمتعاً.
وكذلك نقل ابن إبراهيم فيمن أحرم بعمرة في شهر رمضان، ودخل الحرم في شوال: عمرته في الشهر الذي أهل.
وقال أبو حنيفة ومالك: يكون متمتعاً.
وللشافعي قولان:
قال في القديم مثل قول أبي حنيفة.
وقال في الجديد مثل قولنا.
دليلنا: أن إحرام العمرة لم يحصل في أشهر الحج، فأشبه إذا طاف في رمضان.
ولأن الإحرام نسك لا تتم العمرة إلا به، أو عمل من أعمال العمرة، فوجب أن يكون وجوده في أهر الحج شرطاً في وجود دم التمتع.
دليله: الطواف.
فإن قيل: الإحرام ليس من العمرة عندنا، وإنما هو سبب يتوصل به إلى أدنى أفعالها، فلا يعتبر فيه ما يعتبر في الأفعال، بدليل: أنه ليس بمقصود في نفسه، وإنما يتوصل به إلى أدنى موجباته، فلم يجب اعتباره بسائر الأفعال.
قيل: الدلالة على أن الإحرام من العمرة، وأن حكمه حكم سائر أعمال العمرة سواء، ألا ترى أنه لما لم تتوقت أفعال العمرة يتوقت الإحرام، ويشترط للإحرام ما يشترط لسائر الأفعال، وينافيه ما ينافي سائر الأفعال؟
ألا ترى أن استدامة الإحرام تمنع الطيب واللباس وقتل الصيد والوطء، كما يمنع حال انعقاده، وينعقد مع الفساد، ويلزم المضي فيه، كما لو طرأ الفساد عليه بعد انعقاده، والعمرة لا تتم
إلا بالطواف والسعي.
فإن قيل: استدامة الإحرام في شوال تجري مجرى ابتدائه، ولهذا قلتم: إذا أحرم العبد، ثم عتق قبل الوقوف بعرفة، ووقف بعرفة وهو حر، فإنه يدرك الحج وتكون الاستدامة بمنزل] الابتداء [للإحرام في حال الحرية.
قيل له: لا يجوز أن] تكون [استدامة الإحرام كابتدائه، كما لا يجوز] ذلك في الصلاة [، وقد ثبت أنه لو أحرم بالصلاة قبل دخول الوقت واستدامتها بعد دخول] الوقت، لم [يصح.
وأما العبد إذا أعتق، فإنما قلنا: يجزئه؛ لأنه أدرك عرفة- وهي معظم الحج- في حال الكمال، لا أن الاستدامة تجري مجرى الابتداء.
واحتج المخالف بأن طواف العمرة] حصل [في أشهر الحج، فأشبه إذا أحرم بها في هذه الأشهر.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أن الإحرام بها حصل في أشهر
الحج، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الإحرام بها حصل في غير أشهره.
واحتج بأن إحرام العمرة أحد طرفي التمتع؛ لأن التمتع لا يصح إلا بالعمرة والحج جميعا، فوجب أن لا يختص بأشهر الحج.
دليله: آخر الحج.
والجواب: أنه لا يتمنع أن يفعل الطرف الثاني في غير أشهر الحج، ولا يفعل الأول، كما قالوا: يكره الإحرام بالعمرة في يوم عرفة وأيام التشريق، ولا يكره استدامة الإحرام بها في هذه الأيام؛ لأن الطواف في آخر الحج يجوز أن يكون في غير أشهر الحج، فدل على الفرق بينهما.
49 -
مسألة
يجب دم التمتع والصوم عنه يوم النحر:
وقد قال أحمد في رواية المروذي، وقد قيل: متى يجب على المتمتع الدم؟ قال: إذا وقف بعرفة، والقارن مثله، يروى عن عطاء.
وقوله: (إذا وقف) معناه: إذا مضى وقت الوقوف، وإنما يمضي بطلوع الفجر يوم النحر.
وقال في رواية ابن القاسم، وقد سئل: متى يجب صيام المتعة؟
فقال: إذا عقد الإحرام.
معناه: أن عقده الإحرام كان سبباً للوجوب، كما أن النصاب سبب؛ لأن الوجوب به يتعلق، وإنما يتعلق بيوم النحر، كما يتعلق وجوب الزكاة بالنصاب والحول.
وبهذا قال أصحاب الشافعي: يجب ذلك إذا أحرم بالحج.
دليله: قوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ﴾ [البقرة: 196].
وتقديره: فليهد.
وحمله على أفعاله أولى من حمله على لم إحرامه من وجهين:
أحدهما: قوله عليه السلام: «الحج عرفة»، فوصفه بذلك.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3]، قيل: يوم النحر.
ولأنه إحرام تتعلق به صحة التمتع، فلم يكن وقتاً للوجوب.
دليله: إحرام العمرة.
يبين صحة هذا: أن إحرام العمرة سبب لوجوب الهدي؛ لأنه إحرام تتعلق به صحة التمتع فهو كإحرام الحج.
ويبين صحته أيضاً: أن كل شيئين تعلق الوجوب بهما، وجاز اجتماعهما، كان الأول منهما سبباً، كالنصاب، والحول، والظهار، والعود.
ولأن الهدي من جنس ما يقع به التحلل، فكان وقت وجوبه بعد وقت الوقوف.
دليله: الطواف والرمي والحلق.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، وإذا أحرم بالحج سمي متمتعاً إلى الحج.
والجواب عنه: ما تقدم، وأن حمله على ما بعد الوقوف أولى.
واحتج بأنه إحرام بالحج، وكان وقتاً لوجوبه.
دليله: يوم النحر.
والجواب عنه: أن ذاك وقت للتحلل، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه ليس بوقت له، كما لو أحرم بالعمرة.
واحتج بأن المتمتع إذا ساق الهدي لم يجز له أن يتحلل من عمرته، ويكون إحرام العمرة سبباً له، ويثبت حكمه، وإن لم يوجد وقت الوقوف.
والجواب: أنه إذا ساقه صار من جملة أفعالها، فوجب كما [وجب بقيه أفعالها]، ولهذا نقول: إذا ساق الهدي لم يجز له التحلل من العمرة قبل يوم النحر، وهو الذبح، وإذا لم يسق جاز له التحلل منها.
واحتج بأنه لو كان الصوم يجب بيوم النحر لم يجز فعله قبله؛ لأنه من عبادات الأبدان، فلا يتقدم على وقت الوجوب.
والجواب: أنه غير ممتنع عندنا ذلك إذا وجد سبب الوجوب، ولهذا قلنا: يجوز صوم الكفارة قبل الحنث وبعد عقد اليمين، وكذلك إذا تعجل في يومين جاز أن يرمي ما كان يرميه في اليوم الآخر، وإن لم يكن وقتاً للوجوب، وهو من عبادات الأبدان، وكذلك إذا عجل السعي الواجب عقيب طواف القدوم أجزأه، وإن لم يكن وقتاً لوجوبه، وكذلك إذا طاف قبل طلوع الفجر أجزأه، وإن لم يكن وقتاً لوجوبه.
50 -
مسألة
لا يجوز ذبح هدي المتعة قبل طلوع الفجر من يوم النحر:
نص عليه في رواية يوسف بن موسى، فقال: إذا قدم متمتعاً، وساق الهدي فإن قدم في شوال نحر الهدي وحل، وعليه آخر، [و] إذا قدم [في] العشر أقام على إحرامه، ولم يحل حتى يوم النحر.
فقد نص على أنه إذا نحر قبل العشر كان عليه هدي آخر؛ يعني: في يوم النحر، ولم يعتد بما ذبح قبله.
وقال - أيضاً - في رواية ابن منصور: وأما هدي المتعة فإنه يذبح يوم النحر.
ويحمل قوله: (نحر وحل) على طريق التطوع، وقوله: (وعليه
هدي آخر) المراد به: دم التمتع الواجب.
وبهذا فال أبو حنيفة ومالك.
[و] قال الشافعي: للمتمتع أن يذبح هديه بعد الإحرام بالحج، وليس له أن يذبح قبل الفراغ من العمرة.
وهل يجوز بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج؟ قولان: أحدهما: يجوز، وهو الصحيح.
والثاني: لا يجوز.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] غاية الإباحة الحلق، فلو جاز أن يذبح قبل يوم النحر، لجاز له أن يحلق؛ لوجود الغاية، فلما لم يجز تقديم الحلق، لم يجز تقديم الذبح.
فإن قيل: هذه الآية وارده في هدي الإحصار، ونحن نقول: إن المحصر لا يحلق حتى يذبح الهدي، وخلافنا في هذه [المتعة.
فيقال له: ورودها في هدي الإحصار لا يمنع اعتبار عمومها؛ لأنه لا تراعى الأسباب.
وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لبدت رأسي، وسقت الهدي، فلا أحل إلى يوم النحر».
وقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة».
ولو كان يجوز ذبح الهدي قبل يوم النحر لذكره، وصار كمن لا هدي معه.
فإن قيل: النبي صلى الله عليه وسلم كان مفرداً، فالهدي تطوع، فلا يجوز ذبحه قبل يوم النحر.
قبل: هدي التطوع لا تأثير له في المنع من التحلل اتفاقاً]، فعلم أنه كان واجباً.
وعلى أنا قد بينا: أنه كان متمتعاً.
والقياس: كل وقت لا يصح فيه طواف الزيارة لا يصح فيه ذبح هدي المتعة.
دليله: قبل الإحلال من العمرة.
فان قيل: المعنى في الأصل: أنه قد بقي لوجوبه أكثر من سبب واحد، وهو التحلل من العمرة وإحرام الحج، وبعد الفراغ بقي سبب واحد، وهو الإحرام، فجاز تقديمه عليه، كما يجوز تقديم الزكاة على الحول، وكفارة القتل على الموت.
قيل له: لا نسلم أن التحلل من العمرة سبب؛ لأنه لو لم يتحلل من العمرة حتى أحرم بالحج وجب الهدي، ففي الموضعين لم يبق إلا سبب واحد.
نص عليه في رواية الميموني في المتمتع إذا لم يقمر ولم يحلق حتى أهل بالحج: ما أرى عليه شيئاً، إذا [بلغ] المتمتع المحرم حل من كل شيء إلا النسا، والطيب قبل أن يقصر.
ولأن الزكاة صدقة، والكفارة عتق وصوم، وجميع ذلك يجوز في جميع الأوقات، فإذا وجد سببه جاز تقديمه، وأما الهدي فهو إراقة دم، وذلك في موضعه يختص بأوقات لا يجوز تقديمه عليها كالأضحية والتطوع.
وعلة الفرع تبطل بمن قال: لثن شفى الله مريضي فلله علي أن أضحي، فوجد الشرط، فقد بقي للوجوب سبب واحد، ولا يجوز الذبح.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يجب، وليس كذلك إذا أحرم بالحج؛ لأنه قد وجب.
قيل له: علة الأصل تبطل بالزكاة والكفارات، وعلة الفرع لا نسلمها؛ لأن أحمد قد قال في رواية المروذي وابن إبراهيم - وقد سئل عن المتمتع: متى يجب عليه الدم؟ قال: إذا وقف بعرفة، والقارن مثله.
وروي عنه- أيضاً -[أنه سئل]: متمتع مات قبل أن يذبح؟ قال: إذا
وقف بعرفة فقد وجب عليه الهدي.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، وإذا أحرم بالحج فقد تمتع بالعمرة إلى الحج؛ لأن (إلى) للغاية، فإذا وجد أول الحج فقد حصلت الغايتة، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]، فإذا وجد أول الليل فقد حصلت الغاية.
والجواب: أن الحج عبارة عن الأفعال، فقد جعل الغاية وجود أفعال الحج، وذلك يكون قبل الوقوف والرمي؛ لأن الإحرام ليس من أفعال الحج المختصة به، فوجب حمله على الأفعال المختصة، وإذا وجب حمله على ذلك احتمل أن يكون [معنى] قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾: فليذبح ما استيسر، واحتمل: فعليه ما استيسر؛ يعني: وجب عليه ما استيسر، ونحن نقول: قد وجب بوجود هذه الأفعال المختصة، وإذا احتمل الوجوب وقف على أوقات مخصوصة، مثل الوقوف والطواف والرمي.
واحتج بما روى ابن عمر صلى الله عليه وسلم قال: تمتع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من كان معه هدي فإذا أهل بالحج فليهد، ومن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله».
والجواب: أنه إن صح هذا فيحتمل أن يكون معنى قوله: «فليهد»
فليعين الهدي؛ ليذبحه يوم النحر، فهم يحملون قوله: «فليهد» على الدبح، ونحن نحمله على السوق والحمل.
واحتج بأنه هدي ينوب عنه الصيام، أو يتعلق بالإحرام، فجاز ذبحه قبل يوم النحر قياساً على جزاء الصيد، ودم الحلق بالإحرام، والطيب، واللباس، والدم الواجب لترك الميقات.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه دم جبران، فلهذا لم يختص بوقت، وليس كذلك دم التمتع؛ لأته دم نسك، وقد دللنا على ذلك بما تقدم، فأشبه من هذا دم الهدايا والضحايا.
واحتج بأن كل وقت صلح لجنس المبدل والبدل، وصح فيه البدل، صح فيه المبدل.
أصله: التيمم مع الوضوء، وذلك أن كل وقت صح فيه التيمم إذا لم يجد الماء، صح فيه الوضوء إذا كان واجداً للماء.
ولا يدخل عليه الإطعام في كفارة الظهار؛ فإنه يجوز بالليل، ولا يجوز مبدله، وهو الصوم؛ لأن الليل لا يقبل الصوم، ولا يصلح لجنسه، وليس كذلك ما قبل يوم النحر؛ لأنه يقبل الهدي ويصلح له؛ لأن هدي الجبران يصح فيه.
والجواب: أنا لا نسلم أن ما قبل يوم النحر وقت الهدي الذي هو نسك، إنما هو وقت للجبران، وإن حذف هنا الوصف انتقض بالصوم في كفارة الظهار؛ فإن بدله الإطعام، ويصح ليلاً، وإن لم يصح المبدل
الذي هو الصوم ليلاً.
وقولهم: لا يجوز الصوم بالليل؛ لأنه لا يحتمل الصوم، كذلك نقول: ما قبل يوم النحر وقت لا يعتمل الذبح الذي هو نسك.
وعلى أن حكم البدل والمبدل في مسألتنا مخالف لحكم الإبدال والمبدلات في الأصول، بدليل أن تقديم صوم ثلاثة أيام على النحر جائز، وتقديم سبعة أيام لا يجوز، والجميع بدل عن الهدي، فجاز بعض البدل في وقت، ولا يجوز فيه البعض الآخر، وسائر الإبدال في الأصول إذا جاز بعضها في وقت جاز جميعها، فلا يمتنع أن يخالف حكم البدل والمبدل في هذا الموضع حكم الإبدال والمبدلات في الأصول.
ثم المعنى في الوضوء والعتق: أن نفل كل واحد منهما لا يختص بوقت، ففرضها لا يختص بوقت، ونفل الهدي مختص بوقت، فالواجب منه يجوز أن يختص بوقت.
واحتج بأنها عبادات بدل، فوجب أن لا يتأخر وقت جواز فعلها عن وقت البدل.
أصله: العتق في كفارة القتل.
ولأنه حيوان له بدل هو صوم، فجاز إخراجه في وقت جواز فعل الصوم، كالرقبة في الظهار.
والجواب: أنا قد بينا أنه لا يمتنع أن يجوز فعل البدل في وقت لا يجوز فعل المبدل، بدليل الصوم والإطعام في كفارة الظهار.
ولأن هذا البدل يفارق سائر الإبدال في الأصول؛ لأن بعضه يجوز في وقت، وهو صوم الثلاثة، ولا يجوز صوم السبعة وإن كان بدلاً، وسائر الإبدال كل وقت جاز فيه بعض البدل جاز فيه جمع البدل.
وعلى أن العتق والصوم يفعلان للتكفير والوقت محتمل لهما، فإذا جاز أحدهما جاز الآخر، والهدي والصوم يرادان للتحلل يوم النحر، والصوم لا يصح يوم النحر الذي هو مقصوده فقدم عليه، والذبح يصح فيه، فلم يتقدم.
واحتج بأنه حق يتعلق وجوبه بالتمتع، فوجب أن يجوز عقيب الإحرام بالحج قياساً على صوم ثلاثة أيام.
والجواب: أن هذا باطل بصوم سبعة أيام.
فإن احترز عنه فقال: حق يتعلق وجوبه بالتمتع، ويجوز فعله بالحج، فأشبه ما ذكرنا، أجبنا عنه بأن الهدي لا يشبه الصوم؛ فإنه لا خلاف أن الصوم يتعين عليه قبل يوم النحر بحيث لا يجوز تأخيره إليه، ولا يتعين عليه وجوب ذبح الهدي قبله، بل يجوز تأخيره
إليه، فإذا جاز أن يختلفا في وقت الوجوب، جاز أن يختلفا في وقت الجواز.
51 -
مسألة
إذا صام المتمتع ثلاثة أيام بعدما أحرم بالعمرة أجزأه:
نص عليه في رواية الأثرم في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196]: يجعل آخرها يوم عرفة، ولا يبالي إن تقدم أولها بعد أن يصومها في أشهر الحج، وإن صامها قبل أن يحرم فجائز.
وأراد بذلك قبل أن يحرم بالحج.
وقال _ أيضاً _ في رواية ابن القاسم وسندي، وقد سئل عن الصيام للمتعة: متى يجب؟ فقال: إذا عقد الإحرام، فصام، أجزاه إذا كان في أشهر الحج.
وهذا يدخل على من قال: لا تجزئ الكفارة إلا بعد الحنث، ولعل هذا ينصرف، ولا يحج.
وقوله: إذا عقد الإحرام، أراد به: إحرام العمرة؛ لأنه شبهه بالكفارة قبل الحنث، وإنما يصح الشبه إذا كان صومه قبل الإحرام بالحج؛ لأنه قد وجد أحد السببين، ولأنه قال: إذا عقد الإحرام في
أشهر الحج، وهذا إنما يقال في إحرام العمرة؛ لأن من شرط التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج.
وبهذا قال أبو خيفة.
وقال مالك والشافعي: لا يجوز حتى يحرم بالحج.
دليلنا: لأنه إحرام تتعلق به صحة التمتع، فجاز صوم المتعة عقيبه.
دليله: إحرام الحج.
فان قيل: إنما جاز الصوم عقيب إحرام الحج؛ لأنه يجوز ذبح الهدي عقيبه، وليس كذلك إحرام المتعة؛ لأنه لا يجوز ذبح الهدي عقيبه، فلا يجوز الصوم [أيضاً.
قيل له]: لا يجوز ذبح الهدي عقيب الإحرام عندنا.
وأيضاً العمرة سبباً لوجوب صوم المتعة، بدليل: أنه إحرام تتعلق به صحة التمتع، فوجب أن يكون سبباً لوجود الصوم، كإحرام الحج، وبدليل [أن] أكل شيئين تعلق الوجوب بهما، وجاز، اجتماعهما، كان الأول منهما سبباً، كالنصاب، والحول، والظهار، والعود، والجراحة، والموت.
ولا يلزم عليه صوم رمضان؛ أنه ليس بسبب للكفارة، وإن كانت الكفارة لا تجب إلا بوجود الصوم والجماع؛ لأنه لا يجوز اجتماعهما، ولهذا قال أحمد في رواية ابن منصور: يجوز تقديم الفدية قبل أن يحلق
الرأس إذا آذاه القمل؛ لأنه [لا] يجوز اجتماع الإحرام والحلق، فجاز تقديم الفدية على الحلق.
وإذا ثبت أن العمرة سبب لوجوب صوم المتعة، جاز أن يثبت حكمه عقيبها، كما ثبت حكم الزكاة إذا وجد النصاب، والكفارة إذا وجدت الجراحة.
فإن قيل: فيجب أن تكون سبباً لهدي المتعة، وتثبت حكمه.
قيل له: هي سبب له، ويثبت حكمه فيها، ألا ترى أنه إذا أحرم بعمرة وساق الهدي صار هدي متعة، ومنعه ذلك من الإحلال بين الحج والعمرة؟
نص عليه في رواية حنبل، وهذه مسألة ثانية إن شاء الله.
فإذ قيل: فلم لا يجوز بذبحه؟
قيل: لأنه مخصوص بوقت، وهو يوم النحر، كما أنه مخصوص بمكان، وهو الحرم.
وإن شئت قلت: إن العمرة سبب للصوم، وهو غير مخصوص
بوقت، فإذا وجد السبب جاز تقديمه، كما يجوز تقديم الزكاة إذا وجد النصاب، ويجوز تقديم الكفارة إذا وجدت الجراحة.
ولا يلزم عليه الهدي؛ لأنه مخصوص بوقت، فلا يجوز تقديمه على وقته، وإن وجد سببه، كما لا يجوز تقديم الطواف والرمي على يوم النحر، وكذلك الوقوف على يوم عرفة.
ولأن كل صوم جاز بعد إحرام الحج، جاز بعد إحرام العمرة.
دليله: سائر الصيام.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] فوجه الدلالة من وجهين:
أحدهما: أنه أمر بالصوم بعد التمتع [بالعمرة] إلى الحج، فجعل الحج غاية، فلا يكون متمتعاً إلا بوجوده.
والثاني: أنه أمر بالصيام في الحج، فلا يجوز تقديمه عليه.
فأما الجواب عن الأول: فإنه إذا أحرم بالعمرة، وهو يريد الحج في تلك السنة، فإنه يصير متمتعاً، بدلالة أنه لو ساق الهدي كان ذلك هدي متعة، ومنعه من الإحلال قبل يوم النحر، فإذا ثبت أن التمتع يحصل بإحرام العمرة في أشهر الحج بشرط أن يحج في تلك السنة، وجب أن
يجزئه صومه؛ لأن الله _ تعالى _ أجاز الصوم في الحال التي لا يجيز فيها الهدي بقوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾.
وأما قوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾ فلا يخلو من أن يكون المراد: في إحرام الحج، أو: في أفعاله، أو: في وقته، ولا يجوز أن يريد به [ما] في الوجهين الأولين؛ لأن (في) من حروف الظرف، والفعل لا يكون ظرفاً للفعل حقيقة، وإنما يكون الوقت ظرفاً له، فإذا كان كذلك، ثبت أن المراد بقوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾: في وقت الحج، ووقت الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، فإذا أحرم بعمرة في شوال، وصام ثلاثة أيام، حصل الصيام في وقت الحج، فوجب أن يجزئه.
فإن قيل: ﴿فِي الحَجِّ﴾ معناه: في إحرام الحج، كما قال تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ فِي الحَجِّ﴾ [البقرة: 197] تعين: في إحرام الحج، ويقال: صام في إحرام الحج، وطاف فيه، كما يقال: دعا في صلاته، وذكر الله فيها، وروي: أن النبي صلى الله عليه وسلم علم الحسن دعاء القنوت، وقال: «اجعله في وترك».
قيل له: هذا مجاز، ومعناه: دعا في الوقت الذي يصلي فيه،
وذكر الله في وقت اشتغاله بالصلاة؛ لأنا قد بينا: أن الفعل لا يكون ظرفاً للفعل، وإنما يكون الوقت ظرفاً له.
فإن قيل: لا يجوز أن يحمل قوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾ على وقت الحج؛ لأن أحداً لا يقول: إن له أن يصوم في وقت الحج؛ لأنه لابد من الإحرام؛ إما بالعمرة عندك، أو بالحج عندنا.
قيل له: إذا دلت الدلالة على امتناع جوازه بغير إحرام، صار تقديره: فصيام ثلاثة أيام في وقت الحج إذا كان محرماً.
فإن قيل: قوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾ معناه: في حال الحج، ويكون هذا الإضمار أولى؛ لأنه [لا] يحتاج إلى تخصيص، والوقت يحتاج إلى تخصيص بما بعد إحرام العمرة، وتخصيص المضمر لا يجوز؛ لأنه إنما يضمر ما دل [عليه] الدليل، والدليل يدل على حاض دون العام.
قيل له: حمله على حال الحج إنما هو عبارة عن وقت بصفة، وإضمار الوقت أولى من إضماره وزيادة عليه.
وقولهم: إن ذلك يؤدي التخصيص، فليس بصحيح؛ لأن الذي يريد التمتع بالعمرة هو الذي فعلها ناوياً لضم الحج إليها، فلا نحتاج في إضمارنا إلى تخصيص.
وقد قيل في جواب الآية: إنها أفادت وجوب الصوم، والكلام في الجواز
وعندنا يجب إذا أحرم بالحج، وقد قال أحمد في رواية ابن القاسم وسندي، وقد سئل عن صيام المتعة: متى يجب؟ قال: إذا عقد الإحرام.
واحتج بأن كل وقت لا يجوز فيه فعل المبدل، [لا يجوز فيه فعل البدل]، بدلالة العتق والصوم في الكفارة، ولا خلاف في مسألتنا: أن المبدل _ وهو الهدي _ لا يجوز قبل إحرام الحج، كذلك البدل.
والجواب: أن صوم المتعة يجوز في الحرم وخارج الحرم، وهدي المتعة لا يجوز ذبحه في غير الحرم، فإذا جاز فعل البدل في مسألتنا في موضع لا يجوز فيه فعل المبدل، لم يمتنع _ أيضاً _ أن يجوز فعل البدل في وقت لا يجوز فيه فعل المبدل، ويفارق [هذا] البدل والمبدل في الكفارة؛ لأن الموضع الذي يجوز فعل المبدل فيه [يجوز فعل البدل فيه]، كذلك الوقت الذي يجوز فعل البدل فيه، [يجوز فعل المبدل فيه.
ولأن صوم ثلاثة أيام قبل يوم النحر جائز، وصوم سبعة أيام لا يجوز، والجميع بدل عن الهدي، وإذا جاز بعض البدل في وقت لا يجوز فيه البعض الآخر، لم يمتنع أن يجوز جميع البدل في وقت لا يجوز فيه المبدل، وبفارق هذا البدل والمبدل في الكفارة؛ لأن الوقت الذي يجوز فيه بعض المبدل يجوز جميعه، كذلك الوقت الذي يجوز فيه جميع البدل يجوز فيه المبدل.
ولأنه يجوز تأخير المبدل إلى يوم النحر، ولا يجوز تأخير صوم الثلاثة إلى يوم النحر.
ولأن جنس المبدل الهدايا والضحايا، وذلك يختص بيوم النحر، وليس من جنس البال ما يختص بيوم النحر، فبان الفرق بينهما.
واحتج المخالف بأن الهدي حق المال بدل من الصيام، فوجب أن لا يتقدم وقت جواز البدل على وقت جواز المبدل، كالرقبة والصيام في كفارة الظهار.
ولأنه أحد موجبي المتعة، فلا يجوز فعله في العمرة قياساً على الذبح.
والجواب: أنا قد بينا الفرق بين الصوم والهدي، وبينه وبين البدل والمبدل في الكفارة.
52 -
مسألة إذا لم يصم المتمتع قبل يوم النحر، صامها قضاء، وعليه دم لتأخيرها عن أيام الحج، أو كان واجداً للهدي فأخره عن أيام النحر، فهل يجب عليه هديان؛ أحدهما لأجل التمتع والقران، والثاني لتأخيره ذلك عن وقته؟
وفيه روايات: إحد [ا] ها: بجب علبه دم لتأخير الصوم، ودم ثان لتأخير الدم.
قال في رواية أبي طالب في متمتع لم يكن معه هدي، ولم يصم حتى جاز يوم النحر: صام عشرة أيام إذا رجع، وعليه دم، قد فرط، وابن عباس يقول: من كان عليه دم، فلم يذبحه حتى جاز يوم النحر فعليه دمان: الدم الذي وجب عليه، ودم لما فرط.
قيل له: فتقول به؟ قال: نعم، عليه دمان، دم لما عليه، ودم لما أخر.
وكذلك نقل المروذي ويعقوب عنه في متمتع لم يهد إلى قابل: يهدي هديين، وهكذا قال ابن عباس.
وفيه رواية ثانية: عليه دم واحد.
نص عليه في رواية ابن منصور في متمتع لم يذبح حتى رجع إلى أهله: يبعث بالدم إذا كان ساهياً، والعامد عليه دم واحد إلا أنه قد أساء.
وفيه رواية ثالثة: رواها حرب عنه في متمتع رجع إلى بلاده، ولم يهد: يجزئ عنه دم واحد إذا كان له عذر، وبعضهم يقول: عليه دمان، وهذا إذا لم يكن له عذر.
وظاهر هذا: أنه فرق بين المعذور، وهو [من] تعذر ما يشتريه، أو تضيق نفقته، وبين من لا عذر له.
والمذهب الصحيح: أن المعذور وغيره سواء؛ لأن في رواية
المروذي: إذا لم يجد ثمن ما يشتري حتى رجع إلى هاهنا عليه هديان، وهذه حالة عذر.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يصم قبل يوم النحر، ولم يجد ثمن الهدي، فحل بلا هدي ولا صيام، فعليه] هديان إذا أيسر؛ أحدهما لإحلاله بغير هدي ولا صوم، والآخر هو القران أو المتعة، ولا يجزئه الصوم بعد ذلك.
وقال مالك والشافعي: يصوم، ولا دم عليه لأجل التأخير.
فالدلالة على ثبوت الصوم خلافاً لأبي حنيفة: أنه صوم واجب، فوجب قضاؤه بفواته.
دليله: صوم رمضان.
وقيل: صوم واجب، فلم يسقط بفواته.
دليله: صوم رمضان.
والمخالف يمنع الأصل ويقول: قد سقط بفواته، وإنما وجب القضاء بدليل ثان، والصحيح هو العبارة الأولى.
ولأنه صوم معلق بشرط، فلم يسقط بفوات شرطه.
دليله: صوم الظهار، وهو مأمور بأدائه قبل المسيس، ثم لو
مسها لم يسقط.
ولأنه أحد موجبي المتعة فجاز فعله خارج الحج.
دليله: الهاي.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ﴾] البقرة:196 [، فجعله مؤقتاً بالحج، فإذا لم يصم قبل يوم النحر فات وقته، فلو أمرناه بالقضاء كان فيه إيجاب فرض مبتدأ، وذلك لا يجوز إلا بدلالة.
والجواب: أن القضاء ليس بفرض مبتدأ على قول أصحابنا، بل الأمل بفعل العبادة يقتضي فعلها في وقتها وفي غيره.
وعلى أنا قد دللنا على إيجاب ذلك.
واحتج بأن الله - تعالى - جعل الصوم بدلاً عن الهدي في الحج، فلو أمرناه بالقضاء في غيره لأثبتنا للصوم في الحج بدلاً؛ لأن القضاء بدل عما تركه في وقته، وإثبات الإبدال لا يجوز إلا بتوقيف، كالمسح على الخفين؛ لما كان بدلاً لم يجز إثباته إلا بدليل.
والجواب عنه ما تقدم، وهو: أن الأمر بالأداء يـ]ــتـ[ــضمن الأمر بالقضاء.
وعلى أنا قد دللنا على ذلك.
واحتج بأنه بدل مؤقت، فإذا فات وقته وجب الرجوع إلى المبدل،
كالجمعة إذا فات وقتها، وجب الرجوع إلى المبدل، وهو الظهر، والمسح على الخفين إذا مضى وقته، وجب الرجوع إلى المبدل، وهو الغسل.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون مؤقتاً، ولا يسقط، بل يقضى إذا فات، كما أنه إذا صار معلقاً بشرط، ففات الشرط، لم يسقط، ووجب قضاؤه، وهو صوم الظاهر إذا أخره عن المسيس؛ لأن الشرط والتأقيت واحد؛ لأن التأقيت شرط في المؤقت، ومأمور به في وقته، كما أن المظاهر مأمور بالصوم قبل المسيس.
وعلى أنا لا نسلم: أن الجمعة بدل، هي أصل، والظهر بدل منها، يدل عليه: أنه إذا ترك الجمعة إلى الظهر عصى الله - تعالى - وأثم، والإنسان لا يعصى بترك البدل إلى المبدل.
ولا نسلم - أيضاً - علة الفرع؛ لأن صوم الثلاثة مؤقت؛ لأنه مأمور به في الحج دون الزمان، والمؤقت ما خص فعله بوقت بعينه.
وفي هذا ضعف؛ لأنا قد بينا فيما قبل: أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِي الحَجِّ﴾ في وقت الحج.
وأما المسح على الخفين فإنما جوز للحاجة إليه، ولا نحتاج في استدامته إلى أكثر من ثلاثة أيام في حق المسافر، ويوم وليلة في حق المقيم، فلم تجز الزيادة على ذلك، والصوم غنما جوز للمتمتع لكونه عادماً للهدي، وهذا المعنى موجود بعد يوم النحر، فجاز فعله.
واحتج بأنه نسك مؤقت لا تعلق له بالبيت، فوجب أن لا يجوز