التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدـ[ـمـ]ـ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ا كالعامد.

8 -

مسألة

إذا وطئ عامداً في حال الاعتكاف، وجبت عليه كفارة الوطء في أصح الروايتين:

نص عليها في رواية حنبل، وذكر له قول ابن شهاب: من أصاب في اعتكافه، فهو كهيئة المظاهر، فقال أبو عبد الله: إذا كان نهاراً، وجبـ[ــت] عليه الكفارة.
وقال في موضع آخر من "مسائل حنبل": إذا واقع المعتكف أهله بطل اعتكافه، وكان عليه أياماً مكان ما أفسد، ويستقبل ذلك، ولا كفارة عليه إذا كان الذي وقع ليلاً، وليس هو واجب، فتجب فيه الكفارة.

الحديث: 8 - الجزء: 1 - الصفحة: 38

وهذا - أيضاً - يدل على: أنه تجب عليه الكفارة إذا كان الاعتكاف واجباً بالنذر، وإنما لم يوجبه هاهنا؛ لأنه غير واجب.
وقوله: (إذا كان ذلك نهاراً) قصد به إذا كان الاعتكاف واجباً عليه نهاراً، ولم يوجبه على نفسه ليلاً، فأما إن أوجب اعتكافه شهراً متتابعاً، أو أياماً متتابعة، فإن الليل والنهار سواء في ذلك.
وبهذا قال الحسن البصري والزهري فيما حكاه ابن المنذر عنهما.
وروى أبو داود عنه: إذا جامع المعتكف، فلا كفارة عليه.
فقد أطلق القول بإسقاط الكفارة.
وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي.
وجه الرواية الأولى: أن الاعتكاف عبادة يحرم فيها الوطء، ويفسدها، فوجب فيها كفارة.
دليله: الصيام والحج.
ولا يلزم عليه الصلاة والطواف؛ لأن الوطء هنا يفسد الطهارة، وبفساد الطهارة فسد الطواف والصلاة.
وإن شئت قلت: لبث في مكان مخصوص، أشبه الحج.
أو تقول: عبادة تختص المسجد، أشبه الحج.
وإن شئت قلت: عبادة تبيح الكلام وتحرم الوطء، وأشبه الصوم والحج، وفيه احتراز من الصلاة؛ لأنها تحرم الكلام.
فإن قيل: لو كان مثل الصيام والحج لو جبت الكفارة العظمى.

الجزء: 1 - الصفحة: 39

قيل: هكذا نقول: لأن أحمد ذكر له قول الزهري: هو كهيئة المظاهر، فقال أحمد: إذا كان نهاراً وجبت الكفارة.
فظاهر هذا: أن كلامه رجع إلى ما قاله الزهري.
واحتج المخالف بأنها عبادة لا يدخل في جبرانها المال بدليل أنها لا تسقط إلى مال، ولا تكفره عنه بعد وفاته، فلم تجب بإفسادها كفارة.
دليله: الصلاة، وعكسه: الصيام والحج.
والجواب: أن حنبل وابن إبراهيم قد نقلا عنه فيمن مات وعليه اعتكاف: اعتكف عنه وليه.
وعلى أن المعنى في الصلاة: أنها لا تفسد بالوطء، وهذه يحرمها الوطء ويفسدها، فهي كالصيام والحج.

9 -

مسالة

إذا قبل، أو لمس، فلم ينزل فقد أساء، وعندي: أنه لا يفسد اعتكافه:

وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك: يفسد.
وللشافعي قولان:

الحديث: 9 - الجزء: 1 - الصفحة: 40

أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: مثل قول مالك.
دليلنا: أن كان مباشرة لا تبطل الصوم، فإنها لا تبطل الاعتكاف.
دليله: اللمس لغير شهوة.
وكلما حرم الوطء ودواعيه، كان للوطء مزية على ما حرم معه، كالصيام والحج؛ للوطء مزية على القبلة والمباشرة في باب الإفساد، وفي باب الكفارة أيضاً، كذلك في باب الاعتكاف يجب أن يكون له مزية في الإفساد.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة:187] ولم يخص.
والجواب: إنما نحمله على الجماع، كما ذكرنا.
واحتج بأن هذه مباشرة يقتضي الاعتكاف تحريمها، فوجب أن تفسده، وإن لم يكون معها إنزال، كالجماع.
والجواب: أن الجماع يفسد الصوم، ولا تفسد [هـ] المباشرة بغير إنزال، كذلك الاعتكاف.
فإن قيل: الصوم لا يحرم القبلة، والاعتكاف يحرمها.
قيل له: إذا تأمن ما القبلة، وليس له أن يفعل في الصوم والاعتكاف جميعاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 41

10 -

مسألة

فإن باشرها فيما دون الفرج فأنزل، فسد اعتكافه:

وقال الشافعي في "الإملاء": لا يفسد الاعتكاف من الجماع إلا ما يوجب الحد.
دليلنا: أنها مباشرة تأثر في فساد الصوم، فأثرت في الاعتكاف، كالوطء.
أو نقول: عبادة يخرج منها بالوطء، فأبطلها الإنزال من غير وطء، كالصوم.
واحتج المخالف بأنها عبادة تختص بمكان، فلم تفسد بمباشرة من غير جماع، كالحج.
والجواب: أنه يبطل بالطواف.
فإن قيل: هناك تبطل الطهارة، فيبطل الطواف.
قيل: فقد أبطل بها، وإن كان بينهما واسطة.
على أن الحج لا يخرج منه بالإفساد، فهو آكد، وفي مسألتنا يخرج منه بالإفساد، فأشبه الصيام.

الحديث: 10 - الجزء: 1 - الصفحة: 42

11 -

مسألة

ما كان في فعله قربة، يجوز للمعتكف شرطه؛ مثل عيادة المرضى، وشهود الجنازة، وزيارة أهله، وقصد العلماء:

وقد قال أحمد في رواية المروذي - وقد سئل عن المعتكف يشترط يعود المريض، ويتبع الجنازة - قال: أرجو! كأنه لم ير به بأساً.
وكذلك نقل بكر بن محمد عن أبيه عنه: المعتكف يعود المريض، ويشهد الجنازة.
وكذلك نقل حنبل.
وقال مالك: لا يجوز شرط هذه الأشياء.
دلينا: ما روى أبو بكر بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المعتكف يتبع الجنازة، ويعود المريض".
وروى أحمد بإسناده عن علي قال: يعود المريض، ويحضر الجنازة والجمع، ويأتي أهله يأمرهم بالحاجة، وهو قائم.
ولأنه لما كان له الاشتراط في الخروج من الاعتكاف لعذر، وهو أن يقول: (لله على أن أعتكف، إن لم أكن مريضاً، إن لم يعرض لي سفر) ونحو ذلك، فلأن يجوز الاشتراط في فعل قربة تؤدي إلى ترك

الحديث: 11 - الجزء: 1 - الصفحة: 43

بعض الاعتكاف أولى.
ولأنه خروج لصلاة لا يمكن إقامتها في المسجد، أشبه الخروج للجمع.
واحتج المخالف بما روت عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بالمريض، وهو معتكف، فيمر كما هو، ولا يعرج يسأل عنه.
وروى الزهري عن عروة، عن عائشة قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مرضاً، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة، إلا لما لابد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد الجامع.
والجواب: أن هذا محمول عليه إذا لم يشترط بدليل ما ذكرنا.
واحتج بأن عيادة المريض فضيلة، وكذلك الصلاة على الجنازة، ومقامه على الاعتكاف فريضة، فلا يجوز ترك الفريضة للفضيلة.
والجواب: أن هذا يجوز بالشرط، كما جاز ذلك في الخروج من الاعتكاف للمرض والسفر.
واحتج بأنه شرط ما يبيت في أهله، ولا يأكل في داره، وقد قال أحمد في رواية الأثرم، وقد سئل عن المعتكف يشترط أن يتعشى في

الجزء: 1 - الصفحة: 44

أهله، أو يبيت في أهله، فقال: نعم، إذا كان تطوعاً.
وظاهر هذا: انه لا يجوز في النذر.
والجواب: أنه يبطل بشرط الخروج منه للمرض والسفر.
على أن تلك الأشياء ليست بقربة، وهذه قربة

12 -

مسألة

والمستحب للمعتكف التشاغل بذكر الله تعالى، والصلاة، وقراءة القرآن في خاصته.
ولا يستحب له إقراء القرآن، وكتب الحديث، ومجالسة العلماء، والمناظرة لهم في العلم، والتدريس:

ذكره أبو بكر في كتاب (الخلاف)، وقد أومأ إليه أحمد في رواية المروذي، وقد سئل عن الرجل يقرئ في المسجد، ويريد أن يعتكف، فقال: إذا فعل هذا كان لنفسه، وإذا قعد كان له ولغيره، يقرئ أعجب إلي.
وظاهر هذا: أن الاعتكاف يمنع من إقراء القرآن؛ لأنه لو لم يكن كذلك لقال: يقرئ، وهو معتكف.
وبهذا قال مالك.
وقال الشافعي: يستحب له فعل ذلك.

الحديث: 12 - الجزء: 1 - الصفحة: 45

دليلنا: أن الاعتكاف عبادة شرع لها المسجد، فلا يستحب إقراء القرآن حين التلبس بها.
دليله: الصلاة والطواف، ولا خلاف أنه يكره له أن يقرئ القرآن، وهو يصلي، أو يطوف، كذلك الاعتكاف.
ولا يلزم عليه الصيام والحج؛ لأن تلك العبادات لم يشرع لها المسجد.
أو تقول: الاعتكاف: هو حبس نفسه على عبادة مخصوصة تخصه، فلا يجوز أن يفعل فيها غيرها، كالطواف والركوع لا يفعل فيه القراءة؛ لأنه مفعول لشيء مخصوص.
فإن قيل: إنما كره الإقراء حال التشاغل بالصلاة والطواف؛ لأنه يشغله ذلك عن أفعال الصلاة وأذكارها.
قيل له: وكذلك في الاعتكاف يشغله ذلك عن الذكر في حق نفسه.
وعلى أن الطواف ليس فيه ذكر.
وأيضاً فإنه ممنوع من التشاغل في المسجد بالبيع، والخياطة، والشراء؛ لما فيه من التشاغل عن الاعتكاف، كذلك فعل هذه الأشياء، التشاغل بها يشغل عن الاعتكاف.
فإن قيل: إنما منع من البيع والشراء؛ لأن في ذلك فعل معيشته، وليس كذلك هاهنا؛ لأن هذه الأشياء قربة.
قيل له: فعيادة المرضى وشهود الجنائز قربة، ولا يجوز فعلها،

الجزء: 1 - الصفحة: 46

وكذلك إقراء القرآن في الصلاة قربة وطاعة، ويمنع منه.
فإن قيل: البيع والشراء والصنائع إنما كرهت لأجل المسجد، لا لأجل الاعتكاف.
قيل: كرهت لأمرين: أحدهما: المسجد.
والثاني: الاعتكاف.
يدل عليه: أن الاعتكاف في اللغة: هو لزوم المرء الشيء، وحبس نفسه عليه؛ براً كان، أو مأثماً، في أي موضع كان.
ومنه قوله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:52] وقوله: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف:138]. وهو في الشرع: عبارة عن لزوم الشيء، وحبس النفس عليه في طاعة، في مكان مخصوص.
وإذا كان كذلك، ففعل هذه الأشياء يشغله عن ذلك؛ لأنه يخرج عن أن يكون ملازماً للشيء، وحابس نفسه عليه.
واحتج المخالف بأن هذه الأشياء قرب وطاعة، فالتشاغل بها في المسجد غير ممنوع منه، كما لو تشاغل بدرس القرآن في حق نفسه، أو تشاغل بالصلاة والصيام.

الجزء: 1 - الصفحة: 47

والجواب: أنه ليس إذا جاز التشاغل في حق نفسه، جاز التشاغل بغيره، كما يجوز أن يتشاغل بقراءة القرآن في الصلاة، ولا يجوز أن يقرئ غيره، وهو يصلي.
ولأنه بفعل هذه الأشياء في حق نفسه لا يخرج عن أن يكون ملازماً للشيء، وحابس نفسه عليه، وإذا تشاغل بهذه الأشياء خرج عن أن يكون كذلك، فلهذا فرقنا بينهما.

3 -

مسألة

فإن نذر اعتكاف شهر، ومات، فإنه يقضى عنه:

نص عليه في رواية صالح: إذا نذر أن يعتكف، فمات، يعتكف عنه، هذا نذر ينبغي أنت يوفي به.
وبه قال أبو ثور خلافاً لأكثرهم في قولهم: لا يقضى عنه.
دليلنا: ما رواه ابن المنذر عن ابن عباس وعائشة: أنهما قالا: يعتكف عن الميت.
ولأنها عبادة تبيح الكلام، فإذا وجبت بالنذر، يجب أن تقضى.

الجزء: 1 - الصفحة: 48

دليله: الصيام والحج.
[و] إن شئت قلت: عبادة تختص المسجد، أو لبث في مكان مخصوص، فيجب أن تقضى.
دليله: الحج.
وقال بعض أصحابنا: عبادة وجبت بالنذر، أشبه ما ذكرنا.
والتزم على هذه الصلاة المنذورة على إحدى الروايتين.
ولأنه قد ثبت من أصلنا: أن الكفارة تجب بإفساده، فإذا وجب بالنذر، وجب أن يقضي.
دليله: الصوم والحج.
واحتج المخالف بأنها ...

الجزء: 1 - الصفحة: 49

كتاب الحج

الجزء: 1 - الصفحة: 51

بسم الله الرحمن الرحيم

فصول الكتاب · 10 فصل
جارٍ التحميل