التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 53-92

14 -

مسألة

من شرط وجوب الحج وجود الزاد والراحلة:

نص عليهما في رواية حنبل، فقال: السبيل: الزاد والراحلة, وليس عليه أن يحج راجلاً, إلا أن يتطوع بنفسه.
وكذلك نقل صالح.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك وداود: الراحلة غير معتبرة، فمن قدر على المشي، لزمه ذلك، ولم يقف وجوبه على وجود الراحلة.
وأما الزاد: فلا يعتبر ملكه، وإنما تعتبر القدرة عليه؛ فإن كان ذا صنعة يمكنه الاكتساب بها، لزمه، وإن لم يكن له صنعة- وكان يحسن السؤال، وجرت عادته به- لزمه، وإن لم تجر عادته بذلك، لم يلزمه.

دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97].
فيهما دليلان: أحدهما: من جهة الاستنباط.
والثاني: من جهة التفسير.
وأما الاستنباط: فهو أن كل عبادة أمر بفعلها، اقتضى ذلك القدرة على الفعل، كالصوم والصلاة وغيرهما، فلما اشترط في الحج استطاعة السبيل، اقتضى ذلك زيادة على القدر (ة)، والتي اعتبرها مالك، وليس ذلك إلا الاستطاعة التي نعتبرها.
وأما التفسير: فروى أبو بكر بإسناده عن الحسن قال: لما نزلت ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ قال: قيل: يا رسول الله! ما السبيل؟ قال: ((من وجد زاداً وراحلة)).
وروى الدارقطني بإسناده عن ابن مسعود، وابن عمر، وعمرو ابن شعيب، (عن أبيه، عن جده)، وعائشة، وأنس: أن النبي "صل الله عليه وسلم" قيل له: ما السبيل؟ قال: ((الزاد والراحلة)).
فإن قيل: يحتمل أن يكون الرجل الذي سأله ممن لا يحجب عليه

الحج إلا بوجود زاد وراحلة، فبين له السبيل المشروط في حقه.
قيل له: النبي "صلى الله عليه وسلم" ذكر (السبيل) بالألف واللام، وإنما يكون المراد بذلك جنس السبيل، أو المعهود- هو المذكور في الآية- فلا يمكن حمل الخبر على غير هذين.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون هذا بياناً للسبيل المذكور في الآية؛ لأن الشرط يعتبر في حق عامة الناس، والزاد والراحلة غير معتبر في حق المكي، ومن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة.
قيل له: الظاهر اقتضى اعتبار ذلك في حق جميع الناس غير أن الدليل خصه في الوضع الذي ذكروه.
فإن قيل: فقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97] عام في كل مستطيع، وهذا مستطيع.
قيل له: قد (بينا من) الاستنباط والتفسير ما يمنع العموم، (وأيضاً) ما روى الدارقطني بإسناده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال رجل: يا رسول الله! ما يوجب الحج؟ قال: ((الزاد والراحلة)).
وفي لفظ آخر عن النبي "صل الله عليه وسلم" قال: ((السبيل إلى البيت)) الزاد

والراحلة))، وهذا خرج مخرج البيان.
والقياس أنها عبادة (بدنية) بقطع مسافة بعيدة، فكان من شرط وجوبها زاد وراحلة، كالجهاد.
وإن لم يسلموا أن الزاد والراحلة معتبران في وجوب الجهاد.
دليلنا عليه: قوله تعالى: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: 92] فأخبر أنه لا حرج على من لم يجد محملاً في ترك الجهاد.
ولآن كل من لم يمكنه أداء الحج إلا بقطع مسافة تقصر فيها الصلاة، فإذا لم يكن واجداً للزاد والراحلة، لم يلزمه فرض الحج.
دليله: من لا صنعة له، ولا يحسن السؤال.
واحتج المخالف بقوله: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالاً﴾ [الحج: 27]؛ يعني: مشاة وقرئ: (رجالاً) يعني: رجالاً.
فثبت: أنه يجب المشي إليه.

والجواب: أن الآية فيها: أن الناس يأتون الحج مشاة، ونحن نقول بذلك، وهم من كان بمكة، ومنها على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، يبين هذا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ يعني: على كل مركوب ﴿يَاتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق﴾ [الحج: 27]؛يعني: بعيد، فاعتبر المركوب في البعيد، فثبت أن المراد ما ذكرنا.
واحتج بأنها عبادة على البدن، فلم يعتبر فيها زاد وراحلة، كالصوم والصلاة.
والجواب: أنه ينتقض [....] وبمن لم يحسن السؤال، ولا له حرفة.
على أن المعني في الأصل: أنه لا مشقة في قطعه من عدم الزاد والراحلة، فلم يعتبر ذلك فيها، والحج بخلافه.
واحتج بأنه قادر على الحج من غير خروج عن عادة، ولا بد له، فلزمه، كما لو كان واجداً للزاد والراحلة، أو كان بمكة، أو عل مسافة قريبة.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو أنه لا مشقة في ذلك، وليس كذلك هاهنا؛ لأن عليه فيه مشقة.

واحتج بأن القدرة على الكسب قد أقيمت مقام القدرة على المال، بدلالة أن من قدر على الكسب حرم عليه أخذ الصدقة، كما حرم عليه إذا كان له مال، وكذلك الفقير المعتمل يلزمه أداء الجزية، كما يلزم من معه مال، وكذلك [الأب إذا كان يكتسب] يلزمه نفقة ولده، وكذلك الابن، وكذلك المفلس إذا كانت له حرفة لزمه أن يؤجر نفسه، ويقضي دينه، كما يلزمه مع وجود المال، كذلك هاهنا.
والجواب: أن حرمان الصدقة يعتبر بحصول الغنى، وهو غنى بالحرفة، كما هو غني بالمال، وليس كذلك الراحلة، إذ كأنما اعتبرت لنفي المشقة، والمشقة تلحقه بعدمها.
وأما إيجاب النفقة على الأب، وإيجاب الجزية على الكافر، والإجازة على المفلس؛ لأنه لا مشقة في ذلك؛ لأنه مخاطب بالنفقة يوماً بيوم، فإذا عجز عنها في الثاني لم تلزمه مشقة في المستقبل، وكذلك المفلس؛ متى عجز سقطت المطالبة.
وليس كذلك [....] بما عجز في سفره عن الكسب، فتلحقه

مشقة في الرجوع (.....)، فالزكاة والكفارة لا تجب بالكسب [....]، كذلك الحج.

15 - مسألة

المعضوب [إذا كان عنده مال] يحج به عن نفسه، لزمه ذلك

: نص عليه في رواية أبي طالب فقال: إذا كان الرجل والمرأة لا يقدران على الحج، وقد وجب عليهما الحج -حج عنهما وليهما.
وهو قول الشافعي.
وقال مالك وداود: لا يلزمه أن يحج غيره من ماله.
كذلك روى أبو داود بإسناده عن ابن عباس فال: كان الفضل بن العباس ردف النبي "صل الله عليه وسلم" فجاءت امرأة من خثعم؛ لتستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل الرسول "صل الله عليه وسلم" يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت

أبي شيخاً كبيراً، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: ((نعم)).
وروى أحمد بإسناده عن ابن الزبير قال: جاء رجل من خثعم إلى النبي "صل الله عليه وسلم" فقال: يا رسول الله! أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير، لا يستطيع ركوب الرحل، والحج مكتوب عليه، أفأحج عنه؟ فقال: ((أنت أكبر ولده؟)) فقال: نعم، قال: ((أرأيت لو كان على أبيك دين، فقضيته عنه، أكان ذلك يجزئ عنه؟) قال: نعم، قال: ((فاحجج عنه)).
وروى أبو داود بإسناده عن أبي رزين العقيلي: (أنه) قال لرسول الله "صل الله عليه وسلم": إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة، ولا الظعن، فقال: ((احجج عن أبيك واعتمر)).
فمن هذه الأخبار دليلان: أحدهما: قول المرأة: فريضة الله على عباده أدركت أباها، ولم ينكر عليها ذلك.

والثاني: أنه أمر بالقضاء، وشبهه بالدين، والأمر يدل على الوجوب، ولأن الحج من فرائض الإيمان، فجاز أن يجب على المغضوب، كالصوان والصيام.
وإن شئت قلت: عبادة تجب على إفسادها كفارة، فجاز أن تجب على المغضوب، كالصوم.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:97]، فأوجب الحج على من استطاع السبيل، والمعضوب لا يستطيع.
والجواب: أنه إنما اعتبر السبيل في وجوب الحج على الإنسان نفسه، وهاهنا لا يجب على المعضوب بنفسه، فلم تعتبر استطاعته.
وعلى أنا قد روينا: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) فسر السبيل بالزاد والراحلة، فاقتضى الظاهر: أن المعضوب إذا وجد الزاد والراحلة، لزمه الحج، فكانت الآية حجة لنا من هذا الوجه.
واحتج بأن كل عبادةٍ لم تدخلها النيابة مع القدرة، لم تدخلها مع العجز، كالصلاة، وعكسه الزكاة.
والجواب: أن الصلاة عبادة لا يدخل في جبرانها المال، فلم تدخل النيابة [مع القدرة]، والحج بخلافه.
أو نقول: الصلاة لما لم تدخل النيابة فيها بعد الوفاة، لم تدخلها

في حال الحياة، والحج لما دخلته النيابة بعد الوفاة، دخلته في حال الحياة.
[وهذا يقال في الصوم؛ فإنه] لا تدخله النيابة بالإطعام في حال القدرة، وتدخله مع العجز في حق الشيخ [الهرم].

16 -

مسألة

[لو بذل غيره] الطاعة في الحج عنه، لم يلزمه فرض الحج، سواء كان المبذول له صحيحًا، أو [زمنًا] كان، أو معسرًا:

هكذا ذكر شيخنا، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي داود وصالح، وقد سئل: على من يجب الحج؟ قال: إذا وجد زادًا وراحلة.
فاعتبر وجود ذلك في ملكه، وهذا لا يجد.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: إن كان المبذول له زمنًا معسرًا، والباذل واجدًا

للزاد والراحلة، وقد حج عن نفسه، ويوثق بطاعته، وهو ممن يجب عليه الحج، مثل أن يكون حرًا بالغًا عاقلًا، لزم المبذول له فرض الحج، وعليه أن يأمر الباذل بأداء الحج عنه، فإن لم يأمره به، ومات لقي الله (عز وجل) وعليه حجة الإسلام، كالزمن إذا كان له مال، ولم يحج عن نفسه حتى مات، ولا فرق بين أن يكون الباذل ولدًا، أو أجنبيًا.
فإن بذل له المال، ففيه وجهان: أحدهما- وهو الصحيح-: أنه لا يلزمه قبوله.
والثاني: يلزمه.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:97]، وفسر النبي (صلى الله عليه وسلم) ذلك بالزاد والراحلة، وظاهر هذا مقتضى الوجوب بذلك.
فإن قيل: إذا كان يأمر بمثل، سمي مستطيعًا، ألا ترى أن الإنسان يقول: أنا مستطيع أن أبني دارًا، بمعنى: آمر ببنائها؟ قيل له: يقول ذلك إذا كان يأمر من يجب عليه أن يفعل، فأما إذا قدر على أمر من لا يجب عليه العمل، قيل: هو مستطيع للأمر، لا للبناء.
وعندهم أن للابن أن يرجع فيما بذل ما لم يدخل في الإحرام، فكيف يكون الآمر مستطيعًا، والمأمور لا يلزمه فعله؟

ولأن الحج عبادة تراد لنفسها، فوجب أن لا تؤثر طاعة غيره في وجودها.
دليله: الصوم والصلاة.
ولا تلزم عليه الطهارة؛ فإذا بذل له الماء، وبذل له من يوضئه: أنه يلزمها؛ لأنها لا تراد لنفسها.
ولو حذفنا قولنا: (تراد لنفسها) لم يضر؛ لأن الضوء يجب عند بذل الماء بالحدث السابق، فإذا لم تؤثر طاعة غيره في الوجوب.
فإن قيل: الصوم والصلاة لا تصح النيابة فيهما، فلهذا لم يجبا بوجود من ينوب عنه، وليس كذلك الحج؛ لأنه تصح فيه النيابة.
قيل له: فالزكاة تصح فيها النيابة، ومع هذا لا تؤثر طاعة غيره فيها، وكذلك الكفارات.
وأيضًا لا خلاف أنه لو بذل له الإطعام في كفارة اليمن، والكسوة، أو الرقبة، والمبذول له معسر، يلزمه قبوله للعلة التي ذكرنا، كذلك إذا بذل له الطاعة في الحج.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن فيه تمليك مال: وتلحقه بقبوله منه، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه من عمل البدن، ولا تلحقه به منة،

ألا ترى أن الإنسان قد يمتنع من قبول المال من غيره، ولا يمتنع من استخدامه وتصريفه حوائجه؛ لأنه تلحقه بقبول المال منه، ولا تلحقه باستخدامه؟ ولهذا لو قلنا: لو بذل المال، وهو معسر زمن، لم يلزمه الحج؛ لأنه يحصل بقبوله منة، فلا يلزمه قبوله.
قيل له: المنة تحصل للأجنبي بعمل البدن، كما تحصل ببذل الإطعام ولا تحصل للولد في واحد منهما.
على أنه يلزمه أن يفرق بين بذل الطاعة في الصوم والصلاة، وبين الإطعام والكسوة بهذا المعنى.
فإن قيل: في قبول الرقبة والإطعام تسبب إلى تملكه ما يجب به العتق والإطعام، وليس على المكفر أن يتسبب إلى ذلك، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه ليس فيه تسبب إلى تملك ما يجب به الحج؛ لأن الحج يلزم المبذول له الطاعة بنفس البذل من غير قبول، وإنما يحتاج إلى أن يأمر الباذل بأدائه عنه؛ ليصح أداؤه عنه.
قيل له: قد يلزم المكفر أن يتسبب إلى تمليك الرقبة بالشراء إذا كان معه ثمنها.
فإن قيل: ترك قبول الطعام والرقبة لا يؤدي إلى إسقاط الكفارة

جملة؛ لأنه ينتقل إلى البذل، وهو الصوم، وليس كذلك الحج؛ لأنه ليس بدل يرجع إليه، فلو قلنا: إنه لا يجب عليه، لسقط جملة.
قيل: فيلزمه أن يقول: لو بذل له المال يلزمه قبوله؛ لأنه لو لم يلزمه لسقط جملة.
ثم نقول له: أفرق بين الصلاة والإطعام في الكفارة بهذا المعنى.
ولأن المبذول له غير مالك للزاد والراحلة، فوجب أن لا يكون بذل غيره بمنزلة وجود الاستطاعة، كما لو بذل له المال.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:97]، ولم يفرق بين أن يستطيع بنفسه، وبين أن يستطيع بغيره.
والجواب: أنا قد جعلنا ذلك حجة لنا، وأنه لا يكون مستطيعًا لغيره.
علي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) سئل عن الاستطاعة فقال: الزاد والراحلة، وهذا غير مالك لهما، فلا تتناوله الآية.
واحتج بما روي: أن الخثعمية قال للنبي (صلى الله عليه وسلم): يا رسول الله! إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج، وهو شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ فقال لها: "حجي عن أبيك".
فوجه الدلالة منه: أنه لم يجر ذكر [الاستطاعة]، وقد أخبرت أنه

عاجز عن أداء الحج بنفسه، وأن فريضة الله أدركته، ولم ينكر النبي (صلي الله عليه وسلم) عليها ذلك، وأمرها أن تحج عنه.
نعم إن وجوبه عليه تعلق ببذلها له الطاعة.
والجواب: أن الخثعمية أخبرت بوجوب الحج على أبيها، والحج إنما يجب بوجود المال، ثم سألت عن جواز أدائها عنه، فأجاز النبي (صلي الله عليه وسلم) لها ذلك، فدل على: أن الحج كان واجبًا عليه قبل أن يبذل له بالطاعة في أدائه عنه.
واحتج بأنه سبب يتوصل به إلى الحج عن نفسه، فجاز أن يلزمه فرض الحج.
دليله: الزمن إذا كان له زاد وراحلة.
والجواب: أنه ينتقض ببذل المال.
على أن المعنى في الأصل: أنه مالك للزاد والراحلة، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه غير مالك لهما، فوجب أن لا يعتبر بطاعة غيره في حكم المستطيع [إذا] بذل له المال.
واحتج بأنها عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فجاز وجوبها على المعضوب المعسر.
دليله: الصوم.

والجواب: إنما نفصل عليه فنقول: فوجب عليه أن يستوي حكمه بعد البذل وقبله.
دليله: الصوم.
أو نقول: بوجود المستطيع لا يوجبها عليها، ولأن الغضب ليس [له] تأثير في أداء الصوم، والصحيح والمعضوب سواء، ولما كان الغضب يمنع وجوب الحج مع الفقر، لم تؤثر الطاعة في إيجابه، كما لا تؤثر في الإيجاب على الشيخ الهرم.
واحتج بأن الناس في الحج على ضربين:.
ضرب يؤديه بمباشرة.
وضرب يؤديه بالنيابة.
فمن يؤدي بمباشرة يلزمه بوجود المال، وهو إذا كان غائبًا عن البيت، ومرة يلزمه بغير مال، وهو إذا كان قريبًا من البيت، كذلك من [يحج عنه] بالنيابة يجب أن يلزمه مرة بوجود المال، ومرة بغيره، وعندكم: أن المعضوب لا يلزمه [بغير المال].

والجواب: أن من يؤديه بمباشرة لا تلزمه استطاعة غيره، ومخالفنا يقول: إن المبذول له يلزمه الحج باستطاعة في الباذل.

17 -

مسألة

إذا حج المعضوب أو الصحيح عن نفسه حجة تطوع أجزأه:

نص عليه في رواية الأثرم، وقد سئل عن الصحيح؛ هل له أن يعطي من يحج عنه بعد الفريضة يتطوع بذلك؟ فقال: إنما جاء الحديث في الذي لا يستطيع، ولكن إن أحج عنه الصحيح أرجو أن لا يضره.
وهو قول لأبي حنيفة.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل هذا.
والثاني: لا يجوز.
وهذا في المعضوب، فأما في الصحيح، فلا يجوز قولًا واحدًا.
وقد انتقل أبو جعفر محمد بن أبي حرب الجر جرائي نحو هذا، فقال: سألته عمن قد حج الفريضة يعطي دراهم يحج عنه، فقال: أيش يكون له؟! ليس عليه شئ.
رأي أنه ليس له أن يحج عنه بعد الفريضة.

وعلى هذا: أنه لا تصح النيابة في نقل الحج؛ لأنه كان ليس له أن يحج بعد الفرض، ويجعل العلة: أنه ليس عليه.
وقال في موضع آخر من "مسائلة": وقد سأله: الرجل [يعطي المال للحج]، قال: لا، لا يأخذ.
هذا محمول على الاستبانة في حجة التطوع، فأما في حجة الفرض، فقد نص في موضع آخر: أنها تخرج عنه، فقال: سألته عن الرجل يحج عنه، قال: إذا لم يكن حج فمن جميع المال، وكذلك جميع ما يلزمه من الزكاة وغيره، والزكاة أشد.
فقد نص في حجة الفرض.
وقوله: "الزكاة أشد" لم يرد أنها تقدم على الحج، أو أنها تقضي دون الحج، وإنما أراد أنهما- وإن كانا يقضيان- فإن الزكاة أكد؛ لأنه يتعلق بها حق الله- تعالى- وحق الآدمي، وهم الفقراء، والحج يتعلق به حق الله فقط، والدين يتعلق به حق آدمي فقط.
فالدلالة على أنه تصح الاستبانة في حجة التطوع: أن كل ما صحت النيابة في فرضه، صحت في نقله، كالصدقة؛ لما جاز أن يقول لغيره: (خذ [من] مالي خمسة دراهم، وأد الزكاة الواجبة علي) جاز أن يقول له: (خذ من مالي خمسة دراهم، تصدق بها صدقة التطوع).

ولأن الفرض آكد من التطوع، وإذا صحت النيابة في الفرض، ففي التطوع أولى.
واحتج المخالف بأنها عبادة على البدن، فلا تصح النيابة فيها عند عدم الضرورة في الأًصل.
وعلى أنه لما لم تصح النيابة في الصلاة، استوي في ذلك حكم الفرض والنقل، فلو كان الحج كذلك، لاستوى حكم فرضه ونفله.
واحتج بأن النيابة إنما جازت فيها للحاجة، بدليل: أن الصحيح لا [يستنيب فيها]، ولا حاجة في الاستبانة في التطوع.
والجواب: أن النيابة إنما جازت؛ لأن فعلها بنفسه غير واجب، وهذا موجود في النقل.
وعلى أنا لا نسلم: أنه لا حاجة به إلى النقل؛ لأن الإنسان به حاجة إلى فعل الطاعات بعد موته، كما به حاجة إلى إسقاط الفرض.

18 -

مسألة

إذا كان مرضه يرجى زواله، لم يجز له أن يحج عن نفسه:

نص عليه في رواية أبي طالب فقال: إذا كان شيخًا كبيرًا

[....] [لا] يستمسك على الراحلة، يحج عنه وليه، وإذا كانت المرأة ثقيلة لا يقدر مثلها [أن] يركب، والمريض الذي أيس منه أن يبرأ، والمرأة التي قد أيس من أن تقدر على الحج.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يحج عن نفسه إذا كان عاجزًا، سواء أكان يرجى زواله، أو لا يرجى، وكذلك المحبوس عنده.
دليلنا: أنه غير ميئوس منه أن يحج بنفسه، فلا يجوز أن يحج غيره عنه.
دليله: الصحيح.
أو نقول: لأنه يرجى برؤه، فأشبه إذا كان صداع يسير.
واحتج المخالف: أنه غير قادر على أداء الحج بنفسه في الحال، فله أن يستنيب فيه غيره، قياسًا على المريض الذي لا يرجى برؤه.
والجواب: أنه يبطل بمن تلف جميع ماله، ولم يبق له زاد وراحلة؛ فإنه غير قادر على أداء الحج بنفسه في الحال، ومع هذا لا يجوز له أن يستنيب فيه.
وعلى أنه ليس الاعتبار عند المخالف بالعجز في الحال، وإنما

الاعتبار في الثاني، ألا ترى لو أنه أحج المغضوب عن نفسه، ثم برئ بعده، لزمه الحج ثانيًا، فبطل ما قاله.
ثم المعنى في الأصل: أنه ما يئس منه أشبه من به صداع يسير.
واحتج بأن ما أثر المرض في تعيين صفة وجوبه، استوي فيه المرض الذي لا يرجى برؤه- في جواز الانتقال إلى الإطعام- وبين ملا يرجى، ثم الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن الصلاة يتكرر وجوبها، والحج لا يتكرر [وجوبه... صفاته].
والثاني: أنه لو صلى على [جنبه في حالة، ثم زال مرضه]، لم يعد، وإن حج، ثم زال مرضه، أعاد عندهم.

19 -

مسألة

وإذا حج المعضوب عن نفسه، أو الشيخ الكبير، ثم برئ من غضبه، أو أحدث الله- تعالى- في الشيخ قوة، فإن تصور ذلك، فإنه يجزئه، ولا إعادة عليه:

نص عليه في رواية إسماعيل بن سعيد وابن منصور:

فقال في رواية إسماعيل: إن الرجل يحج عمه، وهو ضعيف لا يستمسك على راحلته، ثم تماثل من علته، يجزئه، ولا إعادة.
وفي رواية ابن منصور: إذا كان لا يقدر على الحج، فحجوا عنه، ثم صح بعد ذلك، فقد قضى ما عليه.
قال أبو حنيفة: يعيد.
دليلنا: أنه أحج ن نفسه في حالة أيس من الحج بنفسه، أو في حالة لا يرجى برؤه، فيجب أنه يجزئه.
دليله: إذا اتصل به الموت.
يبين صحة هذا أصلنا: أن الاعتبار حالة الابتداء دون حالة الانتهاء، ولهذا نقول: إذا كان مرضه يرجى زواله، فأحج عن نفسه، لم يجزئه- وإن اتصل به الموت- اعتبارًا بحالة الابتداء، وأنه لم يجزئه أن يحج عن نفسه.
وهاهنا أحج عن نفسه في حالة يجوز له ذلك، فيجب أن يجزئه.
واحتج المخالف بأن الموت لم يتصل بالمرض، فيجب ألا يجزئه.
دليله: لو كان مرضه يرجى زواله، فأحج عن نفسه.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه لا يجوز له أن يحج عن نفسه عندنا، فلهذا لم يجزئه، ألا ترى أنا نقول: لو اتصل الموت بذلك

المرض لم يجزئه، وليس كذلك هاهنا، لأنه أحج عن نفسه في حالةٍ جاز له أن يحج، فأجزئه، كما لو اتصل به الموت.

20 -

مسألة

من كان البحر بينه وبين طريق مكة، والغالب منه السلامة، فعليه الحج:

ذكره أبو بكر في كتاب "الخلاف"، وهو قول أبي حنيفة ومالك.
قال أصحاب الشافعي: فيها قولان.
دليلنا: قول النبي (صلى الله عليه وسلم): "لا يركب البحر إلا حاج، أو معتمر، [أو غاز في سبيل الله] " [ولأن] الغالب منه السلامة، فهو كالبر.
ولأنه طريق جاز سلوكه للتجارة، فجاز سلوكه للحج والعمرة.
ولأنه أحد المركبين، فجاز وجوب الحج بالقدرة عليه، كالبر.
واحتج المخالف بأن الغالب على البحر الخطر؛ لأنه لا يخلو من

هبوب الريح والعوارض.
والجواب: أنه إنما يشترط في الوجوب: أن يغلب عليه السلامة، وما يعرض غير غالب، فلا يعتد به.
[واحتج بأن عوارض] البحر من جهة الله تعالى، [والبر عوارضه من جهة الآدمي].
والجواب: أنه يعرض على البر العطش والبرد والحر، وذلك من جهة الله تعالى، فلا فرق بينهما.

21 -

مسألة

الأعمى إذا وجد زادًا وراحلة وقائدًا يقوده، لزمه الخروج بنفسه:

أومأ إليه أحمد في رواية المر وذي، وقد سئل عن رجل له أم ضريرة، ولها مال، أيحج عنها؟ فقال: يحج عنها إذا لم تقدر على الركوب.
فلم يجعل العمى مسقطًا لفرض الحج بنفسه، واعتبر عدم الثبوت على الراحلة.
وقد حكاه أبو حفص عن ابن بطة فقال: استطاعة الضرير: الزاد،

والراحلة، ومن يقوده.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه الحج بنفسه، ويلزمه في ماله.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:97].
وفسر النبي (صلى الله عليه وسلم) السبيل بالزاد والراحلة.
والظاهر: أن كل من وجد زادًا أو راحلة، وجب عليه الحج، فوجب عمل الآية على ظاهرها.
فإن قيل: الآية تقتضي وجوب الحج عليه، ونحن نقول: يجب عليه الحج، وليس فيه أن يفعله بنفسه، [أو] بماله.
قيل له: قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ يقتضي قصد البيت، فيجب أن يكون على كل واحد من الناس قصد البيت بنفسه؛ لأن الحج هو القصد.
ولأن الأعمى لا تلحقه مشقة في الثبات على المراكب، وهو كالمبصر الصحيح.
فإن قيل: البصير الصحيح يمكنه [أن] يتصرف بنفسه، والأعمى لا يقدر على التصرف بنفسه.

قيل له: إذا كان معه [من يقوده] فأنه يتمكن من ذلك.
[و] لأنه فقد حاسة، فلا تمنع من وجوب الحج عليه بنفسه.
دليله: الصمم.
ولا يلزم عليه الغضب والكبر؛ لأنه فقد قدرة.
يبين هذا: أن الحاسة مأخوذة من الحس بالأشياء، ولهذا حدها المتكلمون بالحواس الخمس.
فإن قيل: الصمم لا يمنع من التصرف بنفسه، والعمى يمنه من ذلك.
قيل له: الصمم يمنع من مخاطبه الحمال، ومن يبيع منه ويشتري.
وعلى أنه إذا كان معه قائد يرشده ويسدده، فلا يتعذر عليه ذلك، كما لا يتعذر على البصير.
فالأعمى لم يفته إلا العلم بالطريق، ومواضع النسك، وإذا وجد قائدًا يوصل إلى العلم به، فيلزمه، كالبصير إذا كان لا يهتدي الطريق، ولا يعرف المواضع التي تؤدي بها المناسك، وأنه إذا وجد من يهديه ويرشده، لزمه ذلك.
واحتج المخالف بأن الأعمى لا يمكنه أن يتصرف في سفره بنفسه، ألا ترى أنه يحتاج إلى من يركبه، وينزله، ويعينه على قطع المسافة، فهو كالزمن، بل الأعمى أسوأ حالًا من الزمن والمقعد؛ لأن الزمن إذا ركب قدر على أداء فرض الحج راكبًا، والأعمى لا يقدر على أدائه وإن

ركب، حتى يقوده غيره.
والجواب: أن الزمن والمقعد لا يتمكن من النزول والركوب والثبوت على الراحلة، ومباشرة المناسك بنفسه، والأعمى يمكنه ذلك، وإنما يفقد الهداية إلى الجهة التي يحتاج إليها، فإذا أرشده غيره اهتدى، وقام بالنسك، فأتي به، فهو كالبصير الصحيح الذي لا يهتدي النسك، فإنه لا يسقط عنه، كذلك الأعمى.
واحتج بأن الحج عبادة تحتاج في أدائها إلي قطع مسافة، فوجب أن لا يلزم الأعمى قياسًا على الجهاد.
والجواب: أن هذا لا يصح؛ لأن الأعمى يجب عليه الحج بالإجماع، فالوصف غير صحيح.
فإن قيل: يريد به أنه لا يلزمه الحج بنفسه.
قيل له: لا يؤثر في الأصل؛ لأنه لا يلزمه في ماله، ولا في نفسه.
ثم المعنى في الجهاد: أن القصد منه القتال، وهذا لا يحصل من الأعمى، وليس كذلك الحج؛ لأن المقصود منه حضور مواضع النسك، وهذا يمكن للأعمى مع القائد، كما يحصل من البصير.

22 -

مسألة

إذا مات وعليه حجة الإسلام، لزم الورثة أن يحجوا عنه من صلب المال من دورية أهله، سواء وصى بذلك، أو لم يوص:

نص عليه في رواية حنبل وابن إبراهيم، فقال: إذا مات، وقد وجب عليه الحج، فهو من جميع المال بمنزلة الدين.
وقال- أيضًا- في رواية الأثرم: يحج عنه من حيث وجب عليه، من حيث أيسر، قيل له: فرجل من أهل بغداد، خرج إلى خراسان فأيسر، ثم يحج عنه؟ فذكر له أن رجلًا قال: يحج عنه من الميقات، فأنكره.
قيل له: فرجل من أهل خراسان، أو من أهل بغداد، خرج إلى البصرة، ومات بها، قال: يحج عنه من حيث وجب عليه.
وقال- أيضًا- في رواية أبي داود في رجل من أهل الري، وجب عليه الحج ببغداد، ومات بنيسابور: يحج عنه من بغداد.
فقد نص على ما ذكرنا.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يلزم الورثة أن يحجوا عنه إلا أن يوصي بها.
وقال الشافعي: يحج من الميقات.
وقال داود: الحج لا يسقط بالموت.
فالدلالة على وجوب الحج- وإن لم يوص- ما تقدم من حديث ابن الزبير الذي رواه أحمد: أن رجلًا من خثعم أتى النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال: إن

أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير، لا يستطيع ركوب الرحل، والحج مكتوب عليه، أفأحج عنه؟ قال: "أنت أكبر أولاده؟ " قال: نعم، قال: "أرأيت لو كان على أبيك دين، فقضيته، أكان ذلك يجزئ عنه؟ " قال: نعم، قال: "فاحجج عن أبيك".
فشبه قضاء الحج بقضاء الدين، وقد ثبت أن الدين يقضي عنه حيًا وميتًا، الحج لظاهر الخير.
وقوله: "احجج عنه" أمر، وذلك يقتضي الوجوب.
فإن قيل: إنما شبهه بالدين في الجواز، [....]، ونحن نقول بذلك.
قيل له: من حكم الدين إيجاب القضاء، فيجب أن يكون حكم المشبه به كذلك.
وروى الأثرم بإسناده عن ابن عباس: أن امرأة جاءت إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: "نعم، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ " قالت: نعم، قال:"اقضي الله الذي له، فإن الله أحق بالوفاء".

وقوله: "أقضي" أمر، والأمر يقتضي الوجوب، وتشبيهه بالدين يدل على وجوب القضاء.
وقوله: "أحق" يدل على أنه أولى بالقضاء من الدين.
فإن قيل: الخبر يقتضي جواز القضاء، ونحن كذلك نقول، وإنما خلافنا في الإيجاب في التركة.
قيل له: الحج قد سقط عندك بالموت، وإذا فعل أحد عن أحد لا يكون قضاء، فلا يصح هذا التأويل.
مع أن قوله: "احجج عن أبيك" وقوله: "فاقض" أمر، والأمر يدل على الوجوب.
والقياس: أن الحج حق واجب تصح الوصية به، فوجب ألا يسقط قضاؤه بموته.
دليله: دين الآدمي.
وفيه احتراز من الصلاة والصيام والمال الذي على المكاتب لمولاه؛ لأن الوصية لا تصح بشئ من ذلك.
وفيه احتراز من [الزكاة]؛ لأنه قبل الحول غير واجب، وإذا حال الحول وجب، ولم يسقط.

ولا يلزم عليه الجزية؛ لأنه لا تعرف الرواية فيها، وكان شيخنا يقول: لا تسقط.
وإن شئت احترزت عن الجزية فقلت: حق مستقر تصح الوصية به، والجزية غير مستقرة؛ لأنه يماك إسقاطها بالإسلام، والمستقر ما لا يملك إسقاطه.
فإن قيل: لا نسلم أنه تصح الوصية بالحج الذي كان عليه؛ لأنه يسقط بموته، والذي يجب إخراجه بالوصية غير الذي كان عليه، وإنما الوصية بحج تطوع.
قيل له: نحن أدعين صحة الوصية بالحج في الجملة، وهذا مسلم، فعندنا بالواجب والتطوع، وعندكم بالتطوع.
فإن قيل: المعنى في الديون: أن استيفاها في حياته لا يتعلق برضاه وإذنه، ألا ترى أن صاحب الحق لو أخذ من ماله مقدار حقه من جنس ما عليه جاز؟ فلم يفت بموته إلا أذنه، وذلك غير معتبر، فجاز أن يستوفى يعد موته، وليس كذلك الحج؛ لأنه لو أخرج من ماله في حياته مقدار نفقة الحج بغير إذنه، كذلك بعد موته.
قيل له: علة الأصل تبطل بصدفة الفطر؛ فإن الأب يؤديها عن

ابنه في حال حياته من غير اعتبار إذنه ورضاه، [ومع هذا] تسقط بالموت عندهم.
وعلة الفرع تبطل بالعشر؛ فإنه لو أخرج عنه من ماله في حياته [حياته مقدار] العشر بغير إذنه لم يجز، ومع هذا لا يسقط بموته عندهم على الرواية المشهورة.
وكذلك [....] الشهيد إذا قتل، وهو جنب، ولم يجد الماء، فإنه [....]، ولا يسقط ذلك بموته، وإن كان لا يصح فعله في حال حياته بغير إذنه.
وعلى أنه إنما يصح إخراجه في حال حياته بغير إذنه [....] الإذن من جهته، وبعد الموت قد تعذر ذلك، فلا يمنع ذلك من الإيجاب، كالحي إذا أمتنع من أداء الزكاة، فإنها تؤخذ منه، وإن لم يوجد الإذن؛ لتعذره من جهته.
ولأنه إنما احتيج إلى إذنه في حال حياته؛ ليحصل التمييز بين

الفرض والتطوع، وبعد الوفاة لا يخرج من رأس المال إلا الفرض الذي وجب عليه في حال الحياة، فاستغنى عن إذنه ونيته.
وإن شئت قلت: حق تدخله النيابة، استقر عليه في حال الحياة، فلم يسقط عنه في موته.
دليله: ما ذكرنا.
وفيه احتراز من الصلاة والصيام؛ لأن النيابة لا تدخل في ذلك.
وفيه احتراز من المال على المكاتب، ومن الدية؛ لأن الحق غير مستقر، وفي الجزية نطق.
فإن قيل: لا نسلم أنه مستقر، بل هو مراعي، فإن حج تبينًا استقراره، وإن مات تبينًا عدم الاستقرار.
قيل له: الدلالة على أنه مستقر: أن من وجب عليه الحق لا يمكنه [....]، فهذا معنى الاستقرار، والحج بهذه الصفة.
فإن قيل: ولا نسلم: أن الحج تدخله النيابة؛ لأن الحج يقع عن الحاج عندنا، ويكون للمحجوج [عنه] ثواب النفقة.
قيل له: الدلالة على أنه يصح منه: أن تصح فيه الاستبانة، وهو أن يدفع إلى غيره مالًا؛ لينوي عنه، ويلبي عنه، ولا يجوز أن يكون هذا إلا فيما تقع فيه النيابة، ألا ترى أن الصلاة والصيام لما لم تصحَّ النِّيابة

فيهما، لم تصح فيهما الاستبانة؟ ولأن ما صحت الوصية به إذا لم يكن مستحقًا عليه، لم يسقط بموته إذا كان مستحقًا عليه، قياسًا على حقوق الآدميين؛ لأنه إذا أوصى بعبد له لإنسان- وهو لا يستحقه عليه- صحت الوصية، وإذا كان في يده عبد مغصوب يستحق عليه، لم يسقط عنه بموته، ووجب رده على صاحبه.
واحتج المخالف بأن كل من وجبت عليه عبادة، لم يلزم غيره أن يؤديها عنه بعد موته.
دليله: الصلاة.
والجواب: أنه يبطل بالعشر، والغسل إذا وجب عليه قبل القتل.
ثم المعنى في الصلاة: أنه لا تصح الوصية بها، أو لا تنفذ النيابة فيها في حال الحياة، وليس كذلك الحج؛ لأنه تصح الوصية به، ولأن النيابة تدخله، فهو كالدين.
واحتج بأن الحج وجب في حياته على أن يكون عبادة عليه وقربة له، ولا يمكن أداؤه بعد موته على الوجه الذي وجب، فوجب أن يسقط كالصلاة.

والجواب: أن العبادة قد يسقط فرضها، وإن لم تكن قربة له، ولا ثواب له فيها، وهو الصلاة في الدار المغصوبة، عندهم هي صلاة صحيحة، وكذلك الزكاة تؤخذ من الممتنع، ويجبر على إعطائها، وإن لم يكن ذلك قربة إلا بنية وإخلاص.
ثم المعنى في الصلاة ما تقدم.
واحتج بأن هذه حجة لم يأذن بفعلها من وجبت عليه، فوجب أن لا تلزم غيره إذا أداها عنه؛ قياسًا على حال الحياة.
والجواب: أن حالة الحياة إنما تمنع الحج عنه بغير إذنه؛ لإمكان أدائه بإذنه، وإذا مات فقد تعذر إذنه، ألا ترى لو أنه كان صحيحًا وجب أن يؤدي الحج، فلو عجز عنه بزمانه، أو موت، قام فعل غيره مقام فعله؟ واحتج بأنه لا تحاص بالحج ديون، فوجب أن لا يجب إخراجه بغير وصيه، كسائر العطايا.
والجواب: أنا لا نسلم هذا، بل نقول: تحاص بالحج ديون الآدميين.
نص عليه في الزكاة في رواية ابن القاسم: إذا مات، وعليه دين وزكاة، تحاص الغرماء من الزكاة نصفين.
وعلى أنه ليس إذا لم يحاص يجب أن يسقط بالموت، بدليل أنه

إذا اجتمع غرماء الصحة وغرماء المرض، وضاق المال، فيقدم غرماء الصحة، فلم تسقط حقوق غرماء المرض، بل الدين في الذمة، فلو أبرأه عنه، أو قضاه أجنبي عنه، صح، كذلك هاهنا.
واحتج بأن الحج عبادة يفتقر في أدائها إلى قطع مسافة، فوجب أن تسقط بالموت، كالجهاد.
والجواب: أن الجهاد لا تصح النيابة فيه، وليس ذلك هاهنا؛ لأنه تصح النيابة فيه، وينويه عن صاحب المال، ويلبي عنه.

  • فصل: والدلالة على أنه يجب إخراج الحج عنه من دويرة أهله، كالنيابة عن المعضوب.
    ولأن السبب إلى العبادة يجري مجراها في الوجوب، ولهذا يلزم من تعذرت داره من الجامع أن يتسبب إليها، ويأثم بتركها، كما يأثم بتركها.
    واحتج المخالف بأن هذه المسافة غير مقصودة، وإنما هو توصل

إلى الواجب، فهو في حال الحياة لا يمكن التوصل إلا بقطعها، وبعد الموت يمكن التوصل عنه من الميقات، فلهذا فرقنا بينهما.
والجواب: أنه يجب أن نقول في المعضوب إذا حج عن نفسه: أن يخرج من الميقات... إلى من يحج عنه من الميقات.
وعلى أن الطهارة غير مقصودة في نفسها، ويجب فعلها.

23 -

مسألة

الحج يقع عن المحجوج عنه:

وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: الحج يقع عن الحاج، وللمحجوج عنه ثواب النفقة.
وفائدة هذا: أن على قولنا تصح [النيابة عنه، لكن من جهته مال]، فيكون له ثوابه.
وقد قال أحمد في رواية حنبل: لا يعجبني أن يأخذ دراهم، فيحج بها إلا أن يكون متبرعًا يحج عن أبيه، أو ابنه، أو أخيه.

وكذلك نقل أحمد بن الحسين ويوسف بن موسى عنه في الرجل يريد أن يحج عن أبويه: يبدأ بالأم، إلا أن يكون الأب قد وجب عليه.
وكذلك نقل أبو الحارث، وقد سئل: يحج الرجل عن أبيه، أو عن أمه؟ فقال: إن حج من مال نفسه متبرعًا، وإن كان من مال الميت، فلا يحج وارث عن وارثه.
كأنه يرى أنها وصيه لوارث.
وكذلك نقل أبو داود- وقد سئل: يحج عن أمه؟ - قال: نعم، يقضي عنها دينًا عليها، قيل له: فينفق من ماله، وينوي عنها؟ قال: جائز، قيل له: فالمرأة تحج عن الرجل؟ قال: نعم، إذا كانت محتاجة.
فقد نص على جواز النيابة، وإن لم يكن من جهة المناب عنه مال.
والدلالة على ذلك: ما تقدم من حديث ابن الزبير.
وقول النبي (صلى الله عليه وسلم) للسائل: "احجج عن أبيك" وشبهه بالدين، فلو كان الحج عن القائل لم يكن حاجًا عن أبيه، وإنما كان حاجًا عن نفسه.
ولأن النبي (صلى الله عليه وسلم) شبه قضاء الحج عن أبيه بقضائه الدين عنه، كما كان قضاء الدين يسقط عنه فرضه، ويقع عنه، كذلك قضاء الحج.
فإن قيل: يحمل قوله: "فحج عنه" على إخراج المال عنه.
ولأن ظاهر الخبر يقتضي جواز حجه عنه بماله وبغير ماله، وعندهم: إن لم يكن له مال، لا يصح الحج عنه.

والقياس: ما صحت الاستنابة فيه، صحت النيابة فيه.
دليله: قضاء الدين، و [الوقوف] بعرفة.
أو نقول: ما صحت الاستنابة فيه، فإذا فعله المستناب، وقع عن المستنيب.
دليله: ما ذكرته.
وفد بينا أنه يستنيب من ينوي عنه، ويلبي عنه، فلولا أنه يقع عن النائب فيه ما صحت النية والنيابة عنه، كما لا يصح أن ينوي فيما يقع عن نفسه عن غيره.
واحتج المخالف بأن كل من لزمه أداء [ما] يوجب الإحرام، كان الإحرام عنه، كمن حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه.
والجواب: أنه إذا] استأجره لتفرقة [الزكاة، كان العمل مستحقاً عليه، وتكون الزكاة واقعة عن المزكى عنه، [....]، فلو استأجره لذبح هديه كان الذبح مستحقاً عليه، والهدي واقع عن غيره.
وكذلك [....] يستحق العمل على الأخير، ويكون العمل للمستأجر.

وأما من لم يحج عن نفسه، فإنما وقع الحج عنه؛ لأنه لم يسقط الفرض عن نفسه، وهذا قد أسقط الفرض عن نفسه، ألا ترى أن الطواف لا تصح النيابة فيه، وعليه فرضه، وتصح النيابة فيه، [....] أسقط فرضه [....] لو أفسده [....] في الابتداء لنفسه.
والجواب: أن إذا أفسده تبينا أنه لم يكن عن المحجوج عنه؛ لأنه على خلاف ما يتناوله إذنه، وهذا كما لو أمره بشراء شيء على صفة، فاشتراه بخلاف صفته، فيكون لازماً للوكيل.
واحتج بأن الكفارة التي تجب في الإحرام تلزمه، فيجب أن يكون الحج عنه واقعاً، كما لو أحرم عن نفسه في الابتداء.
والجواب: أن ذلك جناية من جهة الحاج لم يتناولها إذن المحجوج عنه، فكان ما يجب في ماله، يدل على ذلك أن هدي الإحصار يجب في مال المحجوج عنه؛ لأنه ليس بجناية من جهة الحاج.
فإن قيل: هدي الإحصار يخلص به من السفر، فيشبه نفقة الرجوع، وذلك في مال المحجوج عنه، كذلك هدي الإحصار.
قيل له: فيجب أن تقول- إذا نوى المقام هناك-: أن يسقط

جارٍ التحميل