التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 293-332

قضاؤه بعد مضي وقته، كرمي الجمار.
والجواب: أن الجمار حجة لنا؛ لأنها تسقط إلى بدل هو الدم.
يجب - أيضاً - أن نقول في صوم المتعة: يسقط إلى بدل، وهو القضاء، وعندهم يسقط لا إلى بدل؛ لأن الدم الذي يوجبونه هو الهدي الواجب في الأصل، وليس ببدل عن الصيام.
على أن قياس هذا على صوم رمضان - لأنه من جنسه - أولى من الجمار.

  • فصل: والدلالة على أنه لا يلزم الهدي لتأخيره الصيام والهدي: أنه نسك أخره إلى وقت جواز فعله، فلم يجب به دم.
    دليله: إذا أخر الوقوف من النهار إلى الليل.
    ولهذا المعنى قلنا: إذا أخر الطواف والحلاق عن أيام التشريق لا دم عليه لهذه العلة، وعكسه الرمي.
    ولا شبهة أن هدى التمتع نسك، وقد دللنا عليه فيما تقدم.
    ولا يلزم عليه إذا أخر الرمي؛ لأنه إن أخره عن اليوم الأول إلى الثاني والثالث، لا دم عليه، وإن أخره إلى ما بعد، فعليه دم؛ لأنه أخره عن وقت جواز فعله، وقد نص على هذا في رواية صالح، فيمن نسي

رمي جمرة العقبة، فذكرها في أيام التشريق: يرمي في أيام منى، فإذا جازت أيام منى، فعليه دم.
وأما الصيام فهو بدل الهدي الذي هو نسك، فكان نسكاً.
ولأنه دم أخره عن وقت وجوبه، فلا يجب بتأخيره دم.
دليله: سائر الدماء الموجبات من الحلاق، وتقليم الأظفار، واللباس، وقتل الصيد، وغير ذلك.
ووجه الرواية الثانية: ما روى النجاد بإسناده عن علي بن بذيمة مولى ابن عباس قال: تمتعت، فنسيت أن أنحر، وأخرت هديـ]ــي [، فمضت الأيام، فسألت ابن عباس فقال: اهد هديين؛ هدياً] لهديك [، وهدياً لما أخرت.
والجواب: أنه محمول على الاستحباب.
واحتج بأنه صوم واجب أخره عن وقته المعين، فجاز أن يجب به فدية.
دليله: صوم القضاء والنذر.
والجواب: أن ذلك الصوم ليس فيه معنى النسك، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه نسك أخره إلى وقت جوازه، أشبه ما ذكرنا.

53 -

مسألة

إذا صام المتمتع السبعة بعد الفراغ من الحج قبل الرجوع إلى أهله أجزأه:

نص عليه في رواية الأثرم، وقد سأله عن صيام السبعة أيصومهن في الطريق، أم في أهله؟ فقال: كل قد تأوله الناس، ووسع في ذلك كله.
وكذلك نقل أبو طالب عنه، قال: إن قدر على الهدي، وإلا يصوم بعد الأيام، قيل له: بمكة، أم في الطريق؟ فقال: كيف شاء.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل هذا.
والثاني: يصوم إذا رجع إلى أهله، فإن صام بمكة، أو في الطريق لم يجز، فإن حصل في وطنه، ثم عاد على مكة، جاز له أن يصوم بها وفي الطريق في أي موضع شاء، وإن لم يرجع إلى وطنه، ونوى المقام في مكة؛ وجعلها وطنه، جاز له أن يصوم بها.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾] البقرة:196 [، تقديره: إذا رجعتم من الحج؛ لأن فيه إضماراً، فيجب أن يكون المضمر ما تقدم ذكره، كقوله تعالى: ﴿والْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ والْحَافِظَاتِ والذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾] الأحزاب: 35 [، فإذا كان تقديره ما ذكرنا قلنا: إذا انقضت أيام منى لم يبق من أفعال الحج عليه شيء، فقد رجع من

الحج، فيجب أن يجزئه صوم هذه الأيام.
فإن قيل: إطلاق اسم (الرجوع) إلى الوطن، فيجب أن يجمل عليه.
يبين صحة هذا: أن الفراغ من العبادة لا يسمى رجوعاً، ألا ترى أنه إذا فرغ من صومه بغروب الشمس لا يقال: رجع من صومه، ورجع من زكاته، ورجع من صلاته؟ قيل له: في الآية رجوع مقيد، وتقديره: وسبعة إذا رجعتم من الحج، والحج عبارة عن الأفعال، فيصير كأنه قال: وسبعة إذا رجعتم من أفعال الحج، والرجوع من أفعال الحج هو الفراغ منها.
ولا يشبه هذا قوله: رجع من صيامه، ومن صلاته؛ لأن الصيام والصلاة لا تختص بمكان، فلا يقال لمن فعلها: رجع، والحج يفعل في أماكن مخصوصة، فيجوز أن يقال لمن فرغ منه، وانتقل عنها: رجع.
ولأنه يصح أن يقال في الصيام: رجع إلى الفطر، ويقال لمن فرغ من الحج: رجع إلى الإحلال.
ويبين صحة هذا: أن أفعال الحج تقدم ذكرها، والسفر والخروج من الوطن لم يجر له ذكر يحمل الرجوع عليه.
فإن قيل: كيف يقال لمن حصل بمكة: رجع، وأفعال الحج تقع فيها؟ قيل له: إذا فرغ من الأفعال يقال: رجع إلى حالته الأولى من الإحلال.

يبين صحة هذا: أن الرجوع إلى الأهل] غير [مراد بالاتفاق؛ لأنه لو رجع إلى وطنه، ولم يطف لم يجز الصوم، ولابد من اعتبار الرجوع الذي نقوله نحن.
فإن قيل: قوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾ معناه: في وقت الحج؛ لأن] في [من حروف الظرف، والفعل لا يكون ظرفاً للفعل، وإنما يكون الوقت ظرفاً له، فيصير تقديره كأنه قال: فصيام ثلاثة أيام في وقت الحج، فإذا جعلنا قوله: ﴿إذَا رَجَعْتُمْ﴾ تقديره: إذا رجعتم من الحج، صار كأنه قال: إذا رجعتم من وقت الحج، والرجوع من وقت الحج لا يصح، وإذا بطل أن يكون تقدير الآية ما ذكرتم، ثبت أن تقديرها: إذا رجعتم إلى الوطن.
قيل له: في الآية إضمار، فيجب أن يكون المضمر ما تقدم ذكره، وهو الحج، فيصير كأنه قال: فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم من الحج، ولو قال ذلك، ثم قامت الدلالة على أن المراد بالأول وقت الحج، لم يجب حمل الثاني عليه، بل يجب حمله على فعل الحج، ألا ترى أن قيام الدلالة على أن المراد بقوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾ وقت الحج، لم يجوب أن يكون المراد بقوله: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ﴾] البقرة:196 [وقت الحج؟ على أن الرجوع عن أفعال الحج مراد بالإجماع، لأنه لو رجع إلى الوطن قبل الرجوع من الحج لم يجز له أن يصوم.
والقياس أنه متمتع صام بعد الفراغ من المناسك في وقت يصح

فيه الصوم، فيجب أن يجزئه إذا لم يكن معه هدي، كما لو رجع إلى الوطن، أو استوطن بمكة، ولم يرجع إلى أهله، جاز أن يؤديه إذا لم يستوطن.
دليله: سائر الصيام.
ولأن من لزمه صوم جاز له أن يؤديه بعد عوده إلى وطنه، وبعد حصوله إلى أهله، جاز أن يؤديه قبل ذلك.
دليله: صوم رمضان وقضاؤه ونحوهما.
ولا يلزم عليه إذا قال: إذا رجعت إلى أهلي ووطني، وتخلصت من سفري، فعلي صوم عشرة أيام، أن له أن يؤديه بعد عوده إلى وطنه، وليس له أن يؤديه قبل ذلك؛ لأن لزومه يتعلق بشرط العود إلى الوطن، فما لم يوجد الشرط لم يلزمه، فلا يجزئه عن الواجب، وأما صوم السبعة أيام فقد لزم المتمتع قبل عوده إلى الوطن.
فإن قيل: صوم السبعة لا يجب إلا بعد الرجوع، وإن حصوله في أهله شرط في وجوبه.
قيل له: فيجب أن لا يلزمه إذا استوطن في مكة لعدم الشرط.
فإن قيل: إذا استوطن في مكة فقد حصل في وطنه وأهله، فوجد الشرط.
قيل له: لو كان كذلك، لوجب إذا قال: إن عدت إلى وطني، وحصلت في أهلي، فعلي أن أصوم عشرة أيام، فاستوطن مكة، أن

يلزمه، كما قلت في مسألتنا، ولا خلاف أنه لا يلزمه، فبطل ما ذكرت.
واحتج المخالف بما روى عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل قال: "فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذ رجع إلى أهله".
وروى ابن جريج، عن عطاء، عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة، فمن ساق الهدى فليذبح، ومن لم يسق الهدي فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله".
والجواب: أنه يحتمل أن يريد به: إذا ابتدأ بالرجوع إلى أهله، وهذا يكون بعد الفراغ من الحج، وقد يسمى ذلك راجعاً، كما يقال: خرج فلان إلى مكة، وخرج إلى خراسان، وإن كان في الطريق، كذلك هاهنا.
واحتج بأنه متمتع صام السبع قبل الرجوع إلى وطنه، فوجب أن لا يعتد به، كما لو صام قبل الفراغ من الرمي.
والجواب: أن صومه قبل الرمي يحصل في يوم النحر وأيام التشريق، فلهذا لم يجز، ألا ترى أنه لو لم يرم حتى مضت أيام التشريق جاز له أن يصوم، وإن لم يرجع إلى أهله؛ لأن الرمي قد سقط، فلا

يحصل صومه في أيام التشريق؟ واحتج بأنه الله - تعالى - لما أمر بصوم رمضان وضعه عن المسافر تخفيفاً عنه، فلا يجوز أن نبتدئ بإيجابه عليه في حال سفره.
والجواب: أن هذا باطل بصوم ثلاثة أيام.
على أن نبيح له جواز تأخيره إلى أن يرجع إلى أهله، كما نبيح للمسافر تأخير صوم رمضان، ونجيز فعله في حال سفره، كما نجيز صوم رمضان.
واحتج بأنه إنما فرق بين صوم ثلاثة أيام، وبين صوم سبعة أيام رفقاً به، ومن الرفق أن لا يؤمر بالسبعة إلا بعد الرجوع إلى الأهل والاستقرار في الوطن.
والجواب: أنا في بينا: أن له تأخيره إلى وقت الرجوع، وإنما خلافنا في جوازه في حال سفره، فقلنا: يجوز، وقال مخالفنا: لا يجوز.

54 -

مسألة

يستحب للمتمتع أن يصوم قبل التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة:

نص عليه في رواية الأثرم، وأبي طالب.

وهو قول أبي حنيفة.
وقال الشافعي: يستحب أن يكون آخر الصيام يوم التروية.
دليلنا: يوم عرفة أفصل، ولم ينه عن الصوم فيه، وكان أولى بالصيام الواجب.
ولأن يوم السادس لا يسن الخروج إلى منى فيما يليه، فلم يستحب فيه ابتداء صوم الثلاثة.
أصله: ما قبله.
فإن قيل: أليس قد قلتم: لا يستحب أن يتطوع بصوم هذا اليوم؛ لأنه يضعفه عن الدعاء؟ كذلك في صوم التمتع.
قيل: لا يمتنع أن نقول هذا في التطوع، ولا نقولـ]ـه [في الواجب، كصيام يوم الشك ويوم الجمعة، فيكره التطوع فيه، ولا يكره القضاء فيه.
واحتج بما روى الأثرم بإسناده، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم عرفة بعرفات.
والجواب: أنه محمول على التطوع، بدليل ما روى الأثرم بإسناده عن عائشة قالت: الصيام لم تمتع ولم يجد الهدي: ما بين أن يهل إلى

يوم عرفة، و [إن] لم يصم، صام أيام منى.

55 -

مسألة

في المتمتع إذا دخل في الصوم، ثم وجد الهدي في صيامه، أجزأه المضي فيه:

نص عليه في رواية حنبل في المتمتع إذا صام أياماً، ثم أيسر: أرجو أن يجزئه الصيام، ويمضي فيه.
وكذلك نقل ابن منصور في متمتع لم يجد ما يذبح فصام، ثم وجد يوم النحر ما يذبح: فمتى دخل في الصوم فليس عليه.
ويقول في الكفارات كلها: إذا دخل في الصوم يمضي فيه، وكذلك إذا تيمم ثم دخل في الصلاة فليمض.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبي حنيفة: إن وجده في صوم السبعة أجزاه، ولم يلزمه الهدي، وإن وجده في صوم الثلاثة لم يجزه الصوم، ويلزمه الهدي، وكذلك إن وجده بعد الفراغ من صومه ثلاثة أيام، وقبل الإحلال، لم يجزه إلا الهدي، وإن حل ثم وجد الهدي أجزاه الصوم.
وفرق بين الثلاثة وبين السبعة بأن الثلاثة بدل عن الهدي، فبطل

حكمها بوجود المبدل، والسبعة ليس ببدل عنه، وعلى قولنا الجميع بدل عن الهدي.
والكلام في هذه المسألة في فصلين: أحدهما: في صوم السبعة؛ هل هو بدل، أم لا؟ والثاني: الإجزاء.
فالدلالة على أنها بدل عن الخدي قوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾] البقرة:196 [، فمنها دليلان: أحدهما: أنه شرط عدم الهدي في الثلاث، وعطف السبعة عليها، والمعطوف بمنزلة المعطوف عليه، وهما بمنزلة الجملة الواحدة الملفوط بها دفعة واحدة.
فإن قيل: قد يتشرط في صحة الشيء عدم غيره، ولا يكون بدلاً عنه، كما يشترط عدم الطول وخوف العنت في نكاح الأمة، وليس ببدل عنه.
قيل له: فيجب أن تقول في الثلاث مثل ذلك، وأن الشرط هاهنا لم يفد البدل.
على أنا نقول: إن نكاح الأمة بدل من نكاح الحرة.
والدلالة الثانية من الآية: أن الله - تعالى - جمع بينهما لإزالة

الإشكال فقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾] البقرة:196 [فدل هذا على أن السبعة تكمل ثواب الصوم؛ لأن البدل ينقص عن ثواب المبدل، وكمل الله - تعالى - الثواب بضم سبعة إلى الثلاث.
قالوا: وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية المروذي فقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ كملت الهدي.
قيل: بل الجمع لإزالة الإشكال؛ لأن الواو قد تكون بمعنى (أو) نحو قوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾] النساء:3 [وتقديره: أو ثلاث، أو رباع، فأزال الإشكال وأخلصها للجمع.
ولو كان المراد تكميل الثواب لقال: تلك عشرة مكملة، فلما قال: ﴿كَامِلَةٌ﴾ دل على أن المراد به ما ذكرنا.
ولأن عدم الهدي في صوم السبعة، كما هو شرط في الثلاث، وكل صوم لزمه عند عدم الهدي، فوجب أن يكون بدلاً عنه، كصوم الثلاثة.
ولأنه صوم لزمه عند عدم حيوان، فوجب لا يكون بدلاً عنه، كالصوم في الكفارات المرتبة.
واحتج المخالف بأن صوم ثلاثة أيام جائز في الحج، وصوم سبعة لا يجوز إلا بعد الفراغ منه، فلو كان الجميع بدلاً عن الهدي لكان وجوبه

على وجه واحد، كالصوم في كفارة الإفطار والظهار.
] والجواب: أنه [إنما جاز صوم الثلاثة في الحج؛ لأنه وقته، وذلك أن وقته في الحج، وصوم] السبعة لا يختص وقته في الحج، فيفرق لهذه العلة.
وغير ممتنع أن يكون بعض هذه البدل في وقت وبعضه في وقت آخر بخلاف سائر المبدلات، كما كان وقت المبدل - وهو الهدي - في وقت غير وقت البدل -] و [هو الصوم - بخلاف سائر المبدلات.
وعلى أن الصوم في كفارة الظهار والفطر حجة لنا؛ لأنه لما وجب عند عدم الرقبة كان جميعه بدلاً، ولم يكون بعضه بدلاً، وبعضه غير بدل، كذلك صوم العشرة لما وجب عند عدم الهدي يجب أن يكون جميعه بدلاً، ولا يكون بعضه بدلاً، وبعضه ليس ببدل.
ولأنا وجدنا الجمع والتفريق يجريان في العبادات مجرى واحداً في باب الجواز بدليل قضاء رمضان؛ يجوز الجمع والتفريق فيه، فإذا كان في الأبدال ما يجب جميعه، وهو صوم الظهار والقتل، جاز أن يكون فيها ما يجب تفريقه؛ لأنهما يجريان مجرى واحداً.
واحتج بأنه صوم يجوز فعله بعد التحلل، فهو كصوم فدية الأذى،

ولأن وجود الهدي لا يمنع ابتداءه، فلم يكن بدلاً.
أصله: ما ذكرنا.
والجواب: أنه إنما جاز فعله بعد التحلل لدخول وقته؛ لأنه قبل التحلل لم يدخل وقته، وجاز فعله - أيضاً - مع وجود الهدي؛ لأنه بعض البدل وجد البدل في أثنائه.
وأما فدية الأذى، فلم يشترط في جوازها عند عدم الهدي، فلهذا لم تكون بدلاً عنه، وهذا بخلافه.
واحتج بأن الهدي مشروط لإباحة الإحلال؛ لأن المتمتع إذا كان معه هدي لا يجوز له أن يحل حتى يذبحه، ومتى حل قبله لزمه دم، وإذا لم يكن معه هدي لزمه أن يقيم الصوم مقامه، والصوم الذي يقوم مقامه في إباحة الإحلال صوم ثلاثة أيام، فعلمنا أنه هو البدل؛ إذ البدل هو ما يقوم مقام المبدل في حال العجز عنه، ولو كان صوم سبعة أيام بدلاً عنه لما جاز التحلل إلا بعد وجوده، كما لا يجوز إلا بعد وجود صوم ثلاثة أيام في حال عدم الهدي.
والجواب: أن صوم الثلاثة إنما جاز عند عدم الهدي؛ لأنه وقت له؛ لان وقته أن يصوم في الحج، لا لأجل التحلل، وصوم السبعة

لا يختص وقته بالحج، فامتنع أن يكون صوم الثلاثة لأجل التحلل، وإنما كان لما ذكرنا.

  • فصل: والدلالة على أنه يجزئه الصيام، ولا يلزمه الخروج إلى الهدي: هو أنه وجد الهدي بعد دخوله في الصوم، فوجب ألا يلزمه الانتقال إليه قياساً عليه إذا دخل في صوم السبعة أيام ثم وجده.
    وقيل: صوم تلبس به لعدم الهدي، فلم يبطل بوجوده كالسبعة.
    والعبارة الأولى أصح؛ لأن الحكم في الثانية ضد الوصف؛ لأن ما تلبس به للعدم يدل على تأثير الوجود فيه.
    فإن قيل: المعنى في صوم السبعة: أنه ليس ببدل، وليس كذلك الثلاث؛ لأنها بدل.
    قيل: قد بينا: أن الجميع بدل، فلا فرق بينهما.
    واحتج المخالف عليه إذا وجده قبل الفراغ من الصوم: أنه يلزمه؛ لأنه بدل عن الهدي، فإذا قدر على المبدل قبل الفراغ من البدل لزمه أن ينتقل إليه، كالمعتدة بالشهور إذا حاضت، والمتيمم إذا وجد الماء في الصلاة.

ولا يلزم عليه إذا وجده قبل صوم السبعة؛ لأنه ليس ببدل عن الهدي.
والجواب: أنه قوله: وجده قبل الفراغ من الصوم، لا تأثير له عندك؛ لأنه لا فرق بين أن يجده قبل الفراغ من صوم الثلاثة، أو يجده بعد الفراغ منها، وقبل التحلل من إحرام الحج،] فـ[ـإنه ينتقل إلى الهدي، وإذا كان كذلك لم يكن لاعتبار وجود الهدي في البدل تأثير، ووجب إسقاط الوصف.
وعلى أن فرقاً بين وجود الماء في الصلاة، أو قبل الدخول فيها، وبين مسألتنا، وذلك أن ظهور المبدل هناك يبطل حكم البدل من أصله؛ لأنه يبطل ما مضى من الصلاة، ويمنع كونها قربة وطاعة، وقبل الصلاة - أيضاً - تبطل حكم التيمم من أصله، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن وجود الهدي لا يوجب بطلان الصوم من أصله، ولا يخرجه عن أن يكون قربة في نفسه، فدل على الفرق بين البدلين.
وأما العدة ففرق بينها وبين مسألتنا، وذلك أن الهدي يجوز تركه للمشقة، وهو إذا لم يجده في البلد، وإذا كان له مسكن يمكنه أن يشتري بثمنه هدياً إلا أنه يحتاج إليه، لم يلزمه، وأجزأه الصوم، وليس كذلك العدة بالأقراء؛ فإن المرأة إذا حاضت مرة، ثم ارتفع حيضها، لم يجز لها أن تعتد بالأشهر، بل تتربص حتى يعود الحيض، أو ييأس أضرابها.
واحتج بأن ما كان شرطاً في صحة اليوم الأول كان شرطًا في الثاني.

دليله: النية وترك الأكل.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون شرطاً في الأول، ولا يكون شرطاً في الثاني، كما كان شرطاً عندك في الثلاث، ولم يكن شرطاً في السبع.
وعلى أنه متى كان الهدي موجوداً في اليوم الأول، فلم يوجد شرطه، وليس كذلك إذا شرع فيه، ثم وجده؛ لأنه وجد شرطه، فهو كما لو وجده في السبع.
وعلى أن ترك نية الإمساك في صوم السبعة يمنع الإجزاء، ووجود الهدي فيها لا يمنع.
واحتج بالقياس عليه إذا وجده بعد صيام الثلاثة - وقبل الإحلال - بأنه متمتع وجد الهدي قبل الإحلال من الإحرام، فوجب أن ينتقل إليه.
دليله: إذا لم يصم ثلاثة أيام.
والجواب: أن المعنى ف الأصل: أنه وجده قبل الشروع في الصوم، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه وجد] هـ[بعد الشروع فيه، فأشبه إذا وجده بعد الشروع في السبعة.
واحتج بأن الهدي مشروط لإباحة الإحلال عندنا وعندكم، والصوم بدل عنه وقائم مقامه، فإذا وجد قبل حصول الإحلال بطل حكم البدل، ووجب الانتقال إلى المبدل، كما تقول: إن الطهارة بالماء تراد لأداء الصلاة، والتيمم بدل عنها، ثم لو وجد الماء قبل الإحلال من الصلاة

بطل حكم البدل، ووجب الانتقال إلى المبدل.
والجواب: أن لنا في رؤية الماء في الصلاة روايتان: إحداهما: لا تبطل.
فعلى هذا: لا نسلم.
والثانية: تبطل.
فعلى هذا] نقول [: فرق بينهما، وذلك أن ظهور المبدل هناك يبطل حكم البدل من أصله، وليس كذلك هاهنا؛ لأن ظهور المبدل هاهنا لا يبطل حكم البدل من أصله؛ لأنه صوم صحيح يثاب عليه.
وعلى أنا قد بينا أنه ليس بمشروط لإباحة الإحلال، وإنما تأخر فعله لدخول وقته.

56 -

مسألة

المتمتع الذي يسوق الهدي لا يحل إلا يوم النحر، فإذا كان يوم النحر ذبح وحل، فإذا طاف وسعى لعمرته لم يحل منها، ولكن يحرم بالحج، ثم لا يحل حتى يتحلل منهما معاً:

نص عليه في رواية حنبل فقال: إذا قدم في أشهر الحج - وقد ساق

الهدي - فلا يحل حتى بنحر، وإذا قدم في العشر لم يحل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم في العشر، ولم يحل.
وظاهر هذا: أنه لا يحل إلى يوم النحر سواء قدم مكة في العشر، أو قبله.
وروى أبو طالب عنه في الذي يعتمر قارناً أو متمتعاً، ومعه الهدي: قصر من شعرك، ولا تمس شاربك، ولا أظفارك، ولا لحيتك، كما فعل النبيصلى الله عليه وسلم؛ فإن شاء لم يفعل، وإن شاء أخذ من شعر رأسه، وهو حرام.
وظاهر هذا: انه يحل من التقصير فقط، ولا يحل من جميع المحظورات، كما يحل الحاج إذا رمى من بعض المحظورات.
وروى يوسف بن موسى فيمن قدم متمتعاً، وساق الهدي: فإن قدم في شوال نحر الهدي وحل، وعليه هدي آخر، وإذا قدم في العشر أقام على إحرامه، ولم يحل، فقيل له: معاوية يقول: قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص، فقال: إنما حل بمقدار التقصير، ويرجع حراماً مكانه.

وظاهر هذا: أنه إن قدم مكة قبل العشر جاز له أن يتحلل، وينحر الهدي، وإن قدم في العشر لم يحل له التحلل قبل يوم النحر إلا بقدر تقصير الشعر.
وهذا يقتضي أن سوق الهدي لا يمنع التحلل عنده، وإنما استحب له المقام على إحرامه إذا دخل في العشر؛ لأنه لا يطول تلبسه بالإحرام، وإذا دخل قبل العشر طال تلبسه به؛ فلا يأمن مواقعة المحظور، فيتحلل.
وقال في رواية أبي طالب: إذا كان الهدي نمنعه من التحلل من جميع الأشياء في العشر وغيره.
وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك والشافعي: له أن يحل من العمرة بعد الفراغ منها؛ سواء ساق الهدي، أو لم يسق.
دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" بإسناده عن ابن عمر قال: تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، وكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: "من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقتضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى، فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحل، ثم ليهل بالحج".
وروى - أيضاً بإسناده عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن

يجعلوها عمرة، ويحلوا إلا من كان معه هدي، وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت".
وروى - أيضاً - بإسناده عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أرى إلا أنه الحج، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي أن يمضي على إحرامه، ومن لم يكن معه هدي أن يحل.
فإن قيل: لا دلالة في هذه الأخبار على مواضع الخلاف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من لم يكن ساق الهدي أن يفسخ الحج ويجلعها عمرة، ومنع من كان ساق الهدي من فسخه، وأمره بالبقاء على إحرامه إلى يوم النحر، وخلافنا في المتمتع إذا ساق الهدي، وفرغ من أعمال العمرة: هل له أن يحل، أم لا و] ليس [في هذه الأخبار بيان هذا الموضع.
قيل له: أما حديث ابن عمر فهو خاص في المتعة.
وعلى أن ورود الخبر فيمن كان مهلاً بالحج لا يوجب أن يكون حكمة مقصوراً عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلق الحكم على الإحرام بالحج، وإنما علقه بسوق الهدي وعدمه، فوجب أن يعتبر هذا في كل محرم.
وأيضاً هدي المتعة نسك يجب فعله في الإحرام، فوجب أن يكون موقتاً كسائر أفعال المناسك، وإذا ثبت أنه موقت ثبت أنه وقته يوم النحر؛ لأن أحداً لم يوقته بغيره، وإذا صح ذلك لم يجز ذبحه قبل وقته،

وإذا لم يجز ذبحه قبل يوم النحر، لم يجز التحلل من عمرته؛ لأن كل من أباح له الإحلال، أجاز ذبحه قبل يوم النحر.
ولأن التمتع أحد نوعي الجمع بي الإحرامين، فجاز أن يقف التحلل منه على يوم النحر، كالقران.
فإن قيل: ذكر الجواز في الأصل لا معنى له.
قيل له: بل له معنى؛ لأنه يجوز أن يتحلل قبل يوم النحر بالإحصار.
واحتج المخالف بأنه متمتع أكمل أعمال عمرته، فجاز له التحلل، كما لو لم يسق.
والجواب: أنا لا نسلم أنه أكمل أعمال عمرته؛ لأن الهدي من جملة أعمالها [، وكماله يحصل يوم النحر.
وعلى أن المعني في الأصل: أنه لم يسق الهدي، وليس كذلك هاهنا؛ لأن ساق الهدي، ولسوق الهدي تأثير في منع التحلل.
الدليل عليه: من كان محرماً في وقت النبي صلى الله عليه وسلم] و [فسخ عليه، فإن سوق الهدي منعه من الفسخ.
وعلى أن هذا قياس يعارض السنة الصحيحة، فلا يلزم الكلام عليه.

واحتج بأن كل من جاز له أن يحل قبل يوم النحر بإنه لا يختلف أن يكون قد ساق الهدي، أو لم يسق، ومن لا يجوز له الإحلال إلى يوم النحر لا يختلف - أيضاً - كالقارن والمفرد إذا لم يحصر، كذلك هاهنا.
والجواب: أنا قد بينا: أن لسوق الهدي تأثيراً في منع الفسخ بدليل من كان في وقت النبي صلى الله عليه وسلم وفسخ عليه.

57 -

مسألة

حاضرو المسجد الحرام هم أهل الحرم، ومن كان من الحرم على مسافة لا تقصر في مثلها الصلاة:

وفائدة هذا: أنهم إذا تمتعوا لا دم عليهم.
نص عليه في رواية أبي طالب في من كان حول مكة فيما لا تقصر فيه الصلاة، فهو مثل أهل مكة ليس عليهم عمرة ولا متعة إذا قدموا في أشهر الحج، ومن كان منزله فيما تقصر فيه الصلاة، فعليه المتعة إذا قدم في أشهر الحج، وأقام إلى الحج.
وكذلك نقل المروذي فقال: إذا كان منزله دون الميقات بما لا تقصر فيه الصلاة فهو من أهل مكة.
وبهذا قال الشافعي.

وقال أبو حنيفة: حاضروا المسجد الحرام هم أهل المواقيت ومن دونها إلى أهل مكة.
وقال مالك: هم أهل مكة نفسها.
فالدلالة على أبي حنيفة: أن بينه وبين مكة مسافة تقصر في مثلها الصلاة، فأشبه إذا كان منزله وراء المواقيت إلينا أن يلزمه دم المتعة، وهذه العلة تصور في ذي الحليفة وما بعد من المواقيت التي بينها وبين الحرم أكثر من ستة عشر فرسخاً؛ لأن بين مكة وبين ذي الحليفة عشر مراحل، وهي أبعد المواقيت، ولأن القريب أولى باسم الحضور من البعيد.
وعلى قولهم يؤدي أن يخرج القريب من الاسم، ويدخل البعيد فيه؛ لأن عندهم أن أهل ذي الحليفة ومن كان دونها داخل في اسم الحاضرين، وبينهم وبين البيت مسيرة ليلتين.
ولأن من كان على مسافة لا يقصر فيها الصلاة فهو في حكم الحاضر بدليل أنه يمسح مسح مقيم، ويتم الصلاة، ويصوم، ومن كان على مسافة بعيدة فإنه يباح له هذه الأشياء، فيجب أن لا يكون حاضراً.
فإن قيل: فائدة الخلاف في أنه حاضر أم لا: أن يتعلق به حكم الإحرام المخصوص، وهو أن يحرم للعمرة من الميقات، وللحج من

مكة، فيجب أن يعتبر الموضع الذي هو ميقات للإحرام.
قيل له: لو كان صحيحاً لوجب أن نقول: من كان منزله دون ذي الحليفة فما يلي مكة أن لا يكون من حاضري المسجد؛ لأن إحرامه من دويرة أهله، لا من الميقات الشرعي، ولما كان هذا من حاضري المسجد الحرام بطل أن تكون فائدة الخلاف ما ذكرته.
واحتج المخالف بأنه من أهل الميقات، فوجب أن يكون من حاضري المسجد الحرام قياساً على أهل الميقات الذي بينه وبين مكة مسافة لا تقصر في مثلها الصلاة مثل قرن.
والجواب: أن المعنى هناك: أنه في حكم الحاضر بدليل أن أحكام الحاضرين ثابتة في حقه من الصوم، وإتمام الصلاة، ومسح يوم، وليس كذلك ما اختلقنا فيه، ولأنه في حكم المسافرين، ولأن ذلك لا يؤدي إلى إخراج القريب من اسم حاضر، وإدخال البعيد فيه، وهاهنا يؤدي، فبان الفرق بينهما.
واحتج بأن له دخول مكة بغير إحرام، أشبه من كانت قريته قريبة من مكة مثل بستان بني عامر.
والجواب: أنه لا يجوز له الدخول بغير إحرام، وحكمه حكم الخارج عن الميقات سواء، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية المروذي: لا يعجبني أن يدخل مكة تاجراً، ولا غير تاجر إلا بإحرام.
ثم المعني في الأصل: ما تقدم من أنه في حكم الحاضر من

الوجه الذي ذكرنا.
واحتج بأن من كان وراء المواقيت إلينا فليس من الحاضرين، فلابد من حد فاصل بينهما، فالأولى أن يكون الحد ما جعله النبي صلى الله عليه وسلم ميقاتاً لأهله ولمن مر عليه، ومنع أهل الآفاق من مجاوزته إلا بإحرام، وجعل حكم أهله حكم أهل الحرم ومن قرب منهم في جوازه دخولهم مكة بغير إحرام.
والجواب: أن المواقيت مضروبة للإحرام، لا لبيان القرب والبعد، وإنما الحد المشروع لبيان البعد والقرب ستة عشر فرسخاً، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أهل مكة! لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان"، وذلك ستة عشر فرسخاً.
فإن قيل:] من في [المواقيت في حكم الحاضرين بدليل أن له دخول مكة بغير إحرام.
قيل له: قد بينا أنه ليس له ذلك.
وعلى أنه لو كان منه لما جاز أن يدخل الميقات إلا بإحرام، كما لا يجوز له العبور إلا بإحرام.
فإن قيل: حدنا أولى؛ لأنه منصوص عليه.

قيل له: [إنا] قد بينا: أن النص أفاد الإحرام منه، ولم يفد القرب والبعد.
وعلى ان حدنا أولى من وجهين: أحدهما: أنه لا يختلف باختلاف الجهات من مكة، وحدهم يختلف؛ لأن المواقيت بعضها أبعد من بعض.
والثاني: ما كان في الموضع الذي نعتبره، فهو في حكم المقيم بمكة بدليل أنه لا يترخص برخص المسافرين، وحدهم بخلاف ذلك.

  • فصل: والدلالة على مالك: أن من كان خارج الحرم على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فهو في حكم المقيم بدلالة أنه لا يترخص برخص السفر، فوجب أن يكون من حاضري المسجد الحرام، كمن كان مقيماً بمكة.
    واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾] البقرة:196 [، وحاضر الشيء من لا يحتاج إلى تكلف] للوصول [إليه، وقطع مسافة للحضور فيه، وذلك مقصور على أهل مكة فقط.
    والجواب: أن حاضر الشيء هو من كان قريباً منه، أو مجاوراً

له، أو كان حالاً فيه، كما يقال: كنت بحضرة فلان؛ يعني: كنت بقربه، لا أني جلست في مجلسه، كذلك أيضاً من كان قريباً من الحرم وجب أن يكون من حاضريه.
واحتج بأن من ليس بمكة لا يوصف بأنه من حاضري المسجد الحرام.
دليله: إذا كان منها على مسافة تقصر فيها الصلاة.
والجواب: أن أحكام المسافرين ثابتة في حقه، فهذا لم يكون من حاضريه، وليس كذلك هاهنا؛ لأن أحكام الحضر ثابتة في حقه، فجاز أن يكون من حاضريه.

58 -

مسألة

إذا جاوز الميقات غير محرم، ثم أحرم، ثم عاد إلى ميقات، لم يسقط عنه الدم؛ لبي أو لم يلب:

ذكره الخرقي في "مختصره"، وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة: إن عاد إلى الميقات ملبياً سقط الدم، وإن لم يعد ملبياً لم يسقط.
وقال الشافعي: يسقط في الحالين إذا عاد قبل أن يطوف.

دليلنا: أنه ترفه لو استدامه لوجب الدم، فإذا قطعه لم يسقط الدم.
دليله: إذا تطيب، أو لبس، ثم غسل الطيب، وخلع اللباس بعد ذلك، فإنه يلزمه الدم، كما لو استدامه، كذلك هاهنا، لو استدام المضي على إحرامه، ولم يرجع، لزمه، كذلك إذا رجع.
فإن قيل: إنما لزم الدم؛ لأنه حصل له هناك الاستمتاع بالطيب، ولبس الثوب، ونزعه وغسله لا يزيلان ذلك، وإنما يقطعان الاستمتاع في الحال، فلزمته الفدية لأجل ما حصل له، وفي مسألتنا إذا عاد لزمته مشقة في العود مقابل ما حصل له من الترفه.
قيل له: فيجب إذا رجع ولم يلب - أو رجع بعدما طاف - أن يسقط عنه أيضاً للمعنى الذي ذكرته.
وعلى أنه لا فرق بينهما، وذلك أنه لما حصل في الميقات، لزمه الإحرام منه، ولم يجز له مجاوزته محلاً، فإذا جاوزه محلاً فقد ترفه بترك الإحرام في ذلك الزمان، فإذا عاد إليه محرماً فلم يزل ذلك الترفه في الزمان الماضي، وإنما حصل منه الرجوع بأحرام في الزمان الثاني.
ولأن كل دم استقر عليه إذا تلبس بالطواف، أو لم يأت بالتلبية، استقر عليه قبل التلبس به وبعد التلبية.
دليله: سائر الدماء المواجبة بقتل الصيد، والحلاق، وتقليم الأظفار، ونحو ذلك.
ولأنه مريد للنسك مر على الميقات محلاً، وأحرم دونه، لزمه الدم.

دليله: إذا لم يعد، أو عاد ولم يلب، أو عاد بعدما طاف.
وقولنا: (مريد للنسك) احتراز من الحطابة والحشاشة.
وقولنا: (أحرم دونه) احتراز منه إذا رجع قبل الإحرام فما بعد.
فإن قيل: إنما لزمه الدم إذا لم يعد؛ لأنه لم يحصل في الميقات محرماً، وهاهنا قد حصل.
قيل له: فإذا عاد بعدما طاف، أو عاد ولم يلب، فقد حصل في الميقات محرماً وعليه الدم.
فإن قيل: إنما لم يسقط عنه الدن إذا عاد يلبـ]ـي [؛ لأن المتروك في الميقات هو التلبية، فإذا لم يأت بها في الميقات، فلم يأت بالمتروك، فلهذا وجب عليه الدم، وإذا لبى فقد أتى بالمتروك، فلهذا سقط الدم.
قيل له: لا نسلم أن التلبية يلزمه الإتيان بها في الميقات، وإنما يستحب ذلك، ولهذا نقول: ينعقد الإحرام بمجرد النية.
فإن قيل: إذا عاد بعدما طاف فلم يأت بالنسك بإحرام كامل، فلهذا لم يسقط الدم، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه متى عاد قبل الطواف فقد أتى بالنسك بإحرام كامل، فلهذا سقط الدم.
قيل له: لا نسلم أنه أتى بالنسك بإحرام كامل؛ لأن النقص إذا دخل

على إحرامه بعد مجاوزته [الميقات]، وإحرامه من غيره، وبعوده لا يزول النقص السابق، كما إذا غسل الطيب، وخلع اللباس في الثاني، فإن النقص السابق لا يزول، كذلك هاهنا.
ثم هذا لا يصح على أصل المخالف؛ لأنه يقول: هذا الإحرام مراعى؛ فإن عاد إلى الميقات تبيناً أنه وقع تاماً.
وقد عاد، فلا يصح قوله: إذا طاف في إحرام ناقص.
وعلى أنه كان يجب أن يقول: يسقط الدم لأجل عوده، ويلزمه إعادة الطواف؛ ليأتي به في إحرام كامل.
واحتج المخالف بأنه حصل في الميقات محرماً قبل التلبس بشيء من أفعال النسك التي تلي الإحرام، فلم يلزمه دم الميقات، كما لو أنشأ الإحرام من الميقات.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه حصل إحرامه من الميقات، فلهذا لم يلزمه دم للميقات، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه أحرم بعد مجاوزته للميقات، فلزمه دم الميقات، كما لو لم يعد، أو عاد بعدما طاف.
واحتج بأنه لو جاوز الميقات غير محرم، ثم أحرم بحجة أو عمرة، ثم جامع فيها، فقضاها، وسقط عنه الدم لترك الميقات، كذلك هاهنا.
والجواب: أن في تلك المسألة روايتين: إحداهما - وهي الصحيحة -: أنه لا يسقط، فعلى هذا لا فرق بينهما.
والثانية: يسقط، فعلى هذا المعنى فيه: أن الدم قائم مقام النسك

المتروك، [....] وهو الإحرام من الميقات، فإذا قضى ذلك الإحرام من الميقات، فقد فعل المتروك فسقط الدم، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه إذا عاد محرماً، فلم يأت بالمتروك، وهو الإحرام في الميقات، فلهذا لم يسقط، فنظيره في مسألتنا أن يعود محلاً، ويحرم من الميقات، فيسقط الدم.
واحتج بأن المكي لو ترك الإحرام بالحج من الحرم، وأحرم من الحل، لا دم عليه، كذلك هاهنا.
والجواب: أن المعنى هناك: أنه لا يجب عليه الإحرام من الحرم على قولنا، بل هو مخير، ولهذا نقول: لو لم يعد، ومضى إلى عرفات، فلا دم.
واحتج [بأنه] لو عاد إلى الميقات محلاً، وأحرم منه، لم يلزمه دم، وعوده هناك حصل بغير نسك، وهاهنا حصل بنسك وعبادة، فلأن لا يلزمه الدم أولى.
والجواب: أن هذا موجب أن لا يلزمه الدم إذا عاد بعدما طاف؛ لأنه عاد بنسك، ومع هذا فالدم لازم له.
وعلى أنه إذا عاد قبل الإحرام فإنما لم يلزمه الدم؛ لأن إحرامه

حصل من الميقات، فلهذا لم يلزمه دم الميقات، وهاهنا حصل إحرامه بعد الميقات.
واحتج بأنه إنما لزمه الدم بترك الإحرام من الميقات، فإذا عاد فقد تلافى ما كان منه، فلم يلزمه دم، كما لو دفع من عرفات قبل المغيب، ثم عاد قبل طلوع الفجر، وكما لو صاد صيداً، ثم أرسله، وكما لو ضرب رأس رجل، فابيضت عيناه، ثم زال البياض، فإنه لا تلزمه الدية.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يحصل منه التلافي، ومع هذا فلا يسقط عنه الدم، كما لو غسل الطيب، وخلع اللباس، فقد تلافى، ومع هذا لا يسقط عنه الدم، وكذلك إذا أخرج الوديعة من حرزها، ثم ردها إلى الحرز، فقد تلافى، ومع هذا لا يبرأ من ضمانها، وكذلك إذا ترك التشهد الأول، ثم عاد إليه، لم يسقط عنه سجود السهو، كذلك هاهنا.
وعلى أن الدم إنما يجب عندنا بترك الإحرام من الميقات، وإيقاعه في غيره، وذلك لا يرتفع بعوده، فلا نسلم أنه تلافى ما كان منه.
وعلى أنه إذا رجع إلى عرفات قبل المغيب، فإنما يسقط الدم؛ لأن المأخوذ عليه الجمع بين الليل والنهار، وقد حصل له ذلك.
وكذلك إذا أرسل الصيد، فإنما لم يلزمه الضمان؛ لأنه إنما يجب بالإتلاف، وهو غير متلف.
وكذلك إذا عاد ضوء عينه لم يلزمه الضمان؛ لأن الإتلاف غير حاصل.

وليس كذلك هاهنا؛ المأخوذ عليه عقد الأحرام من الميقات، والرجوع إليه لا يقوم مقامة بدليل أنه لو عاد بعدما طاف - أو عاد ولم يلب - لم يسقط.
فإن قيل: لا نسلم أن المأخوذ عليه كونه محرماً في الميقات.
قيل: يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "هذه المواقيت لمن مر عليها"، ولا يخلو إما أن يفيد ذلك منع التقدم أو التأخر، وأجتمعنا على جواز التقدم، [فـ]ــعلم أنه أفاد منع التأخر.
ولأنه لو عاد إلى الميقات بعدما طاف فقد وجب عليه الدم، وإن كان قد حصل محرماً في الميقات.

59 -

مسألة

المكي إذا خرج إلى الحل، فأحرم منه بالحج، لم يلزمه الدم؛ سواء عاد إلى الحرم، أو لم يعد، ومضى على إحرامه إلى عرفة:

نص عليه في رواية ابن منصور: وقد ذكر له قول سفيان: الحرم

ميقات أهل مكة، فمن خرج من الحرم، فلم يهل، أمرته أن يرجع، وأرى عليه - إذا كان ذلك حدهم - ما أرى على غيرهم إذا جاوز الميقات، فقال أحمد: ليس لهم حد محدود، إلا أنه أعجب إلي أن يحرموا من الحرم، إذا توجهوا إلى منى.
وكذلك نقل الأثرم في رجل تمتع بعمرة، فحل منها، ثم أقام بمكة، فلما كان يوم الترويح خرج إلى التنعيم، وأحرم بالحج، ثم توجه إلى منى وعرفات، ولم يأت البيت: ليس عليه شيء.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يعد إلى الحرم، أو عاد إليه، ولم يلب، فعليه دم، وإن عاد إليه ملبياً فلا دم عليه.
والحكم عنده في المكي كالحكم في ميقات أهل البلدان.
وقال الشافعي: [إذا] لم يعد عليه دم.
دليلنا: أن الحج أحد النسكين، فإذا أحرم به المكي من الحل لم يلزمه دم.
دليله: العمرة.
فإن قيل: المعنى في العمرة: أنه يجب الإحرام لها من الحل، فإذا أحرم به فقد أتى بالواجب، فلهذا لم يلزمه الدم، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الحج يجب الإحرام له من الحرم، فإذا أحرم من الحل - ولم يعد -

فقد أخل بالواجب، فلهذا لزمه الدم.
قيل له: لا نسلم أنه يجب الإحرام بالحج من مكة، بل هو مخير بين الإحرام منها، أو من الحل، كما تخير الإنسان أن يحرم من دويرة أهله، وبين أن يحرم من الميقات.
ولأنه أخل بالإحرام من مكة فلم يلزمه دم.
دليله: غير المكي.
ولأنه لو خرج إلى الميقات الشرعي، فأحرم منه، لم يلزمه دم، كذلك إذا أحرم من أدنى الحل؛ لأنه في الموضعين مخل بالإحرام من مكة.
واحتج المخالف بأنه أخل بالإحرام من ميقاته، أشبه إذا أخل بالإحرام من ميقات بلده.
والجواب: أنا قد بينا: أنه ليس بمحل لإيجاب الإحرام، بل هو مخير بين الإحرام منه، أو من غيره، كما هو مخير في دويرة أهله.
على أن هذا يبطل به إذا [....].

60 -

مسألة

إذا جاوز الميقات غير محرم، ثم أحرم بحجة أو عمرة، ثم جامع فيها، فعليه قضاؤها، فإن قضاها لم يسقط عنه الدم لترك الميقات في أصح الروايتين:

نص عليه في رواية ابن منصور: وقد ذكر له قول سفيان في رجل جاوز الميقات، فأهل، ثم جامع: فعليه أن يحج من قابل، وعليه بدنة، وليس عليه دم لتركه الميقات.
قال أحمد: عليه دم لتركه الميقات، ويمضي في حجته، ويصنع ما يصنع الحاج، ويلزمه ما يلزم المحرم في كل ما أتى؛ لأن الإحرام قائم، وعليه الحج من قابل والهدي.
وفيه رواية أخرى: يسقط عنه الدم.
نص عليه في رواية مهنا في رجل جاوز الميقات إلى مكة، ثم أحرم بعمرة، فأفسدها: عليه قضا [ؤ] ها؛ يرجع إلى الميقات يحرم منه، فسئل: فلا يكون عليه شيء لتركه الميقات أول مرة؟ قال: لا.
وبه قال أبو حنيفة.
ووجه الأولى: أن من أصلنا: أن الدم الواجب بترك الإحرام من الميقات لم يسقط عنه أداء، كذلك إذا قضى الإحرام من الميقات لم يسقط عنه.

وكل دم لم يسقط عنه إذا لم يوجد القضاء، لم يسقط عنه إن وجد القضاء.
دليله: الدم الواجب باللباس والطيب وقتل الصيد في الإحرام الفاسد.
واحتج المخالف بأن الدم قائم مقام النسك المتروك، وهو الإحرام من الميقات، فقد فعل المتروك، فسقط عنه الدم، ألا ترى أنه لو لم يفسد الإحرام حتى عاد إلى الميقات سقط عنه الدم؟ ولا يلزم عليه إذا تطيب في الإحرام الفاسد أو لبس، ثم قضى: أنه لا يسقط عنه الدم؛ لأن الدم هاهنا ليس بقائم مقام نسك متروك، وإنما هو واجب لأجل الجناية، وتلك الجناية لم ترتفع، فلا يسقط عنه الدم.
ولا يلزم عليه إذا ترك رمي الجمار في الإحرام الفاسد، أو الوقوف بالمزدلفة، ثم قضى ذلك الإحرام، فإنه يسقط عنه الدم كما يسقط في مسألتنا.
والجواب: أنا لا نسلم أنه إذا قضى الإحرام من الميقات، فقد فعل المتروك؛ لأنا قد بينا من أصلنا: أنه لو عاد، ولم يفسد الحج، لم يسقط عنه الدم.

61 -

مسألة

يستحب لمن أراد الإحرام أن يتطيب لإحرامه:

ص عليه في رواية حنبل وعبد الله، فقال: لا بأس أن يتطيب قبل أن يحرم.
وذهب فيه إلى الحديث.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك: لا يجوز، فإن فعله غسله واستدامه، ولا كفارة عليه.
دليلنا: ما روى ابن بطة في "سننه" بإسناده عن عائشة قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين [لـ] إحرامه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت.
وروي - أيضاً بإسناده عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتطيب بالطيب عند الإحرام.
وروى بإسناده عن الأسود، عن عائشة قالت: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم.
وقال مرة أخرى: وهو يلبي.
وروي في لفظ آخر عن مسروق، عن عائشة قالت: لقد رأيت

رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي، وإني لأنظر إلى ويبص المسك في مفارقه.
وروى أبو بكر الخلال في "العلل" بإسناده عن ابن عباس: أنه سئل عن الطيب قبل الإحرام، فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمخ رأسه بالمسك قبل أن يحرم، أو طيب ذلك؟!.
فإن قيل: يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصاً بذلك، ولهذا قال: "حبب إلى من دنياكم ثلاث: الطيب... ". قيل له: فقد قال: "خذوا عني مناسككم"، وهذا يقتضي مساواته.
فإن قيل: يحتمل أن يكون تطيب قبل الغسل، ثم اغتسل للإحرام، فزال ريحه، وبقي أثره، وقد روت عائشة قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطاف على نسائه.
ومعلوم أنه يغتسل بعد ذلك.
قيل له: قولها: (عند الإحرام) يقتضي معه.
ولأن العادة أن الطيب يكون بعد الغسل، ولأن وبيص الطيب

جارٍ التحميل