التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 133-172

وجواب آخر، وهو" أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويظهرون الكفر في التلبية، ويقولون: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، فلما أنفذ أبا بكر سنة تسع، [و] نبذ إلى المشركين عهدهم، ونادي: (ألا لا يطوف بالبيت مشرك، ولا عريان) حج.
فإن قيل: فكيف اعتمر؟ قيل: لأنهم أخلوا له مكة.
فإن قيل: فكيف أمر أبا بكر بالحج؟ قيل: لأن حرمته لا تضاهي حرمة النبي (صلى الله عليه وسلم).
وجواب آخر، وهو: أنه أخر حتى أمن كيد الأعداء.
فإن قيل: كيف اعتمر؟ قيل له: يجوز أن يكون أمن ذلك في غير وقت الحج، ولم يأمن في وقت الحج.
واحتج بما روى أبو بصرة، عن أبي سعيد: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال في حجة الوداع: "من أحب أن يرجع بعمرة قبل الحج، فليفعل".

وروي أنه لما خرج من العمرة قال: "من أراد أن يقيم للحج معنا فليقم، ومن أراد أن ينصرف فلينصرف".
والجواب: أنه يحتمل أن يكون قال ذلك لمن كان قد حج في سنة تسع مع أبي بكر.
واحتج بأن النبي (صلى الله عليه وسلم) أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، والتحلل منه بالعمرة، فلو كان على الفور ما أمرهم بفسخه، وتأخيره إلى وقت آخر.
والجواب: أنه لما فسخوا الحج، وجعلوه عمرة، أحرموا بالحج في تلك السنة يوم التروية، فحصل لهم التمتع بذلك، [يدل] على ذلك: ما روي عن أبي سعيد ألخدري: أنه قال: قدمنا نصرخ بالحج صراخاً، فلما طفنا بالبيت قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "اجعلوها عمرة"، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج.
واحتج بأنه فعله في وقت لم يزل عنه اسم الأداء، فوجب أن لا يكون عاصياً، قياساً على السنة الأولى.

وعبارة أخرى: أن هذه عبادة مقصودة في نفسها، أتى بها في وقت لم يزل عنها اسم الأداء، فوجب أن لا يكون بتأخيرها عاصياً، قياساً على فعل الصلاة في الوقت الثاني.
ولا يلزم عليه إذا ترك الصلاة والطهارة والطهارة حتى ذهب الوقت، ثم قضاها، يكون عاصياً يترك الطهارة، وهو مؤد لها؛ لأن الطهارة ليست بمقصودة في نفسها، وغنما هي شرط صحة الصلاة، فصار عاصياً بترك الطهارة لأجل الصلاة.
وعبارة أخرى: عبادة وقت الدخول فيها موسع، فكان وقت أدائها موسعاً كالصلاة.
و [أما] الجواب عن العبارة الأولى: فهو أنه لا يمتنع أن نقول: إنه قضاء.
وليس من شرط صحة القضاء نية القضاء؛ لأن أحمد والشافعي قد قالا: إذا صام الأسير شهر رمضان باجتهاده، ثم بان أنه صادف بعده كان جائزاً، وإن كان قد نوى الأداء.
وكذلك إذا صلى الظهر وعنده: أن الوقت باقٍ، ثم بان لأنه بعد فوات الوقت، أجزأه، وإن لم ينو القضاء.
وعلى أنه ينتقض بتأخير الطهارة مع الصلاة حتى يخرج الوقت؛ فإن الطهارة لا تقبل نية القضاء، وإن كانت الفور في تلك الحال، وكذلك الزكوات، والكفارات، والنذور إذا أخرها بعد وجوبها.

وأما العبارة الثانية: فالكلام عليها نحو هذا.
وأما الثالثة: فإنها منتقضة بالسنة التي يغلب على ظنه العجز بعدها؛ فإن وقت الدخول في تلك الحجة موسع، ووقت أدائها مضيق، ثم نقلب هذا فنقول: فلا يجوز تأخيرها عن أخر وقتها.
دليله: الصلاة.
ولأن الصلاة تجب بأول الوقت وجوباً موسعاً، ويتضايق بآخره، ويتسع وقت فعلها ما لم يتضايق، فالحج مثلها.
واحتج بأنه لو تضيق وجوبه في السنة الأولى، كان بتأخره عن وقته قاضياً، كالصلاة إذا أخرها عن أخر وقتها.
والجواب: أنا قد بينا أنه لا يمتنع أن نسميه قاضياً.
وعلى أنه يبطل بالسنة التي يغلب على ظنه العجز عنها؛ فإنه بالتأخير عنها لا يصير قاضياً، ويأثم بالتأخير.
ولأن القضاء تسمية شرعية، فتستعمل حيث أطلقتها الشريعة، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "من نام عن صلاة، فليؤذها إذا ذكرها".
فسماها أداء، وهي قضاء.

وقد قال عليه السلام: "ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا".
ولأن الزكاة تجب وجوباً مضيفاً، ومع هذا، فلا يسمى بتأخيرها قاضياً، وكذلك الكفارات.
واحتج [بأن] في إيجابية على الفور يؤدي إلى هلاك الحرث، والنسل، وخراب البلاد، وذلك أن أهل البلاد إذا وجدوا الاستطاعة، فإن لزمهم أن يخرجوا بأجمعهم، أدى إلى هلاك الأطفال، والبهائم، وتلف الغلات، وتأخير الزراعات، وفي ذلك خراب البلاد.
والجواب: أنه لا يؤدي إلى ذلك؛ لأن شرائط الوجوب لا تكمل لجميع الناس في سنة واحدة، ومن تتفق له شرائط الوجوب تعترضه الأعذار، فيحج من وجب عليه- ولا عذر له- دون غيره، ويقوم بمصالح الدنيا من لم يحج.

31 -

مسألة

أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشرة أيام من ذي الحجة:

نص عليه في رواية المَرُّوذي وغيره.

وقال في رواية عبد الله: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشرة ذي الحجة.
وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
وقال الشافعي: شوال، وذو القعدة، وتسعة أيام من ذي الحجة، فخالف في اليوم العاشر.
ويفيد هذا الاختلاف عندنا: أنه لو حلف حالف أن يوم النحر من أشهر الحج، لم يحنث.
وسألت قاضي القضاة أبا عبد الله الدامغاني عن ذلك، فقال لي: الفائدة فيه اليمين، وليس تحته فائدة حكمية تختصه.
وفائدته عند الشافعي: إن أحرم فيه بالحج لم ينعقد إحرامه به.
وفائدته عند أصحاب مالك: إن أخر طواف الزيارة عن جميع ذي الحجة كان عليه دم، وأن أخره عن يوم النحر، وفعله في بقية الشهر، فلا دم عليه، هكذا ذكر لي القاضي أبو محمد بن نصر المالكي.
دليلنا على أصحاب الشافعي: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3]، قال علي وابن عباس: يوم النحر، فدل على أنه من أشهره.
وقد ذكره أبو داوود عن علي، وابن عباس بإسناده.
ونص عليه أحمد- أيضاً- في رواية حرب، وأبي طالب.

وروى أبو حفص بإسناده، عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "يوم الأضحى الحج الأكبر".
ولأنه إجماع الصحابة، فروي ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير، وإحدى الروايتين عن ابن عمر مثل ذلك.
وروى أبو الحسن الدارقطني بإسناده عن الضحاك، عن ابن عباس قال: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
وبإسناده عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
وبإسناده عن محمد بن عبد الله الثقفي، عن عبد الله بن الزبير قال: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
وبإسناده عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] قال: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
وروى أبو بكر النجاد، عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير مثل ما رواه وأبو الحسن.
وروى عن ابن عمر بإسناده، عن نافع، عن ابن عمر قال: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
فالرواية مختلفة عن ابن عمر.

فوجه الدلالة: أن العشر إذا أطلق في الشرع اقتضى الأيام، قال تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: 234] والمراد به: عشرة أيام بلا خلاف.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف:42] قال أهل التفسير: أربعين يوماً، وأربعين ليلة.
وقد قيل فيه طريقة أخرى، وهو: أن ذكر [أحد] العددين على طريق الجمع يوجب ما بإزائه من العدد [الآخر، بدلالة قوله: ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ﴾ [البقرة: 196]، والقصة واحدة.
فلما كان قولهم: (وعشر من ذي الحجة) يتضمن الليالي، وجب ما بإيذائه من الأيام.
وفي هذه الطريقة ضعف على أصلنا؛ لأنا قد تكلنا عليها في الاعتكاف.
فإن قيل: قولهم: (وعشر من ذي الحجة) المراد به: الليالي؛ لأنه لو كان المراد به: الأيام، لقال: وعشرة؛ لأن الهاء تدل على المذكر، وهي الأيام، وتحذف في المؤنث، وهي الليالي.
قيل له: إنما غلب لفظ المؤنث؛ لأن العرب تغلب التذكير إلا

في عدد الليالي والأيام، فأنها تغلب التأنيث، فتقول: (سرنا عشراً) وتريد: سرنا عشر ليال وأيامها، ولهذا [قال] الله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: 234]، وأراد الليالي وأيامها، فغلب لفظ الليالي، كذلك هاهنا.
وقد قيل: إنما غلبت العرب الليالي على الأيام في التاريخ؛ لأن ليلة الشهر غلبت يومه، ولم يلدها وولدته؛ لأن الأهلة لليالي دون الأيام، وفيها دخول الشهر.
وكذلك لما ذكرهما الله- تعالى- قدم الليالي على الأيام بقوله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ [الحاقة:7].
وقال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [سبأ:18].
والعرب تستعمل الليالي في الأشياء التي يشاركها فيها النهار دون الليل، وإن كانت لا تتم إلا به.
وقال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:142]. ويقولون: (إذا أدركنا الليل بموضع كذا) لاستهالته، ولأنه

أول ما يرى.
والقياس: أنه يوم ليلته من الأشهر فكان منها، كما قبله.
ولأنه أول وقت ركن من أركان الحج، فهو كيوم عرفة.
ولأن أركان العبادة لا تتوقف بما بعد وقتها، كأركان الصلاة، فلما توقت ابتداء الطواف بيوم النحر، دل على أنه من وقت العبادة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:197] قالوا: وفيها دليلان: أحدهما: أنه [حد شهور] الحج، وأخيراً أنها معلومات، والتحديد لا بد من فائدة، وتلك الفائدة عندكم كراهية الإحرام في غيرها، وعندنا منع صحة الإحرام [في غيرها، ولا يصح] عندنا، فثبت أنه ليس من أشهر الحج.

والثاني: قوله- تعالى- في سياق الآية: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197] فنهى عن الرفث- وهو الجماع- في وقت الحج، والوطء قد يحصل في يوم النحر؛ لأنه يرمي عندنا وعندكم قبل طلوع الفجر، ويطوف، فيحل له الوطء في جميع اليوم، فثبت أن هذا اليوم ليس من أشهر الحج.
والجواب عن الدليل الأول: أن قوله: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:197] معناه: أفعال الحج في أشهر معلومات، ويوم النحر يختص بدخول وقت ركن من أركان الحج، وهو الطواف، ولا يجوز تقديمه عليه، وإذا كان المراد به الأفعال فقد جعلنا للتحديد فائدة.
فإن قيل: فالإحرام من أفعال الحج أيضاً.
قيل له: يحمل التحديد على أنه رجع إلى معظم الأفعال غير الإحرام بما ذكرنا.
وأما الدليل الثاني- وأنه منع من الرفث في أشهر الحج، وذلك جائز في أيام النحر- فالجواب عنه: أن قوله: ﴿فَلا رَفَثَ﴾ [البقرة: 197] معناه: في أفعال الحج بدليل أنه متى كان متلبساً بها منع من الرفث، ومتى لم يكن متلبساً بها لم يمنع، وإن كانت الأشهر موجودة؛ لأنه لو لم يحرم من أول شوال جاز له الرفث- وإن كان من أشهر

الحج- لعدم الأفعال.
وهذا موجود قي يوم النحر؛ لأنه متى لم يتحلل بالطواف، فالرفث محرم في حقه، وأن تحلل جاز له الرفث؛ لعدم الأفعال، كما يجوز في سائر الأيام.
واحتج بأنه لو كان من أشهر الحج لم تفت العبادة فيه، كسائر أوقات الصلوات، فلما فاتت فيه دل على أنه ليس بوقت لها.
والجواب: أنا نقابله فنقول: ولم لم يكن وقتاً لها لم يتقدر وقت الطواف بيوم النحر، دل على أنه منها.
وتحريره: أنه لا يمتنع أن يكون من وقتها، وإن فاتت فيه، كما لم يكن وقتاً لها عندك، وتقدر بوقت ركن لها.
فإن قيل: لا يتقدر بفعل الطواف؛ لأن وقته يتقدر عندنا بعد نصف الليل.
قيل: ذلك وقت رخصة، كوقت الظهر لصلاة العصر في الجمع، فأما وقت العزيمة فبعده.
واحتج بأن هذا يوم يسرع فيه الرمي، فلم يكن من أشهر الحج.
دليله: ما بعده من أيام التشريق.

والجواب: أنه لا تأثير للرمي في نفي ذلك بدليل: أن ما بعد أيام التشريق ليس من أشهر الحج، وإن لم يسن فيه الرمي.
ثم إن المعنى في الأًصل: إن ليلته لست من أشهر الحج، فلهذا لم يكن يومه منه، ليس كذلك يوم النحر؛ لأن ليلته من أشهر الحج فكان يومه من أشهره.
دليله: ما قبله.
واحتج بأن الحج يفوت بطلوع الفجر من يوم النحر، والعبادة لا تفوت إلا بخروج وقتها.
والجواب: أنه إنما تفوت العبادة يفوت الوقوف؛ لأنها لا تصح إلا به، فأما أن تفوت بخروج وقت الحج فلا.

  • فصل: والدلالة على مالك، وأن ما بعد يوم النحر ليس من أشهره: ما تعدد من تفسير الصحابة، وهو ما روينا عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير.
    فإن قيل: فقد روي عن ابن عمر خلاف ذلك.
    قيل له: قد روينا عن ابن عمر روايتين: فإما أن يتعارضاً فيسقطان، ونسلم قول غيره.

أو يكون ما ذهبنا إليه أولى؛ لأنه يعضده قول غيره من الصحابة.
ولأن ما بعد يوم النحر يطرأ بعد كمال التحلل من الحج، فلم يكن من أشهره، كالمحرم.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:197]، وأقلها ثلاثة كاملة.
والجواب: أن (أشهر) اسم جمع، ويجوز إطلاق الجمع على الاثنين، وبعض الثالث، وعلى الاثنين أيضاً، قال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:28].
والأيام المعلومات عشرة، والتسمية إنما تكون في أيام النحر منها على الذبيحة.
وقولهم: (حججت عام كذا) وإنما حج في بعضه.
و: (لقيت فلاناً سنة كذا) وإنما كان لقاؤه في بعضها.
و: (كلمته يوم الجمعة) وإنما المراد البعض.
وقد حلوا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:228] على قرئين وبعض الثالث، لأن عندهم الإقراء الأطهار، فبعض طهر قرء.
وقد أجاب عنه أبو بكر بن الأنبا ري فقال: العرب توقع الجمع على التنبيه بدليل قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:26].
وإنما يريد: عائشة، وصفوان بن المعطل.

وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: 78] يريد: لحكم داوود، وسليمان.
وعلى أنه ليس يمتنع أن يكون الحج مضافاً إلى الأشهر بلفظ الجمع، والمراد به بعضها، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح:16]، فأضافه إلى السموات السبع، وليس هو إلا في بعضها، وهي السماء الدنيا، كذلك في الحج، واحتج بأن كل شهر كان أوله من أشهر الحج، كان آخره من أشهره.
دليله: شوال، وذو القعدة.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون أوله من أشهر الحج، ولا يكون آخره، كالشهر الخامس في حق المتوفى عنها زوجها، أوله من زمان العدة، وآخره ليس منها.
على أن شوال وذا القعدة وقت للدخول في العبادة، وليس كذلك ما بعد يوم النحر؛ لأنه يطرأ بعد كمال التحلل من الحج، فلم يكن من أشهره، كالمحرم.

32 -

مسألة

ينعقد الإحرام بالحج فيغير أشهره:

نص عليه في رواية أبي طالب وسندي، فقال: من أحرم بالحج

في غير أشهر الحج، لزمه الحج، إلا أن يريد فسخه بعمرة، فله ذلك.
وكذلك نقل عبد الله: إذا حرم بالحج في غير أشهره يجعلها عمرة.
فقد نص على انعقاده، وأجاز له فسخه إلى العمرة وبناء على أصله في جواز فسخ الحج إلى العمرة.
ونقل ابن منصور عنه: إذا أهل بالحج قبل أشهره فهو مكروه.
وأراد بهذا كراهية تنزيه.
وهو قول أبي حنيفة، ومالك.
وقال الشافعي وداود: لا ينعقد الحرام بالحج في غير أشهره، وتكون عمرة.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:189] فجعلها مواقيت للحج، كما جعلها مواقيت للناس، وكما أن جميعها للناس، وجب أن يكون جميعها للحج.
فإن قيل: الله- تعالى- جعل الأهلة للناس والحج، فيجب أن تكون بينهما نصفين.
كما لو قال: (هذا الثوب لفلان وفلان) أنه يكون بينهما.
قيل له: اتفقوا أن الأهلة كلها مواقيت للناس، فيجب أن

تكون مواقيت للحج.
على أنا لو أجبناك إلى ما دعوتنا إليه لم يضرنا؛ لأنا إذا جعلنا نصف الأهلة للحج، ثبت جواز الإحرام قبل شوال بأشهر، ومخالفنا يمنع جوازه قبل شوال.
فإن قيل: إذا شرع الله التوقيت أقتضى الجواز والإباحة، فأما الكراهة فلا، وعندكم يكره الإحرام في غير أشهره.
قيل له: الكراهة لا ترجع إلى الوقت، وإنما ترجع إلى معنى أخر، وهو الدخول في الخلاف، أو خوف مواقعه المحظور.
والقياس: أنه زمان يصلح لإحرام العمرة، فوجب أن يصلح لإحرام الحج.
دليله: أشهر الحج.
فإن قيل: العمرة غير مؤقتة بأشهر الحج، فجاز تقديمها عليه، وليس كذلك الإحرام بالحج؛ فإنه مؤقت بأشهر الحج، فلم يجز تقديمه عليه، كما لا يجوز [تقديم] سائر أفعال الحج.
قيل له: أفعال الحج مؤقتة بأشهر الحج، كالوقوف، والطواف الفرض، والرمي، والإحرام متميز من الأفعال؛ لأنها لا تتعقبه، فيصير كنية الصوم، والوضوء للصلاة.

فإن قيل: [العمرة] لا يتأفت إحرامها، والحج تتأفت أركانه، فتأفت إحرامه.
قيل له: أركان الحج فيها ما يتوقف، وفيها ما لا يختص فعله بوقت، وهو طواف الزيارة، فلم توجب اعتبار الإحرام بما يتوقف دون ما لا يتوقف؟ فإن قيل: المعنى في أشهر الحج: أنها زمان للتمتع، فلهذا انعقد الإحرام بها، وليس كذلك غيرها؛ لأنه ليس بزمان للتمتع.
قيل له: التمتع هو الجمع بين أفعال العبادتين، وأفعال الحج لا تصح في غير الأشهر؛ فلذلك لم يصح التمتع، وليس إذا لم يصلح الوقت للجمع، لم يصلح للإفراد، كوقت الصلاة.
فإن قيل: العمرة عبادة لا يلحقها الفوات، فلم يكن لها وقت معين، والحج لما لحقه الفوات كان له وقت معين، كالجمعة.
قيل له: علة الأصل تبطل بالطواف؛ فإن الفوات لا يلحقه؛ لأنه لو خرجت أيام التشريق فعله، ولا دم عليه، ومع هذا أول وقته معين، وهو يوم النحر.

وأما علة الفرع فيأتي الكلام على أصلها, وأنه أحد طرفي الحج, فوجب أن يجوز في غير أشهر الحج.
دليله: الطواف الثاني.
فإن قيل: لا يمتنع أن يكون الطرف الثاني في غير أشهره, والأول في أشهره, كالطرف الثاني من الجمعة يصح في وقت العصر, ولا يصح الأول فيه, وكذلك العدة والردة, والإحرام لا تمنع استدامته الإحرام, ويمنع ابتداؤه.
قيل له: عند مخالفنا لا يصح فعل الطرف الأول منها في وقت العصر, ولا يصح بقاء الثاني فيه, والعمرة يصح الطواف الأول منها في الوقت الذي يصح الثاني.
على أن الصلاة يجوز أن يقع الطرف الثاني في غير وقتها, كما [لو] قالوا في صلاة المغرب: يقع طرفها الثاني في غير وقتها إذا استدام الصلاة إلى غيبوبة الشفق؛ لأن تلك حال ضرورة بفوات الوقت, فأما يوم النحر فإنه وقت للطرف الثاني حال الاختيار وحالة الابتداء, فبان الفرق.

ولأنه لو كان الإحرام مؤقتًا لوجب أن يتراخى موجبه عنه, ألا ترى أن إحرام الصلاة لما كان مؤقتًا كان موجبه من فرضه متصلًا به, ولم يتراخ عنه, فلما اتفقنا على أن الأفعال الموجبة بأفعال الحج يجوز أن تتراخى عنه, وجب أن لا يكون الإحرام مؤقتًا, كالعمرة, والطهارة.
وأيضًا للحج ميقاتان: أحدهما: المكان.
والآخر: الزمان.
ثم اتفقوا على جواز تقديم الإحرام على الميقات؛ الذي هو المكان, وجب أن يجوز تقديمه على الميقات؛ الذي هو الزمان.
فإن قيل: ميقات المكان ضرب لئلا يتجاوز قبل الإحرام, فلم يجز التجاوز, كذلك ميقات الزمان ضرب لئلا يتقدم عليه بالإحرام, وجب أن يحرم التقدم, كما حرم التجاوز في ميقات المكان.
قيل له: إلا أنه إن خالف وتجاوزه انعقد إحرامه مكروهًا, وإن كان ممنوعًا منه, كما انعقد إحرامه بعد مجاوزته, وإن كان ممنوعًا منه.
فإن قيل: لما جاز تقديم الإحرام على المكان, لم يجز تأخيره, ولما جاز تأخير الإحرام عن أول الشهر, لم يجز تقديمه.
قيل له: لا فق بينهما؛ لأنه يجوز تقديم الإحرام على الميقات,

وتأخيره عن أول حدود الميقات إلى آخر حده, ولا يجوز تأخيره عن جميع حدوده.
كذلك يجوز تقديمه على الأشهر, وتأخيره عن أولها, ولا يجوز أن يتأخر لهذه السنة عن جميعها.
فإن قيل: ميقات الزمان لا يختلف في حق الجميع, كما لا يختلف ميقات المكان والزمان في الوقوف, والطواف, والرمي, ويخالف ميقات المكان في الإحرام؛ لأنه يختلف في حقوق الناس؛ فإن لكل أهل ناحية ميقاتًا مخالفًا لميقات أهل ناحية أخرى, وكان إلحاق ميقات زمان الإحرام من ميقات الوقوف, والطواف, والرمي, والسعي أولى.
قيل له: تلك المناسك يستوي فيها ميقات المكان والزمان في البطلان عند المخالفة, وفي الصحة عند الموافقة, يجب- أيضًا- أن يستوي في الإحرام ميقات المكان والزمان, فيصح مع الموافقة, ويكره مع المخالفة.
وعلى أنهم تساووا في ميقات الزمان؛ لأن الوقت يجمعهم, ولا يجمعهم ميقات واحد؛ لاختلاف طرقهم وبلادهم.
واحتج المخالف بقوله تعالى:} الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ {] البقرة: 197 [, ومعناه: وقت إحرام الحج أشهر معلومات, فحذف المضاف] على عادة العرب في كلامها.

ومن [ذلك قوله تعالى:} ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ ﴿. وقوله تعالى:﴾ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ﴿] الواقعة: 55 [؛ أي: مثل شرب الهيم.
وقوله:﴾ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴿] آل عمران: 133 [؛ أي مثل السموات والأرض.
وقوله:﴾ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ﴿[يوسف: 82]؛ أي أهل القرية.
وإذا كان كذلك, دل على أن الإحرام مؤقت بأشهر معلومات, فمن جعل جميع السنة وقتًا له, فقد خالف الظاهر.
والجواب: أن الآية لا حجة له فيها؛ لأنا قد علمنا أن فيها إضمارًا, وأن تفسير الأشهر لا يكون حجًا, والمضمر متنازع فيه, فنحن نضمر الفضيلة ونفي الكراهة, ومخالفنا يضمر الجواز, فسقط التعلق بالظاهر؛ لأن المضمرات لا يدعى فيها العموم.
وقد قيل: إنه يمكن استعمال الآية من غير حذف, ويكون قوله:﴾ الْحَجُّ أَشْهُرٌ {] البقرة: 197 [كقولهم: [هذا] الشعر, معناه: أنه أفضل الشعر وأحسنه, ولا ينفي ذلك شعر غيره, ومن يستعمل الآية من غير تقدير حذف فهو أولى.

وجواب آخر, وهو: أنهم يضمرون إحرام الحج في أشهر معلومات, ونحن نضمر أفعال الحج تقع في أشهر معلومات, وهو الطواف, والسعي, والوقوف, ولم نرد به أن جميع الحج يقع فيها, وهذا كما قال عليه السلام: ((الحج عرفة)), ولم يرد به أن جميع الحج يقع في يوم عرفة؛ لجواز الطواف والسعي عليه, ووجوب تأخير طواف الزيارة عنه, وإنما أراد أن معظم أركان الحج والمقصود منه يقع فيه.
وقيل في معنى الآية} الْحَجُّ أَشْهُرٌ ﴿] البقرة: 197 [: ومعناه: أن الحج المقصود المأمور به هو ما وقع ف أشهر, كما تقول: (القتال قتال العرب) ولا ينفي ذلك] وجود القتال من غيرهم [. وقيل: إن الله- تعالى- ذكر التمتع بقوله:﴾ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴿] البقرة: 196 [الآية, ثم قال بعد ذلك:﴾ الْحَجُّ أَشْهُرٌ {يعني: الحج الذي يكون به متمتعا, وعندنا: أن الحج الذي يكون به متمتعًا ما وقع في الأشهر.
فإن قيل: أفعال الحج لا تقع في شهور, وإنما تقع في يوم.
قيل له: الطواف, والسعي من أفعاله, وتقع في جميع شهور

الحج, وجميع السنة.
واحتج بأن الحج مجمل في الكتاب, مفتقر إلى البيان, وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد في هذا الباب, فإنما يرد على وجه البيان, وفعله إذا ورد مورد البيان كان على الوجوب.
وقد روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم في أشهر الحج.
والجواب:] أن النبي صلى الله عليه وسلم [قد بين الواجب, وبين المستحب.
] واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم [: ((خذوا عني مناسككم)), والإحرام من المناسك, وقد فعله في هذه الأشهر, فيجب أن نأخذ به.
والجواب: أن وجوب الأخذ منه ليس يختص بالواجب دون المسنون؛ لأنه يجب علينا أن نأخذ منه المسنون, كما نأخذ الواجب.
واحتج بما روى النجاد بإسناده عن مقسٍم, عن ابن عباس قال: من السنة ألا يهل بالحج إلا في أشهر الحج.
وبإسناده عن ابن الزبير, عن جابر قال: لا يحرم المحرم إلا في أشهر الحج.
والجواب: أن هذا محمول على طريق الاستحباب.
وعلى أنه قد روي عن عمر وعلي: ((إتمامهما أن تحرم بهما من

دويرة أهلك)), ومن بعدت داره من مكة لا يحرم من دويرة أهله في الأشهر الحرم.
واحتج بأن يوم النحر وقت لفوات العبادة, فلم ينعقد إحرامها فيه, كالجمعة في وقت العصر.
والجواب: أن الجمعة لا يجوز أن تبقى أركانها عندهم إلى وقت العصر, فلم تنعقد فيه,] و [الحج من [صريح] ركنه أن يفعل يوم النحر, فلذلك انعقد فيه.
واحتج بأن الإحرام ركن من أركان الحج, فوجب أن لا يجوز فعله قبل أشهر الحج, كالوقوف بعرفة.
والجواب: أن الوقوف ليس في طرف الحج, فاختص بأشهر الحج, وليس كذلك الإحرام؛ لأنه أحد طرفي الحج, فوجب ألا يختص بأشهر الحج, كالطواف.
واحتج بأنه نسك لا يتم الحج إلا به فكان مؤقتًا, كالوقوف, والطواف, والرمي.
ولا يلزم عليه السعي؛ فإنه مؤقت؛ لأنه لا يجوز إلا بعد

الإحرام, وبعد الطواف.
والجواب: أن الوقوف, والطواف, والرمي لما اختص بمكان لا يجوز التقدم عليه, كذلك يختص بوقت لا يجوز التقدم عليه,] أما الإحرام فلما جاز أن يتقدم على مكانه [, جاز أن يتقدم على وقته أيضًا.
واحتج بأنه نسك لا يجوز تأخيره عن وقته, فلا يجوز تقديمه عليه.
أصله: الوقوف, والرمي.
والجواب: ما تقدم.
واحتج بأنها عبادة أفعالها مؤقتة, فوجب أن يكون إحرامها مؤقتًا, كالصلاة.
وعبارة أخرى: الحج عبادة يلحقها الفوات, فوجب أن يكون الدخول فيها مؤقتًا, كالصلاة.
والجواب: أن الوقت الذي يصح فيه أحد فروض الصلاة يصح فيه إحرامها, فيجب أن يكون الوقت الذي يصح فيه أحد فروض الحج يصح فيه الإحرام بالحج.
وعند مخالفنا لا يصح؛ لأن أحد فروضه يقع في أيام النحر, ولا يصح الإحرام بالحج في يوم النحر عنده, مع أنه قد قيل: الإحرام لا يفوت, وإنما يفوت الوقوف.

وجواب آخر, وهو أن تحريمه الصلاة تتصل أفعالها بها, ولا تتراخى عنها, فلم يجز أن تتقدم على وقت الأفعال, وأفعال الإحرام تتأخر عنه, فجاز أن يفعله قبل الوقت, كالطهارة.
واحتج بأنها عبادة لا تفعل في السنة إلا مرة, فكان وقت التلبس بها محدودًا, كالصوم.
والجواب عنه: ما تقدم, وهو: أن الصوم لا تتراخى أفعاله عن الدخول, فلم يجز التلبس به في عير وقت فعله, والحج تتراخى أفعاله عن وقت الدخول فيه, كالطهارة,] ونية الصوم [. واحتج بأنه لو كان ابتداء إحرام الحج في غير أشهر الحج, لوجب- إذا فاته الوقوف-] أن يبقى على [إحرامه إلى السنة القابلة؛ ليؤدي به موجباته.
ألا ترى أنه لما جاز ابتداء إحرام صلاة الظهر بعد فوات وقتها, جاز البقاء عليه؛ ليؤدي به موجباته.
فلما لم يجز البقاء على إحرام الحج بعد الفوات, ولزمه التحلل

منه, لم يجز ابتداؤه فيه.
والجواب: أنه لما لم يجز [له أن] يبقى على ذلك الإحرام إلى السنة القابلة؛ لأنه أوجب عليه الوقوف بعرفة في تلك السنة, فإذا فاته وقت الوقوف لم يمكنه أن يؤدي به موجب الإحرام في السنة الثانية, فلزمه التحلل منه بعمل عمرة.
وليس كذلك إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج؛ لأنه يمكنه أداء موجب الإحرام؛ لأن وقته لم يفت.
على أن هذا دلالة لنا؛ لأنه إذا فاته الحج, فإن إحرامه لا يبطل, فهو باق ما لم يتحلل منه بعمل عمرة, فلو كان الوقت منافيًا لإحرام الحج لما صح بقاؤه فيه, كما أن وقت العصر لما كان منافيًا لإحرام الجمعة عندهم لم يصح بقاؤه فيه.
وجواب آخر, وهو: أنه إذا فاته الحج انقطع إحرام الحج, وتحول إحرام عمرة, وإذا كان كذلك امتنع بقاؤه؛ لأنه قد تحول من طريق الحكم إلى عمرة.
وهذا جواب جيد.

33 -

مسألة

الأفضل أن يحرم من الميقات:

نص عليه في رواية الأثرم- وقد سئل: أيما أعجب إليك: الإحرام من الميقات, أم قبل؟ - فقال: من الميقات أعجب إلي.
وكذلك نقل ابن منصور عنه- وقد سئل: إنهم كانوا يحبون أن يحرم الرجل أول ما يحج من بيته, أو من بيت المقدس, أو من دون الميقات؟ -فقال: وجه العمل المواقيت.
وكذلك نقل أبو بكر بن محمد عن أبيه, وقد سئل عن الحديث: ((أن تحرم من دويرة أهلك))؟ فقال: ينشئ لها سفرًا من أهله, كأنه يخرج للعمرة عامدًا, كما يخرج للحج عامدًا, وهذا مما يؤكد العمرة.
فقد نص في الحج والعمرة على الإحرام من الميقات.
وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة: الأفضل أن يحرم من دويرة أهله.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: مثل قول أبي حنيفة.
ونقل صالح عنه: إن قوي على ذلك أرجو أن لا يكون به بأس.
دليلنا: ما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم حج في عمره مرًة, واعتمر مرارًا.

ولم ينقل أنه أحرم قبل الميقات, فلو كان تقديمه على الميقات أفضل لكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله؛ لأنه لا يختار من الأفعال إلا أفضلها.
فإن قيل: قد يختار غير الأفضل للتعليم.
قيل له: إنما يكون ذلك بمرة, فأما في جميع أفعاله فلا, وقد روينا: أن العمرة تكررت منه من الميقات.
وعلى أنه قد كان يمكنه أن يعلم بقوله, ويعمل الأفضل بفعله.
ثم هذا يجوز] أن يقال في الفعل الذي يتكرر منه, فأما الفعل [الذي [لا] يتكرر منه, فلا يجوز أن يترك الفضيلة والاختيار فيه, والحج لم يقع منه مكررًا.
ولأن ترك الإحرام قبل الميقات مباح, فلو أحرم قبله؛ فإنه يطول بقاؤه عليه, فلا يأمن مواقعة المحظور, وهو الطيب, والحلق, واللباس, وإذا أحرم من الميقات فإنه يسلم من الغرر والخطر, وما كان أبعد من الغرر فهو أولى.
روي عن ابن عباس: أنه سئل عن رجلين؛ أحدهما [قليل الطاعة

قليل المعصية [, والآخر كثير الطاعة كثير المعصية, أيهما أفضل؟ فقال: يا ابن أخي [! السلامة لا يعدلها عندك شيء.
يعني: من قلت طاعته, وقلت معصيته, فهو أسلم.
فإن قيل: فيجب أن يعتبر هذا المعنى في العمرة, وقد قال أحمد في رواية صالح: كلما تباعد فهو أعظم للأجر, والعمرة على قدر تعبها.
فظاهر هذا: أن الأفضل الإحرام بها من دويرة أهله.
قيل له: نعتبر في العمرة ما نعتبره في الحج.
وإنما قال أحمد هذا في المكي: إن الأفضل في حقه أن يتباعد بالإحرام بالعمرة من ميقات أهل البلدان أفضل من الإحرام من أدنى الحل, وقد بين هذا في رواية بكر بن محمد- وقد سئل: من أين يعتمر الرجل؟ -قال: يخرج إلى المواقيت فهو أحب إلي, كما فعل ابن عمر, وابن الزبير, وعائشة رضي الله عنهم أحرموا من المواقيت, فإن أحرم من التنعيم

فهو عمرة, وذلك أفضل, العمرة على قدر تعبها.
وإنما كان الأفضل الإحرام بالعمرة من ميقات أهل البلد؛ لأنه ميقات شرعي [وهو] عزيمة, وأدنى الحل جعل ميقات أهل مكة على وجه الرخصة, وهذا المعنى معدوم في الإحرام من دويرة أهله.
فإن قيل: هذا يوجب أن يكون الإحرام يوم التروية أفضل من تقديمه عليه؛ لأنه يؤدي إلى ما ذكرت.
قيل له: لأن ما قبله ميقات للحج شرعي بقوله تعال:} أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ {] البقرة: 197 [, وهي شوال, وذو القعدة, وعشرة من ذي الحجة.
على أنا لا نسلم ذلك, بل نقول: الإحرام يوم التروية أفضل.
وقد نص على ذلك في رواية الميموني, وأبي داود في المتمتع: يهل يوم التروية, فإن أهل قبله فجائز.
فتبين أن الاختيار يوم التروية.
ولأن الميقات ميقاتان: ميقات زمان: وهو شهور الحج.
وميقات مكان.
ثم ثبت أنه يكره التقديم على ميقات الزمان, فلا يستحب أن يحرم قبل أشهر الحج, كذلك [الإحرام] من ميقات المكان.
فإن قيل: إنما كرهنا له ذلك إذا لم يأمن مواقعه المحظور, فإن

أمن كان الإحرام بالحج قبل أشهر الحج أفضل.
قيل له: فيجب أن تقول هاهنا: (إذا لم نأمن مواقعه المحظور بالإحرام قبل الميقات يكره), كما كرهت ذلك في الإحرام في غير أشهره, وقد أطلقت القول بالفضيلة في تقديم الإحرام على المكان.
والمخالف] يسوي بينهما, ويقول [: إذا أمن من مواقعة المحظور لم يكره ذلك؛ لا في الزمان, ولا في المكان,] ولا يتصور الأمن [؛ لأنه تعرض عوارض لا يمكن دفعها.
واحتج المخالف بما وت أم سلمة] قالت: سمعت [النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أهل بحجٍة أو عمرٍة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه, وما تأخر)), أو: ((وجبت له الجنة)) شك الراوي.
] وروت أم سلمة قالت [: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أهل بعمرٍة أو حجٍة من بيت المقدس كانت كفارًة لما قبلها من الذنوب)).

والجواب: أن قوله: ((من أهل)) معناه: من قصد من المسجد الأقصى, ويكون إحرامه من الميقات.
واحتج بما روي عن علي, وابن مسعود: أنهما قالا في قوله تعالى:} وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ {] البقرة: 196 [: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
وأحرم ابن عمر من بيت المقدس بعمرة, وأهل ابن عباس من الشام, وأحرم عمران بن حصيٍن من البصرة, وأحرم ابن مسعود من القادسية.
والجواب: أن هذا يعارضه ما رواه أبو بكر النجاد بإسناده عن الحسن: أن عمران بن الحصين أحرم من البصرة, فقدم على عمر, فأغلظ له, وقال: يتحدث الناس أن رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحرم من مصر من الأمصار.
وبإسناده عن مسلم: أن رجلًا أحرم من الكوفة, فرآه عمر سيئ الهيئة, فأخذ بيده, وجعل يديره في الخلق, ويقول: انظروا إلى هذا ما صنع بنفسه وقد وسع الله عليه؟! وبإسناده عن الحسن: أن عبد الله بن عامر أحرم من سمرقند, فبلغ ذلك عثمان, فلامه.
وفي لفظ آخر: أحرم من خراسان, فلما قدم عثمان لامه ولامه, وكره ما صنع.

وبإسناده عن إبراهيم التيمي, عن أبيه, عن أبي ذر قال: استمتعوا بثيابكم؛ فإن وكاءكم لا يغني عنكم من الله شيئًا.
واحتج بأن إحرامه من دويرة أهله يوجب بقاءه على العبادة, والبقاء على العبادة أفضل, ألا ترى أن الإحرام قبل يوم التروية أفضل لهذه العلة؟ والجواب: أن الإحرام قبل أشهر الحج يوجب البقاء على العبادة, ومع هذا قلتم: إنه يكره ذلك.

34 -

مسألة

يحرم في دبر صلاته:

نص عليه ف رواية المروذي فقال: إذا أراد الإحرام يستحب أن يغتسل, وأن يلبس إزارًا وردًا ورداًء, فإن وافق صلاة مكتوبة صلى ثم أحرم, وإن شاء إذا استوي على راحلته, فيلبى بتلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال- أيضًا- في رواية حنبل: إذا أراد الإحرام؛ فإن وافق صلاة مكتوبة صلى, ثم أحرم إن شاء, وإذا استوى [على راحلته].

وكذلك نقل أبو طالب عنه قال: إذا أراد الإحرام استحب له أن يغتسل, ويلبس إزارًا ورداًء؛ فإن وافق صلاة مكتوبة صلى ثم أحرم, وإن شاء إذا استوى على راحلته, فلبى بتلبية النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال- أيضًا- في رواية ابن منصور- وقد سئل: تحرم في دبر الصلاة أحب إليك؟ -قال: أعجب إلي أن يصلي, فلا تأثير.
وهو اختيار الخرقي؛ لأنه قال: إذا بلغ الميقات فالاختيار له أن يغتسل, ويلبس ثوبين نظيفين, ويتطيب, فإن حضر وقت صلاة مكتوبة, وإلا صلى ركعتين, فإذا أراد التمتع, وهو اختيار أبي عبد الله- رحمه الله- فيقول: (اللهم إني أريد العمرة) ويشترط, فإذا استوي على راحلته لبي.
نص على أنه يحرم إذا صلى, ويلبي إذا استوي على راحلته.
وقال في رواية الأثرم: وقد سئل: أيما أحب إليك: الإحرام في

دبر الصلاة, أو إذا استوت به ناقته؟ فقال: كل قد جاء؛ دبر الصلاة, وإذا علا البيداء, وإذا استوت به ناقته, فوسع فيه كله.
وظاهر هذا: أنه مخير في جميع ذلك, وليس أحدهما بأولى من الآخر, والمذهب على ما حكينا, وأن المستحب أن يحرم دبر الصلاة.
وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك: إذا استوت به راحلته.
وقال الشافعي في القديم مثل قولنا, [وقال] في ((المناسك الكبير)): إذا انبعثت به راحلته.
دليلنا: ما روى أبو بكر الأثرم في ((مسائله)) بإسناده عن سعيد بن جبير قال: ذكرت لابن عباس إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من صلاته, ثم خرج فلما ركب راحلته, واستوت به قائمة أهل, فأدرك ذلك قوم, فقالوا: أهل حين استوت به راحلته, وذلك أنهم لم يدكوا إلا ذلك, ثم سار حتى علا من البيداء, فأهل, فأدرك ذلك رجال, فقالوا: حين علا البيداء.
وهذا نص لا يحتمل التأويل, وبيان لوجوه اختلاف الرواة فيه, فكان تقديمه على غيره أولى.
وروي في حديث آخر عن ابن عباس: أنه قال: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد ذي الحليفة, وأنا معه, وناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند باب المسجد, وابن عمر معها, ثم خرج, فركب, فأهل, فظن ابن عمر أنه أهل

في ذلك الوقت.
وروى ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أتأني آٍت من ربي وأنا بالعقيق, فقال لي: صل في هذا الوادي المبارك ركعتين, وقل: لبيك بعمرة في حجٍة)).
ولم يجعل بين الصلاة والتلبية أمرًا فاصلًا.
ولأن التلبية ذكر أمر بتقديم الصلاة عليه, وكان فعله عقيبها أفضل من تأخيره عنها, كتكبيرات التشريق وخطبته.
فإن قيل: لا يصح] هذا على أصلكم [؛ لأن عندكم أن التلبية تتأخر عن عقد الإحرام, ويأتي بها إذا استوت به راحلته.
قيل له: إن كان الإحرام في مصر, فالتلبية تتأخر عنه؛ لما نذكره فيما بعد, وأنها لا تستحب] في الأمصار [. وإن كانت في الصحراء أو البرية, فإنه يستحب ذكها عقيب الإحرام.
نص] عليه في رواية حرب [-وقد سأله عن الرجل إذا أحرم في

دبر الصلاة: أيلبي ساعة يسلم, أم متى؟ -قال:] يلبي متى شاء؛ ساعة [يسلم, وإن شاء بعد ذلك.
وسهل فيه.
واحتج المخالف بما روى الأثرم بإسناده:] أن ابن عمر [قال: لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى انبعث به راحلته.
رواه النجاد بإسناده عن ابن عمر, عن النبي صلى الله: أنه كان إذا استوب به] راحلته لبى.
وروى الأثرم [بإسناده عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى ذا الحليفة فبات بها حتى أصبح, فلما أصبح بها ركب, حتى إذا كان بظاهر البيداء, واستوت أخفافها, واعتدلت صدورها, ونظرت إلى الناس مد بصري أمامي, وخلفي, وعن يميني, وعن شمالي, ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا, ينزل القرآن, وهو يعلم تأويله, فنحن ننظر ما يصنع فنصنع, أخل رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأهللنا معه.

وروى أحمد فيما ذكره الأثرم بإسناده عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر, ثم ركب راحلته, فلما علا جبل البيداء أهل.
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن سعد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ طريق الفرع أهل إذا استقبلت به راحلته, وإذا أخذ طريق أحٍد أهل إذا علا شرف البيداء.
والجواب: أن هذه الأخبار لا تعارض خبر ابن عباس؛ لأن الجماعة رووا في وقت عرفة [ما روى] ابن عباس, فساواهم, وانفرد بمعرفة إهلاٍل في وقت لم يعرفوه, فخبره زائد, فهو أولى.
فإن قيل: أخبارنا أولى؛ لأنها أكثر رواة, وابن عباس انفرد به.
قيل له: المثبت أولى من النافي, وإن كان النفي ترويه الجماعة.
فإن قيل: فأخبارنا يرويها الرجال, وابن عباس كان صبيًا.
قيل له: لا أحد يقدم خبر غيره عليه لهذه العلة.

جارٍ التحميل