التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 7-46

245 -

مسألة

بيع ما لم يره المشتري ولا البائع من غير صفة غير جائز في أصح الروايتين:

نص عليه في مواضع: فقال في رواية الأثرم في الرجل يبتاع هذه الجرب، ثم يبيعها لم ير ما فيها، فقال: ينبغي للذي يبيع أن يصف له، وينبغي للمشتري إذا باع أن يصف أيضًا، فإن جاء خلاف رجع واحد على واحد، فأما إذا جاءت على الصفة، فليس له أن يرد.
وقد نقل الأثرم هذه المسالة في ثلاثة مواضع من الكتاب بهذا المعنى.
وكذلك نقل الميموني عنه: أنه قال: البيع بيعان: بيع صفة.

وبيع شيء حاضر، فلا يبيعه حتى يراه، ويعرفه.
وذلك نقل أبو طالب عنه: إذا لم يعرف صفته، ولا ذرعه، وباعه، فهو بيع مجهول فاسد، يرده له.
قيل له: هو بالخيار عند النظر؟ قال: لا أقول له الخيار، ولكن إذا وصفه، فإن كان مثل صفته، جاز عليه البيع، وإن لم يكن مثل صفته رده.
وكذلك نقل حرب في بيع الثوب المطوي: أكرهه إلا أن ينشر، أو يصفه، فيجده على صفته.
ونقل -أيضًا- في كتاب (الورع) للمروذي في بيع الدينقي والقوهي والجرب التي فيها المتاع تباع، ولا تصف كم ذرعه، ولا يذكر وصفه: لا يجوز بيعه، كيف يبيع من غير أن يسمي ويصف؟! وبهذا قال مالك والشافعي.
وفيه رواية أخرى: جواز العقد، وللمشتري الخيار إذا رآه.
نص عليه في رواية حنبل في ما رواه أبو حفص العكبري في كتابه، فقال: إذا اشتراه في جرابه؛ يعني: الثياب التي في الجرب، فلم يقلب، ولم ينظر، فله خيار الرؤية إذا نشرهن إذا كان معيبا رده بعيبه، ولا يجوز بيعه حتى يقلبه، وينظر إليه، وكذلك الثوب المدرج؛ له الخيار إذا اشتراه؛ لأنه لا يعلم ما في جوفه من العوار والحدث.

فظاهر هذا جواز العقد، وإثبات الخيار عند وجود عيب، فإن لم يكن معيبًا، فلا خيار له.
وقال أبو حنيفة: ما لم يره البائع، ولا المشتري، ولا وصفاه جائز، وللمشتري الخيار سواء كان المبيع معيبًا، أو لم يكن.
وأما البائع، فهل يكون له الخيار؟ على روايتين، والصحيح عنه: أنه لا خيار له.
فالدلالة على أن البيع باطل من أصله: ما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيع الغرر.
والغرر ما تردد بين سلامة المال وهلاكه، والغرر هاهنا موجود؛ لأنه لا يدري؛ هل هو باقٍ، أم لا؟ وإن كان باقيًا، فلا يدري؛ هل يسلم له، أم لا؟ فيجب أن يكون منهيًا عنه.
ولأنه مبيع مجهول الصفة عند العاقد، فوجب أن يكون باطلًا.
أصله: إذا قال: بعتك ثوبًا.
ولا يلزم عليه إذا وصفه؛ لأنه معلوم الصفة.
وكذلك لا يلزم عليه بيع الجوز واللوز والباقلاء في قشره، وبيع الصبرة التي لم يشاهدها باطنها؛ لأن ذلك غير مجهول الصفة؛ لأنه قد شاهد ظاهره، وذلك الظاهر داخل في جملة المبيع.

وكذلك لا يلزم عليه تراب المعدن الذي فيه تبر، وتراب الصاغة الذي فيه ذهب وفضة؛ لأنه قد شاهد التراب، وذلك داخل في جملة المبيع.
ولا يلزم عليه الجهالة بمواضع العيب؛ لأنا قلنا: بيع، وهذا إشارة إلى جميعه، والجهالة هناك ببعضه، فلا يلزم نقضًا.
فإن قيل: المبيع في الأصل مجهول في عينه، فأما أن يكون مجهول الصفة فلا.
قيل له: ما جهلت عينه، فقد جهلت الصفات وزيادة، وقد تجهل الصفات، ولا تجهل العين.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن تلك الجهالة تمنع التسليم؛ لأن كل عبد يحضره البائع يلتمس المشتري غيره.
وفي مسألتنا إذا قال: بعتك الثوب الذي في كمي، لم يتعذر التسليم؛ لأن القاضي يأمره بإخراج ما في كمه، فإن رضيه المشتري، أخذه، وإن لم يرضه رده.
قيل له: الجهالة في الأصل، لا التسليم؛ لأنه يعطيه ما يقع اسم الثوب، كالوصية والإقرار، وكما لو أسلم في ثوب جيد، أعطاه ما يقع عليه الاسم، أو يعطيه ثوبًا وسطًا، كما لو تزوج على ثوب.
وقياس آخر، وهو: أن الرؤية أو الصفة في بيوع الأعيان جهة يتوصل بها إلى معرفة المبيع لعدمها تأثير في العقد، وهو إبطال العقد

عندنا، وإثبات الخيار عند مخالفينا، فوجب أن يكون وجودها شرطًا فيه، كالصفة في السلم.
فإن قيل: هذا باطل بالعلم بأن المبيع معيب؛ لأنه معنى يتوصل به إلى معرفة مقدار المعقود عليه، ومع هذا لا يبطل العقد.
قيل له: لا يبطل؛ لأن العلم بالعيب إنما يحصل بالرؤية، أو الصفة، ونحن عللنا للرؤية في الجملة، فلا تلزم عليه الأحوال.
ولأنا قلنا: (جهة يتوصل بها إلى معرفة المبيع)، وهذا إشارة إلى جميعه، ومواضع العيب بعض المبيع.
فإن قيل: لو كانت الرؤية أو الصفة في الأعيان بمنزلة الوصف في السلم، لوجب أن لا يجوز تقديمها على العقد، كما لا يجوز تقديم الوصف في السلم على العقد.
قيل له: إذا جاز تقديم الرؤية [على] العقد، جاز أن يتقدم الوصف، ولا فرق بنيهما، وذلك أنه لو قال: أريد أن أسلفك في كر حنطة، ووصفه بالصفات، فلما كان بعد ذلك قال: قد أسلفتك في كر حنطة على الصفات التي تقدم ذكرها، وعجل له الثمن، جاز.
فإن قيل: المعنى في صفات السلم: أن جهالتها تمنع التسليم، وهذه الجهالة لا تمنع التسليم، وفرق بينهما، ألا ترى أنه لو باع صبرة مجهولة القدر جاز البيع؛ لأن جهالتها لا تمنع التسليم، ولو باع صبرة غير معينة

لم يجز العقد؛ لأن الجهالة تؤثر في التسليم.
قيل له: إذا قال: بعتك أحد هذين العبدين، لا على شرط الخيار، فهذا لا يمنع التسليم، ولا يصح العقد، فكذلك إذا قال: بعتك ثوبًا، لا يمنع تسليم ما يقع عليه الاسم، ولا يصح؛ لأنه يمكنه أن يعين أحد العبدين، ويدفع ما يقع عليه اسم ثوب.
وقياس آخر، وهو: أنه مبيع لم تسبق من المشتري رؤية له، ولا صفة، فلم يصح بيعه.
دليله: اللبن في الضرع، والحمل في البطن، والنوى في التمر.
ولا يلزم عليه تراب المعدن، وتراب الصاغة؛ لأن المبيع هناك التراب وما فيه، فهو مرئي للمشتري، فهو يجري مجرى بيع الجوز واللوز، هو مرئي للمشتري، وإن لم يشاهد باطنه؛ لأنه قد شاهد ظاهره.
فإن قيل: المعنى في اللبن، وفي الحمل: أنه باع ما تضمنته خلقة الحيوان غير شائع في جميعه، فصار كبيع يده ورجله.
وأما النوى في التمر، فإن تسليمها لا يمكن إلا بضرر لم يستحق بالعقد، وهو بكسر التمر.
قيل له: بقاء الشيء على خلقة الأصل إذا لم يزل عنها، ولم يتغير عن صورتها، لا يوجب فساد البيع، ألا ترى أنه إذا باع تمرة على رؤوس النخل، جاز، وإن باع سعفها، أو أغصان التوت النابتة على أصولها، جاز البيع، كما يجوز بعد قطعها وتغيرها عن أصل خلقتها.

وأما حصول الضرر بانتزاع النوى من التمر، فلا يوجب فساد البيع؛ لأن النقص الذي يدخل بذلك قد رضي به، فهو كما يبيع أحد مصراعي الباب، وأحد زوجي الخف؛ فإنه يصح، وإن كان يدخل بذلك النقص في ما لا يبيعه.
وقياس آخر، وهو: أن من يجيز هذا البيع أثبت فيه خيار الرؤية، وذلك خيار مجهول لم يوجبه نقص، ولا يتعلق بكل بيع، فأبل العقد المتضمن له، كما لو قال رجل لرجل: بعتك هذا الثوب على أن لي الخيار متى شئت.
ولا يلزم عليه خيار الرد بالعيب؛ لأنه يوجبه نقص.
ولا يلزم عليه خيار المجلس؛ لأنه يثبت في كل بيع.
فإن قيل: كيف يصح هذا على أصلكم؟ وقد قال أحمد في رواية ابن منصور في رجل اشترى شيئًا، وهو فيه بالخيار، ولم يسم إلى متى: فله الخيار أبدًا، أو يأخذه.
قيل له: المذهب الصحيح: أن هذا خيار باطل، وقد نقله ابن منصور عنه في موضع آخر في الرجل يبيع بشرط، ولا يسمي أجلًا: أي شيء يكون إذا سمي، فهو أحسن.
فإن قيل: المعنى هناك: أن الخيار ثبت شرطًا، وهاهنا ثبت حكمًا، فلا تؤثر الجهالة فيه بدلالة الخيار الرد بالعيب، وخيار المجلس.
قالوا: ويبين صحة هذا: أن الخيار، كالأجل.

ولأن كل واحد منهما ملحق بالعقد، ثم لو شرطا أجلًا مجهولًا بطل العقد، ولو تأجل الثمن حكمًا لم تؤثر جهالته بالعقد، مثل أن يفلس المشتري، أو يأبق العبد، فيتأخر تسليم الثمن حتى يتمكن البائع من التسليم.
قيل له: قولك: (إنه ثبت شرطًا، فلهذا نافته الجهالة) يبطل على أصلكم بالبراءة من العيوب؛ فإنه يصح عندهم، وثبت شرطًا، والجهالة لا تنافيه.
وأما خيار المجلس فالعادة أنه زمان يسير، فعفي عنه، كما عفي عن تأخير القبض في الصرف والسلم مدة المجلس، وكما جاز تأخير القبول في مدة المجلس ثبت للحاجة، وهو اختيار المبيع؛ هل له فيه حظ؟ وخيار الرؤية لا حاجة به إليه؛ لأنه يمكنه أن يشاهده.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم [أنه] قال: (من اشترى شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه).
فلو لم يجز البيع لما أثبت الخيار.
والجواب: أن أبا الحسن الدارقطني رواه عن عمر بن إبراهيم بن خالد الكردي، عن وهب السكري، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.
ورواه من طريق آخر عن عمر قال: أخبرني القاسم بن الحاكم، عن أبي حنيفة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -

ثم قال: عمر بن إبراهيم يضع الأحاديث، وهذا باطل لا يصح، لم يروه غيره، وإنما يروى عن ابن سيرين موقوفًا.
ولو صح حملنا قوله: (لم يره)، ولكنه وصفه، (فهو بالخيار إذا رآه) على خلاف صفاته، كما هو بالخيار فيما شاهده إذا وجده معيبًا في فسخ العقد، وفي إمضائه.
فإن قيل: هذا الخيار متعلق بفقد الصفة، لا بالرؤية، والخبر يقتضي تعلقه بالرؤية.
قيل له: لما كان فقد الصفة يعلم بالرؤية، جاز أن يعلقه بها.
وقد قيل في جوابه: من ابتاع شيئًا لم يره حال العقد، وكان قد رآه قبل العقد، فهو بالخيار إذا تغير.
واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه، واشترى منه شيئًا، فهو بالخيار إذا رأى السوق).
ولا خلاف أنه إذا كان قد رآه، فلا خيار له، فعلم أن المراد به: إذا كان قد اشترى شيئًا في وعاء، ثم حمله إلى السوق، ونظر إليه؛ إنه بالخيار.
والجواب: أن إثبات الخيار هاهنا عند أصحابنا رجع إلى ظهور

الغبن في المبيع دون الجهالة.
يبين صحة هذا: قوله: (فهو بالخيار إذا رأى السوق)؛ لأن بها يعتبر الغبن من غيره.
واحتج بما روى زيد بن ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى أن تباع السلع حيث تباع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم.
ومعناه عندنا: أن يشتري المتاع في الوعاء، فلا يبيعه هناك قبل أن يراه؛ لئلا يلزم نفسه مبيعًا مجهول الصفة.
والجواب: أن معناه عندنا: أن يشتري مكيلًا، أو موزونًا، فلا يبيعه هناك قبل نقله؛ لأن بيعه قبل قبضه لا يصح.
واحتج بما روي: أن عثمان بن عفان باع مالًا بالكوفة من طلحة ابن عبيد الله، فقال طلحة: لي الخيار؛ لأني اشتريت ما لم أره، وقال عثمان: لي الخيار؛ لأني بعت ما لم أره، فحكما بينهما جبير بن مطعم، فقضى جبير بالخيار لطلحة.
وروى معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: قال أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: وددنا لو أن عثمان وعبد الرحمن تبايعا، ثم ننظر أيهما أعظم جدا في التجارة، فابتاع عبد الرحمن من عثمان فرسًا بأرض له أخرى

بأربعين ألف درهم، أو نحو ذلك، إن أدركتها الصفقة وهي سالمة، ثم مشى قليلًا، ثم رجع إليه، وقال: أزيدك ستة آلاف درهم إن وجدها رسولي سالمة، قال: نعم، فوجدها رسول عبد الرحمن وقد ماتت.
فدل هذا على معنيين: أحدهما: جواز شراء ما لم يره.
والثاني: جواز الزيادة في الثمن بعد انبرام العقد.
وروى يونس، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: كنا إذا تبايعنا كل واحد منا بالخيار ما لم يتفرق المتبايعان، قال: فتبايعت أنا وعثمان مالًا بالوادي بمالٍ له كثير، قال: فلما بعته طفقت أنكص على عقبي خشية أن يرادني عثمان المبيع قبل أن أفارقه.
وروى شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله ابن عمر: أنه ركب مع عبد الله ابن بحينة إلى أرض له برئمٍ، فابتاعها

منه عبد الله بن عمر على أن ينظر إليها، قال: ورئم بالمدينة قريب من ثلاثين ميلًا.
فاتفق هؤلاء الصحابة على جواز بيع ما لم يره المشتري، ولا يعرف لهم مخالف.
والجواب: أنه لا حجة في ذلك، وأما حديث عبد الرحمن مع عثمان فيحتمل أن يكون عثمان وصفه له، فقال عبد الرحمن: لي الخيار إذا وجدته على خلاف صفته، وكذلك بيع ابن عمر لعثمان ماله بالوادي يحتمل أن يكون وصفه له، وكذلك ابتياع ابن عمر من عبد الله ابن بحينة.
ولأنه يحتمل أن يكون عثمان لم يره حين العقد، وكان قد رآه قبل ذلك، فظن أنه على تلك الصفة، وكذلك طلحة، فأثبت الخيار لطلحة لمخالفة الصفة.
يدل على هذا: أنه أثبت الخيار لطلحة، وعندهم إذا لم توجد الرؤية من البائع، ثبت الخيار له.
واحتج بأنه عقد من العقود، فوجب أن لا يكون من شرط صحته رؤية المعقود عليه.
دليله: النكاح.
والجواب: أنا نقول بموجبه، وأنه ليس من شرطه رؤية المعقود عليه.

فإن قالوا: فنقول: فلم يكن من شرطه صفه المعقود عليه، كالنكاح.
فالجواب: أن النكاح لا أثر لعدم الرؤية والصفة فيه، ألا ترى أن بعدمهما لا يثبت الخيار، ولا يتعلق به حكم، والرؤية والصفة في البيع لعدمها تأثير، وبوجودها يصير المبيع معلومًا، وكان وجودا شرطًا، كالصفة في السلم.
ولأن القصد في البيع طلب الفضل والربح، ولوجود الرؤية والصفة تأثير في هذا المعنى، فاشترطت، وليس كذلك النكاح؛ فإنه لا يقصد به ذلك، وإنما القصد منه الألفة والوصلة.
فإن قيل: قد تقصد به ألفة على صفة دون صفة، ألا ترى إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أوقع الله في قلب أحدكم خطبة امرأةٍ، فلينظر إليها)؛ كي يؤدم بينهما.
ولأنه لو وجدها برصاء أو رتقاء ملك الفسخ، كالبيع.
قيل له: الخير حجة لنا؛ لأنه لما كان القصد الألفة أمر بالنظر إليها؛ ليحصل له المقصود، وكذلك يجب أن يكون في البيع.
وأما البرص والرتق فإنما ثبت به الفسخ؛ لأنه يفوت معه المقصود

الأعظم، ألا ترى أن ما لا يفوت معه ذلك في سائر العيوب لا يثبت به الفسخ، وفي البيع جميع العيوب يفوت معها المقصود.
واحتج بأن العين معلومة، وإنما جهلت صفاتها، وجهالة الصفة ليست بأكثر من عدم الصفة، لا تمنع جواز البيع فجهالتها أحرى.
والذي يدل على أن عدم الصفة لا يمنع جواز البيع اتفاقهم على أنه لو اشترى عبدًا على أنه صحيح العينين، فوجده أعمى، جاز البيع، وثبت له الخيار.
والجواب: أنا لا نسلم أن العين معلومة؛ لأنه إذا قال: بعتك عبدًا، فإنما يعرف الجنس، ولا تعرف العين، ألا ترى أنه لو رآه بعد ما اشتراه، لم يعلم أن هذا هو المشترى وعلى أنه لا فرق عندك بين أن تكون العين معلومة، أو مجهولة؛ لأنه لو قال: (بعتك ما في هذا البيت، أو ما في كمي هذا)، جاز، وإن لم تكن العين معلومة؛ لأنه لم يكن جنسًا يتعين به، وقد نص أبو يوسف على هذا، وليس عن أبي حنيفة فيه رواية.
وعلى أن هذا باطل به إذا قال: (بعتك أحد هذين العبدين على أن تختار من شئت منهما)؛ فإن العين معلومة؛ بمعنى: أنه قد تميز المبيع بكونه عبداً من غيره، ومع هذا فالعقد باطل بجهالة صفته.
ولأن جهالة الصفة أكثر من عدم الصفة المشروطة بدليل أن فقد الصفة في العين لا يبطل، وعدم الصفة في السلم يبطل، وكذلك فقد

التعيين لا يبطل، ويبطل إذا باع ثوبًا من الثوبين، ولم يشترط الخيار.
وأما إذا اشترى عبدًا على أنه صحيح، فبان أعمى، إنما [لا] يبطل؛ لأنه يجرى مجرى ظهور العيب، وذلك لا يبطل.
واحتج أن بيع الباقلاء في قشره والجوز واللوز والبيض جائز، وليس المعقود عليه والمقصود بالشراء قشورها، وإنما المقصود منها ما فيها من اللب، ثم لم يمنع عدم رؤية المقصود منها جواز العقد عليها، كذلك هاهنا.
وكذلك يجوز بيع الصبرة، وإن كان لا يشاهد باطنها، وكذلك الجهل بمواضع العيب لا يمنع الصحة، كذلك هاهنا.
وربما قالوا: جهالة لا تؤثر في تسليم المبيع، فأشبه ما ذكرنا.
ولا تلزم عليه جهالة رأس المال؛ لأنها تؤثر في التسليم؛ لأنه يجد بعضه زيوفًا، فيرده، فلا يدري كم الباقي من المسلم فيه.
ولا يلزم عليه إذا باع درة في صدفة؛ لأنه ليس المانع من البيع هناك الجهالة، وإنما المانع أنه باعه ما يتضمنه الحيوان خلقة.
والنوى مما يباع في مضمون الخلقة مما يفسد بتسليمه، ولهذا لو ظهر بعض النواة لم يجز البيع، وإن زالت الجهالة بظهور بعضها.
والجواب: أنه يبطل به إذا قال: (بعتك أحد هذين العبدين على أنك بالخيار)، فإنها جهالة لا تمنع من التسليم؛ لأنه يمكنه أن يختار أحدهما،

ومع هذا فإنه لا يصح.
وكذلك إذا قال: (بعتك ثوبًا)، فإنه لا يمتنع؛ لأنه يمكنه تسليم ما يقع عليه الاسم؛ لأن النظر إلى موضع العيب يشق، فعفي عنه، ألا ترى أنه لا أثر لعدمه في العقد؟ لأنه لو رأى تلك المواضع سليمة لم يثبت له الخيار.
والنظر إلى المواضع الظاهرة لا يشق، فكان شرطًا، ألا ترى أن لعدمه تأثيرًا في العقد بالإجماع، وهذا كما أن ضبط صفات المسلم فيه الباطنة ليس بشرط، وضبط الظاهرة المقصودة شرط.
ولأن السلامة من العيب معلومة بالشرع؛ لأنها موجب البيع ومقتضاه، فلا يفتقر العقد إلى مشاهدتها، والوقوف عليها.
وليس كذلك الصفات؛ لأنها مجهولة، وليست من موجب البيع؛ لأنه لا يقتضي وجودها، ولا عدمها، فدل على الفرق بينهما.
وأما الجوز واللوز والصبرة فإنما جاز البيع في ذلك؛ لأن الرؤية حصلت فيها على حسب العادة، وقد يستدل برؤية ذلك على ما لم ير، فأما هاهنا فلم تحصل رؤية البيع بوجه، ولا صفة، فلم يصح.
ولأن عدم رؤية باطن الصبرة وما في الجوز واللوز لا أثر له في البيع بوجه، ألا ترى أنه لو وجد ذلك سليمًا لزم العقد، ولم يكن لعدم الرؤية تأثير؟ ولعدم رؤيته هذا المبيع وصفته تأثير؛ لأنه لو وجده

معيبًا ثبت له الخيار في فسخ البيع، فكان وجودها شرطًا فيه.
ولأن مشاهدة باطن الجوز واللوز يشق؛ لأنه يؤدي إلى فساده إذا قشر، إذا لم يكن معيبًا.
واحتج بأنه أحد البدلين في البيع، فلم تكن رؤيته شرطًا في صحة العقد، كالثمن إذا لم يكن معيبًا.
والجواب: أنَّا نقول بموجبه؛ أن الرؤية ليست شرطًا في الفرع، كالأصل، والصفة شرط في الفرع، كما هي شرط في الأصل، وقد وافقنا المخالف على اعتبار الصفة في الثمن، فيجب أن تكون معتبرة في المثمن، فقد صار الأصل حجة لنا من هذا الوجه.
واحتج بأن الرؤية معنى لا يتأتى إلا في معين، فلم تكن شرطًا في بيوع الأعيان، كالذوق واللمس والشم.
والجواب: بأنه ينتقض بالتعيين، وهو قوله: الثوب الذي في كمي.
والمعنى في الأصل: أن عدمه لا يؤثر، وعدم الرؤية يؤثر في العقد.
فصل: إن قلنا: إن البيع صحيح، فهل يثبت له خيار الرؤية؟

قد نقل حنبل روايتين: إحديهما: لا يثبت له خيار الرؤية؛ لأنه قال: إذا اشترى الثياب في الجراب، فله خيار الرؤية إذا نشره، إن كان معيبًا رده بعيبه.
وظاهر هذا: أنه إذا لم يكن به عيب لم يرده.
ونقل في موضع آخر: وذكر له قول سفيان في رجل استأجر رجلًا في كل شهرٍ بكذا: هو مكروه، هو بمنزلة قولك: اشتري منك هذا الجراب، كل ثوب بكذا وكذا.
قال أبو عبد الله: هذا يخالف الجراب؛ لأن الثياب له فيها خيار الرؤية، وهو مغيب عنه، وهذا يستأجره كل شهر بشيء مسمى، هذا جائز.
وظاهر هذا: إثبات الخيار.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي على القول الذي يجيز بيعه بالصفة.
وجه الرواية الأولى: عموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (البيعان كل واحدٍ منهما بالخيار ما لم يتفرقا).
وهذا عام.
ولأنه خيار لم يوجبه نقص، ولا يثبت في كل مبيع، فلم يثبت على وجه مجهول.
دليله: لو ابتاعه بشرط خيار مجهول.

وفيه احتراز من خيار المجلس والرد بالعيب.
ولأنه [لو] وجد المبيع سليمًا فلم يملك الخيار، كما إذا كان قد سبق منه رؤية، كالمسلم إذا وجده على صفات.
ولا يلزم ليه إذا كان المبيع بشرط الخيار؛ لأنه يستوي فيه الأصل والفرع.
ووجه الثانية: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من ابتاع شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه).
والجواب: أنا قد بينا: أن هذا محمول عليه إذا لم يره، ولكنه وصفه، ولم يجده على الصفة، فله الخيار.
واحتج بأن في إسقاط الخيار إسقاط معنى المسألة؛ لأن هذا المبيع مسمى ببيع خيار الرؤية.
والجواب: أنه ليس كذلك؛ لأن هذا المبيع موصوف ببيوع الأعيان الغائبة من غير رؤية، ولا صفة.

246 -

مسألة

بيع الأعيان الغائبة بالصفة جائز، وكذلك الحاضرة التي تشق رؤيتها، كالأعدال تباع على [البرنامج] وشبهه:

وقد نص على ذلك في رواية الأثرم وأبي طالب.
وبه قال مالك.
وللشافعي قولان: قال في القديم: مثل هذا.
وقال في الجديد: لا يجوز بيعها إلا على الرؤية.
دليلنا: أن الصفة تقوم مقام الرؤية عند تعذرها، كالسلم.
فإن قيل: لا فرق عندك بين أن تكون الأعيان غائبة، فيصفها.
قيل له: إذا ثبت جواز بيع الغائبة بالصفة ثبت جواز الحاضرة؛ لأن أحدًا ما فرق.
وإن شئت قلت: أحد نوعي المبيعات، فجاز أن تباع على الصفة، كالذي يباع على الذمة.

يبين صحة هذا: أنه إذا جاز السلم في الموصوف، وهو غير معين، فجواز البيع في العين الموصوفة أولى؛ لأن الصفة تمكن في العين المشاهدة ما لا تمكن في المعدوم.
فإن قيل: السلم حجة لنا، وذلك أن ما اختلفنا فيه هو بيع عين بصفة، فكان باطلًا، كالسلم في الأعيان.
قيل له: إذا أسلم في عين، ولم يشرط أجلًا، جاز، وكان بيعًا عبر عنه بالسلم، وإن أسلم فيها مؤجلًا بطل العقد؛ لدخول التأجيل في العين، لا لأنه عقد على عين موصوفة.
فإن قيل: السلم لما لم يمكن مشاهدته جاز أن تقوم الصفة مقام المشاهدة، وفي بيوع الأعيان يمكن مشاهدتها، فلهذا لم تقم الصفة مقامها.
قيل له: إذا كانت غائبة قد لا يمكن مشاهدتها.
وعلى أن الثمن يمكن مشاهدته، ومع هذا فيجوز بالصفة.
وقياس آخر، وهو: أن الصفة في بيوع الأعيان جهة نتوصل بها إلى معرفة المبيع، فصح العقد معها.
يبين صحة هذا: أن الصفة يعلم بها الموصوف، والرؤية لا يعلم بها، ألا ترى أن من باع فصًا، فرآه المشتري، وهو لا يعلم؛ أجوهر هو، أو زجاج؟ جاز العقد، وإن كانت الجهالة باقية مع الرؤية.

وكذلك إذا ابتاع الدرياق ممن رآه من ليس [بطبيب] لا يعرفه، صح العقد مع بقاء الجهالة.
فإن قيل: لا نسلم أن الصفة جهة يتوصل بها إلى معرفة المبيع.
قيل له: الدليل على صحة ذلك: السلم.
ويبين صحة هذا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ولا تصف المرأةُ المرأةَ لزوجها كأنه يراها).
فلولا أنها تقوم مقام الرؤية لم ينه عن ذلك.
ولأنا قد بينا: أن العلم يحصل بها ما لا يحصل بالرؤية بدليل بيع الفص والدرياق.
وقياس آخر، وهو: أنه أحد البدلين في البيع، فلم تكن رؤيته شرطًا في صحة العقد، كالثمن إذا كان غير معين.
وإن شئت قلت: أحد البدلين في البيع، فقامت الصفة فيه مقام الرؤية.
دليله: الثمن.
فإن قيل: المعنى في الثمن: أنه في الذمة، فهو كالمبيع

إذا كان في الذمة.
قيل له: لو كانت الرؤية شرطًا لم يصح العقد على ما في الذمة؛ لعدم الرؤية فيه.
واحتج المخالف بما روى أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الغرر.
والغرر ما تردد بين جائز من سلامة المال وهلاكه.
وفي هذا البيع غرر من وجهين: أحدهما: أن العبد الغائب لا يدري؛ هل هو باقٍ، أم لا؟ وإن كان باقيًا، فلا يدري؛ هل يسلم له، أم لا؟ والجواب: أن الغرر ما كان الغالب منه عدم السلامة بدلالة: أن الخارج في المفازة بغير صحبة، يقال: غرر بماله، ولا يقال للخارج في صحبة: غرر، وإن جاز أن يسلم، وجاز أن يهلك؛ لأن الغالب منه السلامة.
ولو كان الغرر عما تردد بين الجواز والهلاك، كانت الساعات كلها غررًا؛ لجواز أن يهلك قبل القبض، ولكان ما عاينه وابتاعه- وليس بحاضر- غررًا، فعلم أن معنى الخبر: ما الغالب منه عدم السلامة، كبيع العبد الآبق، والجمل الشارد، والطائر في الهواء، والسمك في الماء، ونحو ذلك.
واحتج بما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن

عمرو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يحل شرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك).
قالوا: ومن باع عبدًا بالبصرة، فقد باع ما ليس عنده.
والجواب: أن البيع في مسألتنا يجوز في ما ليس عنده باتفاق إذا كان قد رآه، ويبطل عندهم في ما هو عنده، إذا لم يكن قد رآه، فعلم أن الفساد عندهم لمعنى آخر، وهو الجهالة، أو عدم الرؤية، فأما أن يكون لما ذكر في الخبر فلا، فلم يبق إلا أن يحمل الخبر على بيع ما ليس في ملكه؛ لأن العقد لا ينفذ فيه للمعنى المذكور في الخبر دون غيره.
يبين ذلك: أن الخبر خرج على هذا السبب، وهو أن حكيم بن جزام قال: كنت أدخل السوق، فأستجيد السلع، وأخرج، فأبيعها، ثم أرجع، فأبتاعها، ثم أسلمها.
فبان هذا السبب شاهدًا لما ذكرناه من التأويل.
واحتج بأنه بيع لم يره ولا شيئًا منه، أشبه إذا لم يره، ولا وصفه.
والجواب: أالمبيع هناك مجهول الصفة عند العاقد، فلهذا بطل، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه معلوم الصفة فصح، كما لو شاهده.
ولأن عدم الرؤية والصفة لو وجدا في الثمن أبطل العقد، كذلك إذا واجد في المثمن، وليس كذلك الصفة؛ لأنها لو وجدت في الثمن

صح معها العقد، كذلك إذا وجدت في المثمن.
واحتج بأن بيوع الأعيان أحد نوعي المبيع، فوقع على وجه واحد، كالنوع الثاني، وهو بيع ما في الذمة.
والجواب: أنه يبطل بالثمن في بيوع الأعيان؛ فإنه أحد النوعين، ويقع على وجهين؛ معينًا، وموصوفًا.
ولأنا نعكس العلة فنقول: فكانت الصفة طريقًا في تصحيحه.
دليله: ما ذكرت.
ولأن ما في الذمة لو وقع على وجهين، خرج العقد عن موضوعه؛ لأنه يصير من بيوع الأعيان، ويخرج عن بيوع الذمة، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الصفة لا تخرجه من موضوعه.
ولأنه بيع عين مع الصفة، كما هو بيع عين مع المشاهدة.
واحتج بأنها عين لم ير شيئًا منها، فلم يصح العقد عليها، كاللبن في الضرع، والنوى في التمر، والحمل.
والجواب: أنه يلزم عليه عقد النكاح، وعقد السلم ينكسر به؛ فإنه يصح مع عدم الرؤية.
والمعنى في الأصل: أنه مجهول الصفة، وهاهنا معلوم، كمال لو رآه.
فصل: فإن وجد المبيع على الصفة المذكورة لم يكن له الخيار.
نص عليه في رواية الأثرم، وأبي طالب، وجعفر بن محمد النسائي

-واللفظ لجعفر- في رجل يبيع المتاع، فيفتح جرابًا، فيريه، ثم يقول: الباقي على صفة هذا، فقال: إذا جاء به على صفته ليس له أن يرده.
وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة، والشافعي على القول القديم: يملك الخيار.
دليلنا: حديث ابن عمر وغيره: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا).
فدل على أنهما إذا تفرقا، فلا خيار بينهما، فهذا عام في كل بيع.
ولأنه وجد المبيع على صفته المذكورة، فلم يكن له الخيار.
دليله: السلم.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: (من ابتاع شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه).
والجواب: أنه محمول عليه إذا لم يجده على صفاته المذكورة بدليل ما ذكرناه.
فصل: ويحتاج فيه إلى استيفاء كل وصف يختلف الثمن لأجله.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية الأثرم، فقال في الجرب يؤتى بها من

الري، أو من أصبهان، فتباع من غير أن تفتح، فقال: ينبغي أن يصفوها على معنى السلم، فإذا وجدت على صفتها جاز البيع.
فقد شبه ذلك بالسلم، والسلم تعتبر فيه الصفات التي يختلف الثمن لأجلها.
ونقل جعفر بن محمد النسائي في الرجل يبتاع المتاع، فيفتح جرابًا، فيريه، ثم يقول الباقي على صفة هذا، قال: إذا جاء به على صفته، فليس له رده.
وهذا محمول على أن هذه الثياب لها عرف في بلدها.
وقال بعض الشافعية: إذا ذكر معظم صفاته جاز اتكالًا على خيار الرؤية في الثاني.
دليلنا: أنه مبيع اعتبرت صفاته، فاعتبر فيه كل صفة يختلف الثمن لأجلها.
دليله: السلم.
وما ذكروه من خيار الرؤية فقد بينا: أنه غير ثابت فيه، كما لا يثبت في عقد السلم.
...

247 -

مسألة

شراء الأعمى جائز:

وكذلك بيعه في قياس المذهب، وأن الرؤية ليست شرطًا في عقد

البيع، وإنما الاعتبار بالصفة، وهذا يمكن في حق الأعمى.
وهو قول أبي حنيفة ومالك.
وقال الشافعي: لا يجوز.
دليلنا: أن جماعة من الصحابة كانوا عميانًا مثل: العباس، وابن عباس، وابن عمر، وابن أم مكتوم، وكانوا يبيعون ويشترون، ولم ينكر عليهم أحد، ولا قال: إن بياعاتهم وأشريتهم باطلة مفسوخة.
وكل من جاز أن يلي عقد السلم جاز أن يلي شراء العين.
دليله: التعيين.
ولأن كل عقد جاز أن يليه البصير جاز أن يليه الأعمى، كالسلم.
وبنى المخالف على أصله، وأن الرؤية شرط في صحة الشراء، والأعمى لا يرى، وقد دللنا على أن الرؤية ليست شرطًا في صحة الشراء.
...

248 -

مسألة

خيار المجلس ثابت في عقد البيع إلى أن يفترقا:

نص عليه في مواضع؛ في رواية الأثرم، والمروذي، وإبراهيم بن

الحارث، والحسن بن الحسين، وعبد الله.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: خيار المجلس ليس بثابت، ويلزم البيع بالإيجاب والقبول.
دليلنا: ما روى أحمد بإسناده عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (كل بيعين فأحدهما على صاحبه بالخيار حتى يتفرقا، أو يكون خيار).
وفي لفظ آخر قال: (إذا تبايع المتبايعان [بالبيع]، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا، أو يكون بيعهما عن خيار، فإذا كان [بيعهما] عن خيار فقد وجب).
وكان عبد الله إذا أراد أن لا يقيل الرجل مشى هنيًة.
وفي لفظ آخر قال: (كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا، أو يقول لصاحبه: اختر).
وروى أيضًا بإسناده عن سمرة بن جندبٍ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).
وروى -أيضًا- بإسناده عن حكيم بن حزام، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

(البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو حتى يتفرقا).
وروى بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) قال: (أو أن يكون بيعهما خيار).
وروى -أيضًا- بإسناده عن أبي الوضيء قال: كنا في سفر ومعنا أبو برزة الأسلمي، قال: فباع رجل من أهل العسكر فرسًا، قال: ثم ندم، فأراد أن يرد البيع، فأبى البائع أن يقيله، فاختصما إلى أبي برزة، قال: فقصا عليه القصة، فقال أبو برزة: إن شئتما قضيت بينكما بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).
وروى بإسناده عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن يكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله).
ذكر عبد الله هذه الأخبار في (مسائله).
ووجه الدلالة منها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثبت الخيار للمتبايعين إلى أن

يتفرقا، والتبايع اسم مشتق من فعل، فلا يطلق اسم الفاعل إلا بعد وجود الفعل منه، كالقاتل والشارب، فصار حقيقة الاسم أن بعد وجود البيع منهما، لهما الخيار ما لم يتفرقا.
فإن قيل: الخبر خبر واحد، وقد اختلف على نافع فيه، ونحن نعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل جميع هذه الألفاظ، وإنما تكلم بواحد منها، فوجب التوقف حتى نعرف لفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها، فنعمل بمقتضاه.
قيل له: يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك في مجالس مختلفة، وقضايا مختلفة، فسمع قوم في مجلس بلفظ، وسمع آخرون بلفظ آخر في مجلس آخر، وليس يجب على النبي - صلى الله عليه وسلم - إعادة اللفظ إذا كان الثاني يعطي معناه؛ لأن الاعتبار بالمعنى.
فإن قيل: هذا محمول على المشتري إذا ساوم، فقال: بعني هذا العبد، فقال البائع: بعتك، فكل واحد منهما بالخيار؛ إن شاء البائع رجع عن الإيجاب، وإن شاء أقام عليه، والمشتري بالخيار؛ إن شاء قبل، وإن شاء لم يقبل، فإذا افترقا عن مجلسهما بطل خيار كل واحد منهما.
قالوا: وهذا هو الصحيح؛ لأن حقيقة المتبايعين: المتشاغلان بالبيع، كالمتقاتلين، فإذا تم البيع، فقد تقضى بيعهما، فالاسم فيهما مجاز؛ لأنهما كانا متبايعين.
قيل له: هذا تأويل ترده اللغة والشرع؛ لأن في اللغة: من لم يوجد

منه الفعل لا يسمى فاعلًا، كالآكل والضارب، والقائم، والقاعد، ونحوه.
و [في] الشرع: لو قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، فقال له المشتري: بعني، فقال: بعتك، لم يعتق.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الخيار إلى التفرق، وهذا لا يكون من المتساومين.
وجواب آخر، وهو: أنا لو سلمنا لهم: أنا نحمل الخبر على ضرب من المجاز، فما ذكروه مجاز أيضًا؛ لأنهم يحملون الخبر على بائع تقدم منه الإيجاب، ومبتاع لم يوجد منه القبول، وبائع ليس في مقابلته مبتاع، فما ذكرنا فيه مجاز من وجه، وما ذكروه فيه مجاز من وجوه، وحمل الخبر على ما ذكرنا أولى من وجوه.
أحدها: أن الحالة التي تحملون الخبر عليها [ما] فيها ثابت بالإجماع، فلا يفيد حمل الخبر عليه.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل لهما الخيار على جهة واحدة، فاقتضى تساويهما فيه، وإن يثبت لأحدهما فيه مثل ما ثبت للآخر، وعلى ما ذكروه ثبت للبائع خيار الفسخ، وللمبتاع خيار الإمضاء والقبول، وهما مختلفان.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثبت لهما الخير بالتبايع، وعلى قولهم يقطع الخيار بالتبايع.

ولأن الراوي للخبر فسره بما ذكرنا؛ ففي حديث ابن عمر: أنه كان إذا أراد أن يوجب البيع مشى قليلًا.
وعن أبي برزة: أن رجلين تخاصما إلى - صلى الله عليه وسلم -، وكانا قد تبايعا فرسًا، وأقاما يومًا وليلة، فقال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، وما أراكما تفرقتما، فجعل له الفسخ.
والراوي أعرف بمعنى الحديث، فالمصير إلى قوله أولى.
فإن قيل: يحمل قوله: (ما لم يتفرقا) على الافتراق بالأقوال.
ومعناه: إذا قال: بعتك، فله أن يرجع فيه ما لم يقل المشتري: قد قبلت، وكذلك المشتري بالخيار قبل أن يقول: اشتريت؛ بين أن يقيله، وبين أن لا يقيله، فإذا قال: قبلت، فقد فارقه بالقول، فبطل خيار البائع في الرجوع، وخيار المشتري في الرد.
والتفرق يحصل بالأقوال، قال تعالى: ﴿ومَا تَفَرَّقَ الَذينَ أُوتُوا الكِتَابَ﴾ [البينة: 4]، وأرد به: التفرق بالقول.
ويقال: اجتمع القوم على كذا، وهم حضور في المجلس.
قال: ويدل على أنه لم يرد التفرق بالأبدان ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله).

معنى؛ لأن الاستقالة لا تكون إلا في البيع الذي لا خيار فيه لواحد منهما، فأما إذا كان فيه خيار، فلكل واحد منهما أن يفسخه، ولا يحتاج إلى أن يستقيل صاحبه.
قيل له: لا يصح حمله على التفرق بالأقوال من وجوه: أحدها: أن حقيقة التفرق بالبدن دون القول؛ لأن التفرق هو تباعد الأجسام، والاجتماع تقاربها.
والثاني: أن بوجود الإيجاب والقبول فهي حالة اجتماع؛ لأنهما قبل ذلك يختلفان في الثمن والمثمن، ثم يجتمعان عليه، وينعقد البيع، فلا يصح أن يحمل هذا [....] على التفرق.
والثالث: في حديث ابن عمر في ما رواه أبو بكر في كتاب (الشافعي): (وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع).
ولا يكون التفرق بعد التبايع إلا بالبدن.
وروى أبو بكر النيسابوري بإسناده عن ابن عمرو: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (أيما رجل ابتاع من رجل بيعة فإن كل واحدٍ منهما بالخيار حتى يتفرقا من مكانهما).
وهذا نص في فرقة الأبدان.

وفي حديث عمرو بن شعيب: (ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله).
وهذا لا يحتمل المفارقة بالقول؛ لأنه تجوز له المفارقة بالقول.
ولأن ابن عمر حمل الافتراق على الأبدان، وكذلك أبو برزة من الوجه الذي ذكرنا.
فأما قوله تعالى: ﴿ومَا تَفَرَّقَ الَذينَ أُوتُوا الكِتَابَ﴾ [البينة: 4]، فلا يمتنع أن يكون المراد به الأبدان؛ لأنهم لما اختلفت اعتقاداتهم افترقوا بأبدانهم، واجتمع كل فريق منهم، وفارقوا مخالفيهم، ولو كان المراد به الافتراق بالأقوال فهو مجاز.
وكذلك قوله: افترق الناس على كذا، ويراد به الأقوال على طريق المجاز، والحقيقة ما ذكرنا من أن التفرق هو تباعد الأجسام، والاجتماع تقاربها.
وأما قوله: (ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله)، فقد جعلناه حجة لنا من جهة أنه لو كان المراد به الأقوال لم يمنعه من التفرق خشية الإقالة؛ لأنه يجوز له ذلك بالأقوال، فعلم أن المراد به الأبدان.
وقولهم: (إن الإقالة لا تكون إلا في البيع الذي لا خيار فيه لواحد منهما، فأما الذي فيه الخيار، فلا يحتاج فيه إلى إقالة) فغير صحيح؛ لأن

فسخ العقد بالخيار استقالة في المبيع لا بالخيار.
على أن المراد بهذا: أنه لا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يفاسخه بما يثبت له من خيار المجلس، فعبر عن الفسخ بالاستقالة؛ لأن الإقالة فسخ.
الدليل على ذلك شيئان: أحدهما: أنه ذكر في الخبر أمرًا يقتضي أن تنقطع الإقالة بالتفرق، والإقالة لا تفوت بالتفرق.
والثاني: أنه نهى عن المفارقة خوف الاستقالة، وحرم ذلك، والتفرق خوف الاستقالة غير محرم؛ لأن الإقالة غير واجبة، وإنما المنهي عنه هو المفارقة عن المجلس خوف الفسخ لحق الخيار؛ لأنه منهي عن أن يفارق صاحبه بغير إذنه ورضائه؛ ليلزم العقد بذلك، فثبت أن المراد به ما ذكرنا.
ووجه آخر من الاحتجاج بالخبر، وهو: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار).
والمراد به: البيع الذي قطع الخيار فيه؛ لأن الاستثناء ضد المستثنى منه، والمستثنى منه هو إثبات الخيار، وكان الاستثناء ضده، وهو قطع الخيار، وإذا ثبت أن المراد بذلك قطع الخيار، ثبت أن الخيار ثابت لهما بعد التبايع إلى أن يقطعاه.

فإن قيل: المتبايع اسم الفاعل، وقوله: (إلا بيع الخيار) مصدر، ولم يتقدم ذكر مصدر حتى يخرج بعضه بالاستثناء، فكان هذا الاستثناء منقطعًا؛ بمعنى: لكن، فلا يلزم أن يكون إثباتًا من نفي، أو نفيًا من إثبات؛ لأن هذا يكون في الاستثناء الصحيح، فأما المنقطع فالذي يلزم فيه: أن يخالف الأول ضربًا من الخلاف، فتقدير الخلاف: كل متبايعين؛ أي: كل متشاغلين بالبيع، فلا بيع بينهما حتى يفترقا، لكن بيع الخيار -وإن افترقا- لم يتم البيع بينهما.
فنكون قد أثبتنا الخلاف من وجه، وحملنا قوله: (إلا بيع الخيار) على البيع المشروط فيه الخيار، وهذا هو المفهوم من الخيار في الشرع.
قيل له: أما قولك: (إن المتبايع اسم الفاعل) فصحيح، إلا أنه يتضمن وجود الفعل منهما حتى يتصفا به، وإنما يحصل ذلك بالإيجاب والقبول.
وقولك: (إلا) مصدر، فلا يضر؛ لأن موضوعها في اللغة الاستثناء، فالظاهر يقتضي أن له الخيار إلا أن يشترطا قطعه؛ لأنه استثناء من إثبات، فكان نفيًا.

وقولهم: (نحمله على الاستثناء المنقطع) لا يمكن؛ لأن (إلا) موضوعة للاستثناء الحقيقي.
على أنه لو حمل على المنقطع لم يضر؛ لأنه لابد من حصول الخلاف بين [المستثنى و] المستثنى منه.
وقولهم: إنه قد يحصل ضرب من الخلاف، فإنما يحصل ذلك على ما قالوه من المتساومين، وقد بينا فساد ذلك، وأنه لا يمكن حمله على المتساومين.
وأما حمله على خيار الشرط فلا يصح؛ لما بينا، وهو: أن الاستثناء ضد المستثنى منه، والمستثنى منه إثبات الخيار، فكان الاستثناء ضده، وهو قطع الخيار، وعلى ما ذكروه يكون استثناء إثبات الخيار من إثباته، وهذا لا يصح.
فإن قيل: قوله: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) غاية، ومن حكم الغاية أن يكون ما بعدها بخلاف ما قبلها، فصار كالمنطوق.
ولأنه قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، فيتم البيع بينهما إلا بيع الخيار؛ فإنهما- وإن تفرقا- لم يتم البيع بينهما.
قيل له: حكم الغاية إنما يستفاد من الدليل، لا باللفظ، والاستثناء يعود إلى اللفظ دون ما يستفاد منه.
وهذه الطريقة إنما تصح على الرواية التي تحمل قوله: (إلا بيع

الخيار) على قطع الخيار، فأما على الرواية الأخرى التي تحمل (إلا) بمعنى الواو، وأن قوله: (إلا بيع الخيار)؛ معناه: وبيع الخيار، فلا تصح هذه الطريقة، ويكون الاحتجاج بالطريقة الأولى من الخبر.
والقياس: أنه عقد يقصد به تمليك المال، فلا يلزم بالإيجاب والقبول.
دليله: الهبة.
فإن قيل: الهبة عقد تبرع، وهي أضعف في إيجاب الملك من البيع بدليل: وقوف الملك فيهما على القبض.
قيل له: فالصرف والسلم أضعف من البيع بدليل: أن لزومهما يقف على القبض، ومع هذا لا خيار فيهما عندك.
ولأن قبول المشتري هو قول أحد المتبايعين، فوجب أن يتعقبه الخيار.
أصله: إيجاب البائع؛ لأنه إذا قال: بعتك كذا؛ فإنه بالخيار؛ إن شاء قال: رجعت فيه وفسخته، وإن شاء أقام.
وإن شئت قلت: أحد طرفي البيع، فوجب أن يتعقبه الخيار.
دليله: ما ذكرنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يوجد العقد، وليس كذلك هاهنا؛ لأن العقد قد وجد، فجاز أن يلزم.

قيل له: فالهبة إذا وجد فيها الإيجاب والقبول، فقد وجد العقد، ولا يلزم.
ولأنه إن لزم فهو في حكم ما لم يلزم بدليل: أنها حالة، كقبض رأس مال السلم، وعوض الصرف.
ولأن عقيب العقد زمان يصح قبض رأس مال السلم فيه، أو قبض عوضي الصرف، فوجب أن يثبت فيه الخيار.
دليله: عقيب الإيجاب.
فإن قيل: عقيب الإيجاب لسي بزمان لقبض رأس مال السلم والصرف؛ لأن العقد لم يوجد، فيقبض عوضه.
قيل: لم نقل: (زمان يجب قبض رأس المال فيه) حتى تحصل الممانعة، وإنما قلنا: (يصح) وهذا مسلم.
وعلى أنه إن لو يوجد كمالة فقد وجد طرفه، فجاز أن يجعل في هذا الحكم بمنزلة وجوده، ألا ترى أن من باع شيئًا بشرط رهن أو ضمين صح، ولم يجز أن يقال: (إن الرهن والضمين لا يصح في هذه الحالة؛ لأنها وثائق، فيجب أن يتوثق بها بعد ثبوت الحق)، كذلك هاهنا.
ولأن البيع نوع معاوضة محضة، فوجب أن يلحقها الفسخ مع

جارٍ التحميل