ثم لا يجوز أن يقال: الوطء يحصل في ملك الغير، فلا يخلو من إيجاب حد، أو مهر، وإذا لم يجب واحد منهما لم يجز الرجوع فيها، كذلك هاهنا.
واحتج بأن الوطء معنى يوجب المهر، فإذا وجد من المشتري في الجارية المشتراة منع الرد، كالعقد.
ولأنه معنى تصير به المرأة فراشًا، فهو كعقد النكاح.
والجواب: أن قولهم: (يوجب المهر، وتصير به فراشًا) لا تأثير له؛ لأنه لو أفضاها بإصبعه، أو زنت؛ فإنه يمنع الرد عندهم، وإن لم يوجد المعنى الذي قالوه.
وعلى أن التزويج قد توقف عنه أحمد في رواية مهنا: وقد سأله عن رجل اشترى جارية، فزوجها، ثم ظهر على عيب، فأعرض عنه، ولم يخبره بقوله، وقال: قد اختلفوا.
ويجب أن يكون تحصيل المذهب في تزويجها: أنه يجري مجرى عيبٍ حدث عنده؛ لأنه قد قال في رواية حنبل: إذا اشترى جارية، فوجدها مزوَّجة: أنه يملك الرد، وهو عيب.
وإذا ثبت أنه يجري مجرى عيبٍ حدث عند المشتري، فالعيب الحادث لا يمنع الرد على ما نبينه في ما بعد.
واحتج بأنها لو زنت لم يجز ردها بالعيب؛ لأن الزنا عيب في الجارية يوجب نقصان الثمن في العادة، وكذلك وطء المشتري.
والجواب: أنا قد بينا: أن وطء المشتري ليس بنقصٍ لها.
وعلى أن زنا الأمة لا يمنع ردها بالعيب.
نص عليه في رواية مهنا، وقد ذكرناه في أول المسألة، وجملته: أنه يجري مجرى عيبٍ حدث عنده، وذلك لا يمنع الرد مع الأرش.
فصل:
والدلالة على أن وطء البكر لا يمنع الرد- أيضًا- خلافًا للشافعي: أنه وطء وجد بعد ثبوت سبب الفسخ، فاستوى فيه البكر والثيب.
دليله: إذا ابتاع أمة بشرط الخيار، فوطئها؛ فإن خياره يبطل؛ بكرًا كانت، أو ثيبًا.
يجب أن لا يبطل حق الفسخ هاهنا في البكر، كما لم يبطل في الثيب.
ولأنه فسخ عقد لا يمنع منه وطء الثيب، فلا يمنع منه وطء البكر.
دليله: الرجوع في الهبة والنكاح.
وكل وطء لا يمنع خيار الرجوع في الهبة والنكاح لا يمنع الرد بالعيب.
دليله: وطء الثيب.
ولأنه لو استخدمها لم يمنع الرد، كذلك إذا وطئها.
دليله: الثيب.
فإن قيل: وطء الثيب لا يوجب إتلاف جزء منها، فلهذا لم يمنع
الرد، وليس كذلك البكر؛ لأن وطأها يوجب إتلاف جزء منها، فلهذا منع الرد، كالجناية.
قيل: علة الأصل تبطل إذا عرضها على البيع، أو رضيها، أو زنت، وهي ثيب؛ فإن ذلك لا يوجب إتلاف جزء منها، ومع هذا يمنع الرد.
وأما علة الفرع فتبطل بحلب لبن المصراة، وقطع ما مأكوله في جوفه؛ فإنه لا يمنع الرد، وإن كان إتلافًا.
وكذلك الإجارة إذا مضى بعض المدة، ثم ظهر على عيب، ملك الفسخ، وإن كان قد تلف بعض المدة المعقودة عليها.
وكذلك فسخ النكاح بالعيب بعد وطء البكر يصح، وإن كان بعد إتلاف جزء منها.
ولا معنى لقولهم: (إن حل لبن المصراة، وقطع ما مأكوله في جوفه مما يختبر به المبيع)؛ لأن ذهاب البكارة مما يتوصل به إلى الوطء.
وعلى أنه لو كان كذلك لتقدر بمدة كخيار الشرط؛ لما كان لاختبار المبيع تقدر عندهم بالثلاث، فلما لم يتقدر لم يكن علته ما قالوه.
ونبني المسألة على أصل، و [هو] أن إتلاف جزء من المبيع لا يمنع الرد بالعيب، وكذلك حدوث عيب عنده، والجناية على جزء منه، كذلك ذهاب البكارة ليس فيه أكثر من ذلك، فلم يمنع الرد.
وبنى المخالف هذا الفصل على هذا الأصل، ويأتي الكلام عليه.
327 -
مسألة
إذا تصرف المشتري في المبيع أن كان ثوبًا فقطعه، أو حدث به عنده عيب، أو جنى عليه جنايةً، ثم ظهر على عيبٍ كان عند البائع، فهو بالخيار:
إن شاء رد مع أرش النقص الحادث، ويأخذ الثمن.
وإن شاء أمسك، ورجع بأرش العي الذي كان عند البائع.
في أصح الروايتين:
نص عليه في مواضع:
فقال في رواية حرب ويعقو بن ختان وأبي طالب ومهنا وإبراهيم بن هانئ وأبي الحارث: إذا اشترى ثوبًا فقطعه، ثم ظهر به على عي، فهو مخير؛ فإن رده رد نقصان ما حدث فيه، وإن حبسه رجع لى البائع قدر نقصان العيب.
وقال في رواية بكر بن محمد، عن أبيه، عنه: إذا اشترى سلعة، فوجد بها عيبًا، وحدث عنده عيب آخر، فالمشتري بالخيار؛ إن شاء أن يرد السلعة، ويعطي أرش ما حدث عنده من العيب، وإن شاء أن يأخذ أرش العيب الذي دلس.
وقال في رواية حنبل: وذكر له قول الحكم في الغلام يبتاعه، وبه داء لم يتبينه، ثم يحدث، فتقطع يده: يرده أقطعًا، ويأخذ دراهمه، فقال أحمد: أذهب إلى قول الحكم.
وهو اختيار الخرقي، وبه قال مالك.
أومأ إليه في رواية الأثرم ومحمد بن الحسن بن هارون في الرجل يشتري الثوب فيقطعه، أو يصنعه، ثم يجد به عوارًا: فله ما بين العيب والصحة.
وقد خرجها أبو بكر على روايتين كالوطء، واختار أن له الأرش.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وجه الرواية الأولى: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المصراة: (إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمرٍ).
ولم يفرق بين أن يحدث عنده، أو لا يحدث.
وروى الخلال في (العلل) بإسناده عن ابن سيرين، عن عثمان في رجل اشترى ثوبًا، فلبسه، ثم رأى به عيبًا: يرده وما نقصه.
وأيضًا فإن أصاب عيبًا لم يقف على محله، فملك الرد.
دليله: إذا لم يتلف جزء منه.
ولا يلزم عليه إذا تلف المبيع، أو باعه، أو أبرأه المشتري منه بعد العلم به؛ لأنه يستوي فيه الأصل والفرع.
ولأنه خيار لا تمنع منه الخدمة، فلا يمنع منه إتلاف جزء.
دليله: خيار الشرط وخيار الهبة.
فإن قيل: الخدمة لا توجب إتلاف جزء من المبيع، وهذا يوجب إتلاف جزء منه.
قيل: حلب لبن المصراة، وقطع ما مأكوله في جوفه، وقطع يد العبد في يد المشتري بجناية سابقة في يد البائع، يوجب إتلاف جزء منه، ومع هذا لا يمنع الرد، وكذلك الإجارة إذا ذهبت بعض المدة، وظهر على عيب.
فإن قيل: خيار الشرط والهبة يرجع المبيع إليه والهبة باختياره، فلهذا لم يمنع منه إتلاف جزء، وهاهنا يرجع إليه بغير اختياره.
قيل: المصراة، وما مأكوله في جوفه، والعبد الجاني يرجع إليه بغير اختياره، ومع هذا لا يمنع ذلك الرد.
وأيضًا فإن إتلاف جزء من المبيع لا يمنع الرد.
دليله: حلب لبن المصراة، وقطع ما مأكوله في جوفه، لا يمنع الرد عند الشافعي.
وقطع يد العبد الجاني في يد المشتري لا يمنع الرد عند أبي حنيفة.
وكذلك حدوث النماء في يد المشتري، ثم ظهر على عيب،
لا يمنعه ذلك من الرد عند أبي حنيفة، وإن كان ذلك النماء موجب بالعقد.
فإن قيل: المعنى في حلب لبن المصراة، وقطع ما مأكوله في جوفه: أنه مما يختبر هـ المبيع، فلهذا لم يمنع الرد.
قيل: لو كان لهذه العلة لتقدر بمدة؛ كخيار الشرط؛ لما كان لاختار المبيع تقدر عندهم بالثلاث، فلما لم يتقدر لم يكن لهذه العلة.
وعلى أن هذا يبطل بتلف بعض المنفعة المعقود عليها؛ فإن ذلك لا يمنع الرد، وإن لم يكن للاختبار.
فإن قيل: النقصان الحادث بقطع يد العبد كان بسبب في يد البائع.
قيل له: وطء الزوج لها إذا كانت بكرًا مستحق بسببٍ سابق في يد البائع، وعندهم يمنع الرد.
ولأن أكثر ما في ذلك أنه يرد بعض المبيع، وهذا لا يمنع الرد بدليل: أنه لو اشترى عبدين، فوجد بأحدهما عيبًا، كان له رد المعيب، وإمساك الصحيح في أصح الروايتين لنا، وأصح القولين لهم.
وكذلك لو مات أحد العبدين، ووجد بالآخر عيبًا، كذلك هاهنا.
وطريقة أخرى مليحة، وهو: أن كل عقد جاز فسخه العيب- إذا كان المعقود عليه سليمًا- جاز فسخه بالعيب، وإن تلف بعضه، كالإجارة؛ إذا ظهر على عيب في الدار المستأجرة، وقد مضى أيام من المدة، ملك الفسخ، وإن كان قد تلف بعض المعقود عليه، كذلك هاهنا.
ولأن ما أوجب الرجوع الثمن إذا لم يحدث عيب عند المشتري، أو إذا لم يتلف جزء، أوجبه، وإن حدث وتلف.
أصله: استحقاق المبيع.
ولأن إتلاف بعض المبيع لا يمنع من الفسخ بالعيب، وهو: إذا ابتاع عبدًا بجارية، وتقابضا، وماتت الجارية، ثم ظهر على عيب في العبد، كان له الفسخ في العبد، ويكون فسخًا في الجارية التالفة والعبد، كذا هذا.
وطريقة أخرى، وهو: أن البائع أولى بالحمل عليه من المشتري؛ لأنه لا يخلو:
إما إن يكون علم بالعيب، فقد دلس، ودخل على أن المبيع مردود عليه.
أو يكون لم يعلم بذلك تفريطًا منه وتقصيرًا.
فلم يلزم المشتري منه شيء، وكان البائع أولى بالحمل عليه.
ولا يجوز أن يقال: إن المشتري فرط بترك التأمل؛ لأنه لو كان مفرطًا لسقط حقه من الرد.
واحتج المخالف بأنه لو حدث النقص بالمبيع قبل القبض لم يجبر
المشتري على أخذ السلعة معه؛ لأن النقص حصل بالمبيع في حالةٍ هو مضمون فيها على البائع، كذلك إذا حدث بالمبيع النقص في يد المشتري وجب أن لا يجبر البائع على أخذ المبيع مع ذلك النقص؛ لأنه حدث بالمبيع، وهو مضمون على المشتري.
والجواب: أن البائع لو حلب اللبن، وقطع ما مأكوله في جوفه، لم يجبر المشتري على قبوله على قول المخالف، ولو حدث في يد المشتري أجبر البائع على قبوله.
وكذلك لو قطعت يد العبد في يد البائع لم يجبر المبتاع على قبوله، ولو قطعت في يد المبتاع بجناية سابقة أجبر البائع على قبوله.
ولأنا قد بينا: أن البائع أولى بالحمل عليه من المبتاع، فلهذا كان حدوثه في يد البائع يمنع قبوله، وحدوثه في يد المبتاع لا يمنع الرد.
واحتج بأن الرد بالعيب إنما وضع لإزالة الضرر، وفي رده على البائع بعيبٍ إلحاق ضرر به، والضرر لا يزال بالضرر.
والجواب: أنا قد بينا: أن البائع أولى بالحمل عليه من المبتاع.
ولأن هذا المعنى يبطل بحلب لبن المصراة، وقطع ما مأكوله في جوفه، وقطع يد العبد، وتلف بعض المنفعة المستأجرة؛ فإن في ذلك ضررًا على البائع والمؤجر، ومع هذا لم يمنع ذلك من الرد.
فإن قيل: إلحاقه بالمشتري أولى؛ لأن فيه سلامة للعقد، وحفظًا
له، وإذا ألحقناه بالبائع كان فيه فسخ للعقد، وإبطال له، وما عاد بسلامة العقد وحفظه فهو أولى.
ولهذا نقول: إذا ضربت المدة للعنين، فقال: قد أصبتها، وأنكرت، فإن القول قول الزوج حفظًا للعقد، وسلامة له، كذلك هاهنا.
قيل: فيجب أن يسقط حق الرد جملةً؛ لأن فيه سلامة العقد، ويرجع بالأرش.
ويجب- أيضًا- أن يسقط حقه من الرد في المصراة، وما مأكوله في جوفه، وفي الإجارة؛ للمعنى الذي ذكرت، ولما لم يقل هناك، كذلك هاهنا.
ولا يشبه هذا ما ذكروه من اختلافهما في الإصابة: أن القول قول الزوج؛ لأن المرأة تدعي معنى ترفع به العقد، فلم تقبل دعواها.
فإن قيل: ففي إثبات الرد بعد التصرف إثبات ضرر على البائع من وجه آخر، وذلك أنكم تقولون: إذا كان البائع قد دلس العيب، فتصرف المشتري، ملك الرد، ولا يغرم الأرش.
قيل: للغرور والتدليس تأثير في إسقاط الضمان بدليل: المغرور في النكاح، يرجع بالمهر على من غره، ويرجع بقيمة الأولاد، فالرجوع
بقيمة الأولاد قولًا واحدًا، والمهر على قولين، كذلك هاهنا، وإثبات الرجوع يفضي إلى أن تنفك جنايته عن أرش.
ولأنه تدليس بعيب، فأثر في إسقاط ما كان يجب من غير تدليس.
دليله: إذا غرت المرأة من نفسها بالعيوب، ثم فسخ الزوج النكاح قبل الدخول؛ فإنه يسقط نصف المهر الذي كان يستحق بالطلاق.
فإن قيل: إنما سقط؛ لأنه لم يتلف عليها شيئًا من المنافع.
قيل: هذا يبطل بالطلاق قبل الدخول؛ فإنه لم يتلف عليها شيئًا، ومع هذا يرجع بنصف الصداق، فما كان يمنع أن يرجع هاهنا.
ولما قلت: يسقط؛ لأن سبب الفسخ جاء من جهتها، كذلك هاهنا، جاز أن يسقط؛ لأن سبب الإسقاط جاء من جهته، وهو التدليس.
فإن قيل: التدليس لا يسقط الرجوع بالعوض بدليل لبن المصراة يضمنه بالصاع، وإن كان ذلك عن تدليس.
قيل: فرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن هناك حصل له عوض، وهو اللبن، وهاهنا ما حصل له عوض، وفرق بينهما.
[....] أنهم قالوا: يرجع بقيمة الأولاد قولًا واحدًا، وفي المهر على قولين؛ لأنه قد حصل عوض، وهو الوطء.
وجواب آخر، وهو: أن الضمان هناك [ثبت] بالشرع على وجه يخالف الأصول، وهو التقدير بالصاع، فلا يقاس عليه، كما لا يقاس جنين الأمة على جنين الحرة إذا سقط ميتًا، بل وجب الضمان هناك ما نقصت الأم، ولم يجب ضمان الجنين.
وكذلك لو اطلع إلى دار غيره، فقلعت عينه، لم تضمن، ولو دخل الدار بجملته ضمنت عينه.
...
328 -
مسألة
إذا اشترى شيئًا مأكولًا في جوفه، كالجوز واللوز والبيض والرمان والبطيخ، فكسره، فوجده فاسدًا، فنقل ابن منصور: له الرد، وأخذ الثمن:
ونقل بكر بن محمد: ليس له الرد، ولا المطالبة بالأرش.
وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة: ليس له الرد، وله الأرش.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل قول أبي حنيفة.
والثاني: له الرد.
فالدلالة على أن له الرد: ما تقدم من المسألة التي قبلها.
ومن منع من الرد فوجهه ما تقدم.
ومن أسقط حقه من الرد والأرش فوجهه أن لم يكن من البائع تفريط؛ لأنه ما كان يمكنه اختبار المبيع إلا بفساده، وهذا فاسد؛ لأنه يلزم عليه العيوب الباطنة من الحيوان، لا يمكنه اختبار المبيع إلا بفساده، ومع هذا يملك الرد، أو الأرش.
ولأنه مبيع ظهر به عيب قبل العقد، فملك الرد، كسائر المبيع.
...
329 -
مسألة
إذا اطلع المشتري على العيب، فطالب بأخذ الأرش مع إمكان الرد، جاز:
نص عليه في رواية المروذي وأبي الحارث وأبي طالب وابن القاسم وبكر بن محمد.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: ليس له ذلك.
دليلنا: أنه أصاب بالمبيع عيبًا كان في يد البائع، لم يقف على محله، فجاز أن يثبت له الأرش.
دليله: إذا حدث به عيب عند المبتاع.
ولا يلزم عليه إذا تلف المبيع في يد المشتري، أو باعه، أو أبرأه من العيب؛ لأنه ثبت له الأرش هناك وسقط.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه تعذر رد العين، فلهذا ملك المطالبة بالأرش، وهاهنا لم يتعذر.
قيل: لا نسلم هذا في الأصل؛ لأن له الرد، وقد حكينا ذلك فيما تقدم.
ولأنه لما كان [له] الفسخ في الكل، وأخذ جميع الثمن، كان له ذلك في النقص، كما لو ابتاع عبدين، فوجد بأحدهما عيبًا، كان بالخيار بين الفسخ في الجميع وأخذ الثمن، وبين الفسخ بالمعيب وإمساك الصحيح على الصحيح من الروايتين لنا، وأحد القولين للشافعي، وعند أبي حنيفة أيضًا، كذلك هاهنا.
ولأن خيار الرد بالعيب يؤول إلى مال، [....] الرد، كما أن خيار القصاص [....] أن ولي المجني عليه بالخيار بين القصاص، أو أخذ الدية، كذلك في العيب.
ولأن العيب فوات جزء استحق تسليمه بعقد البيع، فملك المطالبة بقيمته.
دليله: لو بان أن بعضه مستحقًا؛ فإن للمبتاع إمساك الباقي، والمطالبة بقيمة المستحق، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأن البائع دخل على أن يخرج هذه العين وحدها بالثمن، فلا يلزمه أكثر منها.
والجواب: أنه دخل على أن يخرج هذه سليمة بالثمن، فلم تخرج سليمة، فلهذا لم يستحق كمال الثمن.
واحتج بأنه لو ابتاع عبدًا على أنه كاتب، أو خباز، فبان بخلاف ذلك؛ أنه لا يملك المطالبة بالأرش، بل يكون مخيرًا بين الفسخ وأخذ الثمن، وبين الإمساك بالثمن، فكذلك في العيب.
والجواب: أنا نقول له: من أين قلت هذا؟ وما أنكرت على من قال: إن له المطالبة بالأرش، كالعيب؟!
فإن قيل: فما تقولون في من اشترى ثوبًا على أنه عشرة أذرع، فبان تسعة؟
قيل له: نقول فيه مثل ما قلنا في العيب: هو الخيار بين فسخ العقد وأخذ الثمن، وبين إمساكه والمطالبة بقيمة الذراع.
نص عليه أحمد في موضعين:
أحدهما: ما نقله أبو حفص العكبري في رواية الحسن بن محمد ابن الحسن: وقد سئل ن رجل اشترى ثوبًا على أنه اثنا عشر ذراعًا، فإذا هو أحد عشر ذراعًا: فهو الخيار؛ إن شاء رده، وإن شاء أخذه،
وله ثمن ذراع.
وروى ابن مشيشٍ عنه في رجل اشترى ألف بطن قصبٍ، فعده، فإذا هو تسعمئه: يأخذ من الثمن بقدر القصب، وكذلك من الطعام.
ونقل ابن منصور عنه: وذكر له قول سفيان: إذا اشترى مئة ثوب، فوجدها تسعين، فالمشتري بالخيار، ولو زادت على مئة، فالبيع مردود.
قال أحمد: كما قال.
فقد جعل له الخيار في النقصان، وأما في الزيادة فقد نقل عنه: أن البيع مردود.
ونقل عنه في موضع آخر: الزيادة للبائع، وهذا يمنع البطلان.
ففي الجملة قد نص على [أن نقصان] المبيع في القدر يجري مجرى نقصانه بالعيب، وأن المشتري [مخير بين الفسخ] وبين الإمضاء والمطالبة بقيمة الجزء الناقص، كالعيب سواء.
[....] تزوج امرأة على ألف ذراع، فإذا هي سعمئة: هي....
بمنزلة قوله: أكلت رغيفًا ورغيفًا.
وقياس آخر، وهو: أنه بيع في أحد طرفيه عاقدان، فجاز تبعيضه في الرد بالعيب.
ونقول: فلم نعتبر أحدهما في الرد بحكم الآخر.
دليله: لو باع رجلان من رجل عبدًا، فيكون البائع اثنين، والمشتري واحدًا؛ فإنه يجوز له رده على أحدهما دون الآخر.
فإن قيل: إذا كان البائع اثنين، فرد على أحدهما لم يلحق به ضرر؛ لأنه يرد عليه جميع ما ملكه منه، وإذا كان البائع واحدًا، والمشتري اثنين، فأراد أحدهما الرد، بعَّض عليه الصفقة، والملك زال عنه مجتمعًا، وفي تبعيضه ضرر، فلم يكن له ذلك.
قيل له: البائع هو المبعِّض الملك على نفسه؛ لأنه لما أزال الملك إلى رجلين، علم أن النصف يزول إلى كل واحد منهما، فرضي بتفريق الملك، وإدخال الضرر على نفسه، فإذا رد أحد المشتريين ما حصل له لم يكن ذلك تبعيضًا منه، بل البائع هو المبعض.
وعلى أن هذا يبطل إذا ابتاع شيئين من رجل، فوجد بأحدهما عيبًا، كان له رد المعيب، وإمساك الصحيح، وفي هذا تبعيض الصفقة.
ونبني المسألة على أصل، وهو: أن بيع الواحد من اثنين في حكم العقدين المنفردين.
ويدل عليه ما تقدم، وهو: أنه بيع اجتمع في أحد طرفيه عاقدان، وكان واقعًا على صفقتين، كما لو كان البائع والمشتري اثنين.
ولأن حكم كل واحد منهما حكم المنفرد بدليل: أنه ينتقل إليه ملك نصفه، ويلزمه ثمن نصفه، ويدخل نصفه في ضمانه، فلو خرج العبد مستحقًا رجع بنصف الثمن، ولو كان المبيع شقصًا كان للشفيع أن يأخذ من أحدهما، فلما كان في حكم الملك والثمن والضمان والاستحقاق والشفعة كالمنفرد، وجب أن يكون في الرد بالعيب مثله.
فإن قيل: إنما جاز أن يأخذ الشفعة من أحدهما؛ لأنه ليس فيه تفريق الصفقة على أحد.
قيل: قد أجبنا عن هذا السؤال فيما تقدم.
فإن قيل: لو كان في حكم الصفقتين لوجب إذا كان المبيع عبدًا، فقبل أحدهما نصفه بنصف الثمن، ورد الآخر، أن يصح.
قيل له: يصح؛ لأنه قبل جميع ما أوجب له.
فإن قيل: فلو باع عبدين من رجلين بألف، فقبل أحدهما أحد العبدين بنصف الثمن، لم يجز، كذلك إذا كان العبد واحدًا، وجب أن لا يجوز قبول أحدهما بنصف العبد.
قيل: إنما لم يصح أن يقبل أحد العبدين؛ لأن البائع لم يوجب له أحدهما، وإنما أوجب له النصف من كل واحد منهما، ونصف الثمن
لا يقابل أحدهما؛ لأنه ينقسم على قدر قيمتها، فإذا قبل أحدهما بنصف الثمن لم يكن القبول موافقًا للإيجاب، فلم يصح.
وليس كذلك إذا باع عبدًا من رجلين، فقبل أحدهما نصفه بنصف الثمن؛ فإنه يصح؛ لأن قبوله موافق لما يقتضيه الإيجاب.
فإن قيل: لو كان في حكم العقد، لوجب إذا باع عبدًا من رجلين، فأحضر أحدهما ثمن نصيبه، وطالب بتسليم العبد إليه، أن يجبر على تسليمه.
قيل: يجبر على تسليمه إليه، وهذه مسألة يأتي الكلام عليها.
واحتج المخالف بأن العبد خرج من ملك البائع صفقة واحدة غير معيب بالشركة، فلا يجوز رد بعضه إلى ملكه معيبًا بالشركة إلا برضاه، كما لو كان المشتري واحدًا، ووجد به عيبًا، لم يجز له أن يرد بعضه لهذه العلة، والشركة عيب عند التجار ينقص الثمن لأجلها، فإذا كان مشتركًا فقيمته أنقص عند التجار منه إذا كان لواحد.
والجواب: أن البائع هو الذي بعض الملك على نفسه حيث باعه من نفسين؛ لأنه يعلم أن الذي يزول إليهما مبعض، إلا أن هناك يزول مبعضًا في وقتين، وهاهنا في وقت واحد.
ثم نقول: إذا كان المشتري واحدًا ملك الشيء بجهة واحدة، فلم
يكن له رد البعض؛ لأن عقد البيع في الأصل لم يضمن التفريق، فأما المشتريان فالملك يفرق عليهما بأصل العقد.
...
330 -
مسألة
إذا اشترى عبدين، أو ثوبين، فوجد بأحدهما عيبًا، كان له رده دون الصحيح في إحدى الروايتين:
نص عليها في رواية الجماعة؛ صالح وأبي الحارث وابن منصور وأبي طالب وحرب:
فنقل صالح وأبو الحارث عنه في الرجل يشتري العبدين صفقة واحدة بثمن واحد، فيجد بأحدهما عيبًا: يرده بحصته من الثمن، فإن وجد أحدهما حرًا يرجع بقيمته من الثمن.
وكذلك نقل ابن منصور في من اتاع رقيقين جملة، فإذا في أحدهما عيب: يرد المعيب بالقيمة.
وكذلك نقل أبو طالب في من اشترى وسادتين، فكان في إحداهما [عيب]: فإن شاء المشتري رد التي بها العيب بقيمتها، وإن شاء أخذ قيمة العيب، وليس له أن يرد شيئًا صحيحًا.
وكذلك نقل حرب عنه في رجل اشترى المشاع، فوجد ببعضه
عيبًا: فليس له أن ينقض البيع إلا فيما فيه العيب.
وفيه رواية أخرى: ليس له رد أحد الثوبين والعبدين؛ فإما أن يردهما، أو يمسكهما ويأخذ الأرش.
نص عليه في رواية ابن القاسم: إذا [....] ثوبين [....] أحدهما دون الآخر، قال: ولا يشبه هذا إذا [....].
ونقل أبو طالب في موضع آخر في رجل اشترى ثوبين، فظهر بأحدهما عيب: فإن كان يعرف سعر كل واحد رده، وحبس الصحيح، وإن لم يعرف، واشترهما صفقة واحدة، لم يرد، وأخذ أرش العيب.
وهو اختيار أبي بكر.
فأما إن كان المبيع ينقص بالتفريق، كزوج خف، ومصراعي باب، فوجد بأحدهما عيبًا، فليس له إلا ردهما، أو إمساكهما.
نص عليه في رواية ابن منصور وحنبل:
فقال في رواية ابن منصور: وذكر له قول سفيان: إذا اشترى زوج نعال، أو مصراعين، فقبضهما، ثم ادعى بأحدهما عيبًا، أخذهما جميعًا، أو ردهما جميعًا، قال أحمد: ما أحسنه!
وكذلك نقل حنبل: إذا اشترى خفين، فوجد بأحدهما عيبًا: يردهما
جميعًا، أو يحبسهما جميعًا.
وللشافعي قولان، كالروايتين.
وقال أبو حنيفة في العبدين إذا قبضهما، ثم وجد بأحدهما عيبًا: كان له رده دون الصحيح، وإن كان قبل القبض: كان له ردهما، أو إمساكهما.
وإن اشترى مكيلًا، أو موزونًا، فوجد بعضه عيبًا بعد القبض؛ فإن كان في وعاء واحد، فليس له رد بعضه.
وإن كان في أوعية، فوجد بأحدهما، فهو كالثياب.
وجه الأولى: أنه يملك رد المعيب في الجملة قبل القبض، وبعده في المكيل والموزون، وفي غيرهما إن ثبت الرد، وإن ثبت الخيار خاصًا بأحدهما، فله رده دون الآخر.
دليله: إذا اشترى عبدين، وشرط الخيار في أحدهما، وثبت العقد في الآخر.
ولا تلزم عليه الخفاف؛ لأن العيب بأحدهما عيب بهما؛ لأنه يحصل معيبًا التفريق.
فإن قيل: ذكر ابن القاضي في (التلخيص): أن فيها قولين:
أحدهما: أن البيع يفسد بهذا الشرط بناءً على تفريق الصفقة، وأنها لا تفرق، وأنها متى فسدت الصفقة في أحدهما فسدت في الآخر.
قيل: قد رد عليه بعض أصحابكم، وقال: هذا غير صحيح، وقال: يجب أن يكون البيع صحيحًا فيهما، ويرد أحدهما، ويمضي الصفقة.
واحتج في ذلك بأن تبعيضها بعد صحتها يجوز برضا البائع، وإذا شرط الخيار في أحدهما فقد رضي بالتبعيض، وليس كذلك في الرد بالعيب؛ فإنه لم يوجد فيه ما دل على الرضا بتبعيض الصفقة، فلم يجز تبعيضها عليه.
فإن قيل: فرق أصحابكم بين تلك المسألة، وبين مسألتنا.
قيل له: تدليسه بالعيب في أحدهما تبعيض الصفقة عليه؛ لأنه على هذا دخل.
وأيضًا فإن العي خاص أحدهما، فله أن يفرد المعيب بالرد، كما لو كان البائع [....].
ولا تلزم عليه الخفاف؛ لأن العيب بأحدهما عيب بهما.
فإن قيل: المعنى هناك: أنه لا يؤدي إلى تفريق الصفقة؛ لأن هناك عقدان، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه يؤدي إلى تفريق الصفقة؛ لأن الصفقة واحدة.
قيل له: تدليسه بالعيب تبعيض لها.
وعلى أن هذا يبطل إذا باع عبدين على أن الخيار في أحدهما، فالصفقة واحدة، وتتبعض.
وإن شئت قلت: رد أحد العبدين بالعيب لا يؤدي إلى إلزام نقص، فصار كالرد على أحد البائعين.
ويخص أبو حنيفة قبل القبض بأن العيب خاص أحدهما، فله أن يفرده بالرد.
دليله: بعد القبض.
فإن قيل: قبل القبض لم يتم العقد، فإذا رد المبيع في أحدهما، وقبل في الآخر، فقد بعض الصفقة في الإتمام، وهذا لا يجوز بغير رضاه، كما لا يجوز أن يقبل البيع في أحدهما.
وبعد القبض تمت الصفقة، وإنما تفرق في الفسخ، ويجوز في الفسخ ما لا يجوز في الإتمام بدليل: أنه يجوز فسخ العقد في عبد حي وعد ميت، ولا يجوز إتمام العقد فيهما.
قيل له: علة الفرع تبطل بالخفاف، قد تمت الصفقة، ولا يجوز تفريقها.
وعلى أنها قبل القبض في حكم التامة بدليل أنه يلزم المشتري نفقتها، وزكاة فطرتها، وكسبها، فلا فرق بينهما.
على أنه إنما لم يقبل البيع في أحدهما؛ لأن الإيجاب حصل في
كل واحد منهما مشاعًا، لا لأنه تبعيض في الإتمام، وإنما لم يتم العقد في الميت؛ لأنه قد بطل العقد بموته قبل قبضه، فلهذا لم يصح فيه، وصح الفسخ فيه؛ لأن العقد لم يبطل فيه بموته.
ولأنه تفريق المبيع لأجل العيب، فاستوى فيه قبل القبض وبعده.
دليله: الخفاف ومصراعي الباب؛ في ذلك الموضع تستوي في منع التفريق، يجب أن تستوي في مسألتنا في جواز التفريق.
واحتج المخالف بأنهما عيبان في صفقة واحدة، فلا يجوز تبعيض الصفقة في الرد.
دليله: الخفاف ومصراعي الباب.
والجواب: أن هناك العيب في أحدهما عيب بالآخر، فلو رد المعيب رده بعيب الأرش، وبالعيب الموجود، والرد بعيب لم يكن في يد البائع لا يجوز [عندهم.
فإن قيل]: فعندكم يجوز هذا، وهو إذا حدث بالمبيع عيب، وظهر على عيبٍ؛ فإن [ذلك] لا يمنعه من الرد.
قيل له: يحتمل أن نقول هاهنا ما نقول هناك، ويحتمل [قول]
أحمد: (لا يفسخ)؛ معناه: لا يفسخ من غير أن يدفع إلى البائع أرش النقص.
ويحتمل أن لا يملك الفسخ؛ لأن على المشتري ضرر في ذلك؛ لأنه ينقص المبيع في يده، وعلى البائع- أيضًا- ضرر.
ويفارق هذا إذا حدث عند المشتري عيب، فأراد رده، ودفع الأرش؛ أن له ذلك: أن له في ذلك حظًا، وهو الرجوع في الثمن من غير ضرر عليه.
ولهذا قالوا: إذا طلب أحد الشركاء القسمة؛ فإن كان له حظ أجبر الشريك، وإن لم يكن له حظ لم يجبر الشريك على ذلك.
واحتج بأن عليه ضررًا في تبعيض الصفقة في العبدين؛ لأنه قد يكون ضم العبد إلى العبد [....] للبيع، وأوفر للثمن، ويكون فصل أحدهما عن الآخر ينقص من الثمن.
والجواب: أنه قد يتفق العيب فيما يرغب البائع في بيعه، والحكم عندكم سواء، وأنه إذا رد عليه بقيمته، فقد سلم له غرضه في زيادة قيمة الآخر.
[و] لأن هذا يقال: إذا أثبتنا الرد بغير سبب، فأما إذا ثبت بسبب
يقتضي الرد بأحدهما، ويختصه، لم يمنع من ذلك، كما لو هلك أحدهما، ووجد بالآخر عيبًا.
...
331 -
مسألة
إذا اشترى عبدًا فقتله، أو طعامًا فأكله، ثم ظهر على عيبٍ رجع بأرشه:
نص عليه في رواية أبي الحارث في من اشترى جارية، فأعتقها، ثم ظهر على عيب، أو ماتت، ثم ظهر: يرجع بأرش العيب؛ هذا حق له يأخذه بكل حال.
فقيل له: فإن جنى عليها المشتري، فقلها، ثم وجد عيبًا، فإن أصحاب الرأي قالوا: لا يرجع بشيء! فقال: إن كان حقًا، فينبغي له أن يأخذه.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يرجع بأرشه.
دليلنا: أنه علم بالعيب بعد الإياس من رد المبيع، فجاز أن يرجع بالأرش.
دليله: إذا مات، أو أعتقه.
ولا يلزم عليه إذا باعه، ثم علم بالعيب؛ لأنه يرجع بالأرش على ما نبينه فيما بعد.
وإن شئت قلت: القتل إتلاف ملكه، فلا يمنع من الرجوع بالأرش، كالعتق.
وأجود من هذا أنك تقول: أصاب عيبًا لم يقف على محله، فملك الرجوع بالأرش.
أصله: ما ذكرنا؛ لأنه لا تأثير لقولنا: (علم بالعيب بعد الإياس)، وعندكم لو علم به قبل الإياس كان له الأرش، وإمساك المبيع.
فإن قيل: القياس يقتضي أن لا يرجع بأرش العيب بعد العتق.
قيل له: لا نسلم لك هذا، بل القياس يقتضي الرجوع.
فإن قيل: العتق ليس بفعل مضمون، ألا ترى أنه لو أعتق عبد غيره لم يضمن، فلهذا لم يمنع من الرجوع بالأرش.
قيل له: [الإعتاق فعل] مضمون، ألا ترى أنه إذا أعتق [نصيبه من عبد عتق عليه] الباقي، وأما إذا أعتق ملك الغير، فلا يعتق، فلهذا لم يضمن، كما إذا ضرب عبد غيره، فلم يمت، لم يجب عليه الضمان.
وعلى أن هذا يبطل بالبيع؛ لأنه لو باع عبد غيره لم يضمن، ومع هذا فإن البيع في الجملة يوجب الضمان.
فإن قيل: البيع يوجب التسليم، وهو فعل مضمون، فإذا باعه صار
كأنه باعه وسلمه.
قيل له: التسليم غير البيع، والبيع نفسه لا يوجب الضمان في ملك الغير، ويمنع الرجوع بأرش العيب في الجملة على ما قالوا.
فإن قيل: إذا مات امتنع بقاء الملك فيه من طريق الحكم، فلم يبطل حق المشتري من الأرش، وإذا قتله المشتري، فقد منع نقل الملك فيه بفعل مضمون، فمنع الرجوع بالأرش، كما لو باعه.
قيل له: علة الفرع تبطل بالعتق؛ فإنه قد منع بقاء الملك بفعل مضمون على الوجه الذي ذكرنا، ومع هذا لا يمنع أخذ الأرش.
وكذلك إذا اشترى ثوبًا وقطعه قميصًا، أو صنعه، ثم وجد به عيبًا، جاز له أن يرجع بالأرش، وإن كان ممنوعًا من رده عندهم بفعل مضمون.
واحتج المخالف بأنه منع نقل الملك فيه بفعل مضمون، فمنع الرجوع بالأرش، كما لو باعه، ثم علم أنه كان معيبًا.
والجواب: أنا قد أبطلنا هذا بالعتق، والصبغ وقطع الثوب.
وأما البيع فالمنصوص عن أحمد: أنه لا يمنع الرجوع بالأرش؛ لأنه قال في رواية حرب في رجل اشترى شيئًا، فلم ير العيب، فباعه من آخر، ثم عرضه الثاني على البيع: وجب على المشتري الثاني والأول أن يرجع على البائع بما نقص من العيب.
فقد نص على أن للمشتري الأول الرجوع على البائع بالأرش بعد
البيع، ولم يثبت للثاني الرجوع، [وهو] محمول على أنه علم به، فعرضه للبيع، فسقط حقه لأجل ذلك.
وقال- أيضًا- في رواية ابن منصور: إذا ابتاع عبدًا، فكاتبه، فوجد به عيبًا بعدما كاتبه، وحكي له قول سفيان: ليس له على البائع شيء بمنزلة البيع، فقال أحمد: لا، لو أعتقه كان له أن يرجع عليه ما بين الرد أو الصحة.
فقد نص- أيضًا- على أن الكتابة لا تمنع الرجوع بالأرش، فعلى هذا: لا نسلم الأصل.
وقال الخرقي في (مختصره): فإن [....]، ثم ظهر على عيب، كان مخيرًا بين أن يرد ملكه بمقداره من [....] قدر ملكه فيها.
وظاهر هذا: أنه جعل له الرجوع [....].
فعلى هذا: المعنى فيه: أنه قد سلم له بدله على الصحة والسلامة من العيب، فلا معنى للرجوع، وهذا معدوم فيه إذا قتله؛ لأنه لم يسلم له ذلك، فهو كما لو أعتقه.
والمذهب الصحيح: أنه يرجع الأرش؛ لأن البيع معنى أزال الملك، فهو كالعتق والموت، وما ذكره ذلك القائل من ملازمة البدل
لا اعتبار به؛ لأن المشتري لو وهب العبد لم تحصل له سلامة البدل، والحكم في ذلك سواء؛ إما في الرجوع بالأرش، أو بمنع الرجوع.