التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 47-86

الإطلاق والسلامة من وجهين، كالصرف يلحقه الفسخ من وجهين: أحدهما: تلف المبيع قبل قبضه.
والثاني: التفرق قبل [القبض].
كذلك غيره من بيوع الأعيان وجب أن يلحقه الفسخ من وجهين: أحدهما: تلف المبيع قبل القبض.
والثاني: ما نقوله من الفسخ بحق خيار المجلس فإن قيل: نقول بموجبه في خيار الرؤية؛ فإن الفسخ يثبت به في الأعيان الغائبة وبتلف المبيع.
قيل له: نصبنا التعليل لنفي اللزوم في جميع هذا النوع مع الإطلاق والسلامة، وأنت تقول بموجبه في بعض النوع.
فإن قيل: نقلبه، فنقول: وجب أن لا يتعلق لزومه بالافتراق.
دليله: الصرف.
قيل له: الصرف يتعلق لزومه بالافتراق على إحدى الروايتين.
وعلى أنا نقول بموجب القلب، وهو أنه لا يتعلق لزومه بالافتراق وحده حتى ينضم إليه اختيار العاقد؛ لأنه لو هرب أحدهما من صاحبه، أو فسخ في المجلس، ثم تفرقا، لم يلزم.
وأيضًا فإن الخيار على ضربين: خيار يتعلق بزمان ومدة.

وخيار يتعلق بفقد الصفات.
ثم الخيار المتعلق بالصفات على ضربين: منه ما يستفاد بالشرع.
[ومنه ما يستفاد بالشرط]، وهو إذا اشترى جارية على أنها جعدة، فخرجت سبطة، أو على أنها بكر، فخرجت ثيبًا، فله الخيار، وإنما يستفاد ذلك بالشرط؛ لأن بالإطلاق لا يستفيده.
كذلك الخيار المتعلق بالمدة، وجب أن يكون منه ما يستفاد بالشرط، وهو خيار الثلاث، ومنه ما يستفاد بالشرع، وليس كذلك إلا خيار المجلس.
وتحرير هذا المعنى: أنه أحد نوعي الخيار، فوجب أن ينقسم شرعًا وشرطًا، كالخيار المتعلق بفقد الصفات، ولا يكنهم القول بموجب ذلك في إثبات خيار الرؤية في الأعيان الغائبة؛ لأن ذلك لم يتعلق بمدة وزمان، وإنما يتعلق بالرؤية أو باختيار الفسخ قبلها من غير اعتبار مضي مدة، وخيار المجلس متعلق بمدة، وهو وقف مقامهما في مجلس التبايع.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29].

وظاهره يقتضي إباحة الأكل، وإن كانا في مجلسهما ذلك، وعندكم ليس له أن يأكله ما لم يتفرقا.
والجواب: أن الآية قصد بها الفرق بين الأكل بالتجارة والأكل بالباطل في الجملة.
وعلى أنا نحمل ذلك على ما بعد القبض.
واحتج بقوله تعالى: ﴿وأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282]، فأمر بالإشهاد على البيع توثيقًا، فلو كان الاستحقاق لا يتعلق به حتى يفترقا لأمر بالإشهاد على البيع عند التفرق في الحال الذي يصح أن تؤخذ الوثيقة.
والجواب: أن الآية قصد بها حصول الوثيقة في الجملة خوفًا أن يتجاحد التبايع بعد التفرق، وقد يختلفان في الثمن والمثمن، فتكون الشهادة وثيقة بذلك، وثبوت الخيار لا ينفي حصول الوثيقة، كثبوت خيار الثلاث.
واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان؛ صاع البائع، وصاع المشتري.
وهذا يقتضي أنه إذا جرى الصاعان جاز بيع المشترى، وإن لم يتفرقا.
والجواب: أنه محمول على ما بعد القبض.
وهكذا الجواب عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يجزي ولد والده إلا أن

يجده مملوكاً فيشتريه، فيعتقه)؛ أي: يعتق عليه.
وظاهره يقتضي بعتق بنفس الشراء، وإن لم يوجد الافتراق، وهو محمول على ما بعد التفرق.
واحتجَّ بما روي عن عمر- كرم الله وجهه- أنه قال: إن الناس قائلون غدًا: ماذا قال عمر؟ ألا إن البيع صفقة، أو خيار.
فجعل البيع ضربين: بيع خيار.
وبيع صفقة.
وعندكم البيع كله ضرب واحد، وهو بيع خيار.
والجواب: أن أحمد روى عن منصور بن سلمة الخزاعي، عن موسى بن أعين، عن مطرِّف بن طريف، عن عامر، عن عمر قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).
ذكره عبد الله في «مسائله».
وهذا يدل على أن قول عمر مثل قولنا.
وعلى أنه قوله: (صفقة، أو خيار)؛ معناه: صفقة وخيار؛ لأن العرب تعطف بـ (أو) كما تعطف بالواو:

قال تعالى: ﴿إلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: 147]، ومعناه: ويزيدون.
وقال: ﴿ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: 24].
وقال: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: 6].
وعلى أنا قد روينا ذلك عن عثمان وابن عمر وأبي برزة؛ اعتبار الخيار بالمجلس.
واحتج بأنه عقد من العقود فوجب أن لا يثبت فيه خيار المجلس.
دليله: النكاح، والخلع، والعتق على مال، والكتابة.
والجواب: أن المعنى في تلك العقود: أنه لا يثبت فيها خيار الشرط مع جواز التفرق فيها قبل التقابض، وإمكان رد المعقود عليه على صفته، ويثبت ذلك في البيع، فإذا افترقا في خيار الشرط من هذا الوجه، جاز أن يفترقا في خيار المجلس.
ولا يلزم على علة الأصل الصرف والسلم؛ لأنه لا يثبت فيهما خيار الشرط، ويثبت خيار المجلس على إحدى الروايتين؛ لأن هناك لا يجوز التفرق فيهما قبل التقابض، وهاهنا يجوز.
وكذلك لا يلزم عقد الإجارة؛ أنه لا يثبت فيها خيار الشرط على أحد الوجهين، ويثبت خيار المجلس؛ لأنه لا يمكن رد المعقود عليه

على صفته، وإنما يرد بعضه؛ لأن بمضي الزمان تتلف المنافع المعقود عليها، وزمان المجلس يسير يجري فيه العفو والمسامحة.
وجواب آخر، وهو: أن القصد من النكاح أعيان المتناكحين دون المال، ألا تراه يصح مع عدم ذكر المال، ولا يصح مع عدم ذكر المال، ويصح مع عدم ذكر أعيان المتبايعين، فإذا كان كذلك، فالخيار إنما يثبت في ما يقصد منه المال دون ما لا يقصد ذلك منه.
فإن قيل: فيجب أن لا يثبت الخيار في عقد النكاح بالعيب.
قيل له: لم يثبت لعدم المال، لكن ثبت لفوات المقصود، وهو الاستمتاع.
وأما الكتابة فلا فائدة في إثبات الخيار فيها؛ لأن السيد لا حظ له فيها، والعبد له الخيار على التأبيد؛ لأنه يعجز نفسه متى شاء، وفي ثبوت الخيار في البيع فائدة؛ لينظر المبتاع ما ابتاعه، ويتأمله، ويستدرك حقه فيه.
وأما الخلع فيفارق البيع؛ لأنه لا يدخله خيار الشرط، ولا خيار الرؤية عندك، ولا خيار فقد التعيين، ولا خيار الإقالة، والبيع بخلاف ذلك.
واحتج بأنه بيع لم يشترط فيه خيار، وقد حصل برضا المالك، فوجب أن يجوز تصرف المشتري فيه بعد القبض.
دليله: بعد الافتراق.

والجواب: أنه يبطل بيوع الأعيان الغائبة؛ فإنه يشرط فيها خيار، وقد حصلت برضا المالك، وفيها الخيار عندهم.
وعلى أنه لا يجوز اعتبار ما قبل التفرق بما بعده، كما لا يجوز ذلك في قبض رأس المال في السلم، وقبض العوضين في الصرف.
واحتج بأنه نوع خيار لا يثبت بعد المجلس، فلا يثبت في حال مجلس في فسخ البيع.
دليله: خيار المعاينة في ما اشتراه من المصر، وعكسه: خيار الرد بالعيب، وخيار الشرط؛ لما ثبت بعد المجلس ثبت في المجلس.
والجواب: أنا لا نسلم هذا الأصل؛ لأن عندنا أن خيار المعاينة في ما يخرج عن العادة ثابت في المجلس وبعد المجلس.
على أنا قد بينا: أنه لا يجوز اعتبار المجلس بما بعده.
واحتج بأنه عقد صحيح فيه بالإيجاب والقبول، فلا يقف تمامه على الافتراق، كالهبة.
والجواب: أنا قد جعلنا الهبة حجة لنا، وأنها لا تلزم بمجرد العقد، ثم الهبة لا فائدة في إثبات الخيار فيها؛ لأن الواهب لا حظ له فيها، والموهوب له خيار على التأبيد.
واحتج بأن زمان المجلس مجهول، والخيار المجهول لا يثبت في البيع، كما لو شرطا خيارًا مجهولًا.
والجواب: أنا قد حكينا كلام أحمد في رواية ابن منصور جواز

ذلك، وحكينا خلافه، وهو الصحيح، وكان المعنى فيه: أنه زمان يسير، فعفي عن الجهالة فيه.
وعلى أن هذا يبطل بخيار الرؤية.
ولأن ذلك الخيار ثبت شرطًا، فجاز أن تنافيه الجهالة، وهذا الخيار ثبت، فجاز أن يثبت مع الجهالة، كما قالوا في خيار الرؤية، وكما قلنا في خيار الرد بالعيب؛ لأن مدته غير معلومة.
ويبين صحة هذا، وأنه فرق بين المدة التي تثبت بالشرط، والتي تثبت بالإطلاق في باب الجهالة: أن مدة قبض المسلم فيه لما استفيدت بالشرط، لم يصح أن تكون مجهولة، ومدة قبض الأعيان المبيعة لما لم تكن متعلقة بالشرط، صح أن تكون مجهولة.
واحتج بأنه لو خير أحدهما صاحبه في المجلس، فاختار، لزم البيع، أو تعاقدا على أن لا خيار لهما، لزم البيع، ودخولهما في البيع رضًا بالبيع يوجب أن يكون لازمًا.
والجواب: أن الرواية مختلفة عن أحمد في ذلك: فروى الأثرم وإبراهيم بن الحارث: لا ينقطع خيارهما، وإن شرطا قطعه حال العقد، أو في المجلس، كما لو شرطا قطع الشفعة، أو باعه بشرط البراءة.

ونقل الميموني وحرب: ينقطع الخيار، وهو ظاهر الحديث.
فعلى هذا: إن الرضا بالبيع بعد ثبوت الخيار مخالف له قبل ثبوته، ألا ترى أن رضا الشفيع بالشراء لا يسقط حقه من الشفعة، ورضاه بعده يسقط حقه منها؟ وعلى أن ذلك الرضا لا يسقط الخيار ما ثبت لفظ، ألا ترى أنهما لو أقاما بعد العقد مدة طويلة، ولم يتلفظا بشيء، لم ينقطع خيارهما؟ وهذا المعنى معدوم حال العقد؛ لأنه إنما يوجد الرضا من طريق الاستدلال، لا من طريق اللفظ.
واحتج بأن التفرق بالبدن لو كان شرطًا في لزوم البيع، لكان الوالد إذا باع من ولده الصغير مال نفسه، أو باع من نفسه مال ولده؛ أن لا يلزم أبدًا؛ لأن التفرق لا يحصل.
والجواب: أنه يحتمل أن نقول: يلزم باختيار اللزوم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما لم يتفرقا، أو يخير أحدهما صاحبه).
والتفرق هاهنا متعذر، واختيار اللزوم ممكن، فإذا اختار اللزوم لزم.
ويحتمل أن نقول: يلزم بمفارقة مجلس العقد؛ لتعذر اعتبار التفرق بالبدن، وإذا أمكن اعتبار التفرق بالبدن وجب اعتباره بالسنة.


249 -

مسألة

لا ينقطع خيار المجلس بالتخاير، وسواء تخايرا في نفس العقد؛ فتعاقدا على أن لا خيار بينهما، أو تخايرا بعد العقد في المجلس في أصح الروايتين:

نقلها الجماعة؛ منهم الأثرم، وإسحاق بن إبراهيم، والمروذي، وغيرهم: إذا تخايرا في المجلس قبل التفرق لم ينقطع الخيار.
وهذا منه تنبيه على أنه إذا كان في حال العقد أولى أن لا ينقطع الخيار؛ لأن ما بعد العقد قد ثبت ملك كل واحد منهما على الخيار، وحال العقد ما ثبت.
ونقل الميموني عنه: إذا تخايرا حال العقد انقطع الخيار قال أبو بكر: وتابعه حرب.
وهذا أيضًا تنبيه على ما بعد العقد؛ لأن حالة العقد أضعف، وقد قطع الخيار بينهما.
وقال أصحاب الشافعي: إن تخايرا بعد العقد في حالة المجلس انقطع الخيار، وإن تخايرا في حالة العقد، فعلى قولين؛ أصحهما: أنه لا ينقطع الخيار.
فالدلالة على أن الخيار لا ينقطع في الحالين: ما احتج به أحمد من حديث سمرة وحكيم بن حزام وأبي برزة الأسلمي: (البيعان بالخيار

ما لم يتفرقا) و (حتى يتفرقا).
وهذا عام فيه إذا وجد منهما تخاير، أو لم يوجد، فهو على العموم.
ولأنهما لم يتفرقا في مجلس العقد، أشبه إذا لم يتخايرا.
ولأنه خيار ثبت بالعقد، فلم يصح قطعه حال العقد.
دليله: خيار الشفيع، وخيار الرد بالعيب.
ولأن حالة المجلس تجري [مجرى] حالة العقد بدليل: أنها حالة لقبض رأس مال السلم، وثمن الصرف، لم يثبت أنه لا يصح التخاير حالة العقد على القول الصحيح، كذلك في حالة المجلس.
فإن قيل: حالة العقد أسقط الخيار قبل وجوبه، وبعد العقد أسقطه بعد وجوبه.
قيل: قد بينا أن حالة المجلس قد أجريت مجرى حالة العقد.
فإن قيل: حالة العقد لا يسقط فيها خيار الشفعة وخيار الرد بالعيب، وحالة المجلس يسقط فيهما ذلك، كذلك هاهنا.
قيل: خيار الشفعة والعيب لا يبطل بالتفرق، وهذا يبطل بالتفرق، فلا يبطل بالتخاير، كخيار الإيجاب.
ولأنه خيار يبطل بالتفرق، فلا يبطل بالتخاير.

دليله: خيار الإيجاب في البيع، وفي الإقالة، وذلك أنه إذا قال: بعتك، فقبل أن يوجد القبول من المشتري البائع بالخيار في الرجوع في هذا الإيجاب، ولو أسقطه في المجلس لم يسقط، وكذلك الإقالة.
واحتج المخالف بما روى ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (كل بيعين فأحدهما على صاحبه بالخيار حتى يتفرقا، أو يكون خيار).
وفي لفظ آخر: (كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا، أو يقول لصاحبه: اختر).
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار).
والجواب عن قوله: (إلا بيع الخيار) أو (أن تكون صفقة خيار) فيحتمل [أن تكون] (إلا) بمعنى الواو، [و] تقديره: المتبايعين بالخيار مالم يتفرقا، وبيع الخيار -أيضًا- ما لم يتفرقا.
ويكون القصد بذلك إزالة الإشكال؛ لئلا يظن ظان أن شرط ذلك يقطع الخيار.
وهذا شائع في اللغة: قال تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ

إلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا} [البقرة: 150]؛ معناه: والذين ظلموا.
ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الكلب إلا المعلم؛ معناه: والمعلم.
كذلك هاهنا.
وأما قوله: (حتى يتفرقا، أو يقول لصاحبه: اختر)؛ معناه: وإن كان خيار، وإن قال لصاحبه: اختر، كما قال تعالى: ﴿ولا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى﴾ [النساء: 102]، ومعناه: وإن كنتم مرضى.
وكما قال تعالى: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ [البقرة: 286]؛ معناه: وإن أخطأنا.
وجواب آخر، وهو: يحتمل أن يكون قوله: (إلا بيع الخيار) من كلام الراوي، وكذلك قوله: (حتى يتفرقا، أو يكون خيار) أو (يقول لصاحبه: اختر)، كما روي عن قتادة، عن الحسن، عن عقبة بن عامر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (عهدة الرقيق ثلاثة أيام).
إن وجد داًء في الثلاث رد غير بينة، وإن وجد [داًء] بعد الثلاث كلف البينة: أنه اشتراه وبه داء.
والكلام الآخر من عند قوله: (إن وجد داء) من كلام قتادة

واحتج المخالف بأن الخيار غرر، فإذا جاز العقد مع الغرر، كان مع فقده أجوز، ومن الفساد أبعد.
والجواب: أنه يبطل بعقد الكتابة؛ يجوز مع الأجل، وهو غرر، ولا يجوز مع فقده.
واحتج بأن الخيار من مصلحة العقد، كالرهن والضمان، ثم ثبت أنه لو عري عن الرهن والضمين صح، كذلك إذا عري عن الخيار.
والجواب: أن الرهن والضمين يثبت بالشرط، وخيار المجلس من موجب العقد ومقتضاه، فإذا شرط قطعه لم يصح.
واحتج بأنه أسقط الخيار بعد وجوبه؛ يعني بذلك: إذا كان بعد العقد، فصح.
دليله: خيار الشفعة، والرد بالعيب، وخيار المخيرة، وخيار القبول.
والجواب: أنا قد جعلنا ذلك حجة لنا، وهو أنه إذا شرط قطع ذلك حال العقد لم يسقط، يجب إذا شرط قطع خيار المجلس حال العقد أم لا يسقط، وعندهم يسقط على أحد القولين.
وعلى أن خيار الشفعة والرد بالعيب لا يبطل بالتفرق، وهذا يبطل بالتفرق، فهو كخيار الإيجاب.
وعلى أن تلك الخيارات لا يقف إبطالها على التفرق بالأبدان، بل تبطل إذا أخذ في حديث آخر، فإذا قطع خياره، فقد أخذا في حديث آخر، وهذا الخيار يقف على التفرق بالأبدان، فهو آكد.

250 -

مسألة

ينتقل الملك في بيع الخيار بنفس العقد سواء في ذلك خيار المجلس، أو خيار الشرط:

ذكره الخرقي في كتاب (الزكاة) فقال: والماشية إذا بيعت بالخيار، فلم ينقص الخيار حتى ردت، استقبل البائع بها حولًا؛ سواء كان الخيار للبائع، أو للمشتري؛ لأنه تجديد ملك.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية حبيش بن سندي في رجل اشترى عبدًا، فوهب للعبد مال قبل أن يفترقا، واختار البائع العبد: فهو للمشتري بضمانه.
وهذا يدل على أنه كان على ملك المشتري؛ لأنه جعل الغلة له.
وقال أبو حنيفة: إن كان الخيار للبائع لم يزل ملكه عن المبيع، وإن كان الخيار للمشتري خرج من ملك البائع، ولم يدخل في ملك المشتري.
وقال مالك: لا ينتقل الملك إلا بانقطاعه سواء كان الخيار للبائع، أو للمشتري.
واختلف قول الشافعي على ثلاثة أقاويل: أحدهما: مثل قولنا، وهو الصحيح.
والثاني: مثل قول مالك.
والثالث: هو مراعى؛ فإن لم يفسخا تبينا أنه كان ملك بالبيع، وإن فسخا تبينا أنه لم يكن ملك.

وتبين فائدة الخلاف في من اشترى زوجته على أنه بالخيار ثلاثة أيام؛ عندنا ينفسخ، وعند أبي حنيفة ومن وافقه لا ينفسخ؛ لأنه لم يملكها عنده، وعندنا قد ملكها.
وكذلك إذا اشترى أباه أو ابنه على أنه بالخيار عتق عليه عندنا، وعنده لا يعتق.
فالدلالة على انتقال الملك في الجملة: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من باع عبدًا- وله مال- فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع).
فظاهر هذا: أنه بالشرط يكون للمبتاع؛ سواء كان هناك خيار، أو لم يكن، فهو على العموم.
ولأنه بيع منعقد، أو بيع صحيح، فوجب أن ينقل الملك.
دليله: إذا شرط فيه خيار الثلاث.
ولا يلزم عليه إذا قال: [إن] بعتك عبدي فهو حر، فباعه؛ أنه يعتق، لا لبقاء الملك، لكن لما نذكره فيما بعد.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن تصرف المشتري يجوز فيه بوجود القبض، فدل على أن زوال الملك في مسألتنا لما لم ينفذ تصرفه مع وجود القبض المأذون فيه، فدل على أنه لم يملكه.

قيل له: التصرف قد يمنع منه [مع] تمام الملك؛ لتعلق حق الغير، كالرهن يمنع الراهن من التصرف فيه مع تمام ملكه عليه؛ لتعلق حق المرتهن به، وفي مسألتنا حق البائع في الفسخ متعلق به، وفي تصرف المشتري إسقاط هذا الحق؟ فإن قيل: يبطل هذا به إذا كان بالعوض عيب؛ فإن حق الفسخ ثابت للبائع، وتصرف المشتري يجوز.
قيل له: تصرفه لا يسقط حقه من الخيار؛ لأنه يفسخ البيع، ويرجع بقيمة ما خرج من ملكه، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإن حقه من الخيار يسقط بتصرف المشتري، فمنع منه.
وعلى أنا لا نسلم هذا على الإطلاق؛ لأن تصرف المشتري بالعتق ينفذ رواية واحدة.
وليس لهم أن يقولوا: إن المعنى في الأصل: أنه بيع لا خيار فيه؛ لأنا لا نسلم هذا؛ لأن فيه خيار المجلس.
وقياس آخر، وهو: أن انقطاع الخيار معنى يستقر به العقد، فلم يقف انتقال الملك عليه، كالقبض.
ولأنه خيار ثابت في بيع، فلا يمنع انتقال الملك.
دليله: خيار العيب.

فإن قيل: خيار العيب لا يمنع التصرف، وكذلك القبض، وهذا بخلافه.
قيل له: قد أجبنا عن هذا.
ولأنها معاوضة تقتضي تمليكًا، فانتقل الملك فيها بالعقد.
دليله: النكاح.
واحتج المخالف بأن البائع لما استثنى الخيار لنفسه علمنا أنه لم يرض بخروج الشيء عن ملكه، وعدم الرضا يمنع انتقال الملك في البيع، ألا ترى أنه لو باع مكرهًا، أو هزل بالبيع، لم يخرج البيع عن ملكه.
والجواب: أنا علمنا أنه لم يرض بلزوم العقد، ولم نعلم أنه لم يرض بزوال الملك وانتقاله، فلا نسلم الوصف.
وأما المكره فهو غير راضٍ بنفس العقد، ولا سببه، وهاهنا قد رضي بالعقد، فلهذا فرقنا بينهما.
واحتج بأنه لو كان عبدًا نفذ عتق البائع فيه، ولو كان شقصًا في دار لم تجب للشفيع الشفعة، فدل على أن خياره يبقي الشيء على ملكه؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما نفذ عتقه، ولوجبت الشفعة في الشقص.
والجواب: أنه لا ينفذ عتق البائع.
نص عليه في رواية ابن القاسم.

فإن قيل: إن لم تسلم العتق المباشر، فإنا نلزم العتق بالصفة، وقد نص على وقوع ذلك في رواية الأثرم في رجلين؛ قال أحدهما: إن بعت منك غلامي فهو حر، وقال الآخر: إن اشتريته فهو حر، فباعه منه، عتق من مال البائع، قيل له: كيف؟ وإنما وجب العتق بعد البيع! فقال: لو وصى لرجل بمئة درهم، ومات، يعطاها، وإن كان وجبت بعد الموت، ولا ملك له، وهذا مثله.
فقد صرح: أن العتق يقع بعد زوال ملكه، وشبهه بالوصية.
قيل له: العتق المعلق بالصفة وجد أحد طرفيه في ملك، وهو حين عقد الصفة، والطرف الآخر في غير ملك، فقويت حاله، فنفذ، وفي مسألتنا جميعه يحصل في غير ملك، وفرق بينهما، ألا ترى أنه لو أعتق شقصًا له في عبد سرى إلى حصة شريكه؛ لأن هذا العتق تضمن الملك- وهو حصته- وغير الملك- وهو حصة شريكة- ولو أعتق عبدًا لا لشريك له لم ينفذ عتقه؛ للمعنى الذي بينا.
ويبين صحة هذا على أصلنا: لو قال: إن ابتعت هذا العبد فهو حر، فابتاعه، عتق؛ لأن أحد طرفي اليمين في ملكه، والطرف الآخر في غير ملك.
وكذلك عندنا، وعندهم: لو قال لأمته: حملك حر، وكان في بطنها علقة، عتق، وإن كان حين عقد اليمين لم يكن في ملكه، وإنما

صار في ملكه بعد أن حلته الروح.
وأما الشفعة فلعمري إنها لا تثبت.
نص عليه في رواية حنبل: وقد ذكر له قول مالك: إن الشفيع لا يأخذ الشفعة حتى يلزم البيع، فقال: وأنا أرى ذلك.
وكان المعنى فيه: أن أخذ الشفعة يسقط حق البائع من الخيار، فلم تجز المطالبة بالشفعة؛ لتعلق حق البائع به، لا لأن الملك لم ينتقل إلى المشتري.
واحتج بأنه إيجاب غير لازم، فلم ينقل الملك قياسًا على الإيجاب إذا لم ينضم إليه القبول.
والجواب: أنه يبطل بمن باع ثوبًا بعبد، ووجد به عيبًا، فله رده، وفسخ البيع، كذلك إذا شرط أن العبد صانع، ولم يكن صانعًا، فله الخيار، فالإيجاب غير لازم في هذين، والملك ينتقل.
ثم المعنى في الأصل: إن الإيجاب لم [يضامه] قبول، وهاهنا قد [ضامه] قبول صحيح، فنقل الملك.
واحتج بأنه لو زال ملكه لم يكن له فسخه بغير رضا المشتري، وأنه [لا] يجوز تصرف المشتري.

والجواب: أن ثبوت الفسخ لا يمنع نقل الملك، كما لو ظهر هناك عيب بأحد العوضين بفقد الصفات.
وأما منع المشتري من التصرف فلأجل تعلق حق الغير، وهو البائع.
فصل: والدلالة على أن الخيار إذا كان للمشتري خرج المبيع عن ملك البائع، ودخل في ملك المشتري: ما تقدم، ونخص ذلك بأنه بيع أزال ملك البائع، فوجب أن يدخل في ملك المشتري.
دليله: إذا لم يكن هناك شرط.
ولأنه مملوك، فلابد له من مالك، ولما لم يملكه البائع، وجب أن يملكه المشتري.
فإن قيل: إذا اشترى الإمام عبدًا لخدمة الكعبة، فإن البائع يزول ملكه عنه، ولا يملكه أحد.
وكذلك إذا أوصى لعبده الغائب، ثم مات الموصي، خرج العبد من ملكه، ولم يدخل في ملك الموصى له حتى يقبله.
قيل له: أما العبد المشترى لخدمة الكعبة، فإن ملكه لله تعالى، وكذلك ارتفاع الوقف على المساجد والجوامع الملك فيها الله تعالى؛ لأن الملك في الشريعة ضربان:

أحدهما: لله تعالى.
والآخر: للآدميين.
كما أن الحقوق على ضربين: أحدهما: لله- تعالى- أن يكون موكولًا إلى نظر الإمام وولايته دون غيره.
وملك البيع ليس لله تعالى؛ لأنه ليس النظر فيه موكولًا للإمام، فدل على أنه للآدمي، ولا يملكه البائع، ولا غير المشتري من الأجانب، فوجب أن يكون للمشتري.
فإن قيل: فجميع الأشياء ملك لله تعالى، فلا معنى لتخصيصكم العبد لخدمة الكعبة، والوقف على المسجد.
قبل له: قد بينا: أن العلامة في ما كان حقًا لله تعالى: أن الإمام يتولى النظر فيه.
وأما العبد الموصى به لغائب فإن الملك فيه مراعى.
فإن قيل: تبينا أنه ملكه بالموت، وإن لم يقبل تبينا أنه على ملك الورثة، فلم يخل من مالك.
ولأنها معاوضة تقضي تمليكًا من الطريفين، فإذا زال بها الملك عن

أحد المتعاوضين، وجب أن [لا] يزول عن الآخر.
دليله: ملك الصداق في النكاح.
ولأن الخيار حق للمشتري، ودخول الشيء في ملكه حق له أيضًا، ولم نجد في الأصول حقًا لإنسان يمنع ثبوت حق آخر له.
واحتج المخالف بأن المشتري إذا كان له الخيار لم يخرج الثمن عن ملكه، فلو قلنا: إن المبيع ينتقل إليه، أدى إلى اجتماع البدل والمبدل في ملك واحد، وهذا لا يجوز.
والجواب: أنه لا يؤدي إلى اجتماعهما؛ لأنه عندنا يزول ملك المشتري عن الثمن، ويملكه البائع، ويزول ملكه عن المبيع، ويملكه المشتري، وقد بينا هذا في المسألة التي قبلها.
وعلى أن هذا يبطل على قولهم بمن غصب مدبرًا، فأبق منه، فغرم قيمته للمغصوب منه، [فالمغصوب منه] ملك القيمة، والمدبر باق على ملكه.
وكذلك من ملك عصير العنب، فصار في يده خمرًا، فالخمر ملكه، فإذا اشترى بها عبدًا، وقبضه، فإن العبد ملكه والخمر، فاجتمع في ملكه البدل والمبدل.
وكذلك إذا اشترى ثوبًا بعبد مدبر، وقبض الثوب، كانا جميعًا في ملكه.

فإن قيل: نحترز من هذا فنقول: يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل في ما يصح نقل الملك فيه.
ولا يصح نقل الملك فيه.
ولا يصح نقل الملك في الخمر والمدبر.
قيل له: لو كان لا يجوز اجتماع البدل والمبدل في ملك واحد لوجب أن لا يصح تقويم الآبق؛ لأنه يؤدي إلى اجتماع البدل والمبدل منه في ملك.
واحتج بأن قبول المشتري غير لازم مع سلامة المبيع، فلم يدخل في ملكه، كما لو اشترى عبدًا من عبدين على أنه بالخيار.
والجواب: أن المبيع هنا مجهول، فلم يوجب دخول الملك في ملك المشتري، وهاهنا المبيع صحيح، فإذا زال به الملك عن البائع، دخل في ملك المشتري.
دليله: لو لم يكن هناك خيار.
...

251 -

مسألة

فإن أعتق البائع العبد في مدة الخيار، وتمم المشتري العقد، أو فسخه، لم ينفذ عتقه:

نص عليه في رواية ابن القاسم، فقال: إذا أعتقه البائع لم يجز؛

لأن ملكه قد زال، وإنما له فيه حق الخيار.
نقلت هذه الرواية من كتاب أبي بكر الخلال من البيوع.
وهو اختيار أبي بكر في كتاب (التنبيه) وشيخنا أبي عبدالله.
فإن وطئ البائع الأمة قبل الفسخ، فنقل أبو بكر في كتاب (الخلاف) عن أحمد في رواية مهنا: إذا وطئ البائع قبل الافتراق، فعليه الحد إن كان عالمًا، وإن وطئها المشتري، فلا حد عليه؛ لأن الملك له.
قال الشافعي: ينفذ عتقه سواء تمم المشتري العقد، أو فسخه.
دليلنا: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق فيما لا يملك)، وهذا غير مالك، فيجب أن لا ينفذ عتقه.
ولأن ملكه قد زال بالبيع، فلم ينفذ عتقه ابتداًء.
دليله: لو أعتقه بعد انقضاء هذا الخيار.
ولا يلزم عليه إذا قال: إن بعت هذا العبد فهو حر، فباعه، عتق عليه؛ لقولنا: (فلا ينفذ عتقه ابتداء)، وهناك لم ينفذ ابتداء، وإنما نفذ بالصفة المتقدمة.
ولأن أكثر ما فيه أنه يملك فسخ العقد، والرجوع فيه، وهذا لا يدل على نفوذ العتق بدليل: أنه لو وهب لابنه عبدًا، وأقبضه، ثم أعتقه بعد ذلك قبل الرجوع في الهبة، لم ينفذ عتقه، وإن كان له فسخ

الهبة، والرجوع فيها.
وكذلك لو باع عبدًا بثوب، ووجد بالثوب عيبًا، فأعتق العبد، لم ينفذ عتقه، وإن كان له فسخ العقد بالعيب الذي وجده في الثوب، كذلك هاهنا.
وكذلك لو أصدقها عبدًا، فأبق العبد قبل الدخول، لم ينفذ عتقه، وإن كان له الرجوع بالطلاق قبل الدخول، كذلك هاهنا.
وكذلك إذا أفلس المشتري بثمن السلعة، وثبت للبائع حق الفسخ، فأعتق البائع قبل الفسخ لم ينفذ، كذلك هاهنا.
وكذلك إذا أفلس المشتري بثمن السلعة، وثبت للبائع حق الفسخ، فأعتق البائع قبل الفسخ لم ينفذ، كذلك هاهنا.
وقد ذكر لي أبو بكر الشامي: أن لهم في هذه المسائل الثلاث وجهان، إلا أن الصحيح: أنه مسلم، وأن تصرفه لا ينفذ.
وفرق بينهما بأن الملك مستقر في هذه المواضيع، ألا ترى أن الموهوب له والمشتري غير ممنوع من التصرف؟ وليس كذلك البيع بشرط الخيار؛ لأن ملك المشتري غير مستقر، ألا تراه يمنع من التصرف بالبيع والهبة؟ فلهذا نفذ عتق البائع.
قيل له: منع المشتري من التصرف بالبيع والهبة، لا يدل على ضعف ملكه، وإنما منع لئلا يسقط حق البائع من الفسخ.
يدل على هذا: الراهن ملكه تام مستقر على الرهن، وإن كان

ممنوعًا من التصرف فيه؛ لأجل حق المرتهن في الوثيقة، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأن له فسخ العقد، والرجوع في العبد، فإذا أعتقه دل ذلك على فسخه، فيجب أن ينفذ ذلك.
والجواب: أن له فسخ الهبة على ابنه، وفسخ المبيع إذا وجد بالثوب عيبًا، ومع هذا لا ينفذ عتقه، كذلك هاهنا.
واحتج بأنه لو قال لعبه: إن بعتك فأنت حر، ثم باعه، نفذ عتقه على البائع.
نص عليه في رواية الأثرم ومهنا.
كذلك إذا وجهه بالعتق يجب أن ينفذ.
والجواب: أنه ليس إذا وقع عتقه بالصفة، يجب أن يقع عتقه المباشر بدليل: أن المجنون يقع عتقه في حال جنونه بالصفة المتقدمة في حال إفاقته، ولا يقع طلاقه المباشر في حال جنونه، وكذلك عندهم إذا حلف على زوجته أو على عبده بالطلاق والعتاق أن لا يفعل شيئًا، ثم أزال ملكه عنه، وفعل المحلوف عليه، صح وجود الصفة في حال البينونة، وإن لم تنعقد منه صفة في تلك الحال، كذلك هاهنا.
وعلى أنا أجبنا عنه فيما تقدم.
فإن قيل: فما تقولون في تصرف البائع بالبيع؟ هل ينفذ، ويكون فسخًا للبيع، أم لا؟ قيل: لا ينفذ، ولا يكون فسخًا.

نص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد في رجل باع ثوبًا من رجل، ثم باعه من آخر قبل الافتراق، ولما يسلمه إلى المشتري الأول، واستهلكه البائع: فإنه يؤخذ له بالخلاص من حيث باع، فإن لم يقدر أن يخلصه، فعليه قيمته يوم استهلكه، فإن كان مما يكال أو يوزن فعليه المثل.
وهذا يدل من كلام أحمد على أن بيعه لا ينفذ، و [لا] يكون فسخًا للخيار.
وكذلك يتخرج على هذا جميع تصرفاته بالعتق والوطء لا تنفذ، ولا تكون دلالة على الفسخ، ولا يثبت الفسخ من جهته إلا بلفظ الفسخ؛ لأن ملكه قد زال، وتصرفاته باطلة، فلم تكن دلالة على الفسخ.
وليس كذلك المشتري؛ لأن المبيع على ملكه، وتصرفه ينفذ، فلهذا كان دلالة على الرضا.
وقد قال أحمد في رواية محمد بن ماهان: إذا ابتاع دارًا أو ثوبًا، وشرط الخيار لنفسه ثلاثًا، فعرضه على البيع قبل الثلاث، لزمه.
وأومأ إليه- أيضًا- في رواية العباس بن محمد: إذا سكن الدار، ولبس الثوب، لزمه.
وذكر أبو بكر في كتاب (التنبيه) فقال: إذا باع البائع في مدة خيار

المجلس، فالبيع باطل، ولو باع المشتري كان موقوفًا على افتراق الأبدان، فإن تفرقا لزم، وإن تفاسخا بطل، وإذا وطئ، فلا حد عليه، ويكون فسخًا.
وقد نص أحمد على هذا في رواية أبي طالب في رجل اشترى ثوبًا بشرطٍ، فباعه قبل انقضاء الشرط: يرده على صاحبه الأول إن طلبه، فإن لم يقدر عليه رد قيمته، ولو سرق، أو احترق، فليس عليه شيء؛ لأن البيع جناية، والحارق والسارق جنى عليه.
قال: وأنا أقول: إذا اشترى جارية بشرط، ثم أعتقها قبل الشرط، جاز، وليس عليه قيمة، أرأيت لو مات؟ فقد نص على أنه يغرم القيمة؛ لتعذر التسليم بالبيع، ولا يلزم بتعذر ذلك بالعتق.
...

252 -

مسألة

فإن أعتق المشتري في مدة الخيار نفذ عتقه:

نص عليه أحمد في رواية المروذي، وابن القاسم، وابن الحارث، والميموني، وصالح.

وقال الشافعي: إذا تمم البائع العقد نفذ عتقه، وإن لم يتممه لم ينفذ.
دليلنا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا عتق في ما لا يملك ابن آدم).
دليله: أنه ينفذ عتقه في ما يملك، وهو مالك في هذه الحال.
[و] لأن هذا عتق من مالك جائز التصرف، فنفذ.
دليله: لو تمم البائع البيع.
ولا يلزم عليه عتق المكاتب عبده؛ لوجهين: أحدهما: أن المكاتب ليس بجائز التصرف على الإطلاق؛ لأنه لا يملك التبرعات.
والثاني: أنه يستوي فيه الأصل والفرع.
يبين صحة هذا: أنه لو أهل شوال في مدة الخيار، ثم فسخ، كانت فطرة العبد على المشتري، فدل على ثبوت ملكه عليه.
ولأن أكثر ما في: أن البائع يملك استرجاعه، وهذا لا يمنع نفوذ العتق بدليل: أنه لو باعه بثوب، فقبضه المشتري، وأصاب البائع بالثوب عيبًا، كان له الرد واسترجاع العبد، ومع هذا ينفذ عتق المشتري فيه.
وهكذا لو وهب لولده عبدًا ملك الولد عتقه، وإن كان الوالد

يملك أن يسترده، وكذلك هاهنا.
ولأن المبيع- لو تم ولم يفسخ بعد العتق- للمشتري، وإن كان قد صادف حالًا يملك البائع فيها الفسخ، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأن ملكه غير تام عليه بدليل: أن البائع يملك استرجاعه من يد المشتري، وإزالة ملكه عنه، وإذا لم يكن تامًا، لم ينفذ عتقه فيه، كالمكاتب.
والجواب: أن ثبوت حق الرجوع لا يمنع نفوذ العتق بدليل العبد الموهوب من أبيه، والعبد المشترى بثوب إذا ظهر بالثوب عيب.
وأما المكاتب فالمعنى فيه: أنه ليس بكامل التصرف على الإطلاق، ألا ترى أنه [لا] يملك التبرعات، والحر بخلافه.
واحتج بأن عتق المشتري إمضاء، ورد البائع فسخ، والفسخ مقدم على الإمضاء، كما لو فسخ البائع وأمضى المشتري في مدة الخيار.
والجواب: أنه ليس إذا لم يثبت الإمضاء من المشتري لم يثبت العتق بدليل: أن العبد المشترك لا ينفذ بيع جميعه من الشريك، وينفذ

عتق جميعه؛ لأن للعتق تغليبًا وسرايًة.
واحتج بأن البائع له خيار الفسخ واسترجاع الملك، وفي تنفيذ عتق المشتري بإسقاط المقصود بالفسخ، فلم ينفذ، ألا ترى أن المشتري لو وقف الشقص لم يلزم وقفه؟ لأن لزومه إسقاط حق الشفيع.
وكذلك لو أعتقت تحت عبد كان لها الخيار، فلو طلقها زوجها لم يقع الطلاق؛ لأن إيقاعه إسقاط خيارها.
وكذلك لو أعتق شركًا له في عبد قوم عليه نصيب شريكه، فلو أن شريكة أعتق نصيب نفسه لم ينفذ عتقه فيه؛ لأن فيه إسقاط حق المعتق.
والجواب: أن نفوذ العتق من الابن يسقط حق الأب في الرجوع، وكذلك نفوذ العتق من المشتري يسقط حق البائع من الرد إذا ظهر بالثمن عيب، ومع هذا ينفذ.
وأما ما ذكروه من المشتري إذا أوقف الشقص؛ فإنه يصح وقفه عن أصحابنا، ويسقط حق الشفيع، كما ينفذ العتق هاهنا؛ لأن الوقف كالعتق بدليل: أنه لا يلحقه الفسخ.
وأما الأمة إذا أعتقت تحت عبدٍ، وطلقها الزوج، وقع الطلاق؛ لأنه مطلق للفسخ.

وأما عتق الشريك نصيبه بعد عتق شريكه فإنما لم ينفذ؛ لأن ملكه زال يعتق الأول بالسراية، فلم يبق هناك ملك ينفذ عتقه فيه، وليس كذلك هاهنا؛ فإن ملك المشتري باقٍ على العبد، فلهذا نفذ.
واحتج بأن المشتري لو باع أو وهب أو عتق أو وقف وُقِفَ جميع ذلك على إمضاء البائع، كذلك العتق.
والجواب: أنه يمنع أن لا ينفذ بيعه وهبته، وينفذ عتقه؛ لما فيه من التغليب والسراية، كما قلنا في العبد المشرك: ينفذ عتقه في حصة شريكه، ولا ينفذ بيعه وهبته.

235 -

مسألة

إذا وطئ البائع الأمة قبل القبض رجع المشتري عليه بالمهر:

قال في رواية مهنا في من اشترى جارية، ووزن ثمنها، فوطئها البائع: فعليه الحد، فإن كان جاهلًا فعليه المهر للمشتري.
وقال أبو حنيفة: لا مهر عليه.
دليلنا: أنه لو وطئها بعد القبض لزمه المهر، فإذا وطئها قبله لزمه، كالأجنبي.

واحتج المخالف بأنه لو وجب العقد لتعلق وجوبه بالعقد؛ لأنه لو لم يجر بينهما عقد لما وجب بالوطء شيء، ولو تعلق وجوبه بالعقد لصار مبيعًا في الذمة، والمبيع في الذمة لا يثبت إلا على وجه السلم، وهذا ليس بسلم.
ولا يلزم عليه وطء الأجنبي؛ لأن وجوب العقد عليه لا يتعلق بالعقد؛ لأنه لو لم يكن هناك عقد، فوطئها، وجب عليه، فلا يصير مبيعًا في الذمة.
والجواب: أنه يبطل بالوطء بعد القبض؛ فإنه يلزمه، وإن لم يكن هناك معنى أوجبه إلا العقد؛ لأنه لو لم يكن هناك عقد لم يلزمه المهر.
وعلى أنا لا نقول: العقد أوجب المهر، وإنما زوال ملكه أوجب المهر.
...

254 -

مسألة

فإن باع البائع، أو وهب وأقبض، أو أوقف في مدة الخيار، لم ينفذ شيء من ذلك، ولم يكن فسخًا للبيع:

نص عليه في رواية إسماعيل بن سعيد في رجل باع ثوبًا من رجل، ثم باعه البائع من آخر قبل الافتراق، ولما يسلمه إلى المشتري الأول، واستهلكه البائع: هل يضمن المشتري الأول القيمة؟ وهل يؤخذ بالخلاص من حيث باع؟ فقال: يؤخذ بالخلاص، فإن لم يقدر أن يخلصه فعليه

قيمته يوم استهلكه، فإن كان مما يكال أو يوزن فعليه المثل.
فقد نص على أن تصرفه بالبيع باطل، ولم يجعله بذلك فاسخًا للبيع خلافًا لأصحاب الشافعي في قولهم: ينفذ ذلك منه، ويكون فسخًا للبيع.
وكذلك القول عندهم في العتق والوطء يكون فسخًا للبيع، وينفذ العتق.
دليلنا: أنا قد دللنا في المسألة التي قبلها أن عتقه لا ينفذ، فأولى أن لا ينفذ بيعه وهبته ووقفه؛ لأن للعتق من النفوذ ما ليس لغيره.
ولأن ما ذكرناه هناك من الدليل على إبطال العتق فهو دليل هاهنا، وهو أن ملكه قد زال بالبيع، فلم ينفذ بيعه وهبته ووقفه بحق الملك.
دليله: بعد انقضاء مدة الخيار.
ولأن أكثر ما فيه: أنه قد ثبت له حق الفسخ، وهذا لا يدل على جواز تصرفه كالواهب يملك الرجوع، ولا يصح تصرفه.
وكذلك إذا باع عبدًا بثوب، وظهر على عيب في الثوب، لم يصح تصرفه في العبد.
وإذا لم يصح تصرفه لم يكن ذلك فسخًا، كما لم يكن في العين الموهوبة، وفي المبيع إذا ظهر ببدله عيب، والمفلس، كذلك هاهنا.

فإن قيل: المعنى في تلك المسائل: أن الملك تام بدليل: أنه لا يمنع من التصرف، فلهذا لم يصح فسخ الملك فيه إلا بالصريح، والملك هاهنا ضعيف، فجاز فسخه بالكناية.
قيل: قد أجبنا عنه في ما تقدم.
واحتج المخالف بأنه لو أراد إتمام البيع والإمضاء لما تصرف هذا التصرف، فهو كما لو فسخ بالقول.
والجواب: أن الواهب لو أراد إتمام الهبة لم يتصرف هذا التصرف، وكذلك إذا باع عبدًا بثوب، وظهر على عيب في الثوب، لو أراد إتمام العقد لم يتصرف في العبد، وقد ثبت أن ذلك لا يفسخ الهبة والمبيع، فدل على أن وجوده كعدمه، وكذلك هاهنا.
واحتج بأن الفسخ تدارك الملك واسترجاعه، والملك يقع بالقول والفعل معًا؛ لأن يملك بالشراء، ويملك بالاصطياد والاحتطاب، كذلك تداركه له يكون بالفعل وبالقول.
والجواب: أن فسخ الهبة والمبيع إذا ظهر بالثمن عيب هو تدارك للملك، ولم يقم الفعل فيه مقام القول.

255 -

مسألة

إذا وطئ البائع في مدة الخيار قبل الفسخ مع علمه بالتحريم؛ فهل يجب عليه الحد؟

فنقل أبو بكر في كتاب (الخلاف) عن أحمد في رواية مهنا: إذا وطئ البائع قبل الافتراق، فعليه الحد إن كان عالما، وإن وطئها المشتري، فلا حد؛ لأن الملك له خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولها: لا حد، ويكون ذلك فسخًا للبيع.
دليلنا: أنه بيع صحيح، أو بيع منعقد، إذا تعقبه وطء البائع أو وجب الحد.
دليله: إذا لم يكن في البيع خيار، أو تبايعا على أن لا خيار بينهما.
ولأن أكثر ما فيه: أن له حق الفسخ، وهذا لا يسقط الحد، كما لو باع جارية بثوب، ووجد بالثوب عيبًا، ملك فسخ البيع، فلو وطئها قبل الفسخ وجب الحد، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأن له فيها ملكًا، أو شبهة ملك.
ولأن هذا مختلف في كونه ملكًا له؛ لأن من الناس من قال: ما زال ملكه، فصار شبهًة، وجرى مجرى الوطء في النكاح بلا ولي، وبلا شهود.
والجواب: أن شرب النبيذ شبهة؛ لأنه مختلف في إباحته، وفي

إيجاب الحد فيه، ومع هذا يجب الحد عند الشافعي.
وإذا قتل الجماعة قتلوا به، وإن كان مختلفًا فيه.
كذلك إذا وطئ امرأة وجدها على فراشه يظنها زوجته، فبان أنها أجنبية، فعليه الحد عند أبي حنيفة، وإن كان هذا مختلفًا فيه.
وأما النكاح بلا ولي، وبلا شهود، ففيه تفصيل: فإن كان جاهلًا بتحريم ذلك؛ بأن يكون أسلم قريبًا، فتخفى عليه الأحكام، لم يجب الحد.
وإن كان يعرف حكم ذلك، لكنه كان حنفيًا يعتقد إباحة الوطء في هذا النكاح، فلا حد عليه أيضًا؛ لأنه وطئ وطئًا يعتقد الإباحة.
وإن كان يعتقد تحريم ذلك؛ بأن يكون حنبليًا، أو شافعيًا؛ فهل عليه الحد، أم لا؟ على روايتين: إحديهما: عليه الحد كمسألتنا.
فعلى هذا: لا فرق بينهما.
والثانية: لا حد عليه؛ لأنه مختلف في إباحته؛ فمن الفقهاء من أباحه.

وأما في مسألتنا فمجمع على تحريمه، ومن أسقط الحد فيه لأجل الشبهة، لا لأنه مباح.
...

256 -

مسألة

إذا كان المبيع عبدًا، فمات في مدة الخيار، لم يبطل الخيار في أصح الروايتين:

وبه قال الشافعي.
وفيه رواية أخرى: يبطل.
وفائدة الخلاف: أنهما إذا لم يجز البيع، وفسخاه بعد التلف، بماذا يرجع البائع على المشتري إذا كان تلف المبيع في يده؟ على روايتين: إحديهما: يرجع عليه بالقيمة.
والثانية: يرجع بالثمن المسمى.
فإن قلنا: يرجع بالقيمة، فالخيار بحاله؛ لأنه قد ملك الفسخ، وتعذر الرجوع في العين، فوجب الرجوع في القيمة.
وإن قلنا: يرجع البائع على المشتري بالثمن، فالخيار قد بطل؛ لأنه غير مالك للفسخ، فرجع بالمسمى لبقاء العقد.
وقد نقل ابن القاسم وصالح عنه: إذا أعتق المشتري العبد نفذ عتقه، ورجع البائع عليه بالقيمة.

وهذا يدل على أنه كان له الفسخ.
ونقل أبو الحارث والميموني: إذا أعتق نفذ عتقه، ورجع عليه بالثمن.
وهذا يدل على أنه لا يملك الفسخ.
وهذا اختيار الخرقي وأبي بكر.
ووجه الدلالة: أن الخيار مدة ملحقة بالعقد، فلم تبطل بتلف المبيع بعد القبض دليله: الأجل.
فإن قيل: الأجل يحل بالثمن، والثمن محله الذمة، والذمة لم تتلف بتلف المبيع، فمثاله أن يموت من عليه الحق المؤجل، فيبطل الأجل، ويحل الحق.
قيل: لا يبطل الأجل بموت من عليه الحق على المذهب الصحيح، ولا يبطل- أيضًا- بإفلاس المشتري رواية واحدة، وإن كانت الذمة قد خربت وتلفت بدليل أن المبتاع أحق بالرجوع في عين المبيع.
واحتج المخالف بأنه خيار فسخ، فبطل بتلف المبيع.
دليله: خيار الرد بالعيب، و [في] الهبة، وخيار الإقالة.
وذلك أنه لو كان المبيع عبدًا، فمات، ثم ظهر على عيب بعد موته، لم يملك الرد، وكذلك لو تلف البيع لم تصح الإقالة، وكذلك

جارٍ التحميل