التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 447-486

وإن شاء فسخه, وردها؛ لأن العقد فاسد.
قيل له: هذا التأويل مخالف لجميع ما نفل في الخبر؛ لأنه قال: (لا تصروا الإبل والغنم للبيع).
فعلق الحكم بالتصرية, وفي الموضع الذي ذكروه الحكم متعلق بالشرط.
ثم قال: (فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها).
ولا أثر لهذا الحلب في ذلك الموضع, [وإنما] يحتاج أن يتفق البائع والمشتري على إسقاط الشرط, وإقرار العقد.
وقال: (ردها وصاعًا من تمرٍ).
وفي ذلك الموضع لا يجب رد التمر.
فإن قيل: فهذا الخبر مخالف للأصول, وخبر الواحد إذا خالف الأصول وجب رده.
ووجه المخالفة: من وجوه: أحدها: أن من أتلف شيئًا له مثل, وجب عليه رد مثله, واللبن له مثل.
ولأنه يؤدي إلى أن يقوم عليه اللبن بصاع, ثم سواء كانت قيمته صاعًا, أو أقل, أو أكثر, وهذا مخالف للأصول؛ لأن من غصب من رجل لبنًا, واستهلكه, لم يقوم عليه بصاع من تمر.

ولأن القيمة يصار إليها عند فوات العين, وعندهم: أن اللبن لو كان قائمًا بعينه, فأراد المشتري رده, لم يجبر البائع على قبوله, وكان له أن يطالبه بصاع تمر.
ولأنه يجوز أن يكون ثمن الشاة في الأصل صاع تمر, فإذا ردها, ورد معها صاعًا من تمر, حصل للبائع الشاة ومقدار ثمنها, ويجوز أن يكون ثمنها أقل من صاع, فتحصل له الشاة وأكثر من ثمنها.
قيل له: الخبر إذا كان مخالفًا للأصول كان أصلاً بنفسه, وثبت كثبوت سائر الأصول, ووجب المصير إلى موجبه, كما يجب المصير إلى غيره, فلئن وجب رده لمخالفة الأصول, وجب رد الأصول لمخالفته.
ولا يمتنع أن تكون الأصول مختلفة, ولهذا عمل أبو حنيفة بخبر نبيذ التمر في الوضوء, وخبر القهقهة, وخبر الأكل ناسيًا مع اعترافه أنه مخالف للأصول المرتبة في الشريعة, كذلك هاهنا.
وعلى أن ليس فيما ذكروه مخالفة للأصول.
فأما قولهم: (إن من أتلف شيئًا له مثل, وجب رد مثله, واللبن له مثل), فلا يصح؛ لأنه إنما يجب رد مثله إذا كان معلومًا, واللبن هاهنا مجهول المقدار؛ لأنه في الضرع, وقد اختلط بما حدث بعد العقد للمشتري, ولا سبيل له إلى الوقوف على قدره, [و] في إيجاب عوضه من جنسه ما يؤدي إلى الربا؛ لأن الصاع منه يجوز أن يزيد عليه, ويجوز أن ينقص عنه, فيكون ربًا, فأوجب من جنس التمر؛ لئلا يؤدي إلى الربا.

فإن قيل: لو اختلط لبن شاته بلبن شاة غيره, لم يجب العدول إلى غير جنسه, بل يجعل بينهما.
قيل له: ذلك اللبن لا سبيل إلى الوقوف على مقداره قبل الخلط, وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لا سبيل لنا إلى معرفة مقداره؛ لأن اختلاطه من أصل الخلقة, فهو كالجنين؛ لا سبيل لنا إلى معرفة صفته بحال, فجعل فيه الغرة قطعًا للخصومة.
وجواب آخر, وهو: أن المضمونات على ضربين: منها ما يضمن بالمثل.
ومنها ما يضمن بالقيمة.
وما يضمن بالقيمة من جنسه ما لا يضمن بالقيمة, كالعبيد؛ يضمنون بالقيمة, والأحرار من جنسهم لا يضمنون بالقيمة, وجب أن يكون من جنس ما يضمن بالمثل ما لا يضمن بالمثل, ويضمن بالقيمة.
وأما قولهم: (هذا يؤدي إلى أن يضمنه بأكثر من قيمته, أو أقل), فلا يصح أيضًا؛ لأنه إنما لا يجوز ذلك في الموضع الذي يعرف مبلغ المتلف, وفي هذا الموضع اللبن مجهول المقدار, فيقع التداعي والخصومة في قدره, فأوجب فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - مقدار, فيقع التداعي والخصومة في قدره, فأوجب فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - مقدارًا معلومًا قطعًا للخصومة, كما أوجب ذلك في الجنين غرة؛ عبدًا أو أمة؛ سواء كان ذكرًا أو أنثى؛ لقطع الخصومة, ولأنه قد لا يبين فيه أنه ذكر, أو أنثى, وربما خرج منقطعًا.

فإن قيل: لم يوجب في الجنين الغرة لما ذكرت؛ لأنه لو كان كذلك, لوجب إذا اختلط لبن غيره بلبن شاة نفسه أن يجب فيه شيء مقدر.
قيل له: قد أجبنا عن هذا, وبينا الفرق بين اختلاط اللبن من أصل الخلقة, وبين اختلاطه بعد ذلك.
فإن قيل: لو لم يوجب الغرة لكان قياس الأصول, فوجب أن يكون القول قول الجاني مع يمينه, وتنقطع الخصومة؛ وقد أوجب فيه الغرة مع إمكان الفصل بينهما بالتمييز, فعلم أنه لم يوجب لما ذكرته.
قيل له: إنما لم يقطع الخصومة باليمين؛ لأنه يؤدي إلى إسقاط الضمان, والدماء يحتاط لها, فلما أوجب الضمان في ذلك قدره بالغرة قطعًا للخصومة؛ لأجل الاختلاف والاحتمال الحاصل في ذلك.
وأما قولهم: (إن القيمة يصار إليها عند فوات العين, واللبن هاهنا قائم بعينه), فلا يصح.
قيل له: باختلاطه باللبن الحادث فقد فاتت العين, ولهذا رجع إلى قيمتها.
وأما قولهم: (إنه يجوز أن تكون قيمة الشاة صاعًا, فيردها, ويرد معها صاعًا, فيجتمع له الثمن والمثمن), فلا يصح؛ لأن الصاع الذي يأخذه ليس ببدل عن الشاة, وإنما هو بدل عن اللبن الذي احتلبه, فلا يؤدي إلى اجتماع العوض والمعوض.

وعلى أن مثل هذا موجود في الأصول, وذلك أن رجلاً لو ملك عبدًا قيمته صاع من تمر؛ فإنه تجب عليه زكاة الفطر صاع من تمر, وإن كانت الأصول مبنية على أن زكاة المال لا تكون مثل المال, بل يؤدي قليلاً من كثير.
والقياس أنه تدليس بما يختلف به الثمن, فوجب أن يثبت الخيار.
أصله: إذا سود شعر الجارية المبيعة, ثم نصل الخضاب, وصارت شمطاء؛ فإن الخيار للمشتري.
وكذلك لو باع رجلاً أرضًا قد صر صاحبها الماء, وجمعه في موضع, ثم أرسل عند العقد حتى شاهده المشتري, فرغب في الشراء, ثم نقص الماء, وعلم أنه صراه؛ أنه يملك الخيار في الفسخ, كذلك هاهنا.
ولا يلزم عليه إذا علف الشاة حتى امتلأت خواصرها, وصارت كأنها حبلى؛ لأن هذا ليس بتدليس على ما نبنيه فيما بعد.
فإن قيل: الشمط عيب, فإذا دلس به ثبت الخيار, وليس كذلك نقصان اللبن؛ فإنه ليس بعيب, فتدليس البائع إياه لا يثبت الخيار, وكذلك نقصان الماء عن دوران الرحل عيب في نفسه.

قيل له: الشمط ليس بعيب؛ لأن ذلك من أصل الخلقة؛ لأن الله- تعالى- خلق الشعر على صفة قد يكون في بعض أحواله أسود, وفي بعضه أبيض, ولعله يمكث في حال بياضه أكثر وأمد.
فإن قيل: فيجب إذا اشترى جارية, ووجد شعرها أبيض, أن لا يكون له ردها بذلك, إلا أن يكون شرط سواده, أو دلس البائع بتسويده, فيثبت الخيار, كما إذا سود البقرة, ثم تبين أنا شقراء, كان له الخيار, وإن لم يسوده إلا سود البقرة, ثم تبين أنها شقراء, كان له الخيار, وإن لم يسوده إلا أنه وجدها شقراء, لم يكن له الخيار.
وقد أومأ أحمد 'لى هذا في رواية حنبل: وذكر له قول شريح: إنه كان يرد من الشامة ومن الشيب إذا غير.
فقال أحمد: هذا نقص في السلعة, وهو عيب يرد به.
فجعله عيبًا عند التدليس.
واحتج المخالف بأن نقصان اللبن, أو فقده أصلاً, ليس بعيب في الشاة, ألا ترى أنه لو اشتراها, ولم تكن مصراة, فوجدها تحلب قليلاً, أو لم يكن لها لبن اصلاً, لم يكن له أن يردها؟ فتدليس البائع وإيهامه أنها على الصفة التي ظنها المشتري لا يثبت الخيار, إذا وجدها المشتري على خلاف ما ظنه, كما لو أشبعها, أو سقاها, فامتلأت خواصرها, وانتفخت, فظن المشتري أنها حامل, ثم

تبين أنها حائل, لم يكن له أن يردها للمعنى الذي ذكرنا.
وكذلك لو سود أنامل عبده, وترك بين يديه دواة وقلمًا وقرطاسًا, فظن المشتري أنه كاتب, ثم تبين أنه ليس بكاتب؛ أنه ليس له أن يرده؛ لأن فقد هذا المعنى ليس بعيب فيه, فإيهام البائع أنه على هذه الصفة لم يثبت للمشتري الخيار, كذلك في مسألتنا.
والجواب: أن هذا يبطل به سود الشعر؛ فإن البياض ليس بعيب, ومع هذا إذا قصد التدليس بسواده ملك الخيار.
وعلى أن امتلاء الخواصر بالعلف ليس بتدليس, وكذلك سواد أنامل العبد؛ لأن انتفاخ الخواصر وامتلاءها يكون كل يوم من العلف, فمن قدره أنه حمل, فإنما غلط فيه من غير تدليس من البائع.
وكذلك المداد على الثوب قد يكون لأنه صاحب دواة, أو غلام لولده في الكتاب, وإذا كان كذلك, كان تقديره باطلاً, وقد أتي من قبل نفسه دون البائع.
والذي يبين صحة هذا: أنه لو ابتاع شاة ضرعها عظيم الخلقة, فظن ذلك لكثرة اللبن, ثم بان ذاك لكثرة لحمه وعظمه, لم يكن له الرد؛ لعدم التدليس من البائع, وإن كان المشتري قد ظن كثرة اللبن.
واحتج بأن نقصان اللبن لو كان عيبًا, لكان كماله من موجب العقد,

ولو كان من موجبه لكان فقده عيبًا, ألا ترى أن نقصان سائر الأعضاء لما كان عيبًا, كانت سلامتها من النقص موجبة بالعقد, وإذا وجد شيء منها ناقصًا كان له الخيار؛ سواء أوهم البائع في العقد أنها سليمة وأنها صحيحة, أو لم يوهم, ألا ترى الشمط في الجارية؛ لما كان عيبًا, كان فقده عنها وذهابه من مقتضى العقد, فمتى وجدها على هذه الصفة, كان له أن يردها؛ سواء أوهم البائع في حال العقد بتسويد شعرها, أو لم يوهم.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يثبت الفسخ بالإيهام والتدليس, وإن لم يثبت بالإطلاق بدليل: أنه لو باعه رحى قد صر الماء في موضع, وأجراه حين العقد, ملك الفسخ, ولو لم يفعل هذا لم يكن للمبتاع الفسخ.
وكذلك لو ابتاع عبدًا على أنه خباز, فبان بخلافه, ملك الفسخ؛ لأنه كالمدلس له بالشرط, ولو لم يشرط ذلك, لم يكن له الفسخ.
واحتج بأن التصرية لو كانت عيبًا يثبت الخيار للمشتري لوجب أن يكون الخيار مبهمًا, ولا يكون موقتًا بالثلث, كسائر العيوب لا يتوقت الخيار فيها؛ لأن عندنا وعندكم إذا علم العيب فهو على خياره ما لم يرض به, أو يفعل ما يستدل به على الرضا, وعند غيرنا إذا علم بالعيب,

فلم يرده مع القدرة على الرد بطل خياره.
وقد قلتم في مسألتنا: لو علم بالتصرية قبل مضي الثلاث, فلم يردها, وأمسكها إلى تمام الثلاث, فإنه يبطل خياره, علم أنها ليست عيبًا, وهو ظاهر كلام أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم: يحبسها ثلاثة أيام.
والجواب: أنه لابد هاهنا من مضي مدة لتحقق التصرية, فقدرت بثلاثة أيام, كما لو قدر مخالفنا خيار الشرط بثلاثة أيام.
...

321 -

مسألة

إذا ابتاع جارية فولدت, أو نخلاً فأثمرت, ثم ظهر على عيب, كان له الرد بالعيب, وإمساك النماء:

نص على هذا في رواية أبي طالب في رجل اشترى أمة, فولدت عنده: فإن شاء ردها, وإن شاء أمسكها.
ومعناه: يردها بالعيب.
فقد أثبت له الرد هاهنا, وإن لم يبين حكم الولد؛ هل هو له, أم لا؟ وقال في رواية ابن منصور: إذا اشترى غنمًا, فنمت, ثم استحقت, فالنماء له, إلا في المصراة؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يرد معها صاعًا), وأما غير ذلك فالخراج بالضمان.
فقيل له: قال الثوري: يردها ونماءها, والجارية إذا ولدت مثل ذلك.
فقال أحمد: لا.

فقد نص على أنه يملك الرد, ويمسك النماء.
ونقل ابن منصور في موضع آخر في من اشترى سلعة, فنمت عنده, وبان بها داء: فإن شاء المشتري حبسها, ورجع بقدر الداء, وإن شاء ردها, ورجع عليه بقدر النماء.
فظاهر هذا: أنه لم يحكم له بالنماء, والأول أصح, وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: ليس له الرد, ويرجع بأرش العيب.
وقال مالك في الجارية: يردها, ويرد ولدها.
وفي الثمرة: يمسكها, ويرد الأصل.
فالدلالة على أن حدوث النماء لا يمنع الرد في الجملة: أن النماء معنى إذا تلف لم يمنع من رد الأصل بالعيب, فوجب أن لا يمنع مع ثباته.
أصله: الكسب.
وقيل: لا يمنع من الرد بعد فواته, فلا يمنع من ثباته.
وقيل: لا يمنع من الرد بعد فنائه, فلا يمنع مع ثباته, كالكسب.
فإن قيل: إذا تلف النماء فكأنه لم يوجد, كما إذا حدث في يده عيب, لم يجز له رده, فإذا زال العيب, كان له رده, وكان بمنزلة ما لم يوجد.

قيل له: فيجب إذا أتلفه أن يجوز له رده, ويكون بمنزلة ما لم يوجد, وقد قلت: لا يجوز له رده, وإن كان قد تلف... وليس كذلك العيب؛ فإنه لا فرق بين أن يزول بنفسه, وبين أن يزيله مثل الآثار التي تزال بالعلاج.
فإن قيل: المعنى في الكسب: أنه بدل منافع المبيع, وليس بنماء حادث من نفسه, وليس كذلك الولد والثمرة؛ فإنهما حادثان من نفس المبيع, فلم يجز رد ذلك الأصل, وتبقية النماء الحادث منه.
قيل له: المنفعة حادثة من نفس المبيع, وبدلها قائم مقامها, وذلك كان بمنزلة الولد والثمرة الحادثان من نفس المبيع.
ولأن سبب ملك الكسب, وهو سبب ملك الولد والثمرة؛ لأن المشتري يملك الكسب بمبك الأصل, كما يملك الولد والثمرة بملك الأصل, والبيع سبب الملك للأصل, فكان حكم الكسب حكم النماء, فإذا كان الكسب لا يمنع من الرد, كذلك النماء.
ولأن الولد مودع في الأم غير متصل بها, والثمرة متصلة بالأصل لا تنفصل إلا بالقطع, وحكمهما سواء, كذلك الكسب يجب أن يكون حكمه حكمها, وإن خالفهما.

فإن قيل: الكسب ليس بموجب بالعقد, والولد موجب به, فلا يجوز أن يفسخ العقد فيها, ويبقى موجبه في يده.
قيل له: الكسب بمنزلة النماء من الوجه الذي ذكرنا, وهو أن سبب ملك الكسب هو سبب ملك الثمرة, والثمرة والولد موجب بالعقد, كذلك الكسب.
ولأن الكسب قائم مقام المنفعة الحادثة من نفس المبيع وبدلها, وكذلك الثمرة والولد.
فإن قيل: المغرور لا يرجع على البائع بما غرم من الكسب, ويرجع بما غرم من قيمة الولد والثمرة.
قيل له: يرجع على 'حدى الروايتين, وهي المشهورة.
فإن قيل: أليس قد قال أحمد في رواية إبراهيم بن هانئ في امرأة أقرت أنها أمة, فباعها رجل, ووطئها المشتري: فليس لها شيء؛ لأنه وطئها على أنها أمته.
فقد أسقط المهر هاهنا.
قيل له: إنما أسقطه؛ لأن الغرور جاء من جهة المستحق, وهي المرأة, فلهذا لم تستحق؛ لأنها أذنت له في وطئها.
وقياس آخر, وهو: أنه نماء حادث في ملك المشتري, فوجب أن لا يمنع من رد الأصل بالعيب.

دليله: إذا حدث في يد البائع قبل تسليمه إلى المشتري.
ودليله: النماء المتصل, كالسمن والطول.
فإن قيل: المعنى فيه إذا حدث في يد البائع: أنه دخل في التسليم المستحق بالبيع, فصار بمنزلة المبيع, وليس كذلك إذا حدث في يد المشتري؛ فإنه لم يدخل في البيع, ولا في التسليم المستحق بالبيع, فلم يجز رده بالعيب, ولا رد الأصل مع تبقيته.
قيل له: النماء الحادث في يد البائع قبل التسليم لم يدخل عندنا في التسليم المستحق بالبيع, وإنما وجب عليه تسليمه إلى المشتري بحق الملك دون العقد, وقد قال أصحابنا: إذا أصدقها غنمًا بعينها, فتوالدت, ثم طلقها قبل الدخول, كانت الأولاد لها.
ولم يفرقوا بين أن يحدث الأولاد في يد الزوج, أو في يدها.
واما علة الفرع؛ فإنها منتقضة بالزيادة المتصلة؛ فإنها لا تمنع من الرد, ولم تدخل في البيع, ولا في التسليم المستحق بالبيع.
وقياس آخر, وهو: أن كل عقد لا يمنع وجود الكسب والنماء المتصل.
دليله: الهبة؛ فإن الرجوع في الهبة لما جاز مع وجود الكسب من الموهوب, جاز مع وجود النماء فيه.
فإن قيل: النماء غير موجب بعقد الهبة, وهو موجب بعقد البيع.

قيل: هو موجب بهما؛ لأن العقد سبب ملك النماء على ما تقدم بيانه.
فإن قيل: المغرور يرجع على البائع بقيمة الولد, ولا يرجع المغرور على الواهب.
قيل له: يرجع في الهبة على الواهب, كما يرجع على البائع؛ لأن الغرور منهما واحد.
وقياس آخر, وهو: أن النماء معنى لم يحصل به نقص في عين المبيع, ولا في قيمته, فلم يبطل به حق الرد إذا لم يتضمن الرضا بالعيب.
دليله: الاستخدام وركوب الدابة.
يبين صحة هذا: أن الولادة وحدوث الثمرة وحلب لبن المصراة ليس بنقص في العين, ولا في القيمة, وأن ذلك لو وجد في يد البائع قبل القبض لم يثبت للمشتري فيه حق الرد, ولو كان نقصًا لثبت له ذلك.
ولا يلزم عليه إذا زوج العبد والأمة, أو أحدهما؛ لأن ذلك- وإن لم يكن نقصًا في العقد- فإنه نقص في القيمة.
على أن أحمد قد توقف عن الجواب في ذلك, فقال مهنا: سألته

عن رجل اشترى جارية, فزوجها رجلاً, فولدت منه, ثم ظهر بها عيب, فأعرض عني, ولم يخبرني بقوله, وقال: قد اختلفوا, ولو قلت معنى لم يتضمن الرضا أجزأ.
وأجود من هذا أن نقول: أصاب عيبًا لم يقف على محله, فملك الرد, كما لو لم ينم.
واحتج المخالف بأنه لو جاز له أن يردها بالعيب لم يخل؛ إما أن يفسخ العقد بالجارية والولد, أو فيها دون الولد.
ولا يجوز أن يفسخ فيهما؛ لأن الولد لم يقع عليه العقد, ولم يدخل في التسليم الموجب بالعقد.
ولا يجوز أن يفسخ فيها دون الولد؛ لأن الولد- وإن لم يقع عليه العقد- فهو موجب بالعقد بدليل: أن المغرور يرجع بقيمة الولد على الغار, فلولا أن البائع قد أوجب له سلامة الولد, كما أوجب سلامة الأم لما رجع عليه بقيمته, كما لا يرجع بسائر ما يستحق عليه مما لم يوجب له البائع سلامته.
وإذا ثبت أن الولد موجب بالعقد, لم يفسخ العقد في الأم, ويبقى موجبه في يد المشتري؟ فإذا بطل الوجهان لم يبق فيها لجواز الفسخ وجه, ولا يشبه الجارية الموهوبة إذا ولدت في يد الموهوب له ولدًا, ثم أراد الواهب أن يفسخ

الهبة في الأم؛ أنه يجوز, ولا يمنع الولد الرجوع في الأصل؛ لأن ولد الموهبة غير موجب بعقد الهبة, ألا ترى أن الموهوب له إذا استولد الجارية, فاستحقها رجل, أخذ الجارية, وضمنه قيمة الولد, ولا يرجع الموهوب له على الواهب بما ضمن, والمشتري يرجع.
ولا يلزم عليه الكسب؛ لأنه ليس بموجب بالعقد, والولد موجب به.
والجواب: أن هذا منتقض بالكسب, وبالرجوع في الهبة من الوجه الذي ذكرنا, وأن ذلك موجب بالعقد, ومع هذا لا يمنع.
وعلى أنه لا يمتنع رفع العقد مع بقاء موجبه, كما يتزوج امرأة, ثم يطلقها, فيبقى تحريم أمها, وتحريمها على ابنه وأبيه, ويفسخ البيع, ويبقى المبيع في يده على ضمان البيع.
وقد قيل في جواب هذا طريقة أخرى, [وهي]: أن الأولاد ليسوا من موجب العقد؛ لأنهم لم يكونوا موجودين حال العقد, وإنما يتعلق حكم العقود بالأعيان.
يبين صحة هذا: أن حالفًا لو حلف: أن لا يأكل مما اشتراه زيد, فأكل من نتاج ذلك الشيء ولبنه, لم يحنث.
فثبت أن العقد لم يتعلق بهم, وإنما رجع المشتري على البائع

بقيمة الأولاد؛ لأنه ضمن له سلامة المبيع, ومن سلامته أن لا يلزمه غرم لأجله, فحين لم يسلم له ذلك رجع عليه بما غرمه, ألا ترى أن الثمن الذي غرمه المشتري بالعقد لا يتوزع على الأم وعلى الأولاد, فلم يرجع بالثمن لأجل الأم, وبالقيمة لأجل الأولاد؟ ولو كان العقد قد تناول الجميع, وتعلق حكمه بهم؛ لتوزع الثمن عليهم, كما يتوزع على سعرٍ, يعقد عليها عقدًا واحدًا.
واحتج بأن من أصلنا: أن الرد بقضاء قاضٍ يوجب رفع العقد من الأصل, وعود الشيء إلى ملك البائع على حكم الملك الأول, وإذا انفسخ العقد من الأصل, صار كأن الولد حصل في ملك البائع, فيجب رده عليه, ولما اتفقوا أنه لا يرد, ثبت أن الأم لا ترد.
ولا يلزم عليه الكسب؛ لأن العقد إذا انفسخ من الأصل, صار كأن الكسب حدث عل ملك البائع, وحدوثه على ملكه لا يوجب رده عليه, ألا ترى أنه لو غصب جارية, فاستغلها لم يجب عليه أن يرد على المغصوب منه, وإن كانت الغلة حادثة على ملكه؟ والجواب: أنا لا نسلم: أن الرد بالعيب بقضاء قاضٍ يوجب فسخ العقد في الأصل, وإنما هو فسخ في الحال, وهذه طريقة في المسألة.
والدلالة على ذلك: أنه فسخ بيع, فكان فسخًا في الحال, كالإقالة.
فإن قيل: الإقالة تدخل الشيء في ملكه بقبوله, فيصير كبيع مستقبل, وليس كذلك هاهنا؛ لأن الشيء يدخل في ملكه بغير قبوله,

فوجب أن لا يكون حكم ملكه حكم ملك مستقبل, كالوارث.
قيل له: علة الأصل تبطل بالمشتري إذا وجد العيب بعد القبض, فعندهم لا يرجع المبيع إلى البائع إلا برضاه وقبوله.
وليست الإقالة ببيع مستقبل, وإنما هو رفع عقد؛ لأنه لو كان فسخًا للعقد من الأصل لوجب أن يكون الكسب للبائع, فإذا وهب له هبة, أو أوصى له بوصية, ثم رد بالعيب أن يكون ذلك للبائع؛ لأنه حدث في ملكه, كما لو ابتاع شيئًا ابتياعًا فاسدًا, ثم ترادا؛ فإن النماء الحادث في يد المبتاع للبائع, فلما لم يكن للبائع, ثبت أنه قطع للعقد في الحال.
فإن قيل: فيجب أن تجب الشفعة؛ لأنه تمليك مبتدأ, وأن لا يرد على بائعه بالعيب.
قيل له: إنما لم تجب الشفعة؛ لأنها تستحق بالعقود, لا بالفسوخ, ألا ترى أنها لا تتعلق بالإقالة؛ لأنها فسخ, وإن كانت قطعًا للملك في الحال؟ وعلى أن الشفعة حجة لنا؛ لأنه لو كان رفعًا للعقد لوجب أن يسقط حق الشفعة بالفسخ, وأجمعنا على أنه لا يسقط.
وأما الرد بالعيب فلأنه لم يسلم له ما عقد عليه, فهو كالفسخ بالعنة؛ تملكه الزوجة, وهو فسخ في الحال.
واحتج بأن النماء مال جعل في يد المبتاع بسبب رقبة المبيع, فمنعه

من الرد بالعيب, كما لو كان المبيع عبدًا, فجنى عليه جناية, فأخذ المبتاع أرشها؛ فإن أخذه للأرش يمنع الرد بالعيب, كذلك إذا كانت جارية, فولدت, وأخذ ولدها, وجب أن يمنعه ذلك من الرد بالعيب.
والجواب: أنه يبطل بالكسب؛ فإنه حصل في يده بسبب الرقبة, ومع هذا لا يمنع الرد.
وعلى أن الجناية وأخذ الأرش لا يمنع الرد بالعيب على الصحيح من الروايتين, وهذه مسألة تأتي, ويمنع على الرواية الأخرى, ولكن ليس المانع هناك حصول المال, وإنما المانع النقص, ألا ترى أنه لو ذهبت يد العبد بأمر سماوي, منع الرد, وإن لم يكن هناك مال, فسقط ما قاله.
فصل.
والدلالة على أن له إمساك الولد ورد الأم خلافًا لمالك: ما روت عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الخراج بالضمان).
وروي في لفظ آخر: (الغلة بالضمان)؛ يعني: أن غلة الشيء تكون لمن ضمانه عليه, وضمان المبيع بعد العقد يكون على المبتاع, واسم الغلة يقع على الثمرة والولد وغير ذلك.
ولأنه نماء حادث في ملك المبتاع, فكان له إمساكه, ورد الأصل.

دليله: الثمرة.
واحتج المخالف بأن الحمل يجري مجرى الأعضاء بدليل: أنه يعتق بعتقها, فلما وجب رد أجزائها التي وقع عليها العقد, وإن زادت وعظمت في يد المشتري, كذلك الحمل.
الجواب: أن الأعضاء كانت موجودة حال العقد, فهي كالحمل الموجود حال العقد, فلهذا وجب ردها, وليس كذلك هاهنا؛ لأنه نماء حدث بعد العقد, فهو كالثمرة.
واحتج بأنه حكم ثبت في رقبة الأم بسبب عقد, فوجب أن يكون ما حدث من الولد في حكمها.
دليله: ولد المكاتبة والمدبرة.
والجواب: أن هناك تبعها ولدها تغليبًا للحرية؛ لأن عقد الكتابة والتدبير أوجب عتاق الأم, فجاز أن نتبع الولد في حكمه تغليبًا للحرية؛ لأن مبناها على التغليب والسراية, وليس كذلك البيع والتسليم المستحق؛ فإنه غير مبني على التغليب, فلم يسر إلى الولد.
واحتج بأن ولد الماشية يتبعها في إيجاب الزكاة, وكذلك ولد الأضحية يتبعها في الإيجاب, كذلك هاهنا.
والجواب: أنا نقول له: لم كان كذلك؟ وما العلة الجامعة بينهما؟ على أن هذا يقابله أن ولد الجانية والمستأجرة لا يتبعها ولدها.
ثم ولد الأضحية حجة لنا, وذلك أن حق الفقراء تعلق بالأم,

فالولد يحدث على حكم ملكهم, فكان الولد تابعًا للأم في الأضحية, وهاهنا الولد يحدث على ملك المشتري, فيجب أن يكون الولد له.
وأما الزكاة فالمعنى فيها: أن الحول حال وهناك أولاد موجودون, فتعلق الإيجاب بهم, فمثاله: أن يكون هناك حمل موجود حين العقد, فيتبع الأم في الرد, ومثال الزكاة من مسألتنا: أن يحدث الأولاد بعد الحول, فلا يتبعون الأم في الإيجاب, كما حدث الولد هاهنا بعد العقد, فلا يتبع الأم في الرد.
...

322 -

مسألة

إذا اشترى أمة حاملاً, فولدت عنده, ثم وجد بها عيبًا, فأراد رد الأم, وإمساك الولد, لم يكن له ذلك, وكان بالخيار بين رد الأم مع الولد, والإمساك وأخذ الأرش:

أومأ إليه في رواية ابن منصور: وذكر له قول سفيان في رجل باع جارية, أو شاة, فولدت, أو نخيلاً لها ثمرة, فوجد بها عيبًا, أو استحق: أخذ منه قيمة الثمرة وقيمة الولد, إن كان أحدث فيهم شيئًا, أو كان باع, أو استهلك, فإن كان مات, أو ذهب به الريح, فليس عليه شيء.
قال أحمد: كما قال.
وظاهر هذا: أنه لم يحكم له بالنتاج, ولا الثمرة؛ لأنه قال: يضمن

قيمة ذلك إذا رد الأم عند تعذر الرد فيهم, وليس هذا إلا على أن ذلك كان موجودًا حال العقد؛ لأنه قد نص فيما تقدم: أن الولد من الخراج, وأنه للمبتاع, فهو محمول على الولد الحادث.
وقوله: (إن مات أو تلف بجائحة لم يضمن)؛ لأن ذلك حصل في يده بسبب أذن فيه المالك, لا لينفرد بمنفعته, فلهذا لم يضمنه بغير عدوان, كالوديعة والعين المستأجرة.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل هذا.
والثاني: له إمساك الولد, ورد الأم.
وأصل هذا الخلاف: هل للولد حكم نفسه؟ ومعناه: إذا باع جارية حاملاً, أو ناقة حاملاً, فقسط الثمن عليهما, كأنه باع ناقة وفصيلها, وهو أحد القولين للشافعي.
وعلى القول الثاني: لا حكم له بنفسه, فهو كالسمن, فلا يأخذ قسطًا من الثمن, وإذا وضعت كأنه نماء تجدد حين الانفصال.
دليلنا: أن كل ما كان له قسط من الثمن إذا كان منفصلاً, كان له قسط منه إذا كان متصلاً, كاللبن.
أو نقول: مستكن يؤول إلى حال الظهور والانتفاع, فوجب أن يأخذ قسطًا من الثمن, كاللبن.
ثم الحمل أشبه الأشياء باللبن؛ لأن كل واحد منهما في وعاء يؤول

إلى حال الظهور والانتفاع.
واحتج المخالف بأنه لما تبع الأصل في العتق والبيع والذكاة, يأخذ قسطًا من الثمن, كاليد والرجل والسمن.
والجواب: أن اعتبار الحمل باللبن, أشبه من اعتباره بالأعضاء؛ لما ذكرنا, وهو: أنه مودع فيها, ومستكن فيها, ويفارق الأعضاء؛ لأنها متصلة بها.
فإن قيل: أليس لم يجعلوا له حكمًا في صحة اللعان عليه لنفي النسب؟ ولم يجعلوا له حكمًا في صحة الاستثناء في عقد البيع؟ كذلك يجب أن لا يجعلوا له حكمًا هاهنا.
قيل له: أما اللعان فهو يجري مجرى الحد؛ لأنه يتعلق بالقذف, والحد لا يثبت بغالب الظن, وليس كذلك تقسيط القيمة عليه؛ لأنه من الأحكام التي تثبت بغالب الظن.
وأما استثناؤه في البيع ففيه روايتان: نقل ابن القاسم, وسندي, وغيرهما: أنه يصح.
فعلى هذا: لا يلزم؛ لأنه قد تعلق به حكم الاستثناء.
نقل حنبل والمروذي: لا يصح.
فعلى هذا: الحمل مجهول غير متحقق, والاستثناء إذا كان مجهولاً أبطل البيع بدليل: أنه لو قال: (بعتك هذه النخيل إلا نخلة) لم يصح لعدم التعيين وحصول الجهالة, وهذا معدوم في مسألتنا؛ لأنه كونه

مستورًا حال العقد لا يمنع تقسيط الثمن عليه, كما لم يمنع تقسيط الثمن على اللبن.
...

323 -

مسألة إذا اشترى جارية حاملاً, فولدت قبل القبض, أو بهيمة فنتجت, وولدت في يد البائع قبل القبض, ثم قبضها المشتري, لم يدخل الولد في البيع, ولا يكون له حصة من الثمن, وهو للمشتري, فلو وجد بالأم عيبًا ردها بجميع الثمن:

وهذا ظاهر كلامه في رواية ابن منصور: إذا اشترى غنمًا فنمت, ثم استحقت, فالنماء له إلا في المصراة.
ولم يفرق بين أن ينمو في يد البائع, أو المبتاع.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يدخل الولد في البيع, فإن قبضها المشتري انقسم الثمن على قيمة الأم يوم العقد, وقيمتة الولد يوم القبض, فإذا وجد بأحدهما عيبًا رده بحصته من الثمن.
دليلنا: أن الولد حادث في ملك المشتري, فوجب أن

لا يدخل في البيع.
أصله: إذا حدث بعد القبض.
فإن قيل: إنما لم يدخل في البيع بعد القبض؛ لأن العقد يوجب شيئين؛ الملك والتسليم, وقد وجدا جميعًا, فلم يبق من حقوق العقد شيء, فلهذا لم يدخل في العقد.
وأما قبل القبض فالتسليم الموجب بالعقد باقٍ, وهو ثابت في رقبة الأم, فسرى إلى الولد, وإذا سرى دخل في العقد مع الأم, كسائر الحقوق الثابتة في رقاب الأمهات تسري إلى الأولاد نحو الاستيلاد والتدبير والكتابة.
قيل له: لا نقول: إنه يدخل في التسليم المستحق بالعقد, وإنما يجب على البائع تسليم الولد وغيره من النماء بحق الملك, لا بحق العقد, وثبوت التسليم في رقبة الأم لا يوجب ثبوته في الولد بدليل: الجناية, وتتعلق برقبة الأم, ويحق تسليمها بها, ولا يدخل الولد فيها.
والأمهات إذا حال عليها الحول, وجبت فيها الزكاة المتعلقة بالحول الماضي, وإن كانت ثابتة في رقبة الأم.
وأما ولد أم الولد والمدبرة والمكاتبة فالمعنى فيه: أنه مبني على التكميل والسراية, وليس كذلك البيع والتسليم المستحق به؛ فإنه غير مبني على التغليب, فلم يسر إلى الولد.

وطريقة أخرى, وهو: أن الولد إذا تلف في يد البائع لم يسقط بتلفه شيء من الثمن, ولو كان قد دخل في العقد, وانقسم الثمن عليه وعلى الأم, لوجب ان يسقط جزء من الثمن بتلف الولد, كما إذا اشترى الأم والولد المنفصل, ثم تلف الولد, سقط بتلفه جزء من الثمن.
فإن قيل: هذا لا يدل على أنه غير داخل في العقد, ألا ترى أنه لو تلف جزء من الجارية قبل القبض لم يسقط من الثمن شيء, ولا يدل هذا على أن ذلك الجزء غير داخل في العقد.
قيل له: الأطراف لا ينقسم عليها الثمن, وليس كذلك الولد؛ فإنه إذا دخل في العقد أخذ قسطًا من الثمن عند المخالف, ولو كان كذلك لوجب إذا تلف أن يسقط ما قبله من الثمن.
واحتج المخالف بأن حق التسليم بالعقد ثابت في رقبة الأم, فيجب أن يسري إلى الولد, كسائر الحقوق الثابتة في رقاب الأمهات نحو الاستيلاد والتدبير والكتابة, وإذا سرى إليه وجب تسليمه بالعقد, كما يجب تسليم الأم, وإذا وجب تسليمه بالعقد, صار داخلاً في العقد, فينقسم الثمن حينئذ عليهما, فإذا وجد بأحدهما عيبًا رده بحصته من الثمن, كما لو اشترى جاريتين, فقبضهما, ووجد بإحداهما عيبًا؛ أنه يردها بحصتها من الثمن.
والجواب عنه: ما ذكرنا, فلا وجه لإعادته.

324 -

مسألة

إذا وجد بالمبيع عيبًا بعد القبض انفسخ العقد بقول المشتري, ولم يعتبر في ذلك تراضيهما, ولا حكم الحاكم:

وهو ظاهر كلام أحمد في (مسائله), وأن له الرد من غير اعتبار الرضا, وقد صرح به في رواية ابن القاسم في رجلين اشتريا ثوبًا, فوجدا به عيبًا, فرضي أحدهما, ولم يرض الآخر: فإن شاء أخذ أرش الثوب بقدر حصته, وإن شاء رد نصفه على البائع.
فقيل له: فإن البائع يقول: إن شئتما أخذتماه, وإن شئتما رددتماه؟ أرأيت لو اشترى ثوبين, فوجد بأحدهما عيبًا, لم يكن له أن يرد أحدهما؟ فقال: لا يشبه شراء واحد ثوبين شراء اثنين؛ لأن هذا يملك نصفه, ويملك الآخر نصفه.
فقد نص على أن لأحدهما أن يرد بقدر حصته بغير رضا البائع.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا ينفسخ العقد إلا بالتراضي, أو بحكم الحاكم.
دليلنا: أنه فسخ بيعٍ بعيبٍ, فلم يفتقر إلى رضا البائع, ولا حكم حاكم.
دليله: قبل القبض.
ولأنه فسخ عقد, فوجب أن يكون المتولي له قبل القبض المتولي له بعده, كالإقالة.
فإن قيل: قبل القبض لم تتم الصفقة, فالمشتري يمتنع من التزام

تمامها, وهذا لا يقف على التراضي, كالرد في خيار الشرط, وفي مسألتنا الصفقة تمت, ويريد إبطالها بالرد, فهي كالإقالة يعتبر فيها رضا البائع, كذلك هاهنا.
قيل له: هذا باطل بخيار المخيرة إذا أعتقت تحت عبد؛ فإنها تملك الفسخ من غير رضا, ولا قضاء, وإن كانت الصفقة قد تمت.
وتبطل بالإقالة قبل القبض؛ فإن العقد لم يتم, ومع هذا فيقف على التراضي.
وعلى أنه قبل القبض في حكم التام بدليل: أن نفقتها وزكاة فطرتها وكسبها للمشتري, كما يكون ذلك بعد القبض, فلا فرق بينهما.
وطريقة أخرى, وهو: أن الفسوخ على ضربين: فسخ بأمر مختلف في تعلق الفسخ به, كخيار امرأة العنين, فهذا يعتبر فيه حضور الحاكم.
وفسخ بأمر غير مختلف في تعلق الفسخ به في الجملة, ولكن اختلف في المواضع التي يتعلق الفسخ به, فلا يفتقر ذلك إلى الحاكم, مثل فسخ الأمة إذا أعتقت تحت عبد؛ لما أجمع عليه في الجملة لم يفتقر إلى الحاكم, وإن اختلف في موضع, وهو إذا أعتقت تحت حر.
كذلك الفسخ بالعيب مجمع عليه في الجملة, وإنما اختلف في مواضعه, فلم يفتقر ذلك إلى الحاكم, وهذا دليل معتمد في المسألة.
واحتج المخالف بأن ملك المشتري تم فيه, فلم ينفسخ

العقد بقوله, كالإقالة.
والجواب: أنه يبطل بخيار المخيرة؛ فإنها تملك الفسخ بقولها.
وعلى أنه غير مؤثر في الأصل؛ لأن الإقالة لا تحصل بقوله, وإن لم يكن ملك المشتري تامًا, وهو قبل القبض.
ثم نقلبه فنقول: وجب أن يستوي فيها القبض وبعده.
دليله: الإقالة.
ثم المعنى في الإقالة: أن القبول لا يجب على البائع, وفي مسألتنا القبول مستحق عليه, فلم يعتبر رضاه.
دليله: قبل القبض.
وعلى أنا قد جعلنا الإقالة حجة لنا.
فإن قيل: قد يجب عليه القبول, ولا ينتقل الملك إليه إلا برضاه, ألا ترى أن المضطر إلى طعام غيره إذا بذله مالكه, وجب عليه قبوله, ثم لا يملك بقول المالك إلا أن يرضى به.
قيل له: القبول هناك لحقه, فجاز أن يعتبر رضاه, وهاهنا القبول لحق غيره, فجاز أن لا يعتبر رضاه, إذا كان القبول لازمًا له.
دليله: قبل القبض.
واحتج بأن الإنسان لا يملك نقل الشيء من ملكه إلى ملك غيره إلا برضاه, إلا أن يكون له عليه ولاية.
ولا يلزم عليه الرد قبل القبض, والرد بخيار الشرط والرؤية؛ لأن

في خيار الشرط لم يملكه المشتري، وأما خيار الرؤية وخيار العيب قبل القبض، فالصفقة لم تتم، فالمشتري يمتنع من تمام الصفقة، فينتقل الملك من طريق الحكم.
والجواب: أن الطلاق ينقل ملك الزوج، ويدخل في ملكها، ولا يعتبر رضاها في ذلك، وكذلك إذا كان المبيع في يد البائع؛ فإنه ينقل ملكه عنه، ويدخل في ملك البائع.
...

325 -

مسألة

إذا علم بالعيب فهو على خياره ما لم يرض به، أو يفعل ما يستدل به على الرضا:

نص عليه في رواية ابن القاسم وسندي: إذا اشترى عبدًا، فوجد به عيبًا، فاستخدمه بعد ذلك، فليس هذا برضا حتى يكون منه شيء بين، ويطول.
وهو قول أبي حنيفة.
وقال الشافعي: إذا علم بالعيب، فلم يرده مع القدرة على الرد، بطل خياره.
دليلنا: أن الرد حصل قبل الرضا، وقبل أن يفعل ما يدل على الرضا، فصح.
دليله: إذا رده عقيب العلم.

ولأنه خيار لرفع ضرر متحقق، فكان على التراخي.
دليله: خيار القصاص، وخيار المعتقة.
وعكسه: خيار الشفعة والمخيرة، وخيار المجلس والشرط؛ لأن ضرره غير متحققٍ.
ولا يلزم عليه نفي النسب؛ أنه على الفور؛ لأنه لا خيار هناك، بل يجب عليه نفي الولد، إذا علم أنه من زنا.
[....]. ولأنه ملك مستقر، فلم يبطل بالتأخير.
دليله: الدين الحال.
ولا يلزم عليه خيار القبول، وخيار الشفعة، وخيار المخيرة؛ لأن ذلك غير مستقر، وإنما جعل للتمليك وهذا تعلق بسبب مستقر؛ لأن المشتري وجب له على الائع تسليم المبيع بجميع أجزائه، فلم يسلم.
واحتج الخالف بأنه إذا علم بالعيب، فأمسك تبينا أنه مختار للمبيع؛ لأنه لا حظ له في الإمساك مع النقص المتحقق.
والجواب: أن هذا يبطل بخيار القصاص؛ فإنه لا حظ له في الإمساك عنه؛ لتحقق الضرر، ومع هذا فهو على التراخي.
ولأن هذا لا يدل على الاختيار، كما لم يدل ترك المطالبة بالدين

على اختيار الترك والإبراء؛ لأن كل واحد منهما حق مستقر.
ولأن ترك المطالبة بالرد يحمل على أنه اختار أخذ الأرش؛ لأن له أخذ الأرش عندنا.
واحتج بأنه خيار لرفع الضرر عن المال، وكان على الفور.
دليله: خيار الشفعة.
والجواب: أن خيار الشفعة جعل للتملك، فهو كخيار المخيرة، وخيار القبول، وذلك مقصور على المجلس، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه ملك مستقر، فلم يبطل بالتأخير، كالدين.
وجملة المذهب في الخيارات: أن خيار الرد بالعيب على التراخي ما لم يرض، أو يفعل ما يستدل به على الرضا، وكذلك خيار المعتقة كذلك؛ لأنه في معناه: أنه خيار نقص.
وأما خيار المخيرة وخيار الشفعة وخيار القبول، فإنه مقصور على المجلس؛ لأنه ليس بمستقر.
...

326 -

مسألة

إذا وطئ الأمة المبتاعة، ثم وجد بها عيبًا، فله أن يردها؛ بكرًا كانت، أو ثيبًا في أصح الروايتين:

نص عليه في رواية حنبل، فقال: إذا [اشترى أمة فوطئها، ثم

ظهر على عيب] ردها، ورد غرتها؛ ثيبًا كانت أم بكرًا، فإن وطئها وقد علم [بالداء] لزمه، ولم يرد بالعيب.
قال- أيضًا- في رواية مهنا: إذا اشترى أمة، فزنت عنده، ثم ظهر على عيبٍ، يرد بالعيب.
وهو اختيار الخرقي، وبه قال مالك.
وفيه رواية أخرى: لا يملك الرد؛ بكرًا كانت، أو ثيبًا.
نص عليه في رواية أبي الصقر في من اشترى جارية بكرًا، فلم يجدها بكرًا، فوطئها: رجع على صاحبها بقيمة ما بين الكر والثيب، وهي جائزة عليه إذا كان قد وطئها.
وكذلك نقل الأثرم عنه قال: قد قال قوم: إذا وطئ فله ما بين العيب والصحة، وإذا لم يطأ ردها، وأخذ المال، قال: وأنا أسوي بينهما؛ وطئ، أو لم يطأ، [له] ما بين العيب والصحة.
وهو اختيار أبي بكر، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: إن كانت ثيبًا فله الرد، وإن كانت بكرًا لم يكن له الرد.
وجه الرواية الأولى: أنه وطئ، فلم يكن له الرد بالعيب.
دليله: إذا كانت مزوجة، فوطئها الزوج، أو غصبها المشتري من

البائع قبل دفع الثمن إليه، ووطئها، فطالب البائع بردها إلى يده إلى أن يقبض الثمن، فردت إليه، فوجد المشتري بها عيبًا، كان له ردها، ولم يمنع الوطء من الرد على البائع.
وإن شئت قلت: لم يمنع من الرد.
دليله: ما ذكرنا.
فإن قيل: وطء الزوج مستحق بسبب كان في يد البائع، فصار كأنه حصل في يد البائع، ولهذا قال أبو حنيفة: إذا قتل العبد في يد المشتري بقصاصٍ أو بردةٍ فإنه يرجع بجميع الثمن؛ لأن قتله كان مستحقًا بسببٍ كان في يد البائع، فصار كأنه قتل في يد البائع.
قيل له: وكذلك المشتري يطأ بسبب كان في يد البائع، وهو البيع، فلا فرق بينهما.
ثم هذا باطل بالبكر إذا وطئها الزوج؛ فإن هذا وجد بسببٍ كان في يد البائع، ومع هذا لا يملك الرد.
فإن قيل: ليس المانع من ردها الوطء الذي هو مستحق، وإنما المانع إتلاف جزء منها، والإتلاف غير مستحق بعقد النكاح؛ لأن الزوج إنما يستحق بعقد النكاح الوطء دون إتلاف العضو، ألا ترى أنه لو تزوجها على أنها بكرًا، فوجدها ثيبًا، لم يكن له خيار؟ وكذلك لو كانت بكرًا، فذهبت بكارتها بوثبة أو حيضة، لم يكن له خيار.

قيل له: الوطء لا يتوصل إليه إذا كانت بكرًا إلا بإتلاف ذلك الجزء، فيجب أن يكون إتلافًا مستحقًا، ولهذا نقول: ما لا يتوصل إلى فعل الواجب إلا به، يكون واجبًا مثله.
فإن قيل: إذا تزوج أمة غيره، وهي آبقة، لم يتوصل إلى وطئها إلا بالتسليم، والوطء مستحق، والتسليم غير مستحق.
قيل له: التسليم مستحق إلا أنه عند القدرة.
فإن قيل: المعنى فيه إذا غصبها المشتري، ووطئها قبل إيفاء الثمن، وطالب بها البائع، فرجعت إليه: أنه لا يمنع ذلك من الرد بالعيب؛ لأنه لما طالبه بردها إلى يده موطوءة، كان راضيًا بالنقص والعيب، ولهذا قال أبو حنيفة: لو غصبها المشتري، وقطع يدها، فطالب البائع بردها إليه، فردت إليه، ثم وجد بها عيبًا، كان له ردها.
قيل له: البائع لما طالب بردها إليه، فإنما رضي بإمساكها على ملك المشتري معيبة على سبيل الوثيقة له إلى أن يستوفي ثمنها، ولم يرض بأن ترد إلى ملكه معيبةً.
فإن قيل: إذا ردت إلى الائع زالت يد المشتري، ويكون الوطء بمنزلة ما وجد في يد البائع.
قيل له: وطء المشتري في يد البائع بغير إذنه يمنعه من الرد عند المخالف.
على أنا قد بينا: أن وطء المشتري بسببٍ كان في يد البائع، فيجب

أن يكون بمنزلة الموجود في يده.
وعلى أن القبض يقطع في الحال، ولا يزال من أصله حتى كأنه لم يوجد.
وقياس آخر، وهو: أن الوطء معنى لو حصل من الزوج لم يمنع من الرد بالعيب، فإذا حصل من المشتري يجب أن لا يمنع.
دليله: الاستخدام.
يبين صحة هذا: أن الاستخدام يكد ويتعب، والوطء يكد ويمتع، فإذا لم تمنع الخدمة، فأولى أن لا يمنع الوطء.
فإن قيل: الوطء لا يشبه الاستخدام؛ لأنه لو اشترى جارية على أنه بالخيار ثلاثة أيام، فوطئها، بطل خياره؛ كما لو جنى عليها، ولو استخدمها لم يبطل خياره.
قيل له: اختلفت الرواية في الاستخدام؛ هل يقطع خيار الشرط؟ فروى العباس بن محمد عنه في من اشترى دارًا، وجعل له فيها الخيار، فحدث فيها حدث خراب من مطر أو غيره قبل محل الأجل، ثم شاء ردها: فإن سكنها فهو الجاني، بمنزلة ثوب جعل فيه الخيار، ثم لبسه.
وظاهر هذا: أنه أسقط خياره بالسكنى، واللبس، كما يسقط الوطء، فعلى هذا: لا فرق بين الوطء وبين الاستخدام في ما ذكر.

وروى أبو الصقر عنه: إذا اشترى جارية بشرط الخيار يومًا، أو يومين، فغسلت رأسه، أو غمزت رجله، أو طبخت وخبزت، لم تجب بذلك الفعل حتى يبلغ منها ما لا يحل لغيره، فيبطل خياره.
وظاهر هذا: أن الاستخدام لا يبطل الخيار.
فعلى هذا: الفرق بينهما: أن الاستخدام لو وجد من البائع لم يكن فسخًا، فإذا وجد من المشتري لم يكن رضًا، وليس كذلك الوطء؛ فإنه لو وجد من البائع كان فسخًا، فإذا وجد من المشتري كان رضًا وإمضاءً.
فإن قيل: لو استخدم جارية غيره، لم يلزمه شيء، ولو وطئها لم يخل من إيجاب حد، أو مهر، فعلم أن الوطء مخالف للاستخدام.
قيل له: لا نسلم لك هذا، بل نقول: إنه يلزمه أخذ المثل للاستخدام، كما يلزمه المهر بالوطء.
واحتج المخالف بأن الوطء بمنزلة إتلاف جزء منها في الحكم، بدلالة ما روي عن علي: أنه قال: إذا وطئها المشتري، ثم وجد بها عيبًا: يردها، ويرد معها عشر ثمنها، إن كانت بكرًا، أو نصف العشر، إن كانت ثيبًا.
وإن جنى عليها، ثم وجد بها عيبًا، ردها، ورد أرش الجناية.
فحصل من اتفاقهما جميعًا على أن وطأها يجري مجرى الجناية

عليها؛ لأن كل واحد منهما حكم في وطئها بما حكم في الجناية عليها.
ثم لو جنى عليها، ثم وجد بها عيبًا، لم يكن له أن يردها، ويرجع بأرش العيب، كذلك إذا وطئها.
والجوا: أنه ليس في ما روي عنهما ما يدل على أنه يجري مجرى الجناية؛ لأن عمر قد جعل له الرد، والجناية تمنع من الرد، وإنما أوجب رد المهر لأجل الوطء الذي حصل من جهته، وليس في هذا ما يدل على أنه يجري مجرى الجناية.
وأما ما روي عن علي: أنه قال: لا يرد، فليس ذلك؛ لأنه يجري مجرى الجناية، لكن لأنه يحتمل أن يكون حصل من الوطء حمل، أو وطئ بعد العلم، فلهذا منع من الرد.
واحتج بأن الوطء يجري مجرى الجناية بدلالة: أنه إذا وجد في ملك الغير، لم يخل من إيجاب حد، أو مهر، كما لا تخلو الجناية من مال، أو عقوبة، ولا تستباح بالإباحة، وتنقص من ثمنها.
ثم ثبت: أن الجناية تمنع من الرد، كذلك الوطء.
والجواب: أن في الجناية روايتين، أصلهما إذا ابتاع ثوبًا، فقطعه، ثم ظهر على عيب، أو حدث عنده عيب، ثم ظهر على عيب آخر، هل يمنعه ذلك من الرد، أم لا؟ على روايتين:

إحداهما: لا يمنع، وهو المشهور في المذهب.
وقد نص عليه في الجناية في رواية حنبل: وذكر له قول الحكم في الغلام يبتاعه سيده، وبه داء لم يتبينه، ثم يحدث نده، فتقطع يده: يرده أقطعًا، ويأخذ دراهمًا، فقال أحمد: أذهب إلى قول الحكم.
فقد نص على ذلك.
وهذا فصل يأتي الكلام عليه.
وعلى أنه لا يجري مجرى الجناية، ألا ترى أن الغاصب لو وطئها لم يلزمه أرش النقص عندهم، ولو جنى عليها لزمه الأرش؟ والزوج لو وطئها لم يمنع الرد، ولو جنى عليها منع الرد.
ولو وطئ البهيمة جاز له ردها، ولو جنى عليها لم يكن له الرد.
ولو وطئها المشتري، وأراد بيعها مرابحة جاز، وإن لم يبين، وكان بمنزلة الجناية لزمه أرش، كما لو جنى عليها.
فإن قيل: أليس قد قال أحمد في رواية إسحاق بن هانئ في الرجل يشتري الأمة، فيطؤها، فأراد بيعها: يبين للمشتري أنه قد وطئها؟ قيل له: هذا على طريق الاستحباب؟ [قال]: لا، إنه واجب.
وما ذكروه من أنه لا يستباح بالإباحة، فيبطل باللمس لشهوةٍ

والقبلة؛ فإنه لا يستباح بالإباحة، وليس بجناية.
وقولهم: (لا يخلو فعله في ملك الغير من مال، أو عقوبة) فليس كذلك؛ لأن العبد إذا وطئ مولاته بشبهة، فلا عقوبة عليه، ولا مال، وكذلك إذا جنى عليها جناية خطأ، لم يجب مال، ولا عقوبة، فلم يصح ما قالوه في الوطء، ولا في الجناية.
وقولهم: (إن الوطء ينقص من ثمنها) خطأ؛ لأن الوطء يلذها، وينزهها، ويزيد في ثمنها، والسكوت عن هذا السؤال أحسن.
واحتج بأنه لو ردها بالعيب بقضاء القاضي لانفسخ العقد من الأصل، وعادت الجارية إلى البائع على حكم البيع الأول؛ كأنه لم يكن بينهما بيع، ويحصل وطء المشتري في ملك الغير، والوطء في ملك الغير لا يخلو من إيجاب حد، أو مهر، واتفقوا أنه لا يجب عليه حد، ولا مهر، وجب أن لا يرد.
والجواب: أنا لا نسلم أن ذلك فسخ للعقد من الأصل، وإنما هو فسخ في الحال، كالإقالة.
وقد تكلمنا على هذا الفصل في ما تقدم.
وعلى أنه لا يمتنع مثل هذا، ألا ترى أن الموهوب له لو وطئ الجارية الموهوبة كان للواه أن يرجع فيها، فإذا رجع فيها انفسخ العقد من الأصل، وصارت الجارية على حكم الأول؟

جارٍ التحميل