التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 407-446

مسألة يأتي الكلام عليها.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن القبض المستحق قد وجد, فلهذا كان من ضمانه, وليس كذلك هاهنا.
قيل: القبض المستحق لا يسقط الضمان عن المالك بدليل: فوات القبض في الموصى به وفي الموروث وفي الوديعة والنكاح لا يسقط الضمان عن المالك, كذلك هاهنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل, وهو ما بعد القبض: أنه لو حصل على وجه غير متميز أسقط الضمان, وهو أن يبتاع قفيزًا من صبرة, فيقبض جميع الصبرة بإذن البائع, فلهذا سقط الضمان إذا كان متميزًا.
وليس كذلك قبل القبض؛ فإنه لو لم يكن متميزًا كان من ضمان البائع, كذلك إذا كان متميزًا.
قيل له: علة الأصل لا نسلمها على إحدى الروايتين؛ لأن أحمد قد قال في من ابتاع طعامًا مكايلة قد شاهد كيله وقبضه: لم يكن قبضًا حتى يحدث كيلًا ثانيًا.
وعلى أن المعنى في الأصل: أن القبض موجود في الموضعين مع التمييز وعدمه, فلهذا كان من ضمان المشتري, وليس كذلك قبل القبض؛ لأنه - وإن لم يوجد القبض في الموضعين- فقد وجد التعيين

في أحد الموضعين, وللتعيين تأثير في إسقاط الضمان بدليل: أنه لو وصى لرجل بثلث ماله متعينًا, فتلف, كان من ضمان الموصي له, ولو وصى له بثلث شائع, فتلف ثلث المال, كان على الجميع, وكذلك هاهنا.
وقياس آخر, وهو: أن القبض معنى يستقر به العقد, لم يجعل شرطًا في صحته, فجاز أن لا يقف سقوط الضمان عن البائع بوجوده.
أصل ذلك: انقضاء مدة الخيار.
ولا يلزم عليه القبض في السلم والصرف؛ لأنه شرط في صحة العقد.
ولا يلزم عليه الثمرة في رؤوس النخل؛ لأن التعليل للجواز.
فإن قيل: نقلب العلة فنقول: فاستوى فيه المتعين وغير المتعين.
دليله: ما ذكرت.
قيل: لا تأثير لهذه الأوصاف على أصلك؛ لأنك لو قلت: (مبيع) كفاك.
على أنه لا يجوز اعتبار المتعين بعدمه, كما قلنا في الوصية وفي جواز التصرف: يقف على التعيين على ما نبنيه فيما بعد.
وقياس آخر, هو: أن الأعيان كالمنافع بدليل: جواز العقد عليها, وبدليل: ضمانها بالمسمى في الصحيح, وبالقيمة في الفاسد.
ثم العقد على المنافع ينقسم:

منه ما لا يعتبر القبض في استقرار البدل, وهو عقد النكاح؛ لأن المرأة قبل التسليم استقر لها المهر.
ومنه ما يعتبر القبض فيه, وهو منافع الاستخدام والسكنى.
كذلك العقد على الأعيان يجب أن ينقسم, وعندهم لا ينقسم.
فإن قيل: البضع في حكم المقبوض بدليل: أنها تستحق المطالبة بكمال الصداق قبل التسليم.
قيل له: وكذلك المبيع- عند أبي حنيفة وأحد القولين للشافعي- يملك المطالبة بالثمن قبل تسليمه, وله حبسه في يده.
وأما على أصلنا فإنما ملكت المطالبة؛ لأنها بتسليمها نفسها يتلف البضع, ويتعذر المهر؛ لأنه في حكم المقبوض, وهذا معدوم في المبيع.
وأيضًا لما كان الاعتبار في جواز التصرف في المبيع بالتعيين دون القبض, يجب أن يكون الاعتبار في ضمانه بالتعيين دون القبض؛ لأن كل واحد منهما موجب بالعقد.
وبيان هذا: أنه لو ابتاع طعامًا مكايلة, وقبض منه طعامًا بغير كيل, حصل من ضمان المشتري, وليس له التصرف لعدم التمييز, وإن كان قد حصل من ضمانه, فيجب أن يعتبر التمييز في باب الضمان.
واحتج المخالف بأنه مبيع تلف قبل قبضه, وكان من ضمان البائع.
دليله: ما لم يتعين.

والجواب: أنه لا يجوز اعتبار التعيين بعدمه.
الذي يدل عليه بعد القبض لما تعين كان من ضمان المشتري, كذلك قبل القبض لما كان متعينًا يجب أن يكون من ضمانه, وكذلك جواز التصرف, فاعتبر فيه التمييز دون القبض من الوجه الذي ذكرنا, كذلك يجب أن يعتبر في باب الضمان كذلك.
واحتج بأنه فوات قبض مستحق, فوجب أن يبطل العقد.
دليله: فوات القبض في عقد الصرف والسلم.
وإذا بطل العقد حصل من ضمان البائع.
والجواب: أن المعنى في الصرف والسلم: أن القبض شرط في صحتهما, فلهذا كان عدمه يبطل, وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن القبض ليس بشرط في صحة العقد, فجاز أن لا يبطل بعدمه.
ولا يلزمنا على علة الفرع ما لم يتعين؛ لأنه قد لا يبطل العقد بهلاكه إذا كان هلاكه من جهة آدمي.
على أنا قد بينا: أن فوات القبض المستحق لا يسقط الضمان عن المستحق للقبض, كالشيء الموصى به والموروث والوديعة.
واحتج بأنه أحد عوضي المبيع, فكان من ضمان من زال عنه قبل قبضه, كالثمن.
والجواب: أن الثمن؛ إن كان متعينًا, فهو كالمثمن, وإن كان في

الذمة, فهو غير متميز, فيجري مجرى المثمن إذا كان غير متعين.
فإن قيل: فما تقولون إذا تزوجها على عبد, فتلف قبل قبضه؟ وخالعها على عبد, فتلف؟ قيل: نقول في تلك العقود ما قلناه في البيع, وأن ما تعين فهو من ضمان المالك؛ فتلف الصداق من مال الزوجة, والعوض في الخلع من مال الزوج.
فإن قيل: أليس قد قال أحمد في رواية مهنا في من تزوج امرأة على غلام بعينه, ففقئت عين الغلام, ولم تقبضه: فهو على الزوج.
قيل: هذا محمول على أن الزوج فقأ عينه, أو على أنه امتنع من التسليم حتى فقئت عينه؛ لأنه غاصب.
...

315 -

مسألة

إذا اشترى قفيزًا من صبرة, أو عشرة أمناء حديد من زبرة, أو مئتي بيضة من ألف بيضة, ونحو ذلك مما لا يتعين, فتلف قبل قبضه:

فإن كان بأمر سمائي بطل العقد قياس قوله في الثمرة إذا

تلفت قبل أخذها بآفة سماوية: أن العقد يبطل؛ لأنه قال في رواية أبي طالب: إذا ذهب كله يرد عليه كله؛ يعني: يرد عليه جميع الثمن.
وهذا يدل على أن العقد بطل, فلهذا رد الثمن.
وإن تلف بسبب من جهة آدمي؛ إما من جهة البائع, أو من جهة أجنبي, لم يبطل العقد, وكان المشتري بالخيار؛ إن شاء نقد الثمن واتبع الجاني بقيمته, وإن شاء فسخ.
نص عليه في رواية إسماعيل بن سعيد في رجل باع ثوبًا من رجل, ثم باعه من آخر قبل التفرق, ولما يسلمه إلى الأول, فاستهلكه البائع: أخذ بخلاصه, وإن يقدر أن يخلصه فعليه قيمته يوم استهلكه, فإن كان ذلك مما يكال أو يوزن, فعليه المثل.
فقد نص على أن الإتلاف إذا كان من جهة البائع لم يبطل العقد؛ لأنه ألزمه المثل في المكيل؛ لأنه مما له مثل.
ولو كان العقد قد بطل لزمه رد الثمن دون المثل, ولم يجعل المشتري بالخيار بين الإمضاء ونقد الثمن والرجوع بالقيمة, وبين الفسخ والرجوع بالثمن, بل جعل له القيمة فحسب.
ويجب أن يحمل هذا على أنه جعل له القيمة إذا اختار الإمضاء,

فأما إن اختار الفسخ ونقد الثمن والرجوع بالقيمة, فله ذلك, كما كان له إذا ظهر على عيب بعد القبض؛ فإنه مخير بين الإمضاء, وبين الفسخ.
وقال أبو حنيفة: إن أتلفه أجنبي لم ينتقض العقد, والمشتري بالخيار؛ إن شاء نقد الثمن واتبع الجاني, فضمنه قيمته, وإن شاء فسخ البيع.
وإن كان الإتلاف من جهة البائع انتقض العقد.
وللشافعي قولان: أحدهما: ينتقض العقد.
والثاني: هو بالخيار بين الفسخ, والإمضاء وأخذ القيمة, ولا فرق عنده بين أن يكون الإتلاف من جهة البائع, أو أجنبي, أو من جهة الله تعالى.
دليلنا: ان الجاني تجب عليه قيمة المبيع, والقيمة تقوم مقام المبيع, وإذا قام مقامه لم يتعذر التسليم, فلا ينتفض البيع, كما لو كان المبيع عبدًا, فجنى عليه فيما دون النفس وافقوا أنه لا ينفسخ العقد, كذلك هاهنا.
ولا يلزم عليه إذا تلف بأمر سمائي؛ لأن القيمة لا تجب هناك.
ولا يلزم على علة الأصل المبيع المتعين إذا تلف بفعل الله- تعالى- أن العقد لا يبطل, وإن لم يحصل هناك بدل, كقولنا:

والمبيع [....]. فإن قيل: لو استأجر عبدًا شهرًا ليخدمه, فمات العبد, لم يقم غيره مقامه, وإن كان بدلًا عنه.
قيل: نظير موت العبد المستأجر أن يهلك المبيع بأمر من السماء, فيبطل العقد؛ لأنه ليس هناك بدل يرجع إليه, فإن أتلفه متلف بطلت الإجارة أيضًا؛ لأن الجاني لا يضمن قيمة المنفعة المعقود عليها, وإنما يضمن قيمة الرقبة, وحق المستأجر هو في المنفعة, فلهذا بطلت الإجارة؛ لأنه لم يحصل له قيمتها, وفي المبيع قد حصل عوض المبيع, وعوض الشيء يقوم مقامه.
فإن قيل: فلو غصب العبد مدة الإجارة, فإن المؤجر يرجع على الغاصب ببدل المنافع, ومع هذا تنفسخ الإجارة.
قيل: الحكم في الإجارة والحكم في البيع سواء؛ إن تلفت المنافع بأمر سمائي بطلت الإجارة, وهو أن تسقط يد العبد المستأجر بأكله, وإن غصب العبد غاصب حتى انقضت مدة الإجارة كان بالخيار بين أن يفسخ ويرجع بالأجرة, وبين أن يأخذ قيمة المنفعة, وهكذا قال أصحاب الشافعي, ولا فرق بينهما.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية مهنا في القصار إذا قصر الثوب, وذهب مقصورًا: فعليه قيمته خامًا, وتسقط القصارة, وإن قوَّمه مقصورًا

فللقصار أجرة القصارة.
فقد جعل له الخيار بين أن يقومه مقصورًا ويغرم الأجرة, أو خامًا ولا يغرم.
واحتج المخالف بأن المعقود عليه قد فات, فلا يمكن تسليمه بوجه, فوجب أن ينتقض البيع, كما لو تلف بأمر سمائي, وكذلك القبض في السلم والصرف.
والجواب: أنه إذا تلف بأمر سمائي, فلم يحصل هناك ما يقوم مقام المبيع, والمبيع من ضمان البائع, وليس كذلك هاهنا؛ لأنه يجب على المتلف بدله, والبدل يقوم مقامه, فيصير كأنه لم يفت.
ونخص أبا حنيفة: [أنه] إذا أتلفه البائع بأنه مبيع تلف بفعل آدمي, فلم يبطل العقد, كما لو أتلفه أجنبي.
فإن قيل: إذا أتلفه أجنبي وجبت القيمة, والقيمة يوم تقوم مقامه, وإذا أتلفه البائع لم تجب عليه القيمة؛ لأنها لو وجبت لتعلق وجوبها بعقد البيع, ألا ترى أنه لو لم يكن هناك بيع لم تجب؛ لأن من أتلف مال نفسه لم يلزمه ضمان, ولو وجبت بعقد البيع لصارت مبيعة, والمبيع في الذمة لا يجوز إلا على وجه السلم, وهذا ليس بسلم.
وليس كذلك إذا أتلفه أجنبي؛ لأن وجوب القيمة عليه لا يتعلق بعقد البيع, ألا ترى أنه لو لم يكن هناك بيع لكانت القيمة واجبة عليه, وإذا لم يتعلق وجوبها بعقد البيع لم تصر القيمة مبيعة في الذمة,

فلا يبطل العقد.
قيل له: هذا يبطل إذا أتلفه البائع بعد القبض؛ فإن البيع لا ينتقض, وتجب القيمة عليه, وإن تعلق وجوبها بعقد البيع.
فإن قيل: بعد القبض قد سلم للمشتري, وانقطع حق البائع عنه, فصار كالأجنبي.
قيل له: والصداق لم ينقطع حق الزوج عنه قبل الدخول, ومع هذا إذا أتلفه بعد التسليم يضمنه.
وكذلك إذا تلف المبيع بعد القبض, وظهر على عيب بالثمن, فإن حقه لم ينقطع عنه, ومع هذا يضمن قيمته.
...

316 -

مسألة

إذا كان المبيع ثوبًا, أو عبدًا, أو دابة, أو دارًا, ونحو ذلك مما هو متعين, جاز التصرف فيه قبل قبضه:

نص على هذا في رواية حرب, فقال: إذا اشترى ما يكال ويوزن, فلا يبعه حتى يكيله ويقبضه, وإذا كان لا يكال, ولا يوزن مثل الدار ونحوها, فلا بأس أن يبيعه قبل أن يقبضه.
ونقل- أيضًا- ابن منصور عنه في الرجل اشترى سفينة, فقال له رجل: ناولني منها كرًا: فإن اشترى ما في السفينة صبرة, ولم يسم

كيلا, فلا بأس أن يشرك فيها رجلا, أو يبيع ما شاء, إلا أن يكون سمى كيلًا.
وبهذا قال عثمان بن عفان, وسعيد بن المسيب, والحسن البصري والحكم, وحماد, والأوزاعي, وإسحاق.
وهذا حكاه ابن المنذر, وكنا نحكي عن مالك مثل هذا, وحكى ابن المنذر عنه: أنه ما عدا المأكول والموزون يجوز بيعه قبل قبضه.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع العقار قبل قبضه, ولا يجوز بيع غيره قبل القبض.
وقال الشافعي: لا يجوز بيع شيء منه قبل القبض.
دليلنا: عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]. وهذا عام في كل حال.
وأيضًا روى أحمد في (المسند) قال: نا إسحاق بن عيسى, نا ابن لهيعة, عن أبي الأسود, عن القاسم بن محمد, عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من اشترى طعاما بكيل, أو وزن, فلا يبيعه حتى يقبضه).
وروى ابن بطة وأبو داود بإسناده عن ابن عباس, عن النبي - صلى الله عليه وسلم -

قال: (من ابتاع طعامًا, فلا يبعه حتى يكتاله).
فوجه الدلالة: أنه خص الطعام بالنهي, واعتبر أن يكون على صفة, وهي الكيل والوزن, فدل على أن ما عدا هذه بخلافها.
فإن قيل: دليل الخطاب إنما يكون حجة إذا علق على صفة, فأما إذا علق على اسم, فلا يكون حجة, وهاهنا هو معلق على اسم الطعام.
قيل له: هو حجة عندنا, وإن علق على اسم, وقد قال أحمد: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا وصية لوارث) دل على أن غير الوارث تصح الوصية له.
وعلى أن هذا معلق على صفة, وهو قوله: (من اشترى طعامًا بكيل, أو وزن), وهذا صفة.
فإن قيل: فالدليل والتنبيه إذا اجتمعا كان التنبيه مقدمًا, والتنبيه فيه: أنه لما نهى عن بيع الطعام قبل القبض, وحاجة الناس إليه أعم, فلأن لا يجوز غيره أولى.

قيل: إنما يكون فيه تنبيه لو أطلق النهي في الطعام, فأما وقد علقه على صفة في الطعام, وهو الكيل والوزن.
وعلى أن هذا يوجب أن يكون تخصيصه للنهي عن بيع الذهب والفضة مثلًا بمثل تنبيهًا على غيرها من الموزونات؛ لأن حاجة الناس إليها أعم, ولما لم يقل هذا, كذلك هاهنا.
والقياس: أن المعقود عليه متعين, فجاز التصرف فيه قبل القبض.
دليله: البضع, والتصرف في البضع قبل القبض أن يخالعها قبل الدخول.
وهذه علة جيدة.
فإن قيل: المقصود بالخلع الفرقة دون العوض.
قيل له: والمقصود بالنكاح البضع دون المهر, ومع هذا لا يجوز التصرف عند الشافعي في المهر قبل قبضه.
فإن قيل: الخلع رفع للعقد, ولهذا يصح تعليقه بمجيء زمان, ويصح بعوض, ورفع العقد لا يفتقر إلى القبض, ألا ترى أن الإقالة تصح في المبيع قبل القبض, ولا يصح بيعه.
قيل: الخلع- وإن كان رفعًا للعقد- إلا أنه قد جعل في حكم المعاوضة بدليل: أنه لا يقف على قدر الصداق, ولا جنسه, ولو كان فسخًا مجردًا لوقف على ذلك, كالإقالة؛ لما كانت فسخًا في الحقيقة, وقفت على قدر الثمن, وعلى جنسه.

وأيضًا فإنه مبيع تعين فيه ملك المشتري, فجاز التصرف فيه.
دليله: إذا قبضه.
ولا يلزم عليه إذا ابتاع ثمرة متعلقة؛ فإنه يجوز بيعها قبل قبضها.
نص عليه في رواية الأثرم وابن منصور.
ولا يلزم عليه إذا ابتاع قفيزًا من صبرة؛ لأنه غير متعين.
ولا يلزم عليه إذا ابتاع صبرة طعام؛ لأن فيها روايتين: نقل الأثرم وغيره: لا يجوز بيعها قبل قبضها.
ونقل ابن القاسم وحرب جوازه, فقال في رواية ابن القاسم وحرب جوازه, فقال في رواية ابن القاسم: يروى عن ابن عمر أنه قال: كنا نؤمر أن ننقله عن موضعه.
ولا أدري ما معنى هذا؟ إذا كان إنما اشترى صبرة فهو بمنزلة القبض, ولكن ابن عمر روى هذا, وفيه مشقة على الناس.
وظاهر هذا: جواز بيعها.
وأومأ إليه أحمد في رواية حرب في رجل اشترى من رجل غلة, فكالها, وجعل ينظر إليه, ولعل علمه في ذلك الكيل مثل علم المشتري, فلما ابتاعه قال له الرجل: ولنيه: فأرجو أن يجزئه ذلك إذا كان حاضرًا.
فقد أجاز بيعه بذلك الكيل من غير قبضه, وهذه الرواية هي الصحيحة.
ولا تلزم عليه مدة الخيار؛ لأنه يستوي فيه الأصل والفرع في المنع, وذلك أنه لو قبض المبيع في مدة الخيار لم يجز له التصرف فيه.

فإن قيل: المعنى في الأصل: أن المبيع من ضمانه.
قيل: وكذلك هاهنا, هو من ضمانه قبل قبضه, فلا فرق بينهما.
على أنه إذا اشترى طعامًا مكايلة, وقبضه بغير كيل, حصل في ضمان المشتري, ومع هذا فليس له التصرف, وانتقضت علة الأصل.
وعلى أن هذا غير مؤثر؛ لأن للبائع أن يتصرف في الثمن قبل قبضه, وإن لم يحصل في ضمانه.
ولأن الاعتبار بالتعيين دون القبض, بدليل: أنه لو ابتاع طعامًا مكايلة, وقبضه بغير كيل, حصل في ضمان المشتري, وليس له التصرف فيه لعدم التمييز, والتمييز هاهنا موجود, فيجب أن يصح التصرف فيه.
ومنهم من يمنع ويقول: يجوز له التصرف فيما يتحقق أنه قدر حقه.
وهذا فاسد؛ لأنه يتصرف في ملك غيره.
ولأن ما من جزء منه إلا وحق البائع فيه؛ لأنه مما تعين حقه فيه.
فإن قيل: لو كان الاعتبار بالتعيين لم يصح القبض بعدمه, وقد قال أحمد في رواية محمد بن الحارث في رجل باع بألف درهم بكذا كذا دينارًا, فأعطاه مائه دينار؛ ليجيء فيزن له, فقال: إذا كان أكثر من حقه فجائز.
فقد حكم بصحة القبض في التصرف, وإن لم يحصل التعيين, فدل على أنه لا اعتبار به.
قيل له: عدم التعيين غير مؤثر فيه من الوجه الذي ذكرنا.

ولأنه أحد عوضي المبيع, فجاز التصرف فيه قبل القبض.
دليله: الثمن.
وقد أومأ أحمد إلى جواز التصرف في الثمن في رواية ابن منصور: وقد سئل عن اقتضاء دراهم من دنانير, ودنانير من دراهم في البيع, فقال: يأخذ بالقيمة, وإن اقتضاه في الدين فبالقيمة.
فإن قيل: إن كان الثمن معينًا لم يجز التصرف فيه قبل القبض قولًا واحدًا, وإن كان في الذمة فعلى قولين.
قيل له: نقيس عليه إذا كان في الذمة: فإن سلمت فالقياس صحيح.
وإن منعت دللنا على صحة الأصل بما روى أبو بكر بإسناده عن ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع, فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, فوجدته يريد أن يدخل حجرته, فأخذت بيده, فقلت: كيف تأمرني ببيع الذهب من الفضة, وبيع الفضة بالذهب؛ أحدهما بالآخر؟ قال: "على سعر يومها, ولا تفارق صاحبك وبينك وبينه لبس".
وهذا نص.
فإن قيل: فإن سلمنا لكم هذا في الثمن, فالمعنى فيه: أنه قد أمن انتقاض العقد بهلاكه, وهذا المعنى معدوم في المبيع قبل القبض.

قيل له: لا نسلم لك هذا؛ لأن المبيع إذا كان متعينًا قد أمن انتقاض العقد بهلاكه, ويهلك من مال المشتري, فلا فرق بينه وبين الثمن.
وعلى أنه يأتي الكلام عليه على هذا مع أبي حنيفة.
فإن قيل: تسليم الثمن بتسليم عقد المعاوضة؛ لأن تسليم عقد المعاوضة إذا تعذر لم يسقط إلى القيمة, والثمن إذا تعذر وجب تقويمه, ودفع قيمته إلى البائع, وهذا حكم تسليم الملك دون تسليم العقد.
قيل: قد يعجز المشتري عن تسليم الثمن وقيمته, والمبيع في يده, فيرجع البائع إلى المبيع عندنا وعند الشافعي, وهذا حكم تسليم عقد المعاوضات, وأنه قد يتعذر, فلا يسقط إلى القيمة.
ولأن للتعيين تأثيرًا فيما يرجع إلى التصرف بدليل: أنه لا يجوز شرط تأخير القبض في بيوع الأعيان؛ لأن فيه قطعًا للتصرف, ويجوز ذلك فيما كان في الذمم, وهو الموصوف.
ولأن الشراء جهة من جهات الملك, فجاز التصرف فيما ملكه قبل قبضه.
دليله: الإرث والوصية.
ولا يلزم عليه ما لم يتعين؛ لأن التعليل بجواز التصرف فيه في الجملة, فلا يلزم عليه أعيان الملك.
فإن قيل: الإرث والوصية يجوز التصرف فيهما فيما لم يتعين فيه

ملكه, فلهذا جاز فيما تعين قبل قبضه, والمبيع لما لم يجز تصرفه فيما لم يتعين فيه ملكه, لم يجز فيما تعين.
قيل له: علة الفرع تبطل به إذا ابتاع طعامًا مكايلة, وقبضه بغير كيل؛ فإنه لا يجوز التصرف فيه لعدم التعيين, فلو كان متعينًا جاز التصرف فيه.
وعلة الأصل تبطل بالثمن؛ فإنه لا يجوز التصرف فيه إذا تعين, ويجوز إذا لم يتعين.
ونخص أبا حنيفة بطريقة أخرى: أنه عوض متعين, فجاز التصرف فيه قبل قبضه.
دليله: الصداق, وعوض الخلع؛ وافق أنه يجوز التصرف فيه قبل قبضه, كذلك هاهنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه قد أمن انتقاض العقد بهلاك العوض؛ لأنه لو هلك الصداق قبل قبضه لم يبطل النكاح, وكذلك الخلع, والبيع بخلافه.
قيل: قد أجبنا عن هذا في الدليل الذي قبله بما فيه كفاية.
فإن قيل: المعنى في الصداق وعوض الخلع: أنه يجوز التصرف في غير المتعين, والمبيع بخلافه.
قيل: قد أجبنا عن هذا في الدليل الذي قبله بما فيه كفاية.
فإن قيل: المعنى في الصداق وعوض الخلع: أنه يجوز التصرف في غير المتعين, والمبيع بخلافه.
قيل: لا نسلم لك هذا, والحكم عندنا في الصداق, كالحكم في

البيع في اعتبار التعيين وعدمه على ما نبنيه فيما بعد هذه المسألة.
ونخصه- أيضًا- بأنه بيع تعين فيه ملك المبتاع, فجاز تصرفه فيه.
دليله: العقار.
فإن قيل: المعنى في العقار: أنه أمن انتقاض العقد بهلاكه, فلهذا جاز التصرف فيه [قبل] قبضه, وليس كذلك غيره من المبيعات؛ لأنه لا يأمن ذلك.
قيل له: لا نسلم لك هذا؛ لأن المبيع الذي نجيز التصرف فيه قد أمن انتقاض العقد بهلاكه.
على أن هذا لا يصح, لأن علة الفرع تبطل بمن ابتاع طعامًا مكايلة, وقبضه بغير كيل؛ فإنه قد أمن اتقاض العقد بهلاكه, ولا يجوز التصرف فيه.
وتبطل بالمسلم فيه, لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه, وقد أمن انتقاض العقد بهلاكه؛ لأن السلم إنما يصح في مثل غلة بغداد والكوفة والبصرة, والعادة أن ذلك لا يهلك.
ويبطل- أيضًا- بزبر الحديد؛ فإنه لا يخشى هلاكها, ولا يجوز بيعها.
وليس لهم أن يقولوا: إنها تبرد وتذرى, فينتقض العقد؛ لأنه يمكن جمعه, فلا ينتقض العقد.

وأما علة الأصل فتبطل به إذا ابتاع غرفة على بيت؛ فإن له أن يبيعها قبل القبض, وهو يخشى انفساخ العقد بهلاكها.
ولا يجوز أن يقال: إن قرارها من الهواء باق بعد هلاكها؛ لأن الهواء تابع, وليس بمتبوع, ولهذا لا يجوز إفراده بالعقد.
وكذلك إذا اشترى عبدًا بثوب, ووجد القبض في أحدهما, جاز بيعه, وإن جاز انتقاض العقد فيه بهلاك ما لم يقبض.
وعلى أن خشية انفساخ العقد فيه بهلاكه لا تمنع من بيعه, ولا تدل على فساده, ألا ترى أن كل من باع شيئًا مما ينقل ويحول؛ فإنه يخشى أن يتلف قبل تسليمه إلى المشتري, وينفسخ البيع فيه, ومع هذا يجوز بيعه.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعتاب بن أسيد حين بعثه إلى اليمن: (انههم عن بيع ما لم يقبضوا, وربح ما لم يضمنوا).
ولم يفرق بين المتعين وغيره.
وبما روى ابن عمر قال: ابتعت بيعًا فما ربحت فيه, فأردت أن أصفق على يديه, فنظرت, فإذا رجل من خلفي, فنظرت, فإذا زيد بن ثابت يقول: يا عبد الله بن عمر! لا تبعه, كما ابتعته حتى تحوله إلى رحلك؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها

التجار إلى رحالهم.
والجواب: أن هذا عام, فنحمله ونخصه على المبيع الذي لم يتعين حق المبتاع فيه بدليل ما ذكرنا.
واحتج بأنه مبيع لم يقبض, فلم يجز بيعه.
دليله: ما لم يتعين ملكه فيه.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أن حق المبتاع لم يتعين فيه, وليس كذلك هاهنا؛ لأن حقه قد تعين فيه, فجاز بيعه.
دليله: بعد القبض.
فإن قيل: علة الأصل تبطل بالمكيل والموزون إذا لم يكن مأكولًا؛ فإن مهنا روى عنه أنه قال: كل شيء يباع قبل قبضه إلا ما كان يكال ويوزن مما يؤكل ويشرب.
قيل له: هذه رواية ضعيفة, والمذهب الصحيح: أنه لا يجوز بيعه سواء كان يؤكل ويشرب, أو لا يؤكل إذا لم يتعين على رواية حرب وغيره.
ثم لا يمتنع أن لا يقبض, وجوز التصرف فيه, كالثمن والبضع والميراث والوصية.
وعلى أن قوله: (مبيع) لا تأثير له؛ لأن الصداق, والعوض في الخلع, والأجرة في الإجارة إذا كانت متعينة سواء في المنع عندهم,

فلا معنى لذكر المبيع.
وقد عبر بعضهم عن هذا بأنها عين ملكها ببدل, فوجب أن لا يجوز لمالكها بيعها قبل القبض.
دليله: ما ذكرنا.
والجواب عنه: ما تقدم من الفرق بين الأصل والفرع, ومن القبض بالثمن وبالبضع, وعدم التأثير بالسلم؛ ليس بعين, ولا يجوز بيعه قبل قبضه.
واحتج بأن كل حكم تعلق بالقبض فيما لم يتعين, تعلق به فيما تعين.
أصله: انتقال الضمان, ولزوم الهبة, وصحة الرهن.
والجواب: أن انتقال الضمان ولزوم الهبة وصحة الرهن تتعلق بالقبض فيما لم يتعين, ولا تتعلق بالقبض فيما تعين, كما قلنا في جواز التصرف, فلا فرق بينهما على أصلنا.
وقد نص أصحابنا على هذا في ضمان المبيع, وفي الهبة, وفي الرهن.
وعلى أنه ليس إذا تعلقت هذه الأحكام في المتعين بالقبض, وجب أن يتعلق جواز التصرف فيه به, كما قلنا في الأثمان: إن هذه الأحكام

تتعلق فيه بالقبض, ولا يتعلق جواز التصرف به.
...

317 -

مسألة إذا أصدقها عبدًا, أو ثوبًا, أو دارًا, ونحو ذلك مما يتعين ملكها فيه, جاز لها التصرف فيه قبل قبضه.
وإن لم يكن متعينًا مثل قفيز من صبرةٍ ونحو ذلك, لم يجز لها التصرف فيه قبل قبضه.
وكذلك الجعل في الخلع:

وهذا قياس قول أصحابنا؛ لأنهم اعتبروا التعيين في غير البيع, كالهبة والرهن, وجعلوا لزوم الهبة وصحة الرهن في المتعين بالعقد, وفي غيره بالقبض.
وقال أبو حنيفة: يجوز لها أن تتصرف فيه قبل قبضه في جميع الأشياء مما يتعين ملكها فيه, وما لا يتعين.
وقال الشافعي: لا يجوز لها التصرف في شيء منه قبل القبض.
فالدلالة على أن ما لم يتعين ملكها فيه لا يجوز لها التصرف فيه قبل قبضه: أنها عين ملكت ببدل, فإذا لم يتعين ملك مالكها

فيها, لم يجز له بيعها قبل القبض.
دليله: ما ليس بمتعين إذا ملكه بعقد البيع.
وفيه احتراز من المملوك بالإرث والوصية؛ فإنه يجوز التصرف فيه, وإن لم يتعين؛ لأنه لم يملك ببدل.
وفيه احتراز من العبد والثوب؛ لأن ذلك متعين فيه ملك المالك.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه يخشى انفساخ العقد بهلاكه, فلهذا لم يجز التصرف فيه قبل قبضه, وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لا يخشى انتقاض العقد لأجل هلاكه قبل القبض, فلهذا جاز التصرف فيه.
وعناه: أن النكاح لا يبطل بهلاك المهر, وكذلك الجعل في الخلع, ولهذا قلتم: إذا أصدقها عبدًا, فخرج حرًا, أو استحق, كان لها قيمته, ولم يبطل عقد الصداق بفساده؛ لأنه لو بطل رجعت إلى مهر المثل.
قيل له: قد منعنا أن تكون هذه علة صحيحة في البيع من الوجه الذي ذكرنا, فلا وجه لإعادته.
واحتج المخالف بأنه لا يخشى انتقاض العقد بهلاكه قبل القبض, فوجب أن يجوز التصرف فيه قبل القبض.
دليله: إذا تعين حقها في الصداق, وكالثمن في المبيع.

والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج بأن المهر أحد البدلين في عقد النكاح, فوجب أن يجوز التصرف فيه قبل القبض.
دليله: البضع, والتصرف في البضع قبل القبض أن يخلعها قبل الدخول.
والجواب: أن قوله: (أحد البدلين في النكاح) لا تأثير له؛ لأن بدل الخلع وبدل النكاح سواء.
ولأن المقصود بالخلع هو الفرقة دون المعاوضة, ولهذا لا يصح أن يملك بضعها غيرها بعوض يبذله, فلهذا لم يكن من شرطه القبض.
ولأن رفع العقد لا يفتقر إلى القبض, ألا ترى أن الأدلة صحيحة في البيع قبل القبض, كما تصح بعده.
والجواب: الصحيح: أن البضع إنما جاز التصرف فيه قبل قبضه؛ لأنه متعين, ومثله نقول في الصداق المتعين.
فصل: والدلالة على جواز التصرف فيه إذا تعين حقها فيه: أن حقها فيه تعين في المهر, فملكت التصرف فيه.
دليله: بعد القبض.

ولأن الاعتبار بالتعيين دون القبض بدليل: أنه لو تزوجها على طعام مكايلة, وقبضته بغير كيل؛ فإنه لا يجوز لها التصرف فيه, وإن كان مقبوضًا لعدم التعيين.
ولأن الصداق أحد بدلي النكاح, فجاز التصرف في المتعين منه قبل القبض.
دليله: البضع.
واحتج المخالف بأنه تصرف في المهر قبل قبضه, أشبه إذا لم يتعين ملكها فيه.
والجواب: أن قوله: (في المهر) لا تأثير له؛ لأن التصرف في الثمن عنده كذلك.
ولأنه لا يجوز اعتبار المتعين بغيره, كما لم يجز اعتبارهما بعد القبض.
وعلى أنا تكلمنا على ذلك فيما تقدم في التي قبلها.
...

318 -

مسألة

التخلية قبض فيما ينقل ويحول في إحدى الروايتين:

قال في رواية الميموني: إذا جهلا جميعًا, فلم يعرف كل واحد منهما كيله, اشتراه صبرة, فقيل له: كيف التسليم؟ فقال: كيف تسليم الثمرة! في رؤوس النخل, إذا لم يحل بينه وبينه, فهو تسليم.

وكذلك نقل محمد بن الحسن بن هارون: إذا اشترى طعامًا, فلا يبيعه حتى يكتاله؛ يميزه بالكيل من مال البائع.
ويشهد لهذه الرواية من أصلنا: أن المبيع إذا تعين فهو من ضمان المبتاع, ويجوز له التصرف فيه, وبه قال أبو حنيفة.
وفيه رواية أخرى: التخلية ليست بقبض.
نص عليه في رواية الميموني في موضع آخر: إذا اشترى الصبرة, فلا يبيعها حتى ينقلها, حديث ابن عمر: كنا نشتري الطعام جزافًا في أعلى السوق, فنهينا عن بيعه حتى ننقله.
وكذلك نقل أحمد بن الحسن في رجل اشترى طعامًا, فلما قبضه, رغب عنه, وقال: بعته مرابحة صبرة: لم يجز حتى يكيله كما كاله, وينقله من موضعه, وذكر حديث: [أن] النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرنا إذا اشترينا الطعام أن ننقله من موضعه.
وبهذا قال.
وجه الأولى: ما روى أبو داود وعبد الله بن بطة بإسناده عن ابن عباس, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من ابتاع طعامًا, فلا يبعه حتى يكتاله).
فظاهر هذا: أن المشتري إذا اكتاله, ولم ينقله: أنه يجوز بيعه؛ لأن (حتى) للغاية وما بعد الغاية مفارق لما قبلها.

ولأن بالتخلية قد صار في يد المشتري بدليل جواز التصرف فيه بالنقل, والأكل إن كان طعامًا, واللبس إن كان ثوبًا, والنقل والأكل واللبس تصرف, فإذا كان في يده كان من ضمانه, وجاز له, كما لو نقله.
فإن قيل: لو كان في يد المشتري لوجب إذا كان المبيع ساحة, فخلى بينها وبين المشتري, فاحترقت, ثم جاء مستحق, فاستحقها؛ أن يكون له ضمان المشتري؛ لأنها في يده.
قيل: لا يمنع أن [لا] تكون التخلية قبضًا في ضمان الغصب, وتكون قبضًا في ضمان المبيع, كالعقار إذا خلى البائع بينه وبين المشتري صار من ضمانه, ولو ظهر مستحق للعقار لم يضمن المشتري.
وأيضًا فإن القبض سبب لضمان المبيع على المشتري, كالغصب سبب لضمانه على الغاصب, ثم ثبت أنه لا اعتبار بالنقل في ضمان الغصب بدليل: أن المودع إذا جحد الوديعة, أو طولب بردها, فلم يردها, وجب عليه ضمانها, وإن لم يوجد النقل.
وكذلك ولد المغصوبة إذا طولب برده, ولم يرده.
وكذلك إذا اصطاد ظبية, فولدت, ثم تلفت وولدها, وكان

المعنى فيه ثبوت يده عليه, كذلك المبيع قد تثبت يد المبتاع عليه بالتخلية من الوجه الذي ذكرنا.
فإن قيل: نقول بموجبه, وهو إذا كان المبيع في يد المشتري قبل العقد؛ فإنه لا يحتاج إلى نقل.
قيل: إلا أنك تشترط فيه ما يقوم مقام القبض, وهو مضي زمان يقبض في مثله, ولا يعتبر مثل هذا في الغصب.
وأيضًا فإن التخلية قد وجدت بين المبيع والمشتري, فوجب أن يحصل من ضمانه, ويجوز له بيعه.
دليله: العقار.
فإن قيل: العادة في العقار التخلية دون النقل؛ لأنه لا يمكن نقله, والعادة فيما ينقل النقل, ولم توجد العادة, فلم تكن قبضًا.
قيل: هذا المعنى لا يوجب الفرق بينهما في ضمان المبيع, كما لم يوجب الفرق بينهما في ضمان الغصب, وقد ثبت أن ضمان الغصب يحصل فيما لم ينقل سواء كان عقار, أو غيره, كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بما روى أحمد بإسناده عن ابن عمر قال: كانوا يبتاعون الطعام جزافًا بأعلى السوق, فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعوه حتى ينقلوه

وروى أبو داود بإسناده عن ابن عمر قال: كنا في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبتاع الطعام, فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى كان سواه قبل أن نبيعه؛ يعني: جزافًا.
وبإسناده عن ابن عمر قال: كان الناس يضربون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتروا الطعام جزافًا؛ أن يبيعه حتى ينقله إلى رحله.
وبإسناده عن ابن عمر قال: ابتعت زيتًا في السوق, فلما استوجبته لقيني رجل, فأعطاني فيه ربحًا حسنًا, وأردت أن أضرب على يده, فأخذ رجل من خلفي بذراعي, فالتقت, فإذا زيد بن ثابت, فقال: لا تبيعه حتى تحوزه إلى رحلك؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تباع السلع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم.
والجواب: أنا نحمل الخبر: حتى يحوزوها, أو يخلو بها.
وقد قيل: إن معنى هذه الأخبار: أنهم كانوا يتلقون الجلب, وتكثر الأمتعة في الأعدال, ولا ينظرون إليها إلا بعد إحرازها في رحالهم, فنهاهم عن بيعها قبل أن يحوزوها, وينظروا إليها؛ لئلا يلزموا أنفسهم

مبيعًا مجهول الصفة.
واحتج بأنه مبيع مضمون على البائع, لم ينقله إلى المشتري, فلم يكن قابضًا.
دليله: إذا لم توجد التخلية.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار التخلية بعدمها, كما لم يجز مثل ذلك في العقار.
ولأنه قبل التخلية لم يحصل في يد المشتري, وبعد التخلية قد حصل في يده من الوجه الذي ذكرنا.
...

319 -

مسألة

إذا باع طعامًا بثمنٍ إلى أجلٍ, فلما حل الأجل باع المشتري من البائع ذلك الطعام بالثمن الذي له عليه, لم يصح البيع:

ذكره في رواية أبي طالب.
وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز.
دليلنا: أن في ذلك ذريعة إلى طعام بطعام نسيئًا, وجعلا ذكر

الثمن طريقًا إلى جواز البيع, والذرائع معتبرة في الأصول من الوجه الذي ذكرنا في مسألة الثمرة إذا تركها حتى يبدو صلاحها بما فيه كفاية.
فإن قيل: لو كان غرضه بيع طعام بطعام لكان يجعله قرضًا.
قيل: لا يحصل له القرض؛ لأن الغرض المطالبة في الحال, وإن أجله وعقد البيع, يتأجل بتأجيله.
فإن قيل: ليس هذا بيع طعام بطعام, وإنما باع الطعام الأول بثمن, والطعام الثاني بثمن, فهما عقدان بثمنين بدلالة: أن الطعام الثاني لو خرج مستحقًا سلم إلى صاحبه, ورجع المبتاع على البائع بالثمن, ولو كان ع طعام بطعام لرجع عليه بالطعام الأول.
قيل له: قد بينا: أنهما قد يقصدان بذلك بيع الطعام بالطعام, وإن كان الثمن ثابتًا في ذمته في الظاهر, كما أنه يجوز أن يكون قصد بقرض الإماء أن يطأ في غير ملك يمين, ولا عقد نكاح, وإن كان الظاهر: أنه قد ملك الأمة بالقرض.
وكذلك قد منع من الأكل من الهدي إذا عطب دون محله, وإن كان تطوعًا؛ لجواز أن يكون قصر في علفه.


320 -

مسألة

التصرية تثبت الخيار للمبتاع في الرد, ورد صاعًا من تمرٍ؛ لما احتلبه من اللبن:

نص عليه في رواية الجماعة؛ أبي طالب, وابن إبراهيم, وإسماعيل ابن سعيد.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يملك الرد.
دليلنا: ما روى أحمد في (المسند) بإسناده عن الأعرج, عن أبي هريرة يبلغ به قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تلقوا البيع, ولا تصروا الغنم والإبل للبيع, فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين؛ إن شاء أمسكها, وإن شاء ردها بصاع من تمر لا سمراء).
وروى بإسناده في لفظ آخر عن أبي هريرة, عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من ابتاع محفلة أو مصراةً فهو بالخيار؛ إن شاء أن يردها فليردها, وإن شاء أن يمسكها أمسكها).
وروى أبو داود بإسناده في لفظ آخر عن أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من اشترى [شاة] مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام؛ إن شاء ردها

وصاعًا من طعام لا سمراء).
وروى- أيضًا- بإسناده عن ابن عمر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من ابتاع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيامٍ, فإن ردها رد معها مثل- أو مثلي- لبنها قمحًا).
فوجه الدلالة من الخبر: أنه نهى عن التصرية, وأنتم لا تنهون عنها, وجعل التصرية سببًا لثبوت الخيار, وأنتم لا تجعلونها سببًا, وجعل الرد بعد الحلب, وعندكم قبل الحلب وبعده سواء, وأوجب رد الصاع عليه, وهذا يقتضي أن اللبن يأخذ قسطًا من الثمن, وعندهم لا قسط له.
فإن قال بعضهم: هذا يرويه أبو هريرة, وحديثه لا يعمل عليه.
وقد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: كان لا يقبل من أخبار أبي هريرة إلا ما فيه ذكر الجنة والنار.
وروي عن أبي هريرة أنه قال: لو حدثت بهذه الأحاديث على عهد عمر لرأيت الدرة تصعد على رأسي وتنزل.
فيقال له: لم لا تعمل بحديثه؟ وهو رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ وقد أثنى الله-تعالى- على الصحابة, ورضي عنهم, وزكاهم, وأخبرنا بإيمانهم وتقواهم, وأبو هريرة - رضي الله عنه - داخل في جملتهم, ومن

يتنقص منه فإنما يدخل في مذهب الرافضة في القصر من الصحابة, ونعوذ بالله.
وقال أحمد في رواية محمد بن منصور الطوسي: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام, فقلت: يا رسول الله! كل ما روى أبو هريرة عنك حق؟ قال: نعم.
وقد قال أبو عبيدٍ القاسم بن سلام في كتابه المسمى بـ (الحجر والتفليس): ناظرت محمد بن الحسن, فاحتججت عليه بحديث أبي هريرة: (ايما رجلٍ مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه).
فقال: هذا من أخبار أبي هريرة.
قال أبو عبيدٍ: وكان ما هرب إليه أشد مما هرب منه.
وقد روى عنه جماعة من الصحابة مثل: عبد الله بن عباس, وعبد الله

ابن عمر, وأنس, وعمرو بن حزم, وعمرو بن حريث, وحدث عنه طلحة بن عبيد الله, وأبو أيوب الأنصاري.
وقال البخاري في [....]: حدث عن أبي هريرة سبع مائة من أولاد المهاجرين والأنصار.
وهذا يدل على علمه ودينه وثقته, والذي روي عن إبراهيم لا يصح عنه, وكيف يصح وقد روينا من عمل الصحابة بروايته وعمل التابعين ما يدل على كذب ذلك؟! وعلى أن هذا متناقض؛ لأنه إذا جاز العمل بخبره فيما فيه من ذكر الجنة والنار, وتصديقه فيه, وجب ذلك في جميع أخباره ورواياته, ولا فرق بينهما.
والذي روي عنه أن قال: لو حدثت بهذه الأحاديث في عهد عمر رأيت الدرة تصعد.
فيجوز أن يكون لعمر مذهب في قبول الأخبار, كما كان لعلي مذهب في قبولها, وهو: أن يستحلف الراوي عليها.
فإن قال هذا القائل: إنما لم أقبل خبره, لا لطعن في دينه, لكن لأنه كان يكثر الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -, فيقل ضبطه لها.
قيل له: هذا يدل على غزارة حفظه, وسعة علمه, ومثله في ذلك

كما قال البحتري: إذا محاسني اللاتي أدل بها... عدت ذنوبًا, فقل لي: كيف أعتذر؟! وكما قال بعضهم: كضرائر الحسناء قلن لوجهها... حسدًا, وبغيًا: إنه لذميم وقد أجاب أبو هريرة عن هذا فيما رواه أحمد في (المسند) بإسناده عن الأعرج, عن أبي هريرة: إنكم تقولون: أكثر أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -, والله الموعد! إنكم تقولون: ما بال المهاجرين لا يحدثون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذه الأحاديث, وما بال الأنصار لا يحدثون بهذه الأحاديث, وإن أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم صفقاتهم في الأسواق, وإن أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضوهم والقيام عليها, وإني كنت امرأ معتكفًا, وكنت أكثر مجالسة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, أحضر إذا غابوا, وأحفظ إذا نسوا, وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - حدثنا يومًا, فقال: (من بسط ثوبه حتى أفرغ من حديثي, ثم يقبضه إليه؛ فإنه ليس ينسى شيئًا سمعه مني أبدًا), فبسطت ثوبي, أو قال نمرتي, ثم حدثنا, فقبضته إلي, فو الله ما نسيت شيئًا سمعته منه, وايم الله! لولا أنه في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبدًا, ثم تلا: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ

وَالْهُدَى} [البقرة: 159] الآية كلها.
وروى أحمد بإسناده عن أبي هريرة قال: ليس أحد أكثر حديثًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مني, إلا عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب, وكنت لا أكتب.
وعلى أن أبا حنيفة ترك القياس بحديث أبي هريرة في الأكل ناسيًا.
وعلى أن أبا داود قد روى ذلك عن ابن عمر.
فإن قيل: قد توقف قوم من الصحابة في روايته: فروى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أصبح جنبًا, فلا صيام له), فقالت عائشة: يرحم الله أبا هريرة! نحن أعلم بهذا منه.
وروى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الوضوء مما مست النار), فقال ابن عباس: ألسنا نتوضأ بالحميم؟! وروى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه, فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا).
قال له الأشجعي: فما يصنع بالمهراس؟! قيل له: ما ذكرتموه ليس برد لرواية أبي هريرة, وإنما هو تأويل

منهم لما رواه من الأخبار؛ إما بنسخ ثبت عندهم بخبر آخر أو تأويل, كما روي: أن الأنصار روت: (الماء من الماء), فرد عليهم ذلك؛ لأن الخبر منسوخ.
فإن قيل: هذا الخبر غير مضبوط في الأصل لاختلاف ألفاظه؛ فروى: (من اشترى شاة مصراةً, أو لقحةً مصراةً, فحلبها, فهو بخير النظرين؛ بين أن يختارها, وبين أن يردها وإناء من طعامٍ).
فذكر خيارًا غير مؤقت, وذكر إناء من طعام.
وروى: (فهو بالخيار؛ إن شاء ردها وصاعًا من تمرٍ).
وفي حديث آخر: (صاعًا من طعام لا سمراء)؛ يعني: لا حنطة, وهذا يقتضي الشعير.
وروى: (من اشترى مصراةً فلينقلب بها؛ فليحلبها؛ فإن رضي حلابها أمسكها, وإلا ردها, ورد معها صاعًا من تمرٍ).
فهذه الأخبار ليس فيها توقيت الخيار.
وروى أخبارًا فيها توقيت؛ فروى: (من ابتاع شاة مصراةً فهو فيها

بالخيار ثلاثة أيامٍ؛ فإن شاء أمسكها, وإن شاء ردها ورد معها صاع تمرٍ).
فلما اختلفت ألفاظه في مقدار المردود, وفي إطلاق الخيار وتوقيته, علم أنه غير مضبوط.
قيل له: هذا النوع من الاختلاف [لا] يوجب اضطراب الخبر؛ فإن كل لفظ منه يعاضد صاحبه, ويبينه؛ لأنه في موضع أطلق أن له الخيار, وفي موضع فسر المدة بالثلاث, فكان خاصًا يقضى به على المطلق.
وإنما تدل على الاضطراب إذا كانت ألفاظًا مختلفةً لا تتفق, ولا يمكن الجمع بينها.
فإن قيل: المراد عندنا بالخبر: [أنه] إذا شرط في عقد البيع أن حلابها كذا وكذا, فيفسد العقد لأجل الشرط, وإذا تبين نقصان اللبن عما شرط كان بالخيار: إن شاء أسقط الشرط, ورضي بها, فيصح البيع؛ لأن العقد إذا فسد بشرط ملحق به, ثم أسقط صار كأن العقد وقع عاريًا عن الشرط, فيصح.

جارٍ التحميل