الثمار باطلًا؛ لأن العادة ببغداد أن أصحاب الثمار يشترطون [.....] على المشتري، ومعلوم أن هذا بيع باطل.
قيل له: العادة إذا كانت مخالفة للشرع ولم يحمل العقد عليها، وإنما يحمل على عادة صحيحة جائزة غير مخالفة الشرع.
واحتج المخالف بأنه لو شرط قطعها جاز، كذلك إذا أطلق العقد [و] لم يشترط، يجب أن يجوز، كما لو بدا صلاحها.
والجواب: أنه إذا شرط القطع لا يكون معقودًا على غرر؛ لأنها إذا قطعت سلمت من العاهة، فلهذا صح البيع، وكذلك إذا بدا الصلاح قد نجت من العاهة، فلا يكون العقد على غرر.
وليس كذلك إذا لم يبد صلاحها، وباعها مطلقًا؛ لأن ذلك يقتضي تبقيتها على ما قررناه، وفي ذلك غرر، ولهذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وحتى تنجو من العاهة، وحتى تزهي، ولهذا قال: (أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه).
واحتج بأن العقد على الأعيان لا بفتقر في صحته إلى شرط نقلها عن ملك البائع بدلالة: العقد على الطعام في أرض البائع أو في داره، والثوب، والعبد.
والجواب: أن العرف في سائر الأعيان تسليمها في الحال، فحمل مطلق العقد فيها على العرف، فيجب على هذا القياس أن يحمل مطلق العقد على الثمرة قبل بدو صلاحها على العرف فيها، وهو التبقية، فوجب حمله عليه، كما حمل على العرف في الأثمان.
وإن قاسوا على الثمرة المبيعة مع الأصل، فالمعنى فيها: أن الغرر قد سقط هناك؛ لكونها تبعًا للأصل، فجاز، كما قلنا للمجهول من أساس الدار وأطراف الجذوع وطي البئر، وكذلك بيع الحمل، والصوف على الظهر.
وإن قاسوا على الوصية بها مطلقًا؛ احتمل المنع، واحتمل الجواز، ويكون الفرق بينهما: أنه لا ضرر على الموهوب له والموصى له في ملكها قبل بدو صلاحها؛ لأنه لم يبذل عوضًا في مقابلها حتى إذا تلفت ذهب عوضه، فلذلك صحت تلك العقود.
فأما المبتاع فعليه ضرر في الابتياع قبل بدو الصلاح؛ لأنه بذل عوضًا في مقابلها، فإذا ذهب عوضها، فكان فيه ضرر، فلم يجز، ألا ترى أن الوصية تجوز بالمعدوم والمجهول، وإن لم يخرص البيع.
301 -
مسألة
إذا باع الثمرة بعد بدو صلاحها بشرط التبقية صح:
ذكره الخرقي في (مختصره).
وقد نص أحمد في رواية الجماعة على أنه إذا اشترى الثمرة، ولحقتها جائحة: أنها تتلف من مال البائع.
وهذا يدل من أصوله على أن له شرط البقاء إلى وقت الجذاذ.
وبه قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا شرط البقاء بطل البيع.
دليلنا: ما تقدم من نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن [بيع] الثمرة حتى يبدو صلاحها، وحتى تزهي، وحتى تنجو من العاهة، وحتى تشقح، وحتى تطيب.
ومنه دليلان:
أحدهما: أنه أجاز البيع بعد بدو صلاحها على الإطلاق، فيدخل فيها البيع بشرط القطع، والبيع مطلقًا من غير شرط.
والثاني: أنه علق النهي بغاية، وهو بدو الصلاح فيها، وما بعد الغاية بخلاف ما قبلها، فلما كان البيع قبل بدو الصلاح بشرط التبقية باطلًا، اقتضى بحكم الغاية أن يكون بعد بدو الصلاح بشرط التبقية صحيحًا.
وأيضًا فإن العادة في الثمار تبقيتها على أصولها إلى أوان الجذاذ، فإذا جاز إطلاق العقد فيها، جاز بشرط التبقية، ألا ترى أن النقد إذا كان معروفًا معتادًا في البلد، جاز إطلاق العقد عليه، وجاز شرطه.
ولأنا نبني هذه المسألة على ما قبلها، وأنا إطلاق العقد في الثمار يقتضي التبقية، فإذا شرط ذلك في العقد كان تأكيدًا، فلم يغيره، كما لو شرط تسليم المبيع.
واحتج المخالف بأن تسليم المبيع في الحال من موجب العقد، فإذا شرط ترك الثمرة، فقد نفى موجب العقد، ونفي موجب العقد يفسد العقد، كما لو اشترى عبدًا على أن لا يسلمه إليه إلى شهر بطل العقد؛ لأنه نفى موجبه.
والجواب: أنه موجب العقد هو التسليم، وتبقية الثمرة ليس بتأخير التسليم؛ لأن تسليم الثمرة على رؤس النخل بالتخلية بينها وبين المشتري، وإنما الكلام في نقلها، والنقل ليس من موجب البيع، وإنما يجب النقل على حسب العادة بدليل: أن الثمرة لو بقيت مع الأصل، لم يجب على البائع نقلها إلى أوان الجذاذ، وإن لم تكن الثمرة مبيعة، ولا معقود عليها.
واحتج بأنه اشترى ثمرة على شرط الترك، فوجب أن لا يجوز، كما لو اشتراها قبل بدو صلاحها، وشرط تركها.
والجواب: أن [في] بيعتها قبل بدو صلاحها غرر كثير؛ لأنها
تعرض للهلاك، ولهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أرأيت إن منع الله الثمرة)، وإذا بدا الصلاح زال الغرر، فجاز بيعها.
واحتج بأنه شرط الانتفاع بملك البائع في عقد البيع، فهو كما لو باع بيتًا فيه طعام على أن ينقله بعد شهر.
والجواب: أنه يجوز ذلك على أصلنا.
على أنه لا عادة في تبقية الطعام، وفي الثمار عادة.
...
302 -
مسألة
إذا اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، فلم يقطعها حتى بدا صلاحها، وأتى عليها أوان جذاذها، بطل البيع، وتكون الثمرة بزيادتها للبائع، ويرد الثمن على المشتري في أصح الروايتين:
نقلها أبو طالب، وحنبل في موضع:
فقال في رواية أبي طالب: لو باعه نخلًا على أن يصرمه، فتركه حتى اصفر، أو احمر، فسد البيع، وكذلك الحشيش إذا لم يقطعه وسنبل، فسد البيع، وتكون الثمرة والسنبل لصاحب الأرض.
وكذلك نقل حنبل في موضع: إذا باعة نخلًا على أن يصرمه،
فتركه حتى بلغ، فذلك للبائع، ويرد عليه الثمن.
وكذلك نقل أبو طالب في من اشترى قصيلًا؛ ليجزه وهو حشيش، فتركه حتى سنبل، فسد البيع.
وهذه الرواية اختيار الخرقي وأبي بكر.
وفيه رواية أخرى: العقد صحيح لم يبطل.
نص عليه في رواية [......] ابن سعيد، وحنبل في موضع آخر:
فقال في رواية ابن سعيد: لا يشتري الرطبة إلا جزة، فإن تركها حتى تطول وتكبر، كان للمبتاع ما جز منها، وكان البائع شريكًا للمبتاع في النماء الزائد، إلا أن يكون يسيرًا قدر يوم، أو يومين، وكذلك النخل.
وكذلك نقل حنبل: لا يجوز بيع الرطببة الأجزه، فإن باعة على أن يجزه، أو نخلًا على أن يصرمه، فتركه حتى زاد، فالزيادة لا يستحقها واحد منهم، ويتصدقان به.
فقد اتفقا عنه على أن البيع لم يبطل، واختلفا في قدر الزيادة؛ فنقل ابن سعيد: أنهما يشتركان فيها، ونقل حنبل: يتصدقان بالزيادة.
وقوله: يتصدقان، ويشتركان بالزيادة؛ يريد به: الزيادة في القيمة؛ لأن الزيادة هاهنا في عين الثمرة، وليست أعيانًا يشار إليها؛ فينظر: كم كان قيمتها وقت العقد؟ فإذا قيل: مئة، قيل: وكم قيمتها بعد الزيادة؟ قالوا: مئتان، فيتصدقان أو يشتركان في القيمة الزائدة.
وهذا عندي على طريق الاستحباب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ربح ما لم يضمن، وهذه الثمرة قبل قطعها ليست من ضمان المشتري بدليل: أنها لو تلفت بآفة سماوية، أو بعطش كانت من ضمان البائع، ولهذا كره له أخذ ربحها.
وكره للبائع أيضًا؛ لأنها حدثت على ملك المشتري.
وقوله: (يشتركان) على طريق الاستحباب؛ لأن المشتري تعدى بتركها في نخل البائع، فاستحب له أن يستطيبه بجزء منها.
والفقه في ذلك إذا قلنا: العقد لم يبطل: أن تكون بزيادتها للمشتري.
ونقل أبو طالب في موضع آخر: إذا اشترى قصيلًا، ثم مرض، أو توانى حتى صار شعيرًا، فإن أراد الحيلة فسد البيع.
وظاهر هذا: أنه إذا لم يقصد ذلك فالعقد صحيح.
ومعنى هذا: أنه إذا لم يقصد الحيلة فهو أسهل في بابه، بمعنى: أنه إذا لم يأثم بذلك لو قصد الحيلة، وهو: أن يشترط القطع حال العقد، وفي نيته تبقيته إلى وقت الجذاذ، أثم بذلك؛ لأنه يغر البائع، وإلا فهما يتفقان في حكم البطلان والصحة، وإنما يختلفان في المأثم؛ لأن ما يبطل البيع لا فرق بين القصد فيه وعدمه، كتلف المبيع قبل قبضه.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: العقد صحيح لم يبطل، والثمرة للمشتري بزيادتها.
وجه الأولى، وأن العقد باطل، والثمرة بزيادتها للبائع: ما تقدم من نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى تزهو، وحتى يبدو صلاحها.
وهذا عام فيه إذا كان بشرط القطع، وبشرط البقاء، إلا أنا خصصنا جواز ذلك إذا كان بشرط القطع وتعقبه القطع بالإجماع، وبقي ما عداه- وهو إذا لم يقطع- على موجب الظاهر.
وأيضًا فإنه أخر قبضًا مستحقًا لحق الله تعالى، أشبه تأخير قبض رأس مال السلم والصرف.
ولأنها ثمرة أفردت بالعقد، لم يبد صلاحها، ولم تقطع في وقت إمكان القطع، فبطل العقد، كما لو شرط البقاء، أو أطلق العقد.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن العقد أوجب الغرر، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الغرر حدث بعده.
قيل: لا يمتنع أن يحدث بعده، ويجري مجرى الموجود حال العقد بدليل: التفرق قبل قبض رأس مال السلم، وثمن الصرف.
ثم لا نسلم: أن الغرر حدث بعده، وهو أنه قد يشرط القطع؛ ليسلم له العقد، ويعتقد الترك؛ ليحصل له الغرض، فيجعل الشرط ذريعة إلى ذلك، والذرائع معتبرة لما نبينه في ما بعد.
ونبني المسألة على أصل، وهو: إذا ابتاع ثمرة، فلم يقبضها حتى
حدثت ثمرة أخرى، ولم تتميز الثانية من الأولى؛ أن العقد يبطل عندنا، وعند أبي حنيفة، وأحد القولين للشافعي، كذلك إذا كانت الزيادة متصلة بعلة: أنه أحد نوعي الزيادة، فإذا حدثت قبل القبض، جاز أن تؤثر في بطلان العقد، كالزيادة المنفصلة إذا لم يتميز المبيع منها.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الزيادة منفصلة، وليس كذلك هاهنا؛ لأنها متصلة بالمبيع، فهي كما لو ابتاع عبدًا هزيلًا، فقبل أن يقبضه سمن.
قيل: هذا لا يوجب الفرق بينهما في البطلان، كما لم يوجبه في الفسخ، وقد ثبت أنه لو ظهر على عيب، وقد زاد المبيع زيادة متصلة أو منفصلة ملك الفسخ، وكذلك إذا أفلس بالثمن وهناك زيادة.
ونبني المسألة على أصل آخر، وهو: القول بالذرائع، وذلك أنا لو حكما بصحة البيع كان ذريعًة إلى شراء الثمرة قبل بدو صلاحها على الترك إلى وقت الجذاذ؛ لأنه يشترط القطع؛ ليسلم له العقد، ويعتقد الترك؛ ليحصل له الغرض، والذرائع معتبرة في الأصول، ألا ترى أن الله- تعالى- نهى عن سب الآلهة، وإن كان مباحًا؛ لئلا يكون ذريعًة إلى سب الله- تعالى- بقوله: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108].
وامتنع النبي - صلى الله عليه وسلم - من قتل المنافقين؛ لئلا يقولوا: إن محمدًا يقتل أصحابه.
ومنع من أن يأكل من هديه إذا عطب دون محله؛ لئلا يكون ذريعة إلى أنه قصر في علفه.
والجماعة يقتلون بالواحد؛ لئلا يكون ذريعة إلى أن من أراد قتل غيره شارك غيره؛ ليسقط القصاص عنه.
وكذلك حرام القاتل الإرث؛ لئلا يكون ذريعة إلى تعجيل الميراث.
وكذلك لم يجز قرض الإمام المباح وطؤهن؛ لئلا يكون ذريعة إلى الاستباحة بغير عقد ولا ملك.
وكذلك قال أصحابنا: الفرار من الزكاة لا يسقط؛ لأنه يكون ذريعة إلى إسقاط الزكاة جملة.
وكذلك إذا باع طعامًا إلى أجل، فلما حل الأجل، باع المشتري من البائع ذلك الطعام بالثمن الذي له عليه، فلم يصح البيع؛ لأنه ذريعة إلى حصول بيع طعام بطعام.
وكذلك من أراد أن يقرض دينارًا بدينارين إلى أجل، فباعه سلعة بدينارين إلى سنة، لا بقصد البيع، ثم رجع، فابتاعها منه بدينار نقدًا، ويبقى له دينار إلى سنة، كذلك هاهنا.
وقد روي أن رجلًا باع من رجل حريرة بمئة، ثم اشتراها بخمسين، فسئل ابن عباس عن ذلك، فقال: دراهم بدراهم متفاضلة،
دخلت بينهما حريرة.
وقد ذكر الحضرمي في كتاب (البيوع) هذا الحديث بلفظين أخرجه إلينا أبو محمد النجشي بإسناده قال: قال ابن عباس: اتقوا هذه العينة، لا تكون دراهم بدراهم بينهما حريرة.
وبإسناده عن أنس: أنه سئل عن العينة؛ يعني: بيع الحريرة، فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله.
وروى ابن بطة في تحريم النبيذ بإسناده عن الأوزاعي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع)؛ يعني: العينة.
وهذا يقتضي أن ذكر البيع في ما يقصد به الربا لا يبيحه، [و] ذلك يقتضي أن ذكر الشرط في ما يقصد به عدمه لا يبيحه.
فإن قيل: الذرائع غير مؤثرة في التحريم، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر أخا [بني] عدي على خيبر جاءه بتمر جنيبٍ، فقال: (أكل تمر خيبر هكذا؟) قال: لا، لكن بعت الصاعين بالصاع، فقال: (لا تفعل، ولكن بع تمركم بعرضٍ، واشتروا به تمرًا).
وهذا نفس الذريعة إلى بيع تمر بتمر متفاضلًا.
وكذلك من أراد أن يزني بامرأة، فعقد عليها عقد نكاح، جاز أن يطأها، وإن كان العقد ذريعة إلى ذلك الفعل الذي كان ممنوعًا منه، كذلك هاهنا.
قيل: أما حديث [أخي بني] عدي فيحتمل أن يكون أمره بشراء العرض من غير من ابتاع منه التمر الجيد، فيكون العرض في تلك الحال مقصودًا، وإنما يمنع لو ابتاع به عرضًا ممن يبتاع منه التمر الجيد؛ لأنا تعلم أن العرض غير مقصود في تلك الحال.
وأما عقد النكاح فإنه مقصود في نفسه، وإن كان يتوصل به إلى الوطء؛ لأنه يقصد به لحوق النسب، وثبوت التوارث، وغير ذلك من الأحكام، فلهذا صح؛ لأنه مقصود في نفسه.
فإن قيل: فالعقود لا يعتبر فيها القصد.
قيل: المكره لا تصح عقوده لعدم القصد لها، والوكيل يعتبر قصده بالشراء لموكله.
واحتج المخالف بأن المبيع بحاله وذاته، وإنما انضاف إليه غيره على وجه لا يتميز عنه، وهذا لا يوجب بطلان العقد، كما لو كان المبيع عبدًا صغيرًا، فكبر، وطال، وسمن؛ فإن البيع لا يبطل، كذلك الثمرة.
والجواب: أن القبض هناك لحقهما، وهاهنا لحق الله تعالى، وقد فات مع الإمكان، فهو كالقبض في السلم والصرف.
والثاني: أن ذلك ليس بذريعة إلى فعل المحظور، وهذا يحصل
ذريعة إلى فعل المحظور، وهو بيع ما لم يبد صلاحه على الترك.
واحتج بأنه لو باع ثمرة بعد ما بدا صلاحها، فلم يقبضها حتى حدثت ثمرة أخرى مثل التين والباذنجان والبطيخ ونحوه، فلم يأخذه حتى حدثت ثمرة أخرى، ولم يتميز، فإن العقد لا يبطل، كذلك إذا كانت ثمرة واحدة، فزادت عينها وذاتها.
والجواب: أن الخلاف فيهما واحد، والقول في الثمرة إذا اختلطت بثمرة أخرى وفي الثمرة الواحدة إذا زادت سواء، وفي العقد روايتان؛ أظهرهما: بطلان العقد، ولا فرق بينهما.
وقد قال أبو بكر في كتاب (الشافي): أما بيع الباذنجان والورد والرطبة وما أشبهه، فلا يجوز البيع فيه إلا لقطة لقطة، والرطبة كل جزة، فإن بيع ما ظهر على قطعه جاز، ويفسد البيع إن تأخر حتى تطلع بقيته.
واحتج بعضهم بأنه مبيع لو قبضه في الحال صح، فإذا أخر قبضه لم يبطل.
دليله: غير الثمرة.
والجواب: أنه يبطل بالصرف، ورأس مال السلم؛ لو قبضه في حال صح، ولو أخره لم يصح.
ثم المعنى في الأصل، وفيه إذا قبضه في الحال: أنه قد أمن فيه الغرر، وبالتأخير الغرر حاصل، ولهذا المعنى تأثير في الفساد بدليل
بيع الثمرة التي لم يبد صلاحها على الترك أو مطلقًا لم يصح لخوف الغرر، ولو شرط القطع صح، كذلك هاهنا، وهذا المعنى الذي نبه الشرع عليه.
فإن قيل: المعنى هناك العقد أوجب الغرر، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الغرر حدث بعده.
قيل: قد أجبنا عن هذا في السؤال عن القياس.
...
303 -
مسألة
إذا بدا الصلاح في نوعٍ من الثمار كان صلاحًا لبقية ذلك النوع في قراحٍ واحد في إحدى الروايتين:
نقلها حنبل فقال: إذا كان في بستان بعضه بالغ وغير بالغ، بيع إذا كان الأغلب عليه البلوغ.
وظاهر كلامه: أنه صلاح لبقيته إذا كان الغالب عليه الصلاح.
وفيه رواية أخرى: لا يكون ذلك صلاحًا لما لم يبد صلاحه من ذلك النوع، كما لا يكون صلاحًا لنوع آخر.
واختار أبو بكر ذلك في كتاب (الشافي).
وقال في رواية ابن منصور: لا يباع حتى تؤمن عليه العاهة، فإن احمر بعضه، وبعضه أخضر، يباع الذي بلغ.
وكذلك نقل جعفر بن محمد، ومحمد بن أبي حرب.
ويجب أن يحمل هذا على أنه لا يكون صلاحًا لنخلة أخرى، أو شجرة أخرى، فأما في النخلة الواحدة والشجرة الواحدة، فيكون صلاحًا رواية واحدة؛ لأنه لا يمكن إفراد البيع لذلك من نخلة واحدة؛ لأنه لو أفرد البسر بالعقد اختلطت بغيرها في يوم واحد؛ لأن البسرة تصفر في يومها، وليس كذلك من نخلتين؛ لأنه لا يأمن الاختلاط؛ لأت التمييز قد حصل بتعيين النخلة.
واختار أبو إسحاق في بعض تعاليقه أن بدو الصلاح في نوع لا يكون صلاحًا لبقيته، وقال: قوله: (حتى يبدو صلاحه) يقتضي الكل بدلالة قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: 29]؛ اقتضى ذلك الكل، لا البعض.
وقال مالك: إذا بدا الصلاح في نوع من الثمار كان صلاحًا لبقيته من ذلك القراح وما جاوره من الأقرحة في ذلك البلد، إذا كان الصلاح المعهود، لا المنكر في غير وقته.
فالدلالة على أنه لا يكون صلاحًا لثمرة قراح آخر، ولا يجوز بيع غير القراح الذي فيه النخلة التي بدا صلاحها: [ما] روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيع العنب حتى يسود.
وظاهر هذا: أنه لا يجوز بيع ما لم يسود من ذلك النوع في القراح
الواحد، إلا أن الدليل دل على جواز ذلك، وبقي ما عداه في الأقرحة على ظاهره.
ولأنه إذا بدا الصلاح في بسرة منها لا يخلو: [إما] أن تعتبر تلك البسرة نفسها، أ, تعتبر حتى يبدو في جميعها.
فبطل أن يقال: تعتبر بنفسها؛ لأنه لو أفردها بالعقد اختلطت بغيرها في يوم واحد؛ لأن البسرة تصفر في يومها.
وبطل أن يقال: تعتبر في جميعها؛ لأنه لو اعتبر هذا لأكلت الثمرة قبل جواز بيعها.
ثبت أن الاعتبار يلحق غيرها بها بقدر الحاجة إليه، وليس غير الحائط الواحد.
واحتج المخالف بأن المعتبر في ذلك هو الأمن من الآفة على الثمرة دون الحيازة، ألا ترى أنها لو كانت حائطًا واحدًا، جاز بيع باقيه؛ لأن مجاورة الأقرحة لهذا القراح، كمجاورة سائر نخيل القراح لهذه النخلة، فيجب تساويهما.
والجواب: أنا لا نسلم أن العلة في القراح الواحد الأمن، وإنما جعلنا بدو الصلاح في بسرة كبدو الصلاح في كل النوع في الحائط الواحد لسوء المشاركة واختلاف الأيدي، وهذا معدوم في الحائطين، فوجب اعتبار كل حائط بنفسه.
فصل:
والدلالة على أنه يكون صلاحًا لبقية ذلك النوع في القراح الواحد، وهو: أن الصلاح لو بدا في نخلة واحدة كان صلاحًا لبقية ثمرة تلك النخلة، كذلك في بقية نخيل ذلك القراح.
فإن قيل: إنما كان صلاحًا في النخلة الواحدة؛ لأنه لو أفرد البسرة بالعقد اختلطت، وامتنع التمييز، وهذا المعنى لا يوجد في نخلتين.
قيل له: إن لم يوجد الاختلاط في نخلتين؛ فإنه يوجد معنى آخر، وهو سوء المشاركة واختلاف الأيدي، وهذا معدوم في الحائطين، فكان يجب أن يكون صلاحًا في القراح الواحد لهذه العلة.
واحتج من منع ذلك من أصحابنا بأنه لما لم يكن صلاحًا لقراح آخر، كذلك هاهنا.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أنه لا حاجة بنا إلى ذلك، وبنا حاجة في القراح الواحد من اختلاف الأيدي.
ولا يجوز قياس هذا على الأنواع المختلفة، وأن بدو الصلاح في بعضها لا يكون صلاحًا لنوع آخر؛ لأن الأنواع يختلف إدراكها وطلوعها، فلا تختلط، والنوع الواحد يتلاحق إدراكه، فيختلط، فلهذا لم تجعل كالنوع الواحد.
فصل:
فإن باع نخلًا من قراحٍ قد أبر بعضه، فهل يكون الكل للبائع، كما
لو كان قد أبر جميعه؟
اختلف أصحابنا؛ فقال شيخنا أبو عبد الله: يكون جميعه للبائع، كما لو باع نخلًا من قراح قد بدا الصلاح في بعضه؛ أنه يكون صلاحًا لبقية ذلك النوع.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو بكر في كتاب (الخلاف): يكون للبائع ما أبر، وما لم يؤبر فهو للمشتري.
وحكاه عن أحمد في رواية علي بن سعيد.
وهو اختيار أبي إسحاق- أيضًا- ذكره في (تعاليقه).
والوجه في أنه يكون جميعه للبائع: حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من باع نخلًا بعد أن أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع).
وإذا أبر بعضها انطلق هذا الاسم عليها، فيقال: هذه نخلة مؤبرة.
ولأنا لو جعلنا المؤبرة منها للبائع، وغير المؤبرة للمبتاع، أدى إلى سوء المشاركة واختلاف الأيدي والخصومة التي لا تنقضي، فلهذا جعلناها كالمؤبرة كلها.
ولهذا قلنا: إن بدو الصلاح في بعض النوع صلاحًا لجميعه من ذلك القراح على الصحيح من المذهب لهذا المعنى، كذلك هاهنا.
واحتج أبو بكر بأنه باع ما أبر، وما لم يؤبر، فوجب أن يكون ما لم
يؤبر للمشتري، كما لو باع نخلًا من حائطين.
ولأنها نخل لم تؤبر، فلا تكون ثمرتها للبائع.
دليله: لو باعها بانفرادها.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار القراحين بالقراح الواحد، وما أفرد بما بيع مع غيره، ألا ترى أن بدو الصلاح فرقنا فيه بين القراح الواحد وبين القراحين، وبين أن يفرد ما بدا صلاحه بالبيع، وبين أن يبيعه مجتمعًا.
ولأن القراحين لا تؤدي إلى سوء المشاركة واختلاف الأيدي، وهذا معدوم في القراح الواحد.
ومن نصر قول أبي بكر أجاب عن الخبر بأنه حجة [له]؛ لأن ما لم يؤبر لا يقع عليه اسم المؤبر.
وأجاب عن سوء المشاركة بأنه يبطل إذا كان في القراح جنسين؛ فإن تأبير أحدهما لا يكون تأبيرًا للآخر، وإن أفضى إلى سوء المشاركة.
وأجاب عن بدو الصلاح في بعضه؛ أنه صلاح لبقية النوع بأنه إنما يكون هذا في النخلة الواحدة؛ لأنه يفضي إلى اختلاط المبيع بغيره، فأما في نخلة أخرى، فلا يكون صلاحًا، كمسألتنا سواء.
...
304 -
مسألة
يجوز بيع ما ظهر من المقاثي والمباطح دون ما بطن:
نص على هذا في رواية حنبل وابن سعيد وأبي طالب.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك: يجوز بيع ما ظهر منها، وما لم يظهر إذا بدا أوانها.
وكذلك إذا جاز بيع الأصول المغيبة في الأرض، كالجزر والفجل والبصل، وما أشبه ذلك.
دليلنا: ما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيع الغرر.
وهذا منه؛ لأنه يعقد على ما لم يخلق، وقد يخلق في ما بعد، وقد لا يخلق، وإذا خلق يختلف اختلافًا متباينًا؛ صغيرًا أو كبيرًا، وصحيحًا وفاسدًا، ووحشًا وحسنًا.
[و] لأنه بيع ثمرة لم تخلق، فلم يصح، كما لو أفرد الثمرة المعدومة بالبيع.
وكل ثمرة لم يجز إفرادها بالعقد لم تجز مع غيرها.
دليله: ثمرة النخل سنين.
يبين صحة هذا: أن ثمرة النخلة لا تكاد تختلف، ولا يتناثر وردها وقدها صغيرًا وكبيرًا، وهذا يختلف اختلافًا شديدًا قدرًا وقدًا، فإذا لم يجز هذا في النخل ففي القثاء أولى.
ولأن الجزر والفجل إذا لم يقلع فهو بيع مجهول فلا يصح، كما لو اشترى منه شيئًا لم يره، ولم يصفه.
واحتج المخالف بعموم قوله: ﴿وأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: 275].
والجواب: أن هذا محمول على غير مسألتنا.
واحتج بأن الحاجة داعية إلى جواز هذا البيع؛ لأنا لو لم نجزه لاختلطت الثانية بالأولى، ولا تتميز عنها، فلا يمكن بيع هذه الثمرة بحال.
والجواب: أنه ليس كذلك؛ لأن الثمرة الثانية تكون متميزة عن الأولى فيمكن إفراد الأولى بالعقد.
واحتج بأنه لو بدا الصلاح في بعض الثمار جاز بيع الجميع، ويكون ما لم يبد فيه الصلاح تابعًا لما بدا فيه الصلاح، كذلك هذا، وكذلك ما يحدث من الزيادة في الثمار وما يحصل فيها من الصفرة والحمرة يتبع ما يكون موجودًا حال العقد، كذلك هاهنا جاز أن تتبع الثمرة التي لم توجد الثمرة الموجودة.
والجواب: أنه باطل بالشجر الذي يحمل في السنة حملين؛ فإن الصلاح إذا بدا في الثمرة تبعها ما لم يبد الصلاح فيه، ولا يتبع الحادث الموجود في جواز العقد على الجميع.
وأما ما يحدث بالزيادة في الثمرة والحمرة والصفرة فليس بتابع للموجود، وإنما يكون ذلك للمشتري؛ لأنه موجود في ملكه.
305 -
مسألة
يجوز بيع الباقلا في قشره الأعلى، وكذلك بيع الحنطة في سنبلها:
نص على هذا في رواية أبي طالب فقال: لا يجوز بيع الباقلا، وهو ورد، ولكن إذا اشترى الباقلا منه، وأدرك، وكان الغالب فيه الباقلا، اشتراه، يكون قد أمن من العاهة.
وقال- أيضًا- في رواية صالح وابن منصور: إذا باع زرعًا وقد استحصد، فالزكاة على البائع، وإن لم يكن استحصد، فسخته.
فقد أجاز بيعه إذا استحصد، ولم يجزه قبل ذلك على البقاء.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
وقال الشافعي في ذلك: باطل.
دليلنا: ما روى أحمد بإسناده عن أنس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو، وعن العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد.
وروى في لفظ آخر عن ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة.
فعلق جواز البيع في الخبرين بغاية، وهو أن يشتد ويبيض، وحكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها.
ولأن القشر الأول يحفظ الباقلا من الفساد، ويحرس رطوبته، ولهذا إذا قشر وترك اسود، فهو كقشر الرمان والموز.
ولأنه في مضمون خلقة ما ليس بحيوان، وهو مما يجوز بيعه، فجاز بيع ما هو فيه.
أصله: الجوز واللوز في قشر واحد.
ولأنه مأكول دونه حائل من أصله خلقته، فجاز بيعه.
دليله: الجوز، واللوز، والباقلا في قشرته السفلى.
فإن قيل: المقصود هناك مستور بما له فيه مصلحة؛ لأن بقاءه عليه حافظ لمنفعته، وإذا أزيل عنه فسد، فلهذا جاز بيعه على تلك الصفة، والمقصود هاهنا مستور بما لا مصلحة له فيه، فلم يجز بيعه.
قيل له: فيبطل بالحمل في البطن، واللبن في الضرع؛ يجوز بيعه مع أمه، وإن كان مستورًا بما لا مصلحة له فيه.
وعلى أن القشرة العليا من الباقلا في بقائها مصلحة؛ لأنه لا يجف إلا في قشرته العليا، ومتى أخرج منه- وهو رطب- اسود، ولحقه الفساد.
وكل حب حاز بيعه إذا خرج من سنبه، جاز بيعه في سنبله.
دليله: الشعير.
فإن قيل: الشعير المقصود منه بالعقد ظاهر مرئي، وليس كذلك الحنطة؛ لأن المقصود منها غير مرئي.
قيل له: المقصود من الجوز واللوز غير مرئي، ومن الشعير مرئي، ثم هما سواء في جواز العقد عليهما.
وكل حالة يجوز فيها بيع الشعير، جاز فيها بيع الطعام.
دليله: إذا خرج من سنبله.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيع الغرر.
وفي هذا غرر؛ لأنه مغيب، ومحول دونه.
والجواب: أنا قد بينا: أن بيع الغرر ما لا يقدر على تسليمه مثل بيع الطير في الهواء، وبيع السمك في الماء.
واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيع الطعام حتى يفرك.
يعني: يفعل فيه الفرك، وعندكم يجوز بيعه قبل الفرك.
والجواب: أن لنا في هذا الخبر ما للمخالف؛ لأن ظاهره يقتضي جواز بيعه بعد الفرك، ومخالفنا يقول: لا يجوز حتى يميز بعد الفرك، فإذا تساوينا في الاستدلال بهذا الخبر لم يجز أن يعترض به على الخبر الذي ننفرد نحن بالاستدلال به.
على أنا نحمل قوله: (حتى يفرك)؛ يعني: يبلغ أوان الفرك.
واحتج بأن المقصود بالبيع مستور يزال منه في حال الادخار، فوجب أن لا يجوز بيعه.
دليله: تراب الصاغة وتراب المعدن بالفضة.
والجواب: أن التراب الذي فيه الفضة يجوز بيعه بغير فضة، كما يجوز بيع الحنطة في سنبلها بغير الحنطة، ولا يجوز بيعه بالفضة، كما لا يجوز بيع الحنطة التي في السنبل بالحنطة.
وقد نص أحمد على جواز بيع تراب الصاغة بغير جنسه.
على أنا قد بينا: أن القشرة العليا لا تزال عنه حال الادخار؛ لأنها تنشف رطوبته، وفي بقائها مصلحة له.
واحتج المخالف بأن حكم الجهالة يسقط في العقود في ما تدعو الحاجة إليه، كالإجارات على ما لم يخلق، والجوز واللوز في قشره، ولا حاجة بنا إلى قشرة الباقلا العليا.
والجواب: أنا بحاجة إليه من الوجه الذي ذكرنا.
واحتج بأنه لا يعلم صغار هو، أم كبار.
والجواب: أن هذا غير مقصود في العادة، ولهذا لم يقشر حال الشراء؛ ليعلم كباره من صغاره.
فإن قيل: أليس لو قال: (بعتك الحنطة التي في هذا التبن) لم يصح لجهالته؟ كذلك إذا باع ذلك في سنبله.
وقد نص أحمد على هذا في رواية ابن منصور: إذا باع حنطة هذا البيدر، أو تبن هذا البيدر قبل أن يداس وينقى، فهو مكروه.
قيل له: قياس المذهب صحة البيع؛ لأنه قد نص على جواز بيع تراب الصاغة.
ولو سلم فإنما لم يجز ذلك؛ لأنه مستور بما لا مصلحة له فيه، وليس كذلك إذا كان في سنبله؛ لأن له فيه مصلحة من الوجه الذي ذكرنا.
...
306 -
مسألة
لا يجوز أن يبيع ثمرة بستان ويستثني منه أمدادًا معلومة، ولا أن يبيع صبرًة ويستثني منها أقفزًة:
ذكره الخرقي.
وقد نص عليه أحمد في رواية أبي بكر بن محمد، عن أبيه، عنه: وذكر له بيع الطعام جزافًا، فقال: إذا أراد أن يستثني قال: أبيعك نصفه، أبيعك ثلثه؛ من الطعام، والحائط يقول: أبيعك نصف هذا الحائط، أو ثلثه، أو ربعه، أو يقول: لا أبيعك هذه النخلة، ولا هذه.
وكذلك نقل أبو طالب عنه: وذكر له قول مالك في الاستثناء،
فقال: يستثني كذا وكذا نخلة، ويريها المشتري، ويكون معلومًا.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك: يجوز.
ونقل عبد الله عنه: أنه قال في رجل يبيع ثمرة أرضه، ويستثني كرًا، أو كرين: لا يكون به بأس.
وظاهر هذا: أنه أجاز ذلك، كما قال مالك.
ونقل عنه في موضع في رجل باع حائطًا: لا يستثني ثلثًا، أو ربعًا، أو كرًا، أو كرين؛ لأنه ليس بمعلوم، ويستثني نخلات معلومات.
وظاهر هذا: أنه منع استثناء الثلث والربع، كما لا يجوز استثناء كر، ولا كرين.
نقل ذلك أبو حفص البرمكي في مجموع له، والصحيح ما حكينا في المذهب.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن جابر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثنيا إلا أن تعلم.
والمراد بالثنيا: بيع شيء، ويستثني بعضه، فهو عام.
فإن قيل: فقد قال: (إلا أن تعلم)، وهذا معلوم.
قيل: قوله: (إلا أن تعلم) يرجع إلى الاستثناء، والمستثنى منه هاهنا مجهول.
ولأن البيع إنما يصح إذا كان معلوم القدر، وإنما يصير معلومًا بالمشاهدة بأن يقول: بعتك هذه الصبرة، أو ثمرة هذا النخل، ويشير إليه.
أو يكون المبيع جزءًا معلومًا بأن يقول: بعتك ثلث هذه الصبرة، أو نصفها.
وهذا المبيع غير معلوم بالمشاهدة؛ لأنه إذا استثنى من الصبرة عشرة أمداد، فالباقي غير معلوم بالمشاهدة، ولا هو جزء معلوم، فلم يصح، كما لو قال: بعتك ثوبًا من هذه الثياب، أو عبدًا من هؤلاء العبيد.
ولا يلزم عليه إذا قال: بعتك هذه الصبرة إلا ثلثها؛ لأن المبيع هناك جزء معلوم، فهو بمنزلة أن يقول: بعتك ثلاثة أرباع هذه الصبرة.
ولا يلزم عليه إذا قال: بعتك ثمرة هذا النخل إلا هذه النخلة؛ لأن المبيع هناك معلوم بالمشاهدة، وهو ما عدا النخلة المستثناة.
واحتج المخالف بأن ذلك إجماع أهل المدينة عملًا متواترًا بينهم.
والجواب: أن إجماع أهل المدينة ليس بحجة عندنا.
واحتج بما روي عن ابن عمر: أنه باع من رجل ثمرة، فقال: أبيعكها بأربعة آلاف وطعام الفتيان.
ويروى عنه: أنه كان يستثني على بيعه إذا باع التمر في رؤوس النخل بالمذهب أن لي منه كذا بحساب بكذا.
والجواب: أن قوله: (وطعام الفتيان) ظاهره يقتضي: أنه لم يذكر مقدارًا معلومًا، وأجمعنا على بطلان ذلك، فهم يضمرون فيه: أنه استثنى أرطالًا معلومًة، ونحن نضمر فيه: أنه استثنى ثلثًا، أو ربعًا.
وكذلك نحمل قوله: ولي بحساب ذلك.
واحتج بأنه استثنى قدرًا معلومًا، فجاز كاستثناء الجزء والنخلة.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أن ذلك معلوم بالمشاهدة، أو بالمقدار، وهذا بخلافه.
فإن قيل: فقد روى حنبل عنه: أنه إذا باع جارية، واستثنى حملها، وجب له؛ لأن البيع وقع على الأم، وهو خارج من الشراء، كأنه باع نخلة، واستثنى منها عشرين رطلًا، فله ثنياه.
فقد أجاز استثناء أرطال من ثمرة نخلة، والنخلة الواحدة كالصبرة.
قيل له: يحتمل أن يكون قال هذا على الرواية التي أجاز استثناء الحمل، وتلك رواية ضعيفة.
ويحتمل أن يكون أجاز ذلك؛ لأن الجهالة يسيرة في النخلة الواحدة، ولهذا أجزنا بيع التمر الحديث بالعتيق؛ لأنه نقصان يسير، وكذلك بيع
العرايا جائز فيما دون خمسة أوسق؛ لأنه يسير.
...
307 -
مسألة
فإن باع شاًة واستثنى الرأس والسواقط من الجلد والأطراف جاز:
نص عليه في رواية مهنا وحرب حنبل، فقال: إذا استثنى الرأس والجلد جاز، وله قيمة الجلد والرأس إن لم يذبح.
قيل له: فإن استثنى الشحم؟ فقال: لا أدري! وكأنه كرهه.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يصح هذا الاستثناء.
دليلنا: ما تقدم من حديث جابر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الثنيا إلا أن تعلم.
وهذا معلوم.
ولأنه إجماع الصحابة.
روى أبو حفص العكبري بإسناده عن عروة قال: أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة، ومعه أبو بكر، وعامر بن فهيرة، فسلكوا طريق ركونة، فمروا براعي غنمٍ، فذهب أبو بكر وعامر، فاشتريا شاة،
وشرطا له سلبها.
وروى أبو بكر بإسناده عن الشعبي قال: قضى زيد بن ثابت وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بقرة باعها رجل، واشترط رأسها، فقضوا بالشروى؛ يعني: أنه يعطيه رأسًا مثل رأس.
وروى عبد الله قال: حدثني أبي قال: نا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن بشير، عن عمرو بن راشد الأشجعي: أن رجلًا باع بختية، واشترط ثناياها، فرغب فيها، فاختصما إلى عمر، فقال: اذهبا إلى علي، فقال علي: اذهبا إلى السوق، فإذا بلغت أقصى ثمنها، فأعطوه حساب ثناياها من ثمنها.
وهذا إجماع منهم منتشر ظاهر.
ولأن الاستثناء والمستثنى منه معلومان، فصح البيع، كما لو قال: بعتك هذه الغنم العشرة إلا هذه الشاة.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن الثنيا.
والجواب: أنا قد روينا فيه زيادة، وهو قوله: إلا أن تعلم، وهذا معلوم.
واحتج بأنه باع حيوانًا، واستثنى جزءًا منه، فلم يصح، كما لو استثنى أرطالًا، واستثنى شحمها.
والجواب: أن الشحم مجهول فلم يصح، واستثناء جزء منها يؤدي إلى جهالة المستثنى منه، وهوا ما يبقى، فهو كاستثناء صاع معلوم من الثمن؛ فإنه لا يصح لهذه العلة.
وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لا يوجب جهالة الباقي؛ لأنه معلوم بالمشاهدة، فهو كما لو باع ثمرة هذه النخيل إلا ثمرة هذه النخلة.
على أن مهنا قد نقل عنه: أنه إذا قال: أبيعك هذه الشاة بعشرين درهمًا على أن لي رأسها، فلا بأس.
قيل له: وكذلك إذا قال: أبيعك هذه الشاة على أن لي من لحمها خمسة أرطال؟ قال: نعم، لا بأس به.
وظاهر هذا جواز ذلك، والصحيح عندي المنع.
واحتج بأنه لما لم يجز إفراد السواقط بالعقد لم يصح استثناؤها.
والجواب: أنه لا يصح اعتبار الشراء بالاستثناء؛ لأنه لو ابتاع أرطالًا من ثمرة بستان صح الشراء، ولو استثنى أرطالًا منها لم يصح.
ولأنه لو باع دارًا واستثنى أساساتها أو استثنى مطامير فيها صح، ولو ابتاع ذلك لم يصح البيع، كذلك هاهنا.
واحتج بأنه استثناء ما لا يجب تسليمه؛ لأنه لو امتنع المشتري من
الذبح لم يجبر عليه، فلم يصح الاستثناء.
والجواب: أنا نقول بأن الاستثناء يضمن أحد شيئين؛ السواقط، أو قيمتها، كما قلنا في من تزوج ثيبًا على قديمة كان حقها في أحد شيئين؛ الثلث بلا قضاء، أو السبع مع القضاء.
...
308 -
مسألة
توضع الجائحة عن المشتري في ما قل وكثر في أصح الروايتين:
نقلها الأثرم وأبو طالب.
وروى حنبل عنه: توضع إذا أتت على ثلث الثمرة فأكثر.
وهو قول مالك.
وقال أبو إسحاق في (تعاليقه): الجوائح بأربعة: النار، والريح، والبرد، والمطر.
وقال أبو حنيفة: لا يوضع منها شيء.
وهو الأظهر من قول الشافعي.
دليلنا: ما روى أحمد بإسناده عن جابر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع السنين، ووضع الجوائح.
فإن قيل: قال سفيان بن عيينة: كان حميد يذكر كلامًا بين السنين وبين وضع الجوائح لم أحفظه عنه.
وهذا يسقط الاحتجاج به؛ لأنه ربما كان ذلك الكلام يغير الأحكام.
قيل له: هذه الزيادة لم يروها أحمد، فلا يلزمنا الكلام عليها.
فإن قيل: يحتمل أن يكون أمر العمال بوضع الجوائح عن مالك الثمار حتى لا يأخذوا عشرها.
قيل له: قد روي في لفظ آخر مفسرًا: (إذا بعت من أخيك [ثمرًا]، فأصابته جائحة، فلا تأخذ من ثمنها شيئًا، بم تأخذ مال أخيك؟!).
وهذا صريح في أن الوضع راجع إلى الثمر دون العشر.
وروى أحمد: ثنا روح، ثنا ابن جريجٍ، أخبرني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا).
وقوله: (إن بعت) خطاب للبائع، وقد نهاه عن الأخذ، فعلم بهذا أن ما أبهمه في موضع آخر المراد به المشتري.
والثاني: أنه خص ذلك بالجائحة من السماء، ولو كان المراد به البائع، لم يخص ذلك؛ لأنه لا فرق بين الجائحة من السماء وغيرها في
أنها لا تلزم البائع، بل توضع عنه، وإنما يفترق الحال في حق المشتري على قولنا.
والثالث: أن البائع هو الذي وضع [عن] المشتري؛ لأن التلف يكون من مال المشتري عند المخالف، والبائع لم يتلف منه شيء، فعلم أن قوله: (ووضع الجوائح) عمن أصابته الجائحة، والإصابة حصلت بالمشتري.
فإن قيل: نحمل هذا على أن البيع على ثمار لم يبد صلاحها، ولم تخلق، كعادتهم، وأنهم كانوا يبيعون ثمرة سنين؛ فإن الهلاك يكون من مال البائع.
أو نحمله على أنها ثمرة موجودة قد بدا صلاحها، لكنها تلفت قبل التسليم إلى المشتري.
قيل له: لا يصح حمله على ثمرة لم تخلق، أو خلقت ولم يبد صلاحها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتبر الجائحة في ذلك، وأمر بوضعها، ولو كان المراد به ما قالوه لم يكن لذكر الجائحة فائدة؛ لأن المبيع يكون من مال البائع؛ لأنه يقع باطلًا سواء أصابته جائحة، أو لم تصبه.
ولأنه اعتبر في ذلك أن تكون جائحة من السماء، ولو كان المراد به ما قالوه لم يفترق الحال بين ما كان من السماء، أو من جهة آدمي.
وقولهم: (نحمله على أن الهلاك حصل قبل القبض) لا يصح أيضًا؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن لتخصيصه بالثمرة فائدة؛ لأن كل مبيع إذا
تلف قبل قبضه عندهم يتلف من مال البائع.
ولأنه لو كان كذلك لم يخصه بما كان من جهة السماء؛ لأنه يتلف قبل القبض من مال البائع سواء كان من جهة الله تعالى، أ, من جهة آدمي.
ووجه آخر، وهو: أن الثمار على رؤوس النخل تجري مجرى الإجارة؛ لأن الثمار توجد حالًا فحالًا، كالمنافع تستوفى أولًا فأولًا، ثم المنافع إذا تلفت قبل مضي المدة كانت من ضمان المكري، كذلك الثمار يجب أن تكون من ضمان البائع.
فإن قيل: إنما كانت المنافع من ضمان المكري؛ لأنها غير مقبوضة قبل مضي المدة، وليس كذلك الثمرة؛ لأنها مقبوضة.
يبين صحة هذا: أنه لا فرق في المنافع بين أن يكون الإتلاف من جهة آدمي، أو من جهة الله- تعالى- في باب الضمان، وفي الثمرة يفترق الحال.
قيل له: لا فرق بين المنافع وبين الثمار في أن كل واحد منهما في حكم المقبوض من وجه، وهو جواز التصرف في كل واحد منهما، والعقد عليه، فيجب أن يكون في حكم ما لم يقبض من وجه آخر، وهو: أنه يكون ضمان للبائع، كما كانت المنافع من ضمان المؤجر، لمشاركتهما في أن كل واحد منهما يستوفى أولًا أولًا.
وقولهم: إنه لا فرق في الإجارة بين أن يتلف من جهة آدمي، أو
من جهة الله تعالى، فلا يمتنع أن يتساويا.
فنقول: إن تلفت يد العبد بأكله رجع بالأجرة على المؤجر، وإن أتلفها أجنبي رجع عليه بقيمة المنفعة.
ونبني المسألة على أصل، وأن مجرد التخلية في بيع الثمار لا يكون قبضًا.
والدلالة عليه: اتفاقنا على أنها لو تلفت بعطش كانت من ضمان البائع، فلو كانت مقبوضة بنفس التخلية، لم يكن ضمانها من البائع بوجه، كالعبد والثوب.
فإن قيل: قد يتصور القبض من غير تمام.
ألا ترى أن من ابتاع صبرة على أنها كر، وصدقه المشتري على ذلك، وقبضها، كان القول قوله في قدر ما خرجت حتى يكيلها البائع عليه، فيتم القبض.
قيل له: ما اتفقا على قدره، فالقبض فيه تام، وما اختلفا فيه فالقول فيه قول المشتري، وإذا كان كذلك لم نسلم أن القبض هناك غير تام.
وأيضًا لما لم يكن للبائع مطالبة المبتاع بقطعها، علم أنها غير مقبوضة، ولم ينفع وجود التخلية، كمن ابتاع طعامًا من رجل، وكاله ليلًا، وخلى بينه وبينه، لم يلزمه نقله حتى يصبح، ولم تكن تلك التخلية قبضًا له.
فإن قيل: كيف يصح هذا على أصلكم؟ وعندكم أن المبيع إذا تعين
بالعقد فهو في حكم المقبوض.
قيل له: إنما نقول هذا في مبيع يقبض في وقت واحد، وفي مبيع يملك البائع مطالبة المشتري بنقله، وهذا معدوم هاهنا.
وأجود من هذه العبارة أن نقول: في مبيع لم ينقطع علق البائع منه، وهو التعاهد بالسفي، فكان من ضمانه.
دليله: لو ابتاع قفيزًا من صبرة، وتلفت الصبرة قبل قبضها، والعلة هناك تميزه من ملكه.
ولأنها ثمرة مبيعة محتاجة إلى تبقيتها في النخل تلفت بآفة سماوية، فوجب أن تكون من البائع.
أصله: إذا تلفت قبل القبض.
فإن قيل: إذا تلفت قبل القبض فهي من ضمان البائع؛ سواء تلفت بآفة سماوية، أو أرضية.
قيل له: لا نسلم هذا.
ولأنه مبيع لا يمكن قبضه عقيب العقد، فإذا تلف بغير فعل آدمي لم يسقط حق المشتري، كما لو ابتاع طعامًا كثيرًا.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيع الثمار حتى تزهي.
قيل: وما تزهي؟ قال: حتى تحمر.
قال: (أرأيت إن منع الله
الثمرة، فبم يأخذ أحدكم مال أخيه؟!).
فمنع من البيع، وعلل بأن الثمرة ربما تلفت، فيأخذ البائع مال المشتري بغير حق، فلو كان الضمان على البائع لما كان يأخذ مال أخيه.
والجواب: أن قوله: (بم يأخذ)؛ معناه: بم يعتقد أنه يجوز له الأخذ، أو بم يستحل جواز الأخذ.
فخرج هذا مخرج الإنكار على البائع في أخذه الثمن، كما قال تعالى: ﴿وكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 21]؛ معناه: كيف يجوز لكم أخذه وقد أفضى؟!
واحتج بما روى أحمد بإسناده عن أبي سعيد قال: أصيب رجل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (تصدقوا عليه).
قال: فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك).
الدلالة من الخبر: أنه قال: (أصيب في ثمار ابتاعها، فكثر دينه)، فلو كانت من ضمان البائع لم يكثر دينه؛ لأنه كان يأخذ منه الثمن، فعلم أنه كثر دينه؛ لأن الثمر تلف من ضمانه.
والجواب: أنه يتحمل أن يكون أصيب فيها بأمر من جهة آدمي،
أو أصيب فيها بعد أن بلغت أوان نقلها حتى تلفت؛ فإنها تكون من ضمانه.
واحتج بما روى أحمد بإسناده عن عائشة قالت: جاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: بأبي وأمي! ابتعت أنا وابني من فلان ثمر أرضه، فأتيناه نستوضعه؛ والله ما أصبنا من ثمره شيئًا، إلا شيئًا أكلناه في بطوننا، أو نطعمه مسكينًا رجاء البركة، فحلف: أن لا يفعل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (تألى أن لا يفعل خيرًا! تألى أن لا يفعل خيرًا! تألى أن لا يفعل خيرًا!)، فبلغ ذلك الرجل، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله! إن شئت الثمر كله، وإن شئت ما وضعوا، فوضع عنهم ما وضعوا.
قالوا: فوجه الدلالة: أنه لم يقل لها: إن ذلك يلزم البائع، بل قال: حلف أن لا يفعل خيرًا، فجعل الوضع من فعل الخير.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون القوم استوضعوه لجميع ما تلف وما أكلوه وتصدقوا به، فأبى ذلك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (تألى أن لا يفعل خيرًا!) في أن يضع الجميع، ولا يلزمه جميع ذلك، وإنما يلزم بقدر ما تلف.
وقد قال أحمد في رواية أبي طالب: فإن أصيب بعضه، يضع