التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 287-326

بيع اللحم في الحيوان.
وتكون الباء قائمة مقام (في), كما تقول: بعت بالسوق, وفي السوق.
قيل له: ظاهر الباء البدل عند المخالف؛ لقوله: بعتك بكذا, فيجب حمل اللفظ على ظاهره.
وعلى أنه لا يحتمل؛ لما رويناه من قوله: (لا يباع حي بميت).
وروى الشافعي بإسناده عن عبد الله بن عباس: أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر, فجاء رجل بعناق, وقال: أعطوني جزاءًا بهذا العناق, فقال أبو بكر: لا يصلح هذا.
قال هذا بحضرة الصحابة.
فإن قيل: روى أبو بكر النيسابوري في (الزيادات) عن محمد بن يحيى, عن عبد الرزاق, عن معمر, عن يحيى بن أبي كثير, عن رجل, عن ابن عباس: أنه قال: لا بأس أن يباع اللحم بالشاة.
قيل له: قد قال أبو بكر النيسابوري: ما وجدت فيه غير هذا.
فإن قيل: [يحتمل] أن يكون ذلك الجزور من إبل الصدقة, فنحر للمساكين, [فحضر] أبو بكر؛ ليفرقه عليهم, فلهذا قال لصاحب

العناق: لا يصلح هذا.
قيل له: لو كانت من إبل الصدقة لم يخف على الناس أن بيعها لا يجوز, فكان لا يطلب الرجل أن يبتاع منها.
ولأن الذي نقل في الخبر حكم, وهو المنع, وسبب, وهو شراء لحم بحيوان, فيجب حمل الحكم على ذلك السبب.
والقياس: أنه فرع يجري فيه الربا, بيع بأصله الذي هو منه, فلم يصح.
دليله: بيع الزيت بالزيتون, والعصير العنب, والحنطة بالدقيق, والسيرج بالسمسم إذا كان في الأصل أكثر من الفرع.
ولا يلزم عليه بيع العرايا؛ لأنا قلنا: فرع بيع بأصله, وهناك بيع أصل بأصل؛ لأنا نبيع التمر بما في الرطب من التمر, ولهذا نجيزه خرصًا.
ولا يلزم عليه بيع دراهم ببقرة؛ لأن كل واحد منهما أصل؛ لأنه يجيء من الدراهم بقرة.
ولا يلزم عليه بيع دجاجة فيها بيض ببيض؛ فإنه لا يجوز.
ولا يلزم على هذا بيع لحم السمك بسمك حي؛ فإنه لا يجوز.
ولا يلزم عليه بيع الحمار أو العبد بلحم الغنم؛ لأنه لا رواية فيه.
وعلى أنه لا يلزم؛ لأنا قلنا: بأصله الذي فيه منه, وليس ذلك بأصل للحم الغنم.

وفرَّقوا بين هذه الأصول وبين مسألتنا بفرق هو دليلهم, ويأتي الكلام عليه في أدلتهم.
واحتج المخالف بأن الحيوان معدود, فوجب أن يجوز بيع اللحم به, كسائر المعدودات.
والجواب: أن سائر المعدودات الحيوان ليس بأصل لها, وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن الحيوان أصل له, فلم يجز بيعه به.
دليله: ما ذكرنا من الشيرج بالسمسم, والحنطة بالدقيق, والزيت بالزيتون, والعنب بالعصير.
واحتج بأن اعتبار اللحم في حال حياة الشاة ساقط؛ لأنه لو اعتبر لحمها في حياتها لما جاز بيعها بالدراهم؛ لأن لحم الشاة لا تحله إلا الزكاة, وهي في هذه الحال غير مذكاة, فلما جاز بيعها في حياتها, علم سقوط اعتبار لحمها, فإذا سقط اعتباره, صار كأنه باع اللحم بغير جنسه, فيجوز على الإطلاق.
ولا يلزم عليه بيع اللبن بشاة في ضرعها لبن, والصوف بشاة على ظهرها صوف؛ لأن إباحتها غير موقوفة على حصول الزكاة في الشاة, ألا ترى أنه يجوز أخذها في حال حياة الحيوان والانتفاع بها, فلا يسقط اعتبارهما في هذه الحال.
وإذا كان مع الشاة لبن معين لم يجز بيعها بلبن أو صوف إلا على الاعتبار.

وكذلك دهن السمسم بالسمسم, ودهن اللوز باللوز, ودهن الجوز بالجوز, والزيت بالزيتون.
والجواب: أن اللحم الذي في الشاة معتبر إذا قابله لحم من جنسه, وإذا كانت إباحته تقف على الزكاة, كما أن الصوف الذي على ظهرها, واللبن الذي في ضرعها معتبر إذا قابله لبن أو صوف, وإن كان جواز بيعه يقف على جزه وعلى حلبه, كما أن إباحة اللحم تقف على زكاته, ولا فرق بينهما.
وقولهم: إن اللبن والصوف لا يقف على زكاة, فقد بينا أنه تقف إباحة بيعه على معنى آخر, وهو الجز والحلب, فلا فرق بينهما.
فإن قيل: فلو كان اللحم الذي في الحيوان معتبرًا, لوجب إذا باعه بحيوان مثله أن لا يجوز البيع.
قيل له: لا يمتنع أن يسقط اعتباره إذا بيع بحيوان مثله, ألا ترى أنه إذا باع شاة في ضرعها لبن بشاة في ضرعها لبن, أو شاة عليها صوف بشاة عليها صوف, صح البيع, ولو باع بلبن مفرد أو صوف مفرد لم يصح, كذلك هاهنا.
فصل: والدلالة على مالك: ما تقدم من نهيه عن بيع اللحم بالحيوان, ونهيه عن بيع حي بميت, وهذا عام في حيوان قصد لحمه, أو لم يقصد.
فإن قيل: المراد به: الحيوان الذي يقصد لحمه بدليل أن راوي هذا

الحديث سعيد, وقد فسره على هذا, فروى أبو الزناد, عن سعيد: أنه كان يقول: نهى عن بيع الحيوان باللحم, فقلت لسعيد: أرأيت رجلًا اشترى شاتين بعشرة شياه؟ فقال سعيد: إن كان اشتراها لينحرها, فلا خير في ذلك.
قيل له: الخبر عام, وتخصيص سعيد واعتباره النحر مذهب له, لا يوجب تخصيص الخبر, لا سيما وسعيد لم يشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, فيكون ممن حضر التأويل, فيعرف مواقع كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولأنه بيع لحم مأكول بحيوان من جنسه, فلم يجز.
دليله: إذا باعه بحيوان يقصد لحمه.
فإن قيل: إذا قصد لحمه, فهو في حكم جنس واحد؛ لأنه لا غرض فيه إلا اللحم, فلهذا لم يجز, وليس كذلك إذا لم يقصد لحمه؛ لأن الغرض مختلف, فهو في حكم جنس آخر, فلهذا فرقنا بينهما.
قيل له: لو كان الحيوان الذي لا يصلح إلا اللحم في حكم اللحم, لوجب أن لا يجوز بيعه بحيوان مثله إلا على الاعتبار, كما لا يجوز بيع لحم بلحم إلا على الاعتبار, ولما جاز من غير اعتبار دل على أنه ليس في حكم اللحم, وجرى مجرى الحيوان الذي لا يقصد لحمه.
ومنهم من يقول: لا يجوز بيع هذا الحيوان بمثله إلا على الاعتبار.

ومن امتنع من هذا لزمه أن لا يجيز بيع سمسم بسمسم؛ لأن الغرض من كل واحد الدقيق, وأحد لم يقل هذا, كذلك الحيوان بالحيوان.
واحتج المخالف بأنه لحم بحيوان لا يقصد لحمه, أشبه بيع لحم الشاة ببغل وحمار.
والجواب: أن ذلك ليس بأصل له, فلهذا لم يمنع, كما لا يمنع من بيعه بالدراهم والدنانير, وليس كذلك هاهنا؛ لأنه أصل له, أشبه الحيوان الذي يبتغى لحمه.
...

395 -

مسألة

هل يجوز بيع شاة في ضرعها لبن بلبن؟ أو شاة عليها صوف بصوف؟ يتخرج على روايتين نص عليهما في بيع النوى بالتمر الذي فيه النوى:

أحدهما: المنع على الإطلاق.
وهو قول الشافعي.
والثانية: الجواز على الإطلاق.
وهو قول أبي يوسف.

وقال أبو حنيفة: يجوز على الاعتبار؛ فإن كان اللبن المفرد أكثر من اللبن الذي في الشاة جاز.
فالوجه في المنع: أنه جنس فيه الربا, بيع بأصله الذي فيه منه, فلم يجز.
دليله: إذا كان اللبن مثل اللبن الذي في الشاة.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه ليس له وجه في الصحة, وإذا كان اللبن المفرد أكثر كان له وجه في الصحة, وهو إنما زاد على ذلك في مقابلة الشاة.
قيل له: قد أجبنا عن هذا السؤال في مسألة مد عجوة بما فيه كفاية.
وطريقة أخرى, وهو: أن اللبن في الضرع يأخذ قسطًا من الثمن بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في المصراة: «من ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها ثلاثًا؛ إن سخطها ردها وصاعًا من تمرٍ».
فلولا أنه يأخذ قسطًا لما رد معها تمرًا, ألا ترى أنه لو اشترى شاة حائلًا, فحملت عنده, ثم ظهر على عيب, كان له ردها, وإمساك ولدها من غير أن يرد معها شيئًا.

وإذا ثبت أنه يأخذ قسطًا من الثمن, فهو بيع لبن بلبن, ومع أحدهما غيره, وهذا لا يجوز, كما لا يجوز مد عجوة بمدي عجوة, أو مد بمد وثوب.
فإن قيل: لو كان يأخذ قسطًا من الثمن لم يجز بيع الشاة في ضرعها لبن, لا بلبن, ولا بغيره؛ لأنه بيع لبن مجهول, فهو كما لو باع شاة, ومعها لبن في قدح مغطى.
قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أنه إذا كان في الضرع, فهو مستكن فيما فيه مصلحة, فلهذا جاز, وليس كذلك إذا كان في قدح؛ لأنه مستور بما لا مصلحة فيه, فلهذا لم يجز, ألا ترى أنه لو باع الجوز واللوز جاز, ولو باع لب الجوز مستورًا بشيء وقشر الجوز لم يجز؟ وكان الفصل بينهما هذا, كذلك هاهنا.
ولأن اللبن إذا كان في الضرع كان تبعًا للشاة بدليل أنه يدخل في البيع بإطلاق العقد, فلهذا جاز, وليس كذلك إذا كان في القدح؛ لأنه مقصود في نفسه غير تابع لغيره, ألا ترى أنه [لا] يدخل في البيع بإطلاق العقد؟ فجاز أن تدخل الجهالة تبعًا, فلا تمنع صحة العقد, وإن كانت

تمنع صحة العقد إذا كانت مقصودة, ألا ترى أنه لو باع ثمرة قبل بدو صلاحها مطلقًا لم يجز, ولو باعها مع النخل جاز, وإن كان لو أفرد بالعقد لم يصح.
فإن قيل: فإن جاز أن يأخذ اللبن قسطًا, جاز أن يأخذ الحمل قسطًا.
قيل: فيه روايتان: إحداهما: يأخذ قسطًا كاللبن, ولا فرق بينهما.
والثانية: لا يأخذ.
والفصل بينهما: أن اللبن في الضرع مقدور على تناوله, فهو كاللب في الجوز, يكسر ويؤخذ, واللبن في قدح, فلهذا أخذ قسطًا من الثمن, والحمل لا يمكن استخراجه من الجوف حتى يخرج بنفسه بقدره, فهو كالأعضاء منها, فلهذا لم يأخذ قسطًا.
فإن قيل: إذا كان يأخذ قسطًا كان يجب أن يجوز إفراده بالعقد.
قيل له: لا يمتنع أن يجوز على وجه البيع, وإن لم يجز إفراده, ألا ترى أن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها مفردة عن النخل لا يجوز, ولو باعه مع النخل صح تبعًا, وإن لم يصح إفراده.

واحتج المخالف بأن اللبن والصوف موزون, فجاز بيعه بالحيوان.
دليله: الذهب والفضة.
والجواب: أنا نقول بموجبه, وهو إذا لم يكن هناك لبن ولا صوف مع الشاة.
وعلى أن الشاة ليست بأصل للذهب والفضة, وليس كذلك هاهنا؛ لأنها أصل اللبن والصوف, أشبه إذا كان اللبن مثل اللبن الذي في الشاة.
...

296 -

مسألة

إذا تبايعا دراهم بدنانير في الذمة بالصفة, وتقابضا, ثم وجد أحدهما بعد التفرق عيبًا من جنسه, كان له البدل:

نص عليه في رواية حرب والمروذي والميموني خلافًا للشافعي في أحد القولين: له الخيار في الفسخ, وليس له البدل.
دليلنا: أن كل ما جاز استبداله قبل التفرق جاز مع صحة العقد بعد التفرق, كالسلم.
ولا يلزم عليه إذا كان الصرف عينًا بعين؛ لما لم يجز استبداله قبل التفرق, كذلك بعد التفرق.

واحتج المخالف بأنه لو ثبت له البدل حكمنا بصحة الصرف مع وجود التفرق به قبل القبض؛ لأنه إذا رده لا يأخذ بدل ما رده, وإنما يأخذ الأصل الذي وقع عليه العقد, فقد فارقه قبل قبض ذلك, وبهذا يبطل الصرف.
والجواب: أنه لا يفضي إلى هذا؛ لأن الذي قبضه, وإن كان معيبًا, فهو قبض صحيح, فالمقبوض هو الذي وقع عليه العقد.
الدليل عليه: أنه لو كان غيره لبطل العقد؛ لأنه وجد التفرق قبل القبض, ولو كان غيره لما جاز له إمساكه, ألا ترى أنه لو كان من غير جنسه, فأراد إمساكه لم يكن له؟ فإذا ثبت أنه قبض صحيح, فإذا أراد الرد كان قطعًا للعقد حين الرد؛ لأنه رفع العقد من أصله بدليل: أنه لو كان المبيع شاة, فحملت ووضعت, ثم أصاب بها عيبًا, ردها دون النماء, وكذلك لو كانت نخلة, فأثمرت, ردها دون النماء, فإذا كان قطعًا للعقد في الحال ثبت أنه ما عري عن القبض بحال؛ إما قبض الأصل أو ما قام مقامه.
ولا فصل بين القبضين أكثر من أنه إذا قبض المعيب كان قبضًا جائزًا, وإذا قبض الأصل كان قبضًا لازمًا, فإذا رد المعيب فلابد من قبض الأصل قبل التفرق.
واحتج بأن الصرف يتعين تارة بالقبض, وتارة بالعقد, ثم ما تعين

بالعقد لا يكون له البدل, كذلك إذا تعين بالقبض.
والجواب: أنه يبطل به إذا قبض فأصابه العيب قبل التفرق, وكان الصرف في الذمة؛ فإنه قد تعين بالقبض, ومع هذا له البدل.
على أنه إذا تعين بالعقد لو جاز البدل أخذ غير ما اشتراه, فلهذا لم يصح, وليس كذلك هاهنا؛ لأنه إذا أبدل أخذ ما اشتراه.
...

297 -

مسألة

الدراهم والدنانير تتعينان بالعقد إذا عينت:

ومعناه: أن أعيانهما تملك بالعقد, وأن تعيينها يمنع استبدالها وثبوت مثلها في الذمة, وإذا خرجت مغصوبة بطل العقد.
وقد قال أحمد في رواية ابن منصور في رجل قال لرجل: بعني ثوبك هذا بهذه المائة درهم, فلما دفعها إليه إذا هي زيوف: يرد المبيع.
ونقل في موضع آخر: إذا اشترى لحمًا بهذا الدرهم والدرهم مردود له قيمة اللحم إذا استهلكه.
وقال في رواية عبد الله وأبي الحارث وأبي داود في عبد له مال سأل غيره, أن يشتري له نفسه من سيده بهذه الألف: فإن اشتراه بعين المال فالشراء باطل, وإن اشتراه لا بعين المال صح, وعتق.

وهذا يدل على أنا تتعين؛ لأنها لو لم تتعين لم يبطل العقد بتعيينها في حق العبد, ولا بخروج الدرهم رديئًا؛ لأنه يجوز العدول عنها.
وكذلك نقل المروذي عنه في من اشترى جارية بمال حرام, فقال: اشتريت منك هذه الجارية بهذا المال بعينه: لم يطأها, وإن كان قد اشتراها, ثم أعطى المال بعد, فالبيع قد وقع, وكان بينهما فرق.
وقد علق القول في رواية أبي داود: وقد سئل عن عبد دفع إلى رجل مالًا, فأمره أن يشتريه, فاشتراه به, فأعتقه, قال: يرد الدراهم على المولى, ويؤخذ المشتري بالثمن, والعبد حر.
ويحمل قوله: (اشتراه به) بمعنى: نقده في ثمنه, وكان الشراء في ذمته.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يتعين, ولا يملك بالعقد, ويجوز استبدالها وثبوت مثلها في الذمة.
وحكى ابن نصر المالكي أن الظاهر من قول أصحابهم: أنها لا تتعين.
وحكي عن ابن القاسم: أنها تتعين.
دليلنا: ما روي في حديث عبادة بن الصامت, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

(لا تبيعوا الذهب بالذهب, ولا الورق إلا سواء بسواء, عينًا بعينٍ, يدًا بيدٍ).
وهذا يدل على أنهما يتعينان؛ لأنهما إذا لم يتعينا بالتعيين, وكانا في الذمة, لم يكن عينًا بعين, وإنما يكون عينًا بعين إذا ملكت عين كل واحدة منهما بعين الأخرى.
فإن قيل: لم يرد بالتعيين في حال العقد لاتفاقنا على جواز بيع الدراهم بالدراهم بغير أعيانها, وإنما أراد به تعيينه في المجلس وقبضه؛ لئلا يتفرقا عن دين بدين.
قيل له: بل أراد بالتعيين حال العقد, لأنه قال: لا تبيعوا إلا عينًا بعينٍ.
وهذا يقتضي بيعًا بالعين, وعندهم أن العين لا تملك بالعقد.
وقولهم: (إنه يجوز بيعها بغير أعيانها), فإنما كان كذلك؛ لأنه مخير بين التعيين بالعقد, وبين التعيين بالقبض في المجلس, ويكون بمنزلة التعيين بالعقد.
والقياس: أنه عوض مشار إليه في العقد, فوجب أن يتعين به.
أصله: العروض.
ولا يلزم عليه السلم؛ لأنه غير مشار إليه, وإنما هو موصوف في

الذمة، ولو أشير إليه بطل عقد السلم.
ولهم فرق بين العروض وبين الدراهم والدنانير مذكور في أدلتهم.
وإن شئت قلت: ما يتعين بالقبض، جاز أن يتعين بالعقد، إذا لم يبطل العقد بالتعيين.
دليله: العروض.
ولا يلزم عليه المسلم فيه؛ لأنه يجوز أن يتعين بالعقد، لكن في بيوع الأعيان.
وإن شئت قلت: ما تعين في الغضوب والودائع، جاز أن يتعين بالعقود إذا عين، كالعروض.
ومعنى تعيينها في الغصوب والودائع: أنه إذا طولب بها، لزمه تسليمها بعينها، ولا يجوز له أن يعدل عنها، ويعطي غيرها، كالعروض يجب أن يكون حكمها في العقود كذلك.
فإن قيل: إذا جاز أن يتعين في الغصوب والودائع يجب أن يتعين في مسألتنا؛ ألا ترى أن العروض تتعين في الغصوب والودائع، [و] لا تتعين في السلم، وكذلك المكيال والميزان يتعينان في الغصوب، ولا يتعينان في عقد البيع.
قيل له: إنما لم تتعين العروض في السلم؛ لأن تعيينها يفسد العقد،

وليس كذلك تعيين الدراهم والدنانير في مسألتنا؛ لأنه لا يفسد العقد، فهو كالعروض.
وأما المكيال والميزان فيأتي الكلام عليه في أدلتهم.
ولأن كل ما جاز أن يتعين به غير الدراهم، جاز أن تتعين به الدراهم.
دليله: القبض.
ولأن كل جهة تتعين بها الأعيان، فإنه تتعين بها الأثمان، كالغضب والوديعة.
فإن قيل: القبض لا يقع إلا على عين، فلهذا تعين بالقبض، والعقد قد يقع على غير عين، فإذا عين لم يتعين، كالمكيال.
قيل: لا يمتنع أن يقع العقد على غير عين، ثم إذا عين به تعين، كالوصية بالثلث؛ تقع على غير عين، وإذا عينت بشيء بعينه تعينت.
وكذلك إطلاق العبد في المهر والكتابة يصح، ويقع على غير عين، وإذا عين تعين.
وكذلك بيع قفيز من صبرة يصح، [و] إذا عين منها جزءًا تعين.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ﴾ [يوسف: 20].
قال الفراء: الثمن ما يثبت في الذمة.
فجعل من صفة الثمن ثبوته، فيجب أن تكون هذه الصفة لازمة له في جميع الأحوال، ومخالفنا يزعم: أنه إذا عين لم يثبت في الذمة.

والجواب: أن قول الفراء لا يقبل في الأحكام؛ لأنه لا معرفة له بذلك، وإنما يقبل في ما طريقة اللغة، والدراهم؛ هل تتعين، أم لا؟ حكم، وليس طريقه اللغة.
فإن قيل: قوله: (الثمن ما يثبت في الذمة) حكاية عن أهل اللسان، فيقبل قوله، وإن كان تحته حكم شرعي، كما لو قال: الحرام: اسم لما لا يجوز تناوله.
والمباح: اسم لما يجوز تناوله.
يقبل قوله، وإن كان تحت ذلك حكم شرعي.
قيل له: إذا قال: الحرام: اسم لما لا يجوز تناوله.
والمباح: اسم لما يجوز تناوله.
لم يقبل منه ذلك أيضًا؛ لأنه حكم شرعي، ولكن لو قال: الحرام عندهم: ما يكرهونه، وتعافه نفوسهم.
والحلال: ما تميل إليه نفوسهم.
قبل؛ لأنه ليس بحكم شرعي.
وعلى أنه يمكن تأويله، وهو: أنه إذا أراد به الثمن المطلق؛ فإنه يثبت في الذمة عند الإطلاق، وهذا يختص به الثمن دون غيره من المثمنات.
واحتج بأنه لو تعينت لما صح العقد عليها، فلما اتفقوا على أنه لو

قال: (اشتريت منك هذا الثوب بعشرة دراهم) صح العقد، ولو لم يصف العشرة إذا كان هناك نقد معروف، دل على أنها لا تتعين.
والجواب: أن جواز إطلاق العوض في العقد لا يدل على أنه إذا عقد على عينه لا يتعين.
الدليل عليه: إطلاق الوصية بعبد، أو شاة، أو بعير، أو دابة، أو ثوب، أو قفيز من طعام يصح، ويتعين بعقد الوصية ما عين منها.
وكذلك يجوز إطلاق اليمين في الدراهم والدنانير، [و] لو حلف على دراهم بأعيانها، أو دنانير بأعيانها، تعينت، وتعلقت اليمين بها.
وكذلك يجوز إطلاق العبد في المهر والكتابة، ويتعين بالتعيين.
وكذلك يجوز بيع قفيز من صبرة وصاع زيت، أو شيرج، أو برد من شيء مجتمع، وإذا عين جزء منه، وأفرد بالعقد، صح وتعين، كذلك هاهنا.
وعلى أن الدراهم والدنانير إذا أطلقت فهي بمعنى الموصوفة؛ لأن نقد البلد إذا كان واحدًا انصرف العقد إليه، ويكون بمنزلة المشروط فيه؛ لأن العرف القائم بينهم يقوم مقام الشرط، ألا ترى أن النقود إذا كانت مختلفة لا مزية لبعضها على بعض لم يجز إطلاق العقد فيها، وإنما يجوز إطلاق العقد إذا كان النقد المتعامل به واحدًا لا يختلف، فيحمل إطلاق العقد عليه، ويكون بمنزلة قوله: بعتك من هذا النقد بكذا.

وليس كذلك العروض؛ فإنه يجوز العقد عليها بالوصف، وتثبت في الذمة، ولا يجوز إطلاق العقد عليها من غير وصف؛ لأنه لا عرف فيها يحمل العقد عليه، ويقوم مقام الشروط فيه، فلو كان في نوع من العروض عرف قائم في المعاملة، لحملنا إطلاق العقد عليه من غير وصف، وأقمنا العرف فيه مقام الشرط والوصف.
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية جعفر بن محمد النسائي في الرجل يبتاع، فيفتح جرابًا، فيريه، ثم يقول: الباقي على صفة هذا، قال: إذا جاءت على صفة، فليس له رده.
وهذا يدل على أن الثياب قد يثبت لها عرف في بلدها، فتعلق عليها الصفة، كالنقود.
فإن قيل: أليس قد قال أحمد في رواية الأثرم في رجل باع ثوبًا بكذا وكذا درهمًا، أ, اكترى دابة بكذا وكذا درهمًا، فاختلفا في النقد، فقال: له نقد الناس.
فقيل له: إن نقد الناس بينهم مختلف، فقال: له أقل ذلك؟! ونقل ابن القاسم عنه في رجل اشترى ثوبًا بدراهم، والدراهم على ما علمت من اختلافهم، ثم اختلفا في النقد: فليس له أن يعطيه أردأ الدراهم، ولا أفضلها، ولكن الوسط.
قيل له: فإن اختلفا، فأي الدراهم يعطيه؟ قال: أقلها؛ يعني: المقطعة.
قالوا: وهذا يدل من كلام أحمد على أنه يجوز إطلاق الثمن، وإن كان نقد البلد مختلفًا، فامتنع أن تكون العلة.

وكذلك نقل صالح عنه في رجل صالح رجلًا على ألف درهم، ولم يذكر صحاحًا، ولا مكسرة: وقع الصلح على الصحاح ما لم يتواصفا على شيء.
وقد أطلق الصلح على ألف، وإن كانت مختلفة بالصحاح والمكسرة، والصح بيع.
قيل: أما كلامه في مسائل الأثرم وابن القاسم، فهو محمول على أن نقد البلد مختلف، والأقل منه أغلب، فجعل له الأقل؛ لأنه غالب نقد البلد.
ويمكن أن يحمل ذلك على أن البائع عين أحد النقدين، ثم اختلفا في ذلك النقد، فأسقط التحالف بينهما، وردهما في موضع إلى الأقل، وفي موضع إلى الوسط.
والأول أشبه؛ لأن الاختلاف في الأجود والأقل اختلاف في قدر الثمن، وذلك يوجب التحالف.
وكذلك يجب أن يحمل قوله: (يعطى الوسط)، أو (يعطى الصحاح) إذا كان ذلك غالب نقد البلد، وإنما كان كلامه محمولًا على الوجه الذي ذكرنا؛ لأنه قد نص على أن تعين الثمن شرط، فقال في رواية حرب في رجل ابتاع من رجل برًا على سعر ما يبيع: لم يجز حتى يبين له السعر.

وكذلك نقل ابن منصور.
واحتج بأنه لو أطلق العقد، ولم يعينها، ولم يصفها، لم تتعين، فإذا عينها يجب أن لا تتعين، كالمكيال والميزان.
والجواب عن جواز الإطلاق عليها: ما تقدم.
وأما المكيال والميزان: فإن لم يعرف مقدار المكيال، ولا مقدار الصنجة، لم يصح العقد؛ لجهالة ذلك.
وإن كان مقدار المكياج معروفًا في البلد، وكذلك مقدار الصنجة، صح العقد؛ لأنه معروف المقدار، ولكن لا يتعين؛ لأنه ليس بمستحق بالعقد، وإنما يتوصل به إلى معرفة مقدار الحق، فلهذا لم يتعين، وكذلك الميزان، وليس كذلك الموزون؛ فإنه نفس المستحق، فلهذا تعين.
واحتج بأنه ثمن، فوجب أن يكون موضعه الذمة، كما لو أطلق العقد.
والجواب: أنه إذا أطلق العقد؛ لم يثبت في الذمة لكونه ثمنًا بدليل: أنه لو أطلق العقد في الإجارة، أو النكاح، أو الخلع، ثبت في الذمة، وإن لم يكن ثمنًا.
وعلى أن المعنى في الأصل: أن الثمن هناك غير معين، ولا مشار إليه، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه بدل مشار إليه، فتعين.
دليله: العروض.

واحتج بأنها لو تعينت بالعقد لم يجز التصرف فيها قبل القبض، كالعروض إذا تعينت بالعقد، لم يجز التصرف فيها قبل قبضها، فلما جاز التصرف فيها قبل القبض، دل على أنها لم تتعين، وأنا محلها الذمة.
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية ابن منصور: وقد سئل عن اقتضاء دراهم من دنانير ودنانير من دراهم في البيع، فقال: يأخذ بالقيمة، وإن اقتضاه في الدين فبالقيمة.
فأجاز التصرف فيه قبل القبض بأخذ العوض عنه.
والجواب: أنه إنما جاز التصرف في الثمن إذا كان متعينًا؛ لأنه يجوز التصرف في الثمن- أيضًا- إذا كان متعينًا قبل القبض؛ لأن من أصلنا: لو ابتاع ثوبًا جاز بيعه قبل قبضه، فإذًا الثمن والعروض على حد سواء في باب التصرف.
وإن كان الثمن في الذمة جاز التصرف أيضًا فيه؛ لأنه قد أمن انتقاض العقد بهلاك الثمن، ولم يؤمن انتقاضه بهلاك المبيع.
وعلى أن هذا لا يصح على أصلهم؛ لأن العقار يتعين بالعقد، ويصح بيعه قبل قبضه، فامتنع أن يكون جواز التصرف دلالة على عدم التعيين.
والمسلم فيه غير متعين، ولا يجوز التصرف فيه، فامتنع أن يكون ثبوته في الذمة دلالًة على جواز التصرف فيه.

واحتج بأنه لا غرض في إثبات الدراهم والدنانير، وإنما الغرض في مقدارها، فإذا عينت لم تتعين، وكان ذلك بمنزلة تعيين المكيال والميزان والأوزان، وكما لو استأجر أرضًا يزرعها حنطة؛ فإنه يجوز أن يزرعها حنطة وما ضرره ضرر الحنطة.
والجواب: أن هذا باطل بالدراهم والدنانير في الوديعة والغصب؛ فإنه لا يجوز إبدالها بمثلها، وإن وجد معناها.
وكذلك يبطل به إذا ابتاع قفيزًا من صبرة بعينها، أو صاع زيت من جملة زيت؛ فإنه يتعين، ولا يجوز للبائع إبداله بغيره من تلك الصبرة ومن ذلك الزيت، وإن لم يكن في أعيانها غرض؛ لأنه طعام واحد وزيت واحد، وإنما الغرض في قدرها.
وعلى أن الدراهم والدنانير قد تكون أعيانها مقصودة بأن تكون دراهم يعتقد أنها حلال لا شبهة فيها، وغيرها مشكوك فيه، أو تكون دراهم يتيقن أنها مملوكة له، وغيرها يشك في ذلك من حالها، فلا يأمن إذا أخذها ربما ظهر استحقاقها.
ويفارق هذا المكيال والميزان من الوجه الذي ذكرنا.
ويفارق هذا إذا استأجر أرضًا ليزرعها حنطة؛ لأن في ذلك الموضع حق المستأجر منفعة الأرض دون الحنطة، وإنما يستوفي حقه بالحنطة، فملك استيفاءها بالحنطة وما يقوم مقامها، كما لو كان لرجل على رجل

دين؛ فإنه يملك استيفاءه بنفسه وبوكيله.
وليس كذلك الدراهم والدنانير إذا عينت؛ لأنها حق للمشتري، وإذا أبدلها البائع بغيرها كان متصرفًا في حق غيره، لم يكن له ذلك.
...

298 -

مسألة

من باع نخلًا غير مؤبرٍ، فثمرته للمشتري:

قال في رواية الأثرم في من اشترى رقبة الأرضـ، وفيها ثمر ونخل لم يبد صلاحه: فالثمرة تابعة للأرض إذا لم يقصد الثمر، وإنما قصد الأرض.
معنى قوله: إذا قصد الأرض، ولم يقصد ثمره: لم يبد صلاحها على البقاء، وجعل شراء الأرض ذريعة إلى ذلك.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: الثمرة للبائع إلا أن يشترطها المبتاع.
دليلنا: ما روى أحمد في (المسند) قال: نا إسماعيل قال: نا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من باع نخلًا قد أبرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع).
ومن دليلان: أحدهما: من دليله، والثاني: من لفظه.
أما من دليله: فهو أنه خص المؤبر بالذكر، وعلق الحكم عليه.

فدل على أن غير المؤبر حكمه بخلافه.
فإن قيل: تخصيص الشيء بالذكر لا يدل عندنا على أن ما عداه بخلافه، بل يكون موقوفًا على الدلالة.
قيل له: عندنا يدل على أن ما عداه بخلافه، ولنا أن نبني فروعنا على أصولنا.
والدلالة الثانية من لفظه، وهو: أن (من) [من] حروف الشرط في اللغة، فيدل اللفظ على أن التأبير شرط في كون الثمرة للبائع.
وإذا ثبت أنه شرط فيه، لم يملكه بعدم الشرط، وعندهم وجود الشرط وعدمه سواء.
فإن قيل: لم يخرج هذا على وجه الشرط، وإنما خرج على العادة الجارية بينهم بتأبير النخل، ولم يكونوا يتركونه يخرج كلامه على العادة، كما قال تعالى: ﴿ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم﴾ [النساء: 23]، فخص الربيبة التي تكون في حجره، وحرمها عليه؛ لأن العادة أن الربيبة تكون في حجر الرجل، فخرج الكلام على العادة، ثم لم يكن الحكم مقصورًا عليها، بل التي ليس في حجره كالتي في حجره في التحريم.
وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا قطع في الثمر حتى يؤويه الجرين»،

فخص الجرين بالذكر؛ لأن العادة أن الثمرة قد استحكمت إذا اجتمعت في الجرين، فخرج كلامه على العادة، ثم لم يكن الحكم مقصورًا عليه، كذلك هاهنا.
قيل له: حقيقة اللغة ما ذكرنا، فوجب أن نحمل اللفظ على حقيقته، فإن تركناه في موضعٍ فلدلالةٍ دلت عليه.
وعلى أن هذه العادة لا نعرفها، والإنسان يبيع النخل وقت حاجته إلى بيعها، وقد تكون في وقت الحاجة مطلعة، وقد لا تكون مطلعة، فكيف يبيعها مؤبرة؟ فسقط هذا السؤال.
فإن قيل: يحتمل أن يكون خرج هذا على سؤال سائل عن بيع النخل بعد أن يؤبر، فقال: (من باع نخلًا بعد أن يؤبر فثمرتها للبائع).
فذكر التأبير لذكر السائل، لا أنه شرط فيه.
قيل له: لم يجئ للسؤال، فلم يجب حمله عليه.
وعلى أنه يجب حمله على ما تقتضيه اللغة، وإن كان قد تقدمه سؤال؛ لأن السؤال بغير حكمه.
وعلى أن أبا بكر الأثرم رواه في (مسائله) بإسناده عن جابر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من باع عبدًا، وله مال، فله ماله، وعليه دينه، ومن

أبَّر نخلًا، فباعه بعد تأبيره، فله ثمرته، إلا أن يشترط المبتاع).
هذا معناه، وهذا يدل على أن الاعتبار بالتأبير.
والقياس: أنه نماء كامن لظهوره غاية، فجاز أن يكون قبل ظهوره تابعًا لأصله.
دليله: الحمل واللبن.
وقولنا: (نماء) احتراز من الدقيق.
و (كامن) احتراز من الظاهر.
(لظهوره غاية) احتراز من الجوز واللوز؛ فإن اللب لا يخرج من قشره إلا بكسره وإخراجه، وكذلك الحنطة في السنبل.
وقولنا: (فجاز أن يكون تابعًا) احتراز من النخل الكبير إذا كان بعضها مؤبرًا، وبعضها غير مؤبر، فباعها؛ أنه لا يبيع مالم يؤبر منها على الأصل على اختلاف أصحابنا؛ لأن التعليل للجواز.
ولا يلزم عليه عقد الرهن؛ فإن النماء يتبعه أيضًا، كالبيع.
ولا يلزم عليه طلع الفحول؛ لأنه لا يفرق بينه وبين غير الفحول.
فإن قيل: لو كان هذا بمنزلة الولد، لوجب إذا باع مئة نخلة في بستان؛ بعضها مؤبر، وبعضها غير مؤبر، أن لا يدخل المؤبر في البيع، ويدخل ما لم يؤبر، كما لو باع عشرين شاة، وقد ولدت واحدة منها، ولم تلد تسعة عشر؛ أن التي ولدت لا يتبعها ولدها، والتي لم تلد يتبعها.

قيل له: تأبير بعضه جعل بمنزلة تأبير جميعه، كما جعل بدو الصلاح في بعضه كهو في جميعه، ولم نجد في الأصول أن ظهور الحمل في أحد الغنم جعل بمنزلة ظهور ما لم يظهر حملها، فلهذا فرقنا بينهما.
فأما إذا لم يظهر واحد منهما، فهو في [الكمون] سواء، فيجب أن يتساويا في الحكم.
فإن قيل: لو كان بمنزلة الولد، وجب أن يكون المؤبر منها وغير المؤبر سواء في كونه تابعًا؛ لاتصاله به في الحالين جميعًا، كالولد المتصل.
فلما اتفقنا على أن الثمرة الظاهرة مع اتصالها بالنخل لا تكون تابعًا لها في البيع، ولا تكون بمنزلة الولد المتصل بالأم، بل هي كمال منفرد عن النخل، لا يتبع النخل في البيع، كذلك التي لم تؤبر.
قيل له: الحمل له استتار وظهور، وليس له اتصال؛ لأنه غير متصل بالأم، وإنما هو مودع في الجوف، فكانت الثمرة في حال استتارها بالطلع كالحمل، وفي حال ظهورها كالولد الظاهر، وليس له اتصال.
ولأن الثمرة إذا ظهرت أخذت شبهًا من الولد الظاهر لظهورها من وعائها، وشبهًا من الجنين لاتصالها بالأصل، فلم يكون أحدهما أولى من الآخر، فبقيت الثمرة على ملك مالكها كما كانت.

وليس كذلك إذا كانت الثمرة كامنة في وعائها؛ فإنها بمنزلة الحمل قبل ظهوره، وكانت تابعة للأصل.
فإن قيل: لو كانت كالحمل واللبن لم يجز استثناؤها في البيع، كما لا يجوز استثناء الحمل واللبن.
قيل له: روى ابن القاسم وسندي جواز استثناء الحمل في البيع.
فعلى هذا: لا فرق بينهما.
ونقل ابن منصور وحنبل: لا يصح.
وإنما اختلفتا من هذا الوجه؛ لأن الحمل واللبن أجريا مجرى أجزاء الجارية في أنها تتبع في البيع، فحين لم يجز بيع بعض أعضائها بشرط القطع، لم يجز استثناء الحمل واللبن، والطلع أجري مجرى أجزاء النخل، فلما جاز إفراد بعض أجزاء النخل من السعف وغيره بشرط القطع، جاز استثناء القطع أيضًا، فاختلفا في هذا؛ لاختلافهما في هذا المعنى، وهما متساويان فيما ذكرنا.
واحتج المخالف بأن العقد على الشجر لا يوجب دخول الثمر في البيع بغير شرط.
دليله: المؤبر، وإذا باع مئة نخلة في بستان واحد، ونخلة منها مؤبرة، وتسع وتسعون نخلة غير مؤبرة؛ أنه لا يدخل شيء منها في البيع.
والجواب: أنها إذا أبرت فقد ظهرت، وإذا لم تؤبر، فلم تظهر، وفرق بينهما.

الدلالة عليه: الحمل واللبن.
ولأنها إذا أبرت فقد أخذت شبهًا من الحمل ومن الولد الظاهر، فتعارضها، وبقيت الثمرة على ملك مالكها، وليس كذلك إذا لم تؤبر؛ فإنها جارية مجرى الحمل، فكانت تابعة للأصل.
فإن قيل: ليس من حيث كانت في إحداهما ظاهرة والأخرى كامنة، يجب أن يختلف حكمها، ألا ترى أن صوف الشاة ظاهر، ولبنها كامن، وجميعها يتبعان الأصل في البيع، والزرع ظاهر، والبذر كامن، ولا يتبع الأصل في العقد عليه.
قيل له: إنما كان الشعر كاللبن في البيع، وإن اختلفا في الظهور؛ لأنهما في حكم واحد بدليل: أنه لا يجوز إفراد الشعر الظاهر بالعقد، كما لا يجوز إفراد اللبن الباطن بالعقد.
وأما الزرع والبذر فإنما لم يتبعا؛ لأن البذر مودع، وليس بنماء الأرض، ولا جزء منها، فهو بمنزلة المال المدفون، والزرع الظاهر بمنزلة الطلع المؤبر.
وأما إذا أبر بعض نخيل بستان، ولم يؤبر جميعه، فإن أصحابنا اختلفوا في ذلك:

فقال أبو بكر: لا يكون تأبير البعض تأبيرًا للكل، بل يكون للبائع ما أبر دون ما لم يؤبر.
وقال شيخنا: تأبير بعضه قد جعل بمنزلة تأبير جميعه، كما جعل بدو الصلاح في بعضه بدوًا في جميعه.
واحتج بأن الثمرة لا تتبع الأصل في البيع بحال.
دليله: ثمار سائر الأشجار، وإذا كان النخل مؤبرًا.
والجواب عنه إذا كان مؤبرًا: ما تقدم.
وأما سائر الأشجار فإن ثمارها تتبع أصولها إذا كانت كامنة في وردها، فإذا ظهرت الثمار، وتناثر الورد، لم تتبع أصولها، فإذًا لا فرق بينهما.
واحتج بأنه نماءٌ خارج من الأصل، وله غاية ينتهي إليها في العادة، وهي كالشجرة نفسها.
وفيه احتراز عن الولد في البطن، واللبن في الضرع؛ لأنهما غير خارجين عن الأصل.
والجواب: أن الشجرة نفسها نماء ظاهر، فلهذا لم تتبع الأرض في البيع، فهي كالثمرة المؤبرة، والولد الظاهر.
واحتج بأن الطلع يجوز إفراده بالبيع، فلم يكن تابعًا.

أصله: الثمر المنفصل.
والجواب: أنه يبطل بأغصان الشجرة، وسعف النخلة؛ تتبع الأصل، وبالشجرة تكون في الدار تتبع الدار في البيع، وإن كان يجوز إفرادها بالبيع، وكذلك البناء يتبع الأرض في البيع، وإن جاز إفراده بالبيع.
...

299 -

مسألة

إذا باع نخلًا مؤبرًا، فثمرته للبائع، وله تركها حتى تدرك:

ذكره الخرقي في (مختصره).
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يؤخذ البائع بقطعه، ويجبر عليه.
دليلنا: حديث جابر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أرأيت لو منع الله الثمرة، بم يأخذ أحكم مال أخيه؟!).
وهذا يدل على أن الثمرة المبيعة يجب تركها إلى حال إدراكها؛ لأنه لو كان يجب قطعها في الحال لما أصابتها الجائحة، ولا منعت الثمرة.
وأيضًا فإن من ابتاع شيئًا متعلقًا بحق غيره، فإنما يجبر الغير على إزالته ونقله على حسب العادة في ذلك، ألا ترى أن المشتري إذا زرع الأرض، فاستحق الشفيع الأرض، لم يجبر على قلع الزرع حتى

يبلغ أوان الحصاد.
وكذلك لو ابتاع من رجل دارًا ليلًا، وفيها طعام وقماش كثير، لم يجبر على نقله ليلًا؛ لأن العادة لم تجر بذلك، ولا يجبر- أيضًا- على جمع الحمالين دفعة واحدة، بل ينقله شيئًا فشيئًا على حسب العادة.
وكذلك لو ابتاع أرضًا ذات نخل وشجر، واستثنى البائع النخل والشجر، لم يجبر البائع على نقلها؛ لأن ذلك لا ينقل في العادة.
وكذلك الثمار في العادة لا تقطع إلى وقت الجذاذ، فلم يجبر البائع على إزالتها ونقلها قبل تلك الحالة.
فإن قيل: القياس كان يتقضي أنه يجب على المشتري نقل زرعه، لكن تركناه استحسانًا.
قيل له: المعنى الذي تركت لأجله القياس في حق الشفيع موجود هاهنا، فيجب أن تتركه له.
فإن قيل: إنما لم يجبر على نقل الطعام والقماش ليلًا؛ لأنه لا يمكن نقله ليلًا، ولا يجد من ينقله.
قيل له: النقل بالليل يمكن، ويوجد، ولكن تلحق المشقة فيه، وكذلك في قطع الثمرة قبل بدو صلاحها يمكن، لكن تلحقه المشقة فيه.
فإن قيل: فإذا استثنى النخل والشجر ملك ذلك بأصله من الأرض، لهذا لم يجبر على نقله.
قيل له: إنما ملك ذلك بأصله من الأرض؛ لأن العادة جارية ببقاء

النخل على الدوام، ألا ترى أنه لو باع أرضًا فيها زرع مستثنى للبائع، لم يكن له ذلك بأصله من الأرض؛ لأن العادة فيه أنه لا يبقى على الدوام.
فإن قيل: هذا يبطل بالثمرة إذا جذها، وتركها في أرض يشمسها، أو قطف العنب، وتركه فيها ليصير زبيبًا، ثم باع الأرض؛ فإنه يجبر على نقله قبل جفافه، وإن لم تجر العادة بذلك.
قيل له: لا عادة في تجفيفه في أرض بعينها، فلهذا لزمه نقلها؛ ليجففها في أي موضع شاء.
وأيضًا من ابتاع شيئًا، وحصلت منفعة مستثناة لغير المشتري، فإن المستحق لتلك المنفعة له استيفاؤها على الكمال، كما لو باع أمًة مزوجة؛ فإن منفعة البضع تكون مستثناة للزوج على الكمال.
فإن قيل: فالزوج لا يملك استيفاء منفعة البضع ليلًا ونهارًا، وإنما له ذلك ليلًا، فلا يحصل له ذلك على التمام.
قيل له: القدر الذي حصل مستثنى هو الذي حثل للزوج بعقد النكاح، وذلك القدر هو الاستمتاع بالليل دون النهار، وعلى المشتري تمكينه، فأما الاستمتاع نهارًا، فلم يكن ذلك حقًا للزوج حتى يكون مستثنى بالعقد.
واحتج المخالف بأن ملك المشتري مشغول بمال البائع، فيجبر على نقله على حسب الإمكان، كما لو جذ الثمرة بعد ما أدركت، وتركها في أرضه، وأراد تجفيفها، ثم باع الأرض، أو قطف العنب، وتركه في أرضه؛ ليصير زبيبًا، ثم باع الأرض، أو باع داره، وله فيها متاع؛ أنه

يجبر على نقل ذلك كله على حسب الإمكان.
والجواب: أن الواجب في ذلك نقلها على ما جرت العادة دون الإمكان بدليل ما ذكرنا من الشفيع لا يجبر المشتري على نقل الزرع قبل حصاده، وإن كان ذلك ممكنًا، وكذلك لا يجبر البائع على نقل المتاع ليلًا، وإن كان ممكنًا، كذلك هاهنا.
وأما إذا كان فيها ثمرة يشمسها ويجففها، فإنما كلف نقلها قبل ذلك؛ لما ذكرنا، وهو: أن ذلك لا يختص بمكان دون مكان.
واحتج بأنا لو أجبرنا المشتري على تركها إلى وقت إدراكها صار كأن البائع باع شيئًا، واستثنى لنفسه منفعته، وهذا لا يجوز، ألا ترى أنه لو قال: (بعتك هذه الدار على أن أسكنها سنة) لم يصح العقد؟ والجواب: أنه يصح ذلك عندنا، ويأتي الكلام فيه في ما بعد، إن شاء الله.
على أن هذا باطل بالزرع في حق الشفيع؛ فإنه لا يملك إجبار المشتري على قطعه، وإن أدى ذلك إلى المعنى الذي ذكره.
...

300 -

مسألة

إذا باع الثمرة قبل بدو صلاحها لم يجز، إلا أن يشترط قطعها:

نص على هذا في رواية ابن القاسم وسندي: لا بأس أن يشتري

البلح ليقطعه، والحصرم إذا كان يقطعه.
كذلك نقل أبو طالب عنه: يجوز أن يبيع البلح على أن يصرمه.
وقد علق القول في رواية عبد الله: إذا اشترى بلحًا في نخل ليقطعه على المكان فنعم، فإن اشتراه ورأيه قطعه، وباعه على مثل ذلك، ثم إن المشتري تركه حتى أدركته عاهة، يرجع على البائع بماله، هو في ملك البائع قبل أن يجذه.
وظاهر هذا: أنه أجاز البيع من غير شرط إذا كان عزمه قطعه.
والمذهب: أنه لا يصح، وبه قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يشترط قطعها جاز البيع.
دليلنا: ما روى أحمد بإسناده عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى أن تباع الثمار حتى يبدو صلاحها، وتنجو من العاهات.
وروى بإسناده في لفظ آخر عن ابن عمر: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة.
وروى بإسناده في لفظ آخر عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري.

وبإسناده عن جابر قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمر حتى تشقح.
قلت: متى تشقح؟ قال: تحمار، وتصفار، ويؤكل منها.
وروى بإسناده عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة.
وروى بإسناده عن أنس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو، وعن العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد.
ذكر عبد الله هذه الأخبار في (مسائله)، وظاهر هذه الأخبار يقتضي تحريم بيعها في جميع الأحوال، إلا أن الدلالة دلت على جواز بيعها بشرط القطع، فأجزناه، وبقي ما عداه على موجب حكم النهي مستعملًا في بيعها على الإطلاق.
وفيها دليل آخر، وهو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علق النهي فيها بعدم صفة من الثمرة، وهو بدو الصلاح فيها وحصول الإزهاء، وعندهم النهي لا يتعلق بذلك، وإنما يتعلق بشرط التبقية.
فإن قيل: المراد بالخبر: النهي عن بيعها بشرط التبقية بدلالة ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: (أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ

أحدكم مال أخيه).
والموجود من الثمرة في الحال غير ممنوع، وإنما يجوز أن تمنع الأجزاء التي ينتظر حدوثها بتركها إلى أن يتنامى عظمها بأن لا يوجدها الله تعالى.
قيل له: لا يصح هذا التأويل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علق جواز البيع ببدو الصلاح، والبيع المشروط فيه التبقية لا يجوز عندكم بعد بدو الصلاح.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علق النهي عن البيع لمعنى يعود إلى الثمرة، وهو عدم بدو الصلاح فيها، والبيع المشروط فيه التبقية يبطل عندهم لا لمعنى يعود إلى الثمرة.
وأما قولهم: إنه جعل العلة في إبطال العقد هلاك الثمرة، وهذا إنما يكون في الأجزاء التي تنتظر، وذلك إنما يكون بشرط التبقية، فليس كذلك؛ لأن عندنا أن الثمار إذا بيعت مطلقًا، فإن إطلاق العقد يقتضي تبقيتها إلى أوان الجذاذ، فيلحقها التلف والعاهة، كما لو شرط تبقيتها.
فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد بالخبر النهي عن بيع الثمرة قبل ظهورها بدلالة قوله: (أرأيت إن منع الله الثمرة)، وإنما يمنع المعدون بأن لا يوجدها.
قيل له: لا يمكن حمله على هذا؛ لأنه نهى عن بيع الثمار حتى يبدو

صلاحها، فاقتضى أن يكون هناك ثمرة موجودة يتوجه النهي إليها.
والقياس: أنها ثمرة نامية أفردت بالبيع قبل بدو صلاحها، لا على شرط القطع، فلم يصح بيعها.
دليله: لو باعها بشرط التبقية.
وقولنا: (نامية) احتراز منه إذا باع ثمرة في أصلها، والأصل مقطوع من الأرض؛ لقولنا نامية.
وقولنا: (أفردت بالعقد) احتراز منه إذا بيعت مع أصلها.
وقولنا: (قبل بدو صلاحها) احتراز منه إذا باعتها بعد بدو الصلاح.
وقولنا: (لا على شرط القطع) احتراز منه إذا شرط قطعها.
فإن قيل: إذا شرط تركها، فقد نفى موجب العقد، فبطل العقد، وليس كذلك إذا أطلق العقد؛ لأنه لم ينف موجبه.
قيل له: لا نسلم أنه نفى موجب العقد؛ لأن تسليم الثمرة على أصولها يكون بالتخلية بينها وبين المشتري، ولو تلفت بعد ذلك كانت من ضمان المشتري، فلم يكن شرط التبقية منافيًا؛ لأن نقلها بعد التسليم ليس من أحكام العقد، وإنما هو بحكم العادة، كما قالوا في المشتري إذا زرع: لم يكن للشفيع أخذه بالقطع.
وأيضًا فإنا نبني المسألة على أن إطلاق العقد يقتضي التبقية، ونستدل عليه بما تقدم من أن من باع دارًا ليلًا، وفيها طعام وقماش، لم يجبر على نقله ليلًا، ولا يجبر على نقله دفعة واحدة.

وإذا باع أرضًا فيها نخل وشجر، واستثنى ذلك، لم يجبر على نقله.
وكذلك المشتري إذا زرع، لم يجبره الشفيع على قطعه.
وإذا كان كذلك، فالعادة في الثمار: أنها لا تنقل وتزال عن النخل إلى وقت الجذاذ، فحمل إطلاق العقد عليه، فنقول: إطلاق العقد إذا كان له عرف وعادة تحمل عليه صار بمنزلة المشروط في العقد.
دليله: الأثمان؛ فإنها تحمل عند الإطلاق على نقد البلد، ويصير كالمشروط فيه، كذلك هاهنا.
فإن قيل: إنما حملنا المطلق من الثمن على النقد المعتاد؛ لأنه لا يؤدي إلى فساد البيع، وفي الثمرة إذا حملنا الإطلاق على العادة في التبقية يؤدي إلى فساد البيع؛ لأنه يصير بمنزلة من باع طعامًا في بيت، وشرط تركه فيه.
قيل له: نقد البلد لو كان مختلفًا- ولم يكن بعضها أغلب من بعض- ببطل، وإن كان نقد أقرب البلدان إليه واحدًا، ووجب حمله على نقد بلده، وإن أدى إلى فساد البيع.
ثم هذا باطل بالمشتري إذا زرع، ثم أخذه الشفيع؛ فإنه لا يجبره على نقله، وإن أدى إلى المعنى الذي قال.
وما ذكره من بيع الطعام والمتاع فإنما وجب نقله؛ فإنه لا عادة في تركه، وتبقيته عليه.
فإن قيل: لو وجب حمل البيع على المعتاد، لوجب بأن يكون بيع

جارٍ التحميل