التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 247-286

288 -

مسألة

لا يجوز بيع شيء من المكيلات والموزونات على التحري:

أومأ إليه في رواية حنبل: وذكر له قول مالك: لا خير في الخبز قرصًا بقرصين إذا كان بعض ذلك أفضل, فأما إذا كان يتحرى مثلاُ بمثل, فلا بأس, وإن لم يوزن, ويرد مثل وزنه, فقال أحمد: الموزون أحب إلي, وكذلك الخمير الذي يعار يوزن, ويرد مثل وزنه.
وقال- أيضا- في رواية الأثرم: الدنانير عددًا, وهي تنفق برؤوسها, وفي مكان أقل فلا.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك: يجوز بيع اللحم باللحم, والخبز بالخبز على التحري, وكذلك بيع الحلي المكسور والتبر من الذهب والفضة, وكذلك بيع الدنانير بالدنانير, والدراهم بالدراهم, إلا أنه مكروه عندهم في الدنانير بعضها ببعض, والدراهم بالدراهم.
ووافقوا في المكيلات: أنه لا يجوز بيع بعضها ببعض بالتحري.
واختلف أصحابه بعد هذا؛ فمنهم من أجاز ذلك على الإطلاق.
ومنهم من شرط فيه تعذر الموازين, كالبوادي والأسفار.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن أبي سعيد, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

(لا يصلح صاع تمر بصاعين, ولا درهم بدرهمين, والدرهم بالدرهم, والدينار بالدينار, لا فضل بينهما إلا وزنًا).
فأمر بالمساواة بينهم بالميزان, وهذا عام.
ولأنه جنس فيه الربا, فلم يجز بيعه بجنسه على التحري.
دليله: المكيلات في الحضر والسفر, والموزونات في الحضر.
فإن قيل: المكيل لا يعدمون ما يكيلونه به, وإن لم تكن مكاييل معتادة؛ لأنه يجوز بالزنبيل والغرارة والكوز ونحو ذلك, وليس كذلك الموزون؛ فإنهم يعدمون ما يزينونه [به] في الغالب, فجاز أن يسامحوا في ذلك للضرورة, ألا ترى أن بيع الرطب بالتمر لا يجوز في غير العرايا, ويجوز في العرايا لأجل الحاجة والضرورة, كذلك هاهنا.
قيل: لا فرق بينهما, وذلك أنهم كما لا يعدمون مكيلًا, وإن خرج عن المعتاد, كذلك لا يعدمون ميزانًا, وإن خرج عن المعتاد؛ لأنهم لا يعدمون خشبة وخيطًا وشيئًا يشبه الكف من أي شيء كان, فيزين بعضًا ببعض.
ولأنه إذا تعذر الميزان فقد لا يتعذر غيره, وهو أن يعرض كل واحد منهما لصاحبه ثوبه بعد ذلك.

واحتج المخالف بأن قرض الخبز يجوز من غير ميزان مع القدرة على الوزن, والعلم بحصول التفاضل فيه؛ لأنهم لا يقصدون الربا في ذلك, فأولى أن يجوز ذلك في حال الضرورة.
وقد قال أحمد في رواية الميموني: قد سهل قوم أن يأخذ أكبر, ويدفع أصغر, فإذا لم تكن مروضة, ولا مواطأة, فلا بأس.
وقال- أيضًا- في رواية الفضل بن زياد في الرغيف بالرغيفين: ما لم يرد به الربا, فلا بأس به.
والجواب: أن الضرورة عادة في قرض اليسير من الخبز والخمير؛ لأن العادة أن ذلك القدر لا يبيعه الناس من بيوتهم, وبهم حاجة إلى إقراضه, وهذا معدوم هاهنا؛ لأنهم يتوصلون إلى وزنه بغير الميزان المعتاد, ويتوصل إلى ملكه- أيضًا- بعقد في الذمة من غير جنسه.
واحتج بأن النقل مستفيض عن الصحابة: أنهم كانوا يقتسمون اللحوم على التحري, والقسمة: إما بيع, أو في حكم البيع.
والجواب: أن القسمة عندنا إقرار حق, وليست ببيع.
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية الأثرم في الشريكين إذا كان بينهما النخل, فأراد أن يقتسما بالخرص: جاز.
فقد أجاز قسمة الثمار بالخرص, ولو كان بيعًا لم يجز؛ لأنه لا يجيز بيع الثمار بعضها ببعض خرصًا إلا في العرايا فقط.

واحتج بأن الحزر في الشرع قد جعل طريقًا إلى جواز البيع في ما شرط فيه الكيل والوزن عند تعذرهما, كالزكاة والعرايا, كذلك في مسألتنا للضرورة, وهو: أن الموازين تتعذر, وتشق, فلو قلنا: إنهم لا يقتسمون اللحم في الأسفار إلا بميزان لشق, ولأدى إلى ضياعه, وإلى فوات الانتفاع به, فجاز لهذه الضرورة.
وإذا جاز اقتسامه على التحري جاز في البيع؛ لأن أحدًا لا يفرق بينهما.
والجواب: أن بيع العرايا لأجل الحاجة إلى شراء الرطب, ولا يكون في يده ثمن, ولا تباع بالنسيئة, فجوز لتلك الحاجة, ولا حاجة هاهنا إلى بيع الجزاف من الوجه الذي ذكرنا من اعتبار ميزان يخرج عن العادة, والبيع بغير جنسه.
وأما الخرص للثمار فلأجل الحاجة أيضًا, وهو أن يعرف قدر نصيب الفقراء, فيتصرف المالك في الثمرة, لا طريق لنا غير ذلك, وهذا معدوم هاهنا.
...

289 -

مسألة

اللحوم أجناس باختلاف أصولها, وكذلك الألبان في إحدى الروايات:

رواها حنبل عنه, فقال: لا بأس بلحم بقر بلحم غنم رطلين

برطل, ولحم جمل رطل برطلين, وكذلك من الوحش من الظباء والأيل.
وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا.
وهو قول أبي حنيفة.
وفيه رواية أخرى: أنها أربعة أجناس لحم الأنعام صنف, والوحش صنف, ولحوم الطير صنف, ولحوم دواب الماء صنف, يجوز بيع كل واحد بخلافه متفاضلًا, ولا يجوز بصنفه إلا متماثلًا.
نص عليه في رواية مهنا, وأبي الحارث, وإبراهيم بن هانئ, وحرب, ويعقوب بن لحيان, وابن مشيشٍ, واللفظ له, ومهنا: وقد سئل عن رطل لحم غنم برطلي لحم بقر, فكرهه.
قيل له: فلحم سمك؟ قال: هذا أبعد.
قيل له: فلحم الطير؟ قال: هذا أبعد.
فمنع من التفاضل بين لحوم الأنعام, وأجازه بين لحوم الطائر والسمك بقوله: هذا أبعد؛ يعني: أبعد من الربا.
وبه قال مالك.
والثالثة: ما أطلق الخرقي القول, فقال: وسائر اللحمان جنس واحد, وهذا يعم سائر اللحمان من لحم الأنعام والوحش والطير والسمك.
وقد أطلق أحمد هذا في رواية.

وللشافعي قولان: أحدهما: مثل رواية حنبل, وأنها أجناس باختلاف أصولها.
الثاني: أن جميعها جنس واحد.
ما نقله حنبل: أن اللحمان والألبان فروع لأصول هي أجناس, فوجب أن تكون هي أجناسًا في أنفسها.
دليله: الأدقة والأخباز.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن أصولها فيها الربا, فأمكن اعتبار تلك الحالة فيها, فبني فروعها عليها في اختلاف الأجناس.
وليس كذلك في اللحمان والألبان؛ فإن أصولها لا ربا فيها, فلا يمكن اعتبار حالها بها, فاعتبر الاتفاق والاختلاف حال حدوث حكم الربا في الفروع.
قيل: هذا يبطل بالفواكه؛ فإنه لا ربا في أصولها التي هي الشجر, ومع ذا فهي أجناس في أنفسها, وكذلك اللحمان والألبان.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الطعام بالطعام مثلًا بمثلٍ).
وهذا عام.
والجواب عنه: ما تقدم, وأنه قد حصل لهذه التسمية عرف تنصرف إليه, وهي الحبوب.

ولأن هذا عام, فنحمله على غير مسألتنا بما ذكرنا.
واحتج بأنه شمله اسم جمع خاص حين حدوث الربا فيه, وإن كان صنفًا واحدًا, كالتمور.
وقولنا: (جمع خاص) احتراز من الفواكه؛ لأنها أصناف, ولكن شملها اسم عام يعم العنب والتفاح والسفرجل وغير ذلك.
وقولنا: (حين حدوث الربا) فيه احتراز من الأدقة والأخباز؛ لأنها أصناف؛ لأن الاسم شملها بعد حدوث الربا فيها؛ فإن الربا في هذه الحبوب كان قبل كونها دقيقًا.
والجواب: أنا لا نسلم: أن اللحم اسم خاص, بل هو عام؛ لأنه يشتمل على أجناس مختلفة, فهو عام من هذا الوجه, خاص بالإضافة إلى غيره, كقولنا: حيوان اسم خاص بالإضافة إلى غيره, عام في اشتماله على أجناس مختلفة.
ولأن الاسم الخاص إذا دل على الجنس الواحد, فلا فرق بين أن يسمى به حال حدوث الربا, وبعد حدوثه, فلا معنى لهذا الوصف.
ثم المعنى في التمور: أن أصولها جنس واحد, وكانت في حكم أصولها, واللحمان خرجت من أجناس مختلفة, وكانت مختلفة, كالأدقة والأخباز.

وفي ما ذكرنا دلالة على مالك, ونخصه بأن هذا لحم, فكان معتبرًا بأصله.
دليله: لحم الغنم والطائر ولحم السمك؛ لما كانت أول تلك أجناسًا, كانت فروعها أجناسًا, كذلك لحم الغنم والبقر؛ لما كانت أصولها أجناسًا, وكذلك فروعها.
فإن قيل: لحم السمك والطائر ليس من جنس لحم البقر والغنم؛ لأنهما لا يتفقان في غرض, ولا منفعة, ولا يؤكل أحدهما على الوجه الذي يؤكل عليه الآخر, فدل على أنهما جنسان.
ولأن لحم السمك لا يحتاج إلى زكاة, فكان جنسًا يفارق ما يحتاج إلى زكاة, كالعسل والخل, وهذا معدوم في بقية اللحوم.
ولأن لحم السمك لا يضاف إليه, وإنما يقال: سمك, ولا يقال: لحم سمك.
قيل له: ولحم الإبل والغنم لا يتفقان في الغرض, ولا يؤكل أحدهما على الوجه الذي يؤكل الآخر؛ لأنا نعلم خلقًا من الناس يمنعون من لحم الإبل, وكذلك لا تتفق الأغراض في كثير من الوحش, كالثعلب والضبع, كما تتفق في لحوم الغنم.
واحتج المخالف بأن الإبل والبقر من بهيمة الأنعام, ومن ذوات الأربع, فلم يجز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا.
دليله: ضمها في الزكاة.

وهذه فروع لأصول هي أجناس.
دليله: الأخباز والأدقة.
...

290 -

مسألة

لا يجوز بيع الرطب بالتمر:

نص عليه في رواية الجماعة؛ حنبل, والميموني, وعبد الله- واللفظ لحنبل- فقال: لا يباع الرطب بالتمر, ولا الزبيب بالعنب, ولا رطب بيابس؛ لأنه ينقض إذا جف.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز.
دليلنا: ما روى أحمد في (المسند) قال: أنا سفيان, عن إسماعيل ابن [أمية, عن عبد الله بن] يزيد, عن أبي عياش قال: سئل سعد عن بيع سلت بشعير, أو شيء من هذا, فقال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تمر برطب, فقال: (أتنقص الرطبة إذا يبست؟) قالوا: نعم.
قال: (فلا إذًا).
وروى الدارقطني بإسناده عن سعد قال: نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التمر بالرطب, وقال: (إذا يبس نقص).

فإن قيل: هذا الخبر يرويه زيد أبو عياش, وهو مجهول.
وقال أبو حنيفة: لا أقبل خبره.
وقد صوب هذا الطعن عبد الله بن المبارك, فقال: كيف يقال: إن أبا حنيفة لا يعرف الحديث, وهو يقول: زيد أبو عياش لا أقبل خبره؟! قيل له: من أصل أبي حنيفة: أن من عرف إسلامه, وجهلت حاله, فهو على العدالة, وخبره حجة مل لم يثبت جرحه.
وأما على مذهبنا فإن زيدًا أبا عياش معروف بالثقة والعدالة, وقيل: هو من أهل المدينة, مولى لبني مخزوم.
وقد احتج بهذا الحديث أحمد, ومالك, وذكره أصحاب الحديث, فسقط الطعن.
فإن قيل: الطعن أولى من التعديل, وقد طعن أبو حنيفة فيه.
قيل له: أبو حنيفة لم يطعن, وإنما قال: أبو عياش مجهول غير معروف, وهذا ليس بطعن, ولا يعارض شهادة من عرفه, وشهد بعدالته.
فإن قيل: قد يقف العالم على قبول الحديث مع عدالة الرواة, فلا يلزمه, ألا ترى أن عمر بن الخطاب وقف على قبول خبر عمار في التيمم للجنب مع عدالة عمار, فلا يلزم حكم الخبر عمر لشكه فيه.
قيل له: لا يجوز التوقف في قبول الخبر مع عدالة الرواة, بل يجب العمل به؛ لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:63].

وأما توقف عمر [....]. فإن قيل: قد اختلف في هذا الحديث: فروي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الرطب نسيئة.
وروي: أن سعدًا سئل عن الرجل يسلف الرطب بالتمر, فقال سعد: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذا.
قيل له: هذا الاختلاف لا يمنع الاحتجاج؛ لأنه يمكن الجمع بينهما, والقول بهما.
فإن قيل: يحمل الخبر على أن المراد به: النهي عن بيعه بالتمر نساءً.
يدل عليه ما روي عنه: أنه نهى عن بيع الرطب بالتمر نساءً.
وراوي هذين واحد, ومن أصلنا أن نجعل الزيادة كأنها مذكورة فيهما.
ولأن من أصلكم بناء المطلق على المقيد, ويجعل النساء كالمذكور في خبر المطلق.
ويلزم على أصلكم في القول بدليل الخطاب: أن نقول: إن نهيه عن بيع أحدهما بالآخر نساء يدل على أن بيع أحدهما بالآخر يدًا بيدٍ جائز.
قيل له: إنما جعل الزيادة كأنها مذكورة فيهما, وبناء المطلق على

المقيد, والدليل الخاص يقضي على اللفظ العام, إذا لم يكن في المطلق ما يمنع من حمله عليه, وفي هذا المطلق ما يمنع من حمله عليه, وفي هذا المطلق مانع من ذلك, وهو تعليل النبي - صلى الله عليه وسلم - بنقصان الرطب إذا يبس, وهذا لا يصلح للمنع من النسيئة؛ لأن التمر اليابس لا يجوز أن يباع بعضه ببعض نسيئة, وكذلك بيع البر بالبر, والشعير بالشعير, والبر بالشعير؛ فإنه [لا] يجوز نسيئة.
وتعليله عندهم: وجود أحد وصفي علة تحريم التفاضل.
وتعليله عندنا: أنه يجري الربا في نقده.
وإذا كان كذلك, لم يجز أن يحمل المطلق على النسيئة.
فإن قيل: فإذا لم يجز هذا, وجب أن يتعارضا, ويسقط الاحتجاج به.
قيل له: لا يجب هذا؛ لأنا نجمع بينهما فنقول: لا يجوز بيع الرطب بالتمر نقدًا ونسيئة؛ جمعًا بين الخبرين.
فإن قيل: يحمل نهيه على وجه الإرشاد, لا على وجه التحريم؛ كأنه لما شاوره مشتري الرطب بالتمر بين له أن لا حظ له في هذا البيع؛ لأنه يأخذ أقل مما يعطي.
قيل له: ظاهر النهي يقتضي التحريم, والإنسان لا يحرم عليه ذلك.

وأيضًا ما رواه أحمد في (المسند): ثنا سفيان, عن الزهري, عن سالم, عن أبيه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع التمر بالتمر, ورخص في العرايا بأن يشترى بخصرها؛ يأكلها أهلها رطبًا.
وروى الدارقطني بإسناده عن سالم, عن أبيه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يباع الرطب بالتمر الجاف.
وهذه الأخبار نصوص.
والقياس: أنه جنس فيه الربا, بيع ببعض على صفتين مختلفتين, فلم يجز العقد.
دليله: بيع الحنطة بالدقيق.
ولا يلزم عليه بيع الرطب بالرطب؛ لأن الصفة واحدة.
وإن شئت قلت: بيع بعضه ببعض على صفة, ينفرد أحدهما بالنقصان عن الآخر في المستقبل, في ما قدر به, أشبه ما ذكرنا.
ولا يلزم عليه بيع الرطب بالرطب؛ لأن أحدهما لا ينفرد بالنقصان.
ولا يلزم عليه التمر الحديث بالمسوس, والحنطة الجيدة بالعفنة؛ لأن أحدهما لا ينقص عن اآخر في ما قدر به؛ لأن المكيال يأخذ من

كل واحد مثل ما يأخذ من الآخر.
ولا يلزم عليه العرايا؛ لأن ذلك البيع يقع على صفة لا ينقص أحدهما عن الآخر في المستقبل؛ لأنه لا يجوز ببعضه حتى يغلب الظن: أنهما يتساويان حال الجفاف.
وهذه العبارة أجود من التي قبلها.
فإن قيل: المعنى في الحنطة بالدقيق: أن المساواة معدومة في الحال؛ لأن قفيز حنطة أكثر من قفيز بدلالة: أنه إذا فرق أجزاءها بالطحن كان أكثر من قفيز, ومعلوم أنه لم تزد فيها بالطحن أجزاء لم تكن موجودة.
وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن المساواة موجودة في الحال, وإنما يحدث النقصان في أحدهما في الثاني في أجزاء كانت موجودة حال العقد, وهذا [لا] اعتبار به, كما ينقص التمر الحديث.
قيل له: هذا يبطل ببيع حنطة جيدة مكتنزة بحنطة ضامرة؛ فإن البيع صحيح, وإن علمنا أن دقيق إحدى الحنطتين أكثر.
فإن قيل: فقد أجزت بيع الرطب بالتمر على وجه حزر, وهو العرايا, ولم تجز بيع الدقيق بالحنطة بحال, فدل على الفرق بينهما.
قيل له: الموضع الذي أجزت بيعه به حزرًا إنما بيع على صفة يتساويان حال الجفاف, وهذا المعنى معدوم في مسألتنا.

وقد احتجَّ من نصر هذه المسألة بأنه جنس فيه الربا, بيع منه ما هو على هيئة الادخار بما منه من غير هيئة الادخار على صفة يتفاضلان حال الادخار, أشبه الحنطة بدقيقها.
وهذه العبارة لا تصح على أصولنا؛ لأنا لا نعتبر في جواز البيع أن يكونا- أو أحدهما- على هيئة الادخار, ولهذا يجوز بيع الدقيق بالدقيق والرطب بالرطب.
وعلى أنها تبطل بيع التمر المسوس بالحديث, والحنطة العفنة بالجيدة؛ فإن العفن والمسوس على غير هيئة الادخار, والآخر على هيئته, ويجوز البيع.
واحتج المخالف بأن الرطب لا يخلو: إما أن يكون من جنس التمر, أو من غير جنسه.
فإن كان من جنسه جاز لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (التمر بالتمر).
وإن كان من غير جنسه فهو أحرز لقوله: (إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم).
ولا يلزم عليه الحنطة بالدقيق؛ لأن هذا ليس باعتلال, وإنما هو استدلال بظاهر الخبر, فلا يتوجه النقض عليه.
والجواب: أن الرطب من جنس التمر, إلا أنه لا يتناوله اسم التمر,

كما أن الماعز من جنس الضأن, ولا يتناوله اسم الضان, وإذا لم يتناوله اسم التمر لم يدخل تحت قوله: (التمر بالتمر).
وكذلك الدقيق من جنس الحنطة, ومع هذا لا يسمى حنطة, ولا يدخل تحت قوله: (الحنطة بالحنطة).
على أنا نحمل قوله: (التمر بالتمر) إذا تساويا في الصفة بما ذكرنا.
واحتج بأن المساواة موجودة حال العقد, وإنما يحدث النقصان في أحدهما في الثاني, وحدوث النقصان في أحدهما في الثاني لا اعتبار به, إذا كانت المساواة موجودة في حال العقد, كما تقول في التمر الحديث بالتمر العتيق.
والجواب: أن النقصان الذي يحدث في التمر الحديث لا يمكن الاحتراز منه؛ لأنه ما من تمر إلا وقد يكون فيه قليل رطوبة إذا زاد جفافه زالت, فعفي عن ذلك؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه لقلته, فهو كالتراب اليسر الذي يكون في الطعام, فعفي عنه لقلته.
ولأنه لا يمكن الاحتراز منه, وليس كذلك الرطوبة التي في الرطب؛ لأنها كثيرة يمكن التحرز منها, فلهذا لم يعف عنها.
واحتج بأنه باع التمر بجنسه متساويًا, أشبه التمر الحديث بالعتيق.
والجواب: أن قوله: (باع التمر) لا تأثير له؛ لأنه إذا باع الزبيب

بجنسه, أو باع حنطة بجنسها, أو شعيرًا بجنسه, ونحو ذلك في ما يجري فيه الربا كان هكذا, فلم يصح الوصف.
ثم المعنى في الأصل ما تقدم.
واحتج بأن النقصان الحادث بعد العقد لا يؤثر في العقد, كما لو سرق أحد المبيعين.
والجواب: أن النقصان بالجفاف مفارق لما يحصل بالسرقة, ألا ترى أنه إذا باع طعامًا بطعام, ثم سرق أحدهما لم يفسد العقد, ولو باع طعامًا بدقيق لم يصح؛ لحصول المفاضلة بينهما في الثاني, كذلك هاهنا.
واحتج بأنه بيع رطب بتمر نقدًا, أشبه بيع العرايا.
والجواب: أن بيع العرايا لا يجوز إلا مع المساواة في الثاني, وهو أن يغلب على الظن: أنهما يتساويان حال الجفاف, وهذا معدوم في مسألتنا.
واحتج بأن ما جاز بيعه بالدراهم, جاز بالرطب, كالعنب.
ولأن ما جاز بيعه بالرطب قبل الجذاذ, جاز بيعه بعده, كالعنب.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يجوز بيعه بالدراهم, ولا يجوز بالرطب, كالدقيق؛ يجوز بيعه بالدراهم, ولا يجوز بالحنطة.
ولذلك لا يمتنع أن يجوز بيعه قبل الجذاذ, ولا يجوز بعده, كالحنطة بالحنطة؛ يجوز قبل حصول الطحن في أحدهما, ولا يجوز

بعد حصوله في أحدهما.
ثم المعنى في العنب مع الرطب: أنهما جنسان, وليس كذلك هاهنا؛ لأنهما جنس واحد فيه الربا, بيعا على صفتين مختلفين, أشبه بيع الحنطة بالدقيق.
واحتج بأنه إذا كان النقصان من الطرفين لا يمنع, وهو بيع رطب برطب, أولى أن لا يمنع من أحدهما.
والجواب: أن إذا وجد من الطرفين حصلت المساواة في الصفة, وإذا وجد من أحدهما عدمت المساواة, فجرى مجرى البر بالدقيق.
...

291 -

مسألة

يجوز بيع الرطب بالرطب:

نص عليه في رواية الحسن بن ثواب.
وهذا يدل على أن له مثلًا؛ إذ لو لم يكن له مثل لم توجد المساواة.
وهو قول أبي حنيفة ومالك.
وقال الشافعي: لا يجوز, ولا مثل له عنده.
دليلنا: أن كل جنس جاز بيع بعضه ببعض حال جفافه, جاز حال رطوبته.
دليله: اللبن باللبن.
وإن شئت قلت: الرطوبة التي فيهما مقصودة بالعقد, فجاز بيع

أحدهما بالآخر, كاللبن باللبن.
يبين صحة هذا, وأن الرطوبة التي في الرطب مقصودة: جواز بيع العرايا, وهو رطب بتمر؛ لأنه يقصد في هذه الحال, كما يقصد اللبن حال رطوبته.
فإن قيل: عامة منافع اللبن توجد حال رطوبته, فاعتبر التساوي في هذه الحال؛ التي هي حال كماله, وعامة منافع الرطب تحصل حال جفافه, فكانت تلك حال الكمال, فاعتبر التساوي فيها.
قيل له: منافع اللبن طريًا توجد حال رطوبته, وكذلك عامة منافع الرطب, فأما الادخار فاللبن والتمر سواء, تؤخذ منافعهما بعد.
ولأنهما قد اتفقا في الصفة والمقدار, أشبه الحنطة بالحنطة, والتمر بالتمر.
ولا يلزم عليه الرطب بالتمر؛ لاختلافهما في الصفة.
ولأنه يجوز بيع بعضه ببعض على صفة الادخار, فجاز على غير صفته.
دليله: الحنطة العفنة بالعفنة, والتمر المسوس بالمسوس.
والقياس على هذا الأصل أجود؛ لأن فيه إسقاط أن التمر والحنطة على هيئة الادخار؛ لأن العفن والمسوس قد خرج عن ذلك.

واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيع الرطب بالتمر, وجعل العلة فيه النقصان, وهذا المعنى موجود في الرطب [بالرطب].
والجواب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل المؤثر في العقد نقصان الرطب عن كمال التمر الموجود في الحال, وهذا لا يوجد في الرطب بالرطب؛ لأنه لا كمال في واحد منهما, ويجري هذا مجرى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لبريرة: (ملكت بضعك فاختاري).
ومعناه: ملكتيه تحت عبد, فاختاري؛ لأن زوجها كان عبدًا.
ولم يعتبر عموم التعليل, كذلك هاهنا؛ لما نهى عن بيع الرطب بالتمر, وعلل فيه بهذا التعليل, يجب أن يكون المراد به: الرطب بالتمر.
واحتج بأن كل ما لم يجز بيع بعضه ببعض عند التفاضل في الكيل, لم يجز بيع بعضه ببعض مع الجهل بالمساواة, كالطعام بالطعام.
والجواب: أنا نقول: إن أردت بقولك: (لم يجز بيعه مع الجهل بالمساواة) حال العقد, فلا نسلم أنه مجهول المساواة حال العقد؛ لأن التساوي موجود كيلًا.

وإن أردت بالجهل المساواة في الثاني, فيبطل ببيع اللبن باللبن.
ثم المعنى في الطعام إذا باعه صبرة بصبرة: أن المساواة معدومة حال الكيل, وهاهنا هي موجودة مع الاتفاق على الصفة, فهي كالحنطة بالحنطة, والتمر بالتمر.
واحتج بأنه جنس فيه الربا, بيع بعضه ببعض على صفة يتفاضلان حال الادخار, فلم يجز.
أصله: الرطب بالتمر.
والجواب: أنه يبطل ببيع اللبن باللبن, والعصير بالعصير.
ثم المعنى في ذلك: اختلافهما في الصفة, وهاهنا قد اتفقا في المقدار والصفة.
واحتج بأن كل معنى لو وجد في البدلين منع صحة العقد, فإذا وجد فيهما منع.
أصله: الجهل.
والجواب: أنه يبطل ببيع اللبن باللبن؛ فإن هذه الرطوبة لو وجدت في أحد البدلين منعت صحة العقد, وإذا وجدت فيهما لم تمنع.
وعلى أنه إذا وجد في أحدهما, فالاتفاق في الصفة معدوم, وليس كذلك هاهنا؛ لأنهما يتفقان في الصفة والمقدار, فلهذا فرقنا بينهما.

292 -

مسألة لا يجوز بيع جنس فيه الربا بعضه ببعض, ومع أحدهما, أو معهما, من غير جنسهما مثل مد عجوة ودرهم بمدي عجوة, أو درهمين وثوب بدرهمين, أو مد حنطة ومد شعير بمدي حنطة ومد شعير, أو مد حنطة جيدة ومد حنطة رديئة بمدين جيدين, أو رديئين, أو وسطين, أو دينار جيد

ودينار وسط بدينارين جيدين, أو وسطين: وقد نص على هذا في مواضع: فقال في رواية أبي داود: لا يباع السيف المحلى بفضة بدارهم حتى تنزع الحلية منه.
وكذلك نقل حنبل عنه في الخاتم والمنطقة والسيف وما أشبه ذلك: لا أرى أن يباع حتى يفصل, وتخرج الفضة منه, والقلادة على ذلك.
وكذلك نقل صالح عنه في من باع ثلاثة دنانير مكسرة بدينارين عينًا ودراهم: لا يعجبنا هذا, ولكن إن شاء باعها بدراهم, واشترى بها من الذهب ما شاء.

وكذلك نقل أبو الحارث عنه في ذهب محمول عليه: لا يباع بورق حتى يخلص, فإن باع الذهب منه بفضة, والفضة بذهب, لم يجز حتى يخلص.
وكذلك نقل الحسن بن علي عنه في ألف درهم صحاح ودينار بألف درهمٍ ومائة درهمٍ مقطعةٍ ودينارٍ: باطل.
وكذلك نقل عبد الله عنه في ألف درهم وستين دينارًا بألف درهم وخمس مائة دينار: فهو خبيث رديء, لا يعجبنا.
وقد علق القول في رواية ابن القاسم: وذكر له قول مالك في دراهم صحاح وفضة مكسورة بدراهم مكسورة وزنًا بوزن سواء: لا يجوز, فقال: نعم, فيه شيء؛ إنما أراد أن يدخل الفضة مع الصحاح؛ لتجوز معها.
فقيل له: فالتمر البرني مع [....] بتمر آخر, ويزيد مثل ذلك, فقال: التمر غير هذا, فأجازه في التمر, ولم يجزه في الفضة.
وظاهر هذا: الفرق بينهما, ولا فرق بينهما؛ لأن الجميع يدخله الربا.
ونقل الميموني- أيضًا- كلامًا فيه احتمال, فقال كلامًا طويلًا, ومنه أنه قال: الذهب والفضة إذا اجتمعا, وهذه الأشياء لا نشتريها مجتمعة حتى نفصلها.

قيل له: وإن اشتراها بذهب, وفيها فضة, يفصلها؟ أو بفضة, وفيها ذهب وفضة, يفصلها؟ قال: على ظاهره, كذا هو, ولو كان ذهب بدراهم, أو دراهم بذهب, فليشتر كيف شاء, وإنما تكلموا إذا اجتمعا فلا يشتريه بأحدهما حتى يفصله.
وهذا موضع نظر.
قال الميموني: ورأيت أبا عبد الله إذا اجتمعا جميعًا ذهب وفضة, أو جوهر, فاشتراه بأحدهما, فلا بأس, وإنما يقع التفصيل إذا اشترى منها ذهبًا بذهب, وما فصله, أو فضة بفضة, ولم يفصلها.
قال أبو بكر الخلال في كتاب (العلل): هذا توهم من الميموني, ومذهب أبي عبد الله: أن لا يشتري أصلًا على أي معنى كان, إلا أن يفصل.
والمذهب على ما حكينا في المنع.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع النوعين بالنوع على الإطلاق, فأما الجنس بعضه ببعض إذا كان مع أحدهما غيره: فإنما يجوز ذلك إذا كان المفرد أكثر من الذي معه غيره, فيقابل العوض بعضه, ويكون الباقي في مقابلة مثله من جنسه.

فأما إذا كان مثله, أو دونه, فلا يجوز.
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية أبي حرب الجرجرائي: إذا دفع دينارًا كوفيًا ودرهمًا, وأخذ دينارًا شاميًا, فإن كان وزن الدينارين سواء, فلا يجوز, إلا أن ينقص أحد الدينارين, فيعطيه بحسابه فضة.
وقال في رواية ابن منصور في بيع الزبد باللبن الذي فيه زبدة, فقال: إذا كان الزبد أكثر من الزبد الذي في اللبن, فيكون بعضه في مقابلة الزبد الذي في اللبن, وبعضه في مقابلة المخيض.
وقد نقل مهنا عنه خلاف هذا, فقال: أكره بيع الزبد باللبن.
فمنع منه على الإطلاق.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن فضالة بن عبيد قال: أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام خيبر بقلادة فيها خرز معلقة بذهب, ابتاعها رجل بسبعة دنانير, أو تسعة دنانير, فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا حتى تميز بينه وبينه),قال: إنما أردت الحجارة.
قال: (لا حتى تميز بينهما), قال: فرده حتى ميز بينهما.
فنقل السبب, وهو بيع الخرز والذهب بالذهب, والحكم, وهو إبطال النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك البيع, فاقتضى الظاهر تعلق ذلك الحكم بذلك السبب, ثم أكد النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بقوله: (لا حتى تميز بينه وبينه)؛ يعني: إنما لم يجز البيع؛ لأنه ذهب وخرز غير متميز بيع بذهب.

فإن قيل: لنا في هذا الخبر مثل ما لكم؛ لأن (حتى) للغاية, وحكم ما بعد الغاية بخلاف ما قبلها, فلما نهى عن بيعها قبل التفصيل اقتضت الغاية جواز بيعها بعد التفصيل بذهب.
قيل له: لم يرد بالتفصيل من جهة المشاهدة, وإنما أراد به في العقد, وأن لا يجمع بين الذهب والخرز في عقد واحد, وأنتم تبيحون الجمع بينهما.
فإن قيل: ما أنكرت أن يكون منع من بيعهما قبل التمييز؛ لأنه لم يعلم أن الذهب الذي في القلادة أكثر من الذهب الذي بإزائه, أو مثله, أو أقل, وعندنا لا يجوز حتى يعلم أن الذهب الذي مع الخرز أقل من الذهب الذي بإزائه.
قيل له: لو كان المانع من بيعه قبل التفصيل ما ذكرتم, لوجب أن يستفصل, ويسأل, ولما لم يسأل عن ذلك, دل على أن الحكم لم يختلف لأجل ذلك.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا حتى تميز), فجعل العلة في إبطال البيع هذا, وإذا حملوا الخبر على ما ذكروا أسقطوا هذه العلة؛ لأنه روي في الخبر: أن المشتري قال: إنما قصدت الحجارة, قال: (لا حتى تميز), وإذا كان الحجر هو المقصود استحال أن يباع مع الذهب بمثل وزن الذهب الذي معه, إنما يكون بزيادة على ذلك؛ ليحصل له

الغرض من الحجارة.
فإن قيل: فالدلالة على أنه لم يحظر بيعها قبل التفصيل لأجل أنه صفقة, وإنما حظر لأنه لم يعلم أن الذهب الذي مع الخرز أكثر من الذهب الذي بإزائه, أو مثله, أو أقل: ما روى الليث بن سعد, عن خالد ابن أبي عمران, عن حنش, عن فضالة بن عبيد قال: أصبت قلادة يوم خيبر فيها ذهب وخرز, فأردت أن أبيعها, فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -, فذكرت ذلك له, فقال: (افصل بعضها من بعض, ثم بعها كيف شئت).
فأطلق له بعد التمييز بيعها كيف شاء.
قيل له: معنى قوله: (بعها كيف شئت)؛ معناه: بعقد واحد إذا لم يقابله من جنسه, أو بعقدين إذا قابله من جنسه.
وأيضًا فإنه جنس فيه الربا, بيع بعضه ببعض, ومع أحدهما من غير جنسه, فلم يصح العقد.
دليله: إذا كان أحد العوضين مثل الآخر, ومع أحدهما من غير جنسه.
وأيضًا فإن الصفقة إذا تناولت شيئين مختلفي القيمة, يقسط الثمن على قيمتهما, لا على أجزائهما.
دليله: إذا باع شقصًا وسيفًا بمائة, فإن الشفيع يأخذ الشقص بقسطه

من الثمن, لا بنصفه.
وكذلك إذا باع قفيزين من طعام من صبرتين قيمتهما واحدة بعشرة دراهم, وتلف أحدهما قبل التسليم, قبض المشتري ما بقي بنصف الثمن, وإن كان أحد القفيزين رديئًا يساوي درهمين, والآخر جيدًا يساوي أربع دراهم, فتلف القفير الرديء, فإن المشتري يأخذ القفيز الجيد بثلثي الثمن.
وإذا كان كذلك قلنا: إذا باع مد عجوة قيمته درهم ودرهمًا بمدي عجوة قيمتهما ثلاثة دراهم, فإن ثلث المدين يقابل الدرهم, وثلثاه يقابل المد, وهو مد وثلث, فيكون ذلك ربا.
وكذلك إذا باع نوعين مختلفين بنوع واحد, فإن الثمن يتقسط على القيمة, فكأنه إذا باع مائة دينار قيمتها ألفان, ومائة قيمتها ألف, وثمانين قيمتها ألفان, فإن ثلث المائتين الوسط يقابل المائة دينار الدون, وثلثاها يقابل المائة الجياد, وهذا ربا محض, فيبطل البيع.
وهذا الذي ذكرناه إذا كان قد علم قيمة المبيعين, وأن التقسيط عليهما يفضي إلى ذلك, فإن لم يعلم ذلك فالبيع باطل للجهل بالمساواة.
ولهذا قلنا: إذا باع دراهم بدراهم جزافًا لم يجز للجهل بالمساواة.
وإن كانت قد علمت أيهما احتمل أن يصح العقد, ويحتمل أن

لا يصح أيضًا؛ لأنه قد يجوز أن يتعين حال العقد, فالمساواة مجهولة بكل حال, وإنما يعلم بالتقويم بعد العقد, والجهل بالمساواة يبطل العقد في ما فيه الربا.
وللمخالف على هذه الدلالة سؤالان هما دليلاه في أصل المسألة, ويأتي الكلام عليهما في أدلته.
فإن قيل: إنما تقسط القيمة على الأجزاء في ما لا مثل له.
قيل له: وقد تقسط على ما له مثل بدليل أنه لو ابتاع قفيزين من صبرتين, فتلف أحدهما, يقسط الثمن على قدر القيمة, وإن كان ذلك مما له مثل.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الحنطة بالحنطة مثلًا بمثلٍ كيلًا بكيلٍ).
وقفيز حنطة جيدة وقفيز حنطة رديئة بقفيزين جيدين, أو وسطين, أو رديئين مثل بمثل من طريق الكيل, فيجب أن يجوز.
وكذلك قوله: (الذهب بالذهب مثلا بمثلٍ وزنًا بوزنٍ) يقتضي جواز بيع مائة دينار جياد ومائة وسط بمائة دينار جياد؛ لوجود المماثلة في الوزن.

والجواب: أن الخبر يقتضي الجواز مع المساواة, وهذا يقتضي مساواة من جميع الوجوه.
وعلى أنا نحمله على المساواة في المقدار والصفة بما ذكرنا.
واحتج بأنه يجوز بيع دينارين جيدين بدينارين وسطين, أو رديئين, أو مكسورين, كذلك دينار جيد ودينار وسط بدينارين وسطين, أو جيدين.
والعلة فيه: وجود المماثلة في الذهب بالذهب من جهة الوزن.
قالوا: وقد نص أحمد على جواز ذلك, فقال في رواية صالح والفضل بن زياد ومهنا: الدراهم الصحاح بالمكسرة لا بأس بذلك, إذا كان وزنًا بوزن.
وقال- أيضًا- في رواية الميموني في الدنانير البهرجة يباع بوضيعة الدرهم والدرهمين في الدينار, هل يؤخذ بوزنها دنانير جيادًا؟ وقد تكون شامية لا وضائع على غيرها, فقال: إن كانت إنما تكره من قبل سكتها كان أهون, تؤخذ مثلًا بمثل على حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -, وأما إن كان ذهبًا, قد حمل عليه, ودخل فيه شيء من الفضة والنحاس, أو خالطه غيره, فقد زال عنه اسم الذهب لما دخل فيه.
والجواب: أن أجزاء كل واحد من العوضين متساوية, فإذا قسم

أحدهما على الآخر على قدر قيم أجزائه, لم يؤد إلى التفاضل, فلهذا جاز, وليس كذلك في مسألتنا؛ فإن أجزاء العوضين مختلفة القيمة, وإذا قسم الأجزاء عليه أخذ كثير القيمة أكثر مما يأخذ قليل القيمة, فيؤدي إلى التفاضل.
وإن شئت قلت: إن التقويم هناك يقع على أحد العوضين, وأجزاؤه متساوية, فإذا قسم عليه العوض الآخر لم يفض إلى التفاضل, وهاهنا يقع التقويم على أحدهما, وأجزاؤه مختلفة القيمة, فإذا قسم عليه الآخر تفاضل.
واحتج بأن الجودة في الذهب والفضة إذا لاقت جنسها, فلا قيمة لها, ألا ترى أنه لو باع دينارًا جيدًا بدينار وسط جاز, وإن كانت الجودة معتبرة لم يجز؛ لأنه يصير كأنه باع دينارًا بدينار وزيادة.
وكذلك لو باع دينارًا فاسانيًا بدينارين رديئين, وقيمة الفاساني مثل قيمة الرديئين, لم يجز, ولو كانت الجودة معتبرة لوجب أن يجوز.
وإذا سقط اعتبار الجودة في الدينار مع الوسط, صار كأنه باع دينارين جيدين بوسطين, ولا يشبه هذا إذا اشترى عبدين؛ أن الثمن ينقسم عليهما على قدر قيمتهما؛ لأن الجودة في غير المكيل والموزون لها قيمة؛ سواء لاقت جنسها, أو غير جنسها, فلهذا اعتبر قيمتهما

في انقسام الثمن عليهما.
والجواب: أنه لو كان كذلك لوجب إذا استقرض دينارًا جيدًا, أو أتلف دينارًا جيدًا: أن لا يكون للجودة قيمة, وإذا رد دينارًا رديئًا يجب قبوله, وهذا لا يقوله أحد.
وأما إذا باع دينارًا جيدًا بدينار رديء, أو باع طعامًا جيدًا بطعام رديء؛ فإنه يجوز؛ لأنه لا يؤدي إلى التفاضل في الكيل, أو الوزن.
وعلى أنا قد بينا العلة فيه إذا باع قفيزًا جيدًا بقفيز رديء في الدليل الذي تقدم.
واحتج بأن العقد إذا كان له وجهان؛ أحدهما: إذا حمل عليه صح, والآخر: إذا حمل عليه لم يصح, حمل عليه الوجه الذي يصح دون الوجه الذي لا يصح, ألا ترى أنه لو اشترى ثوبًا بعشرة دراهم, وفي البلد نقد معروف, وفي بلد آخر نقود مختلفة, حمل العقد على نقد هذا البلد ليصح, ولا يحمل على نقود ذلك البلد؛ لأنه إذا حمل عليها بطل.
والجواب: أنا لا نسلم أن له وجهًا في الصحة لما بينا, وهو: أن الصفقة إذا تناولت شيئين مختلفي القيمة يقسط الثمن على القيمة, وإذا قسطناه على القيمة أفضى إلى الربا.
ولأن العقد إذا كان له مقتضى حمل عليه, وإن كان ذلك يفضي إلى فساده, وكذلك لو باع عبدًا بألف درهم سلمه إلى المشتري, ولم

يقبض الثمن, ثم اشترى ذلك العبد وعبدًا آخر بألف ومائة درهم, وقيمة العبد الآخر ألف درهم, أو خمسمائة درهم, بطل العقد في العبد الذي باع أولًا؛ لأنه ابتاع ما باعه بأقل منه, وقد كان يمكن حمل العقد على وجه يصح, وهو أن يجعل كأنه اشترى الأول بألف والثاني بمائة, ولم يجعلوا.
وكذلك إذا اشترى صاعًا من تمر بصاعي تمر لم يجعل صاع بإزاء صاع, والصاع الآخر هبة, ليصح العقد.
فبطل قولكم: إن العقد إذا كان له وجهان؛ أحدهما: إذا حمل عليه صح, والآخر إذا حمل عليه لم يصح, حمل العقد على الوجه الذي يصح.
وإنما وجب حمله على نقد بلده؛ لأنه أقرب إليه؛ لأنه موضع العقد, لا لأنه يؤدي إلى الصحة بدليل: أنه لو كان نقد بلده مختلفًا بطل العقد.
فإن قيل: هما دخلا في عقد البيع, فلا يجوز أن يلزمهما عقد هبة, كما إذا دخلا في عقد هبة, لا يجوز أن يلزمهما عقد بيع وإجارة.
قيل له: وإن دخلا في عقد البيع, فقد قصدا أن يكون الثمن متقسطًا على المبيعين على قدر قيمتهما؛ لأنه معلوم من قصد من يشتري درهمًا

في قرطاس بثلاثة دراهم: أنه لم يقصد أن يشتري درهمًا بدرهم والقرطاس بدرهمين, وإنما قصد أن يقابل القرطاس قدر قيمته من الثمن, ويقابل الدرهم قدر قيمته.
وكذلك من اشترى درهمين؛ أحدهما جيد, والآخر رديء, بدرهمين وسطين؛ فإنه يعلم أن لم يقصد أن يكون درهم من الوسطين في مقابلة درهم جيد, والآخر في مقابلة الرديء, بل قصد أن يتقسط الدرهمان على قيمة الدرهمين, فليس الاعتبار بما ذكروه بأولى من اعتبار هذا القصد.
...

293 -

مسألة إذا ابتاع عبدًا- ومعه مال- بثمن من جنس المال الذي معه, وكان المال بقدر الثمن, أو أكثر منه, ولم يقصد المال, وإنما قصد العبد؛ لنفاسة في حسنه وجماله, إن كانت أمة يقصد الاستمتاع بها, أو كان عبدًا يقصد قوته وصناعته وعقله, جاز البيع:

نص عليه في غير موضع, ذكره الخرقي في (مختصره), وأبو بكر- أيضًا- في (مختصره).

قال أبو بكر: وكذلك إذا ابتاع نخلة عليها رطب بتمر, قال: ولو قصد الرطب بطل العقد, خلافًا للشافعي في قوله: العقد باطل؛ قصد المال الذي معه, أو لم يقصده إذا قلنا: إن العبد لا يملك, وكذلك يبطل بيع النخلة وعليها رطب بتمر, وكذلك إذا ابتاع شاة فيها لبن.
دليلنا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز التفاضل في القرض لعدم القصد للزيادة اعتبارًا بأن المقصود به الرفق, فروت عائشة قالت: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخبز والخمير؛ يقرض الخبز الجيران, ويردون أكثر وأقل, قال: (ليس به بأس ليسا هذه مرافق الناس, لا يراد فيها الفضل).
فأجاز التفاضل في ذلك لعد القصد, وإن كان ذلك مما يجري فيه الربا.
وكذلك يجوز أخذ العوض عن القرض إذا كان دراهم أو دنانير بعد مدة, ولا يجوز تأخير القبض عن مجلس العقد في الصرف؛ لأن القصد من القرض الرفق, فحمل على المقصود به.
ولأنها لو شرطت عليه في عقد النكاح أن لا يطأها بطل العقد, ولو شرط عليها أن لا ينفق, لم يبطل العقد؛ لأن المقصود بالنكاح الوطء, فشرطه ينافي المقصود, فدل على أن القصد معتبر.
ولأن ما ليس بمقصود في حكم المعدوم بدليل ما روي: أن رجلًا

باع من رجل حريرة بمائة, ثم اشتراها بخمسين, فسأل ابن عباس عن ذلك, فقال: دراهم بدراهم متفاضلة, دخلت بينهما حريرة.
فبين أن الحريرة لما لم تكن مقصودة, كانت في حكم عدمها, ويحصل البيع كدراهم بدراهم متفاضلة.
وكذلك حديث زيد بن أرقم لما باع إلى العطاء, ثم اشترى بأقل من ذلك, قالت عائشة: أبطل جهاده.
فلم يجعل للمبيع حكمًا, وجعله بيع دراهم بدراهم متفاضلًا, كذلك هاهنا؛ لما لم يكن المال الذي معه مقصودًا, كان كعدمه.
واحتج المخالف بما روي عن فضالة بن عبيد: أن أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام خيبر بقلادة فيها خرز معلقة بذهب, ابتاعها رجل بسبعة دنانير, أو بتسعة دنانير, فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا, حتى تميز بينه وبينه).
قال: إنما أردت الحجارة, قال: (لا, حتى تميز بينهما).
فوجه الدلالة: أنه أبطل البيع مع قوله: إنه قصد الحجارة, فدل على أنه لا اعتبار بالقصد.

والجواب: أنه يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - اتهمه في قوله: قصدت الحجارة؛ لأنه معلوم أن الذهب مقصود بالعقد, وقصده أولى من قصد الحجارة, وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن الإنسان في العادة قد يقصد العبد لمعنى فيه من صنعة وقوة, ويقصد الأمة لجمالها, فيقر عليهما ما كان معهما من الذهب.
كذلك يقصد النخلة دون الرطب؛ لكثرة ريعها ونماها, وكذلك الشاة, فهو كالقصد في قرض الخبز والعجين المراد به: دفع الحاجة وسد الخلة دون الزيادة.
واحتج بأن العقد إذا كان له مقتضى حمل على مقتضاه, ولا يعتبر قصد, كذلك هاهنا.
والجواب: أنه ليس الظاهر هناك: أنه قصد بأحدهما الهبة, بل قصد المعاوضة, وليس كذلك هاهنا؛ لأن الظاهر يحتمل ما قاله من القصد لعين العبد والأمة, كما أن الظاهر من القرض الرفق.
فإن قيل: إذا شرط المشتري المال علمنا أنه مقصود له؛ لأنه لو لم يقصده لم يشترطه.
قيل له: قد لا يقصده وإن شرطه؛ لأنه [قد] يكون قصده صرفه إلى العبد, وبقاؤه عليه, ويتأول مذهب من قال: العبد يملك.
فإن قيل: لما لم يجز شراء المال الذي معه منفردًا عن العبد بثمن

أقل منه, كذلك إذا كان معه العبد.
قيل: لا يمنع أن [لا] يجوز ذلك منفردًا, ويجوز مع العبد على طريق التبع, كالثمرة لو ابتاعها قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع منفردًا عن الأصل لم يجز, ولو ابتاعها مع الأصل جاز, كذلك هاهنا, فهما سواء؛ لأن المال تبع للعبد بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من باع عبدًا وله مال), فأضاف المال إليه.
وكذلك الثمر هو تبع للأصل بدليل حديث ابن عمر: نهى عن بيع النخل حتى يزهو.
ومعناه: عن ثمرة النخل.
...

294 -

مسألة

لا يجوز بيع اللحم المأكول بالحيوان المأكول:

نص عليه في رواية أبي طالب وحرب ومهنا.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز.
وقال مالك: إن كان الحيوان لا يصلح في الغالب إلا للحم مثل

الكباش المعلوفة للقصاب والهراس والبقر المعلوفة للحم, لم يجز بيعه باللحم, وإن كان لا يراد اللحم جاز.
هكذا ذكره ابن القصار.
دليلنا: ما روى مالك, عن الزهري, عن سهل بن سعد الساعدي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع اللحم بالحيوان.
وروى الحسن, عن سمرة, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله.
وروى زيد بن أسلم, عن سعيد بن المسيب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع اللحم بالحيوان.
وروى أبو بكر من أصحابنا بإسناده عن سعد بن المسيب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) لا يباع حي بميت).
فإن قيل: نحمله على بيع اللحم بالحيوان نسيئة.
قيل له: اللفظ عام.
وعلى أنه لو كان المراد به النسيئة, لم يخص اللحم؛ لأن عند المخالف لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة, فلا معنى

لتخصيص ذلك باللحم.
ولأن أبا بكر النيسابوري روى هذا الحديث في (الزيادات) عن زيد بن أسلم, عن سعيد بن المسيب: أنه قال: نظرة, أو يدًا بيد.
وهذا نص في إبطال السؤال.
فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد به: النهي عن بيع اللحم بالحيوان المذبوح.
قيل له: قد روى أبو بكر من أصحابنا بإسناده عن سعيد, عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يباع حي بميت).
وروى أبو بكر النيسابوري, عن محمد بن يحيى, عن عبد الرازق, عن معمر, عن زيد بن أسلم, عن سعيد بن المسيب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع اللحم بالشاة الحية.
وهذا يسقط السؤال.
وعلى أن بعد الذبح لا يسمى حيوانًا إلا على سبيل المجاز, وإنما كان حيوًان.
فإن قيل: أراد به: إذا باع اللحم الذي في الحيوان دون غيره من الجلد والبطون وغيرها, وهذا يحتمل في اللغة, فيكون معناه: نهى عن

جارٍ التحميل