التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 127-166

واحتج بأنه عقد تمليك، فلا تبطله الشروط الفاسدة.
دليله: العمرى.
والجواب: أن ذلك الشرط على غير العاقد، وهم الورثة؛ لأن هذا الشيء كان يصير إليهم بعد موته، والشرط إذا كان على غير العاقد لم يبطل العقد، كما لو قال: بعتك هذه الدار على أن لا ينتفع بها فلان.
...

264 -

مسألة

إذا شرطا الخيار لأحدهما، فاختار فسخ العقد بغير محضرٍ من الآخر جاز:

وهذا على قياس قوله: إذا وجد بالمبيع عيبًا ملك الرد بغير حضرته، وكذلك الوصي يعزل نفسه بعد موت الموصي، والوكيل يعزل نفسه من الموكل.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
دليلنا: ما روى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه جعل لحبان ابن منقذ ثلاثة أيام، فإن رضي أخذ، وإن سخط ترك.
ولم يفرق بين أن يكون بحضرة صاحبه، أو غيبته، فهو على عمومه.

وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من اشترى شاة مصراة فهو بخير النظرين ثلاثًا؛ إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها).
فجعل له ردها في الثلاث، ولم يفرق بين الحضور وعدمه.
والقياس: أن من لا يعتبر رضاه في رفع العقد، لا يعتبر حضوره قياسًا على الزوجة في الطلاق.
ولا تلزم عليه الإقالة؛ لأنها لما افتقرت إلى رضا المقيل، افتقرت إلى حضوره.
ولا يلزم عليه حضور الزوجة في مجلس اللعان، وإن لم يعتبر رضاها؛ لأنه يجوز لعان الزوج في غيبةٍ من المرأة.
فإن قيل: المعنى في الطلاق: أنه يقتضي إسقاط حق الزوج عن البضع، فلهذا لم يحتج إلى حضور المرأة، كالبراءة من الدين؛ لا تحتاج إلى حضور الذي عليه الدين، وليس كذلك البيع؛ فإنه يتعلق به حق كل واحد من المتعاقدين، فلا يجوز لأحدهما إسقاط حق صاحبه إلا بحضرته.
قيل: أما النكاح فيتعلق به حق كل واحد من الزوجين.
يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228].

ولأنه إذا طلقها قبل الدخول بها سقط نصف المهر، وزال سبب وجوب نفقتها في المستقبل، وذلك إسقاط لحقها.
وكذلك الرجعة تصح في غيبتها، وهو يسقط حقها؛ لأنها جارية في العدة، وتملك نفسها بانقضائها، كما يملك كل واحد من المتبايعين بانقضاء مدة الخيار، وتصح الرجعة في غيبتها، ويسقط حقها.
وأيضًا فإنه فسخ بيع في مدة خيار، فصار كما لو فسخ بحضرة صاحبه.
ولأن ما كان فسخًا للبيع بحضور أحد المتبايعين، كان فسخًا في غيبة الآخر.
دليله: وطء البائع وقبلته للأمة في مدة الخيار في غيبة من المشتري.
فإن قيل: الوطء والقبلة لم يجعلا للفسخ، وإنما ينفسخ البيع بهما من طريق الحكم، فلم يعتبر حضور المشتري، وليس كذلك قوله: فسخت البيع، ورددته، وأبطلته؛ فإنه موضوع للفسخ، فلم يصح إلا بحضور المشتري.
قيل له: ما لم يجعل للفسخ، إذا انفسخ به البيع في الحالين، فالذي وضع للفسخ أولى بذلك، ألا ترى أن الكتابة لما وقع بها الطلاق مع القصد والنية، كان وقوعه بالصريح الذي وضع للإيقاع به أولى؟ وإذا صحت الفرقة بالردة، كانت بالطلاق أولى، وإذا صحت الرجعة بالوطء، كانت باللفظ الصريح أولى.

واحتج المخالف بأن فيه فسخ البيع بغير محضرٍ من صاحبه، فوجب أن لا يجوز، كما لو قال أحدهما: أقلني، ثم غاب، فقال الآخر بعد غيبته: أقلتك؛ فإنه لا يجوز.
ولا يلزم عليه إذا كان البائع بالخيار، فأعتق، أو قبل؛ أن البيع ينفسخ، وإن لم يكن الآخر حاضرًا؛ لأن العتق والقبل ليسا بفسخ، وإنما ينفسخ البيع بعد القبل ونفاذ العتق من طريق الحكم.
[....] أنه يجوز أن يقول في غيبته: أقلتك، ويصح ذلك إذا كان على الفور، فلو كان واقفًا عند باب داره، فقال له: (أقلني)، ثم أطبق الباب في وجهه، فقال: (أقلتك) في الحال، صح، وإن لم يكن مشاهدًا له.
[....] نقيسه عليه إذا تطاول الزمان بالغيبة.
[....] هناك بطل بالإعراض، وهو أخذه في الغيبة، لا بالغيبة، ولهذا لو كان حاضرًا، فتشاغل بعمل آخر، ثم أقاله، لم يصح.
وقد قيل: إنه بطل بالتأجير، لا بالغيبة، ولهذا نقول: لو كان حاضرًا، وقال له: أقلتك، وهو سمعه بعد زمان متراخٍ لم يصح.
وعلى أنه يبطل بعتق البائع وقبله؛ فإنه فسخ، وينفذ بغير حضور.

وعلى أن الإقالة يعتبر فيها رضا البائع، فلهذا اعتبر حضوره، وهاهنا لا يعتبر رضاه.
واحتج بأن المشتري قد تعلق له بالعقد له بالعقد حق، وهو حصول الملك بمضي المدة، وجواز التصرف فيه، كما أن المودع قد تعلق له حق بالوديعة، وهو إمساكها، ثم اتفقوا أنه لا يجوز للمودع إبطال حق المودع بقوله: (قد فسخت الوديعة، وأبطلت حقه عن إمساكها) بغير محضرٍ منه، كذلك يجب أن لا يجوز للبائع إبطال حق المشتري بقوله: (قد فسخت البيع، وأبطلته) بغير محضر من المشتري.
ولا يلزم عليه إذا استهلك البائع المبيع في يده؛ أنه يبطل حق المشتري، وإن لم يكن حاضرًا؛ لأن الاستهلاك ليس بفسخ، وإنما ينفسخ به البيع من طريق الحكم.
[....] أنه يبطل النكاح؛ فإنه يتعلق [به] حق الزوجين، ويصح طلاق الزوج في غيبة الزوجة، وكذلك وطء البائع الجارية المبيعة في مدة الخيار وقبله في غيبة المشتري.
وعلى أنا لا نسلم الأصل؛ لأن الوديعة تنفسخ، وتبطل بالفسخ والعزل عن الإمساك، وإن كان في غيبة المودع، وإذا بلغه لزمه ردها عليه على حس الإمكان، ولا يجوز له إمساكها.

[....] لو كانت قد انفسخت لكانت إذا هلكت في يد المودع يجب عليه ضمانها.
[....] الوديعة تنفسخ، ويبقى الشيء على الأمانة في يده إلى أن يتمكن من ردها، ألا ترى أنه لو كان المودع حاضرًا، ففسخ الوديعة، انفسخت، وبقيت على الأمانة إلى أن يفرط في ردها، فلو قام المودع في الحال إلى موضع الوديعة؛ ليردها عليه، فوقع الحريق، فاحترقت قبل وصوله إلى موضعها، لم يجب عليه ضمانها.
واحتج بأن المشتري قد ثبت له حق جواز التصرف بالعقد متى مضت المدة، كما ثبت للمضارب والوكيل والشريك جواز التصرف في المال، ثم ليس لرب المال أن يفسخ المضاربة والشركة والوكالة بغير محضر من الآخر، كذلك هاهنا.
[....] أنا لا نسلم هذا ونقول يجوز لرب المال أن يفسخ المضاربة والشركة والوكالة غير محضرٍ من الآخر.
واحتج بأنا نفرض المسألة في الرد بالعيب، وأنه ليس للمشتري أن يفسخ بغير حضور البائع، ولا حكم الحاكم، فنقول: كل من ثبت له الخيار في فسخ العقد لأجل العيب، لم يتم الفسخ به وحده، واعتبر

في حال وقوعه حضوره وحضور غيره، كخيار امرأة العنين؛ أنه يحتاج إلى حضورها، وحضور الحاكم.
والجواب: أن خيار امرأة العنين يختلف في تعلق الفسخ بها في الجملة، فمنهم من لا يرى ذلك، فافتقر ذلك إلى الحاكم؛ لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد، وليس كذلك فسخ البيع بالخيار والعيب؛ لأنه مجمع عليه في الجملة، وإن اختلف في مواضعه، فلم يعتبر فيه رضا ولا قضاء، كخيار المطلقة.
...

265 -

مسألة إذا ابتاع شيئًا وشرط الخيار لغيره صح؛ سواء شرط الخيار لنفسه، وجعله وكيلًا له في الإمضاء والرد، أو شرطه للوكيل دونه، إلا أنه إن شرطه لنفسه، وجعله وكيلًا، كان له دون الوكيل، وإن شرطه للوكيل، كان الخيار لهما:

وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: إذا قال لرجل: زوجتك بنتي إن رضيت أمها، وهي صغيرة، لا أرى شيئًا وقع بعد حتى ترضى أمها.
وظاهر هذا: أنها إذا رضيت صح، ولزم العقد، وهذا خيار لغير العاقد.

وقال أصحاب أبي حنيفة: يصح، ويكون لهما.
وقال أصحاب الشافعي: إن شرطه له، وجعله وكيلًا في الإمضاء والرد صح وجهًا واحدًا، وإن شرطه للوكيل فعلى وجهين: أحدهما: لا يصح.
والثاني: يصح.
وهل يكون للوكيل، أو لهما؟ على وجهين.
والدلالة على أنه إذا شرطه لنفسه، وجعله وكيلًا في الإمضاء والرد يصح: أنه إذا جاز أن يكون وكيلًا في أصل البيع، جاز أن يكون وكيلًا في الخيار، بل هذا أولى.
والدلالة على أنه يصح إذا كان لغيره: أنه خيار مستفاد بالشرط، وكان لمن شرط له.
دليله: لو شرطاه لأحد المتبايعين؛ فإنه يكون له، كذلك هاهنا.
والدلالة على أنه يكون لهما: أنه إذا ثبت بهذا الدليل أنه يكون لمن شرط له، وجب أن يكون للموكل أيضًا؛ لأن هذا فرعه، وعنه ملك، فاستحال أن يكون للوكيل زيادة على موكله.
[و] احتج من منع صحته للوكيل بأنه لا يصح أن يملكني ملك

غيري، ويملك ملكي بغير أمري.
والجواب: أنه ملكه بأمره.
وعلى أنه يلزم عليه إذا جعل الخيار لأحدهما.
واحتج بأن خيار الشرط لينظر كل واحد من المتبايعين الحظ في الفسخ والإمضاء، وهذا يستحيل أن يكون لمن لا حظ له فيه، وإنما يكون له الحظ.
والجواب: أنه يكون لمن له الحظ، أو من يقوم مقامه، وهذا الوكيل قائم مقامه، فيجب أن يصح، كما صح التوكيل في أصل العقد، وإن كان القصد بالعقد طلب الحظ.
...

266 -

مسألة إذا اشترى رجلان من رجلٍ عبدًا على أنهما بالخيار ثلاثة أيامٍ، فرضي أحدهما، كان للآخر أن يرد نصيبه خاصة على قياس قوله: إذا اشترى رجلان عبدًا، فوجدا به عيبًا، فرضي أحدهما، كان للآخر أن يرد نصيبه خاصة:

نص عليه في رواية ابن القاسم في من اشترى ثوبًا بينه وبين آخر، فوجد به عيبًا، فرضي أحدهما، ولم يرض الآخر: فإن شاء أخذ أرش الثوب بقدر حصته، وإن شاء رد نصفه على البائع.
وهو قول الشافعي.

وقال أبو حنيفة: ليس له أن يرد نصيبه.
دليلنا: أنه رد جميع ما ملكه بالعقد بخيار الشرط، فجاز له ذلك من غير رضا البائع.
دليله: إذا اشتريا صفقتين.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن البائع فرق الصفقة فيها، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإن البائع لم يفرق الصفقة في النصفين، وإنما جمع بينهما، وخرج جميع العبد من ملكه صفقة واحدة، فلم يجز تبعيضها في الفسخ.
قيل له: بيعه من اثنين تبعيض للصفقة، لأن ذلك بمنزلة أن يقول: بعتك النصف بكذا، وبعتك النصف الآخر بكذا، أو قوله: (بعتكما) بنيته على الاختصار قائم مقام تكرار اللفظ، وكان بيعه من أحدهما غير بيعه للآخر.
فإن قيل: لو كان في حكم الصفقتين، لجاز أن يقبل البيع في نصيبه دون الآخر، كما يجوز ذلك في الصفقتين.
قيل له: يجوز ذلك.
ويبين صحة هذا، وأنهما في حكم الصفقتين: أنه لو اشترى رجلان من رجل شقصًا في دار، جاز للشفيع أن يأخذ نصيب أحدهما دون الآخر، كما لو اشترياه في صفقتين، فدل على أن شراء الاثنين من

واحد- وإن كان صفقة واحدة- في حكم الصفقتين.
فإن قيل: إنما يجوز أن يأخذ أحدهما دون الآخر؛ لأنه ليس فيه تفريق الصفقة على واحد.
قيل له: قد بينا أنه هو المبعض للصفقة، فجرى مجرى ما لو أفرد كل واحد منهما بالعقد.
واحتج المخالف بأنه خرج العبد عن ملك البائع صفقة واحدة، فلا يجوز رد بعضه إليه إلا برضاه، كما لو كان المشتري واحدًا.
والجواب: أنا لا نسلم: أنه خرج صفقة واحدة، وإنما هو صفقتان من الوجه الذي ذكرنا.
وأما إذا كان المشتري واحدًا، فلم يرد جميع ما ملكه بالعقد، وهاهنا قد رد جميع [ما] ملكه بالعقد بخيار الشرط، أشبه إذا اشترياه صفقتين.
واحتج بأن خيار الشرط يمنع تمام الصفقة، فلو جاز لأحدهما أن يرد نصيبه خاصة، لكان فيه تفريق الصفقة على البائع في الإتمام، وهذا لا يجوز، ألا ترى أنه لو أوجب في عبدين لم يجز للمشتري أن يقبل البيع في أحدهما دون الآخر، كذلك هاهنا.
والجواب: أنا قد بينا: أن البائع فرق الصفقة على نفسه.
وأما إذا أوجب في عبدين لواحد، فقبل في أحدهما، لم يصح؛ لأنه قبل في بعض ما أوجبه العقد، فمثاله: أن يرد بعض ما ملكه بالعقد، فلا يجوز.

واحتج بأن العبد خرج من ملك البائع صفقة واحدة غير معيبٍ بالشركة، فلا يجوز رد بعضه إلى ملكه معيبًا بالشركة إلا برضاهما، كما لو كان المشتري واحدًا، ووجد به عيبًا، لم يجز له أن يرد بعضه، كذلك هاهنا.
قالوا: والشركة عيب؛ لأنه ينقص الثمن عند التجار في العادة، ولهذا نقول: لو تزوج امرأة على دار، فاستحق بعضها، كان لها أن ترد الباقي لأجل الشركة؛ لأجل أنها عيب.
والجواب: أن البائع هو الذي بعض الملك على نفسه حيث باعه من نفسين؛ لأنه يعلم أن الذي يؤول إليهما مبعض، إلا أن هناك يؤول مبعضًا في وقتين، وهاهنا في وقت واحد.
وأما إذ كان المشتري واحدًا فلأن عقد البيع في الأصل لم يتضمن التفريق، فأما المشتريان فالملك تفرق عليهما بأصل العقد.
...

267 -

مسألة

خيار الشرط لا يورث:

نص عليه في رواية الأثرم وابن منصور.

وهو قول أبي حنيفة وداود.
وقال مالك والشافعي: يورث.
دليلنا: أنه مدة ملحقة بالعقد، أو مدة مضروبة في البيع، فوجب أن تبطل بالموت، كالأجل.
فإن قيل: هذا لا يصح على أصلكم؛ لأن حنبلًا وأبا الحارث وابن ثواب نقلوا عن أحمد: أن الأجل لا يبطل بالموت.
قيل له: ونقل ابن منصور عنه: إذا أفلس لم يحل دينه بالموت أحرى أن يحل دينه.
فعلى رواية ابن منصور القياس صحيح، وعلى رواية غيره- أيضًا-: إذا لم يوثق الورثة، كان لصاحب الدين المطالبة في الحال.
فإن قيل: الأجل حق للمشتري، وفي تبقيته بعد موته ضرر على الميت وعلى ورثته: أما على الميت فلما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (وإن نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه)، رواه أبو هريرة.
وأما على ورثته؛ فإنه لا يجوز تصرفهم في التركة.
فلذلك سقط بالموت.

قيل له: أما دخول الضرر على الميت فغير مؤثر في ذلك؛ لأنه لو مات، وعليه دين مؤجل، وتركته دين مؤجل له على غيره، لا تركة له غيرها؛ فإن الميت لا ضرر عليه في بقاء الدين الذي عليه؛ لأنه غير مطالب به؛ إذ لا تركة له ليستوفى منها الحال؛ لأن تركته مؤجلة، ومع هذا فالدين الذي عليه حال.
وعلى أن الضرر إنما يدخل على الميت عند محل الأجل، فأما قبل المحل، فلا ضرر عليه؛ لأنه غير مطالب به، ألا ترى أنه في حال الحياة لا يطالب به قبل الأجل.
وأما دخول الضرر على الورثة، فلا يصح؛ لأنه لو كان الدين على بعض الورثة مؤجلًا، فإن له في ذلك فائدة في تأخيره عليه، فكان يجب أن تتأخر المطالبة.
على أن الشيء إذا كان موروثًا انتقل إلى الورثة، وإن استضروا به، كما ينقل العبد المقطوع اليدين والرجلين، والتراب الموضوع في ملك الغير، فيلزم الوارث نقله.
وعلى أن للورثة في الأجل فائدة، وهو أن يتأخر بيع التركة، ولا يتعجل في الحال، فتتغير أسعارها.
ولأنا نلزمهم جواز تصرف الورثة، لو بقي الأجل، كما أن الولي يتصرف في الحساب المأذون له إذا كان عليه دين مؤجل.
فإن قيل: الموت يوجب نقل الدين إلى التركة، ولو بقي الأجل

لبقي في الأعيان، وتأجيل الأعيان لا يصح، ألا ترى أنه لو قال: بعتك هذا العبد على أن أسلمه بعد شهر، لم يصح قبل الذي عليه.
قيل له: لو كان كذلك لبطل الرهن بدين الميت؛ لأن الحق انتقل إلى العين، والرهن بالأعيان لا يصح، دل على بطلان هذه الطريقة.
ولأن المدين لو لم يترك إلا دينًا على وارثه سقط الأجل، وإن كان يثبت في دين، ولا يتعلق بعين.
ولأن الموت يسقط التأجيل من طريق الحكم، فسقط الخيار.
دليله: انقضاء مدة الخيار ومدة الأجل.
وقياس آخر، وهو: أنه حق ليس فيه معنى المال والوثيقة، فجاز أن [لا] ينتقل إلى الوارث.
دليله: خيار القبول والإقالة والوكالة والمضاربة.
ولا يلزم عليه إذا اشترى عبدًا على أنه خباز، فوجده بخلاف ذلك؛ لأن هذا الخيار فيه معنى المال بدلالة: أنه لو لحقه عيب عند المشتري، رجع بنقصان ذلك.
وكذلك خيار الرد بالعيب فيه معنى المال؛ لأنه معوض عنه بمال، وينتقل إلى الأرش ند تعذر الفسخ.
وهذه أجود طريقة في المسألة، لكن يلزم عليها حد القذف إذا

طالب به الميت؛ أنه يورث، وليس [فيه] معنى المال، وقد احترزنا عنه بقولنا: فجاز أن لا ينتقل إلى الوارث، فإذا كان التعليل للجواز لم تلزم عليه أعيان المسائل.
ويجاب عنه بجواب آخر: أنه إذا طالب بالحد قبل الموت ما انتقل إلى الوارث، وإنما يستوفى بحكم المطالبة من الميت، فنظيره في مسألتنا: أن يختار، ثم يموت.
فإن قيل: المعنى في خيار القبول والإقالة: أنه حق غير ثابت بدلالة: جواز الرجوع عنه، وخيار الشرط ثابت.
قيل له: ملك الموهوب له غير ثابت بدلالة: أن للواهب الرجوع، ومع هذا لا يورث، وملك البضع والأجل وعقد الكتابة ثابت، ولا يورث.
فإن قيل: خيار القبول يبطل بالافتراق، والموت أعظم من الافتراق، وخيار الشرط لا يبطل بالافتراق.
قيل له: خيار المجلس يبطل بالافتراق، ولا يبطل بالموت عندكم، والأجل لا يبطل بالافتراق، وكذلك النكاح، ومع هذا يبطل بالموت.
وعلى أن خيار القبول إنما بطل بالافتراق؛ لأنه يدل على الإعراض، والميت لم يوجد منه إعراض، فكان يجب أن يبطل خياره.
فإن قيل: إنما لم يكن للوارث أن يقبل البيع أو الإقالة؛ لأن من شرط القبول أن يوجد عقيب الإيجاب، فإذا مات المشتري قبل القبول،

ووارثه غائب عن المجلس، تراخى القبول، فلم يجز.
فإن قيل: قد قال أصحابنا: إنه يجوز.
قيل له: هذا خلاف الإجماع، ثم هذا فاسد؛ لأن البائع إنما أوجب البيع لزيد، وكيف يجوز أن يقبله عمرو؟ ولو جاز هذا لجاز أن يقبله الأجنبي، وهذا ظاهر الفساد.
وقد قال أحمد في رواية إسحاق بن هانئ: لا تجوز معاقدة الأب إلا بشهودٍ وقبول الزوج، وقوله: (قد قبلت)، ولا يجوز قوله: (قد قبلت) بعد وفاة الأب.
وإن شئت قلت: إنما جعل له الخيار ليرتئي؛ فيأخذ المبيع، أو يرده، والرأي لا يورث بدليل: خيار القبول، وخيار الإقالة؛ فإن الوارث لا يقوم مقام المشتري في الرأي في القبول في الشراء وفي الإقالة.
وكذلك المضارب والشريك لا يقوم الوارث مقام الميت في ما جعل إليه من الارتياء في التصرف، والامتناع منه.
ولا يلزم عليه خيار العيب؛ لأن الوارث ليس يرث الرأي، وإنما يرث بدل جزء فائت، [قد] أخذه البائع، ولم يسلم الجزء بإزائه، فيطالب البائع، كما يطالب بسائر ديونه، [و] خيار الشرط ليس هناك

إلا الرأي، والرأي لا يورث.
وقياس آخر، وهو: أن كل من ثبت له خيار من جهة الشرط؛ فإنه لا ينتقل إلى وارثه.
دليله: إذا خير رجلًا في طلاق زوجته، فمات قبل إيقاع الطلاق؛ فإنه لا ينتقل إلى وارثه.
وكذلك الوكيل بالبيع إذا شرط الخيار، ثم مات، لم ينتقل إلى وارثه.
وكذلك إذا شرط الخيار للأجنبي، فمات، لا ينتقل إلى ورثته.
ولا يلزم عليه إذا اشترى عبدًا على أنه كاتب، أو خباز، فلم يجده على الصفة المشروطة؛ لأن هذا الخيار لم يثبت من جهة الشرط، وإنما ثبت بعدم الصفة المستحقة، فهو كخيار العيب.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الخيار ثبت من جهة الوكالة، والوكالة تبطل بالموت، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لم يثبت من جهة الوكالة.
قيل له: خيار القبول يثبت للمشتري من غير جهة الوكالة، وكذلك خيار الرجوع في الهبة، ومع ذلك فلا ينتقل الخيار في الأصل الذي قسنا عليه.

فإن قيل: إنما لم ينتقل الخيار إلى وارث الوكيل، لأنه حق متعلق بالبيع، والمبيع لا ينتقل إليه، فلا ينتقل الحق المتعلق به، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن المبيع ينتقل إلى وارث المشتري، فيجب أن يتعلق الحق المتعلق به.
قيل له: هذا يبطل بالبائع والمشتري إذا كانا بالخيار، وماتا جميعًا؛ أن المبيع ينتقل إلى ورثة أحدهما، والخيار ثبت لورثة كل واحد منهما، فينقل الخيار إلى من لا ينتقل إليه المبيع، فبطل أن يقال: إن وارث الوكيل لا ينتقل إليه الخيار.
ويبطل- أيضًا- بخيار القبول في البيع وفي الإقالة.
وقياس آخر، وهو: أنه حق فسخ ثبت لا لفوات معنى، فلا يورث، كالرجوع في الهبة.
فإن قيل: الرجوع في الهبة ثبت للأب لفضيلته، وهذا المعنى لا يوجد في وارثه.
قيل له: فلو وهب الجد لابن ابنه، ثم مات، فورثه الأب، لم يجز له الرجوع مع وجود الفضيلة.
وهذه الطريقة أجود الطرق، والاعتماد عليها.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: (من ترك كلا أو دينًا فعلي، ومن ترك مالًا أو حقًا فلورثته).

والخيار حق من الحقوق.
والجواب: أنا نقول: أثبتوا أنه قد ترك الخيار حتى يدخل تحت الظاهر؛ فإن عندنا أن خياره يبطل بموته.
وعلى أنا نحمله على الديون ونحوها بما ذكرنا.
واحتج بأن الموت معنى يزيل التكليف، فوجب أن لا يقطع الخيار، كالجنون والإغماء.
والجواب: أن الإغماء لا يزيل التكليف عندنا.
وعلى أنه لا يجوز اعتبار الموت بالجنون والإغماء؛ لأن خيار الوكيل يبطل بموته، ولا يبطل بالجنون والإغماء، وكذلك خيار الرجوع في الهبة، وكذلك الشركة والوكالة والمضاربة والنكاح والكتابة.
واحتج بأنة خيار ثابت في بيع، فجاز أن يقوم الوارث فيه مقام مورثه.
دليله: خيار العيب.
والجواب: أنه لا تأثير لقوله: (في بيع)؛ لأن الإجارة والصلح والصداق والخلع سواء.
وربما قالوا: خيار ثابت في عقد معاوضة محضة، فقام الوارث مقامه فيه.

دليله: خيار الرد بالعيب.
وفيه احتراز من خيار القبول والإقالة؛ لأنه غير ثابت، ألا ترى أن لصاحبه أن يبطله بأن يرجع في الإيجاب.
وقوله: (معاوضة محضة) احتراز من المكاتب؛ أنه بالخيار، ثم إذا مات بطل خياره؛ لأن الكتابة ليست بمعاوضة محضة.
وربما قالوا: خيار ثابت لفسخ معاوضة لا يبطلها الموت، أشبه خيار العيب.
ولا تلزم عليه الكتابة؛ لأنه يبطلها الموت.
وربما قالوا: خيار ينفرد به كل واحد من المتبايعين، فجاز أن يقوم الوارث فيه مقام مورثه، كالعيب.
وفيه احتراز من خيار القبول والإقالة؛ لأن كل واحد منهما لا ينفرد هـ، ألا ترى أن لصاحبه أن يمنعه من القبول بأن يرجع في الإيجاب، وخيار الثلاث ينفرد به كل واحد منهما؛ لأنه ليس لصاحبه أن يمنعه منه، كخيار العيب.
والجواب: أن هذه الأصناف تبطل بخيار الوكيل؛ أنه ثابت في عقد معاوضة محضة، ولا تبطل تلك المعاوضة بالموت، وينفرد به كل واحد من المتبايعين، ومع هذا لا يقوم الوارث مقامه.
وتبطل بخيار الإقالة؛ فإنه ثابت، ويبطل بالموت.

وليس إذا ملك إبطاله لم يكن ثابتًا بدليل: حق الرجوع في الهبة، وإذا كان الخيار لهما أيضًا؛ فإنه ثابت، وإن ملك إبطاله.
وعلى أن خيار العيب آكد؛ لأنه يثبت في الصرف والسلم والنكاح، ولا يثبت خيار الشرط.
ثم المعنى في خيار العيب: أن فيه معنى المال؛ لأن العقد اقتضى تسليم المعقود عليه صحيحًا، فإذا سلمه معيبًا، فقد حبس جزءًا من المبيع، وقد أخذ بدل ذلك الجزء، ولم يكن مستحقًا له، فجعل للمشتري التوصل إلى استدراك ذلك الجزء، فإذا مات قبل وصوله إليه، قام وارثه مقامه في التوصل إليه، كما يقوم مقامه في سائر أمواله وديونه.
ويبين صحة هذا: أن للمشتري أن يصالح البائع عن ذلك الجزء على مال، كما يجوز أن يصالح عن سائر الديون، فلو لم يكن فيه مال، وكان بمنزلة خيار الشرط، لما جاز الصلح عنه على مال، [كما] لا يجوز الصلح عن خيار الشرط.
ويبين صحة هذا: أنه متى تعذر رده بالهلاك أو نحوه، ثبتت المطالبة بالمال، وهو الأرش، ولو لم يكن هناك إلا الخيار لما ثبتت المطالبة بالمال عند تعذر الرد، كما لا تثبت في خيار الشرط.
فإن قيل: ما يأخذه من الأرش ليس في مقابلة الخيار، وإنما هو في مقابلة الجزء الفائت.
قيل له: إلا أنه إنما استحق الأرش عندك عند فوات الخيار، وليس

هذا المعنى موجودًا في خيار الشرط؛ لأنه لو فات بانقضاء مدته لم يستحق به مال بحال.
وجواب آخر، وهو: أن خيار الرد بالعيب غير موروث، وإنما ثبت للورثة ابتداء، ألا ترى أنه لو مات المشتري قبل قبض المبيع، وحدث بالمبيع عيب في يد البائع، ثبت الخيار للورثة ابتداء؛ لأن المشتري له الخيار في حياته، فلا يجوز أن يكون موروثًا.
فإن قيل: لا يجوز أن يثبت للورثة خيار الرد بالعيب؛ لأنهم لم يملكوا المبيع بالعقد، وإنما يثبت الرد لمن ثبت له العقد.
وأما حدوث العيب بعد موت المشتري؛ فإنما يثبت للوارث حق الرد؛ لأنه يثبت للمشتري؛ لأنه مضمون على البائع بعقد البيع، فصار ما حدث من العيب كأنه موجود حال العقد، ويثبت للمشتري، وانتقل إلى الورثة ميراثًا، كما نقول: إن من حفر بئرًا في طريق المسلمين، ثم مات، فوقع فيه إنسان، أو بهيمة فماتت، وجب الضمان على الميت، وتعلق بميراثه بمنزلة وجوده في حال الحياة؛ لوجود السبب الذي تعلق به الضمان في حال الحياة.
قيل له: فخيار القبول سبب في ثبوت الملك، وقد وجد في حال

حياته، ومع هذا لا يورث، وكذلك خيار الإقالة.
واحتج بأن الخيار من حقوق الملك، ومن ورث شيئًا ورثه بحقوقه، كما لو ورثوا دارًا ورثوها بحقوقها، وكذلك لو ورثوا دينًا، وبه رهن، ورثوه بحقه، وهو إمساك الرهن.
والجواب: أنا لا نسلم أن الخيار من حقوق الملك، بل هو من حقوق العقد، كالأجل.
ثم يبطل ما قالوه بمن أوصى بخدمة عبده؛ أن الملك ينتقل إلى الورثة، ولا تنتقل لهم حقوق الملك من المنافع.
واحتج بأن الخيار شرط لينظر كل واحد ما له فيه الحظ، وهذا المعنى موجود في الوارث.
والجواب: أن الوكالة عقدت لحظ الموكل، وورثته يحتاجون إلى هذا الحظ، ولا يثبت لهم.
وكذلك المضاربة وخيار الإقالة أثبته البائع لحظ المشتري، ووارثه يحتاج إلى هذا المعنى، ولا يثبت له.
واحتج بأن الخيار حق لازم يتعلق بعينٍ، لا يبطل بموت المستحق عليه، فوجب أن لا يبطل بموت المستحق.
دليله: الرهن.

والجواب: أن هذا باطل بالكتابة على أصلهم؛ فإنها لازمة من جهة المولى، ولا تبطل بموته، وتبطل بموت المكاتب.
وإذا تزوج أمة غيره؛ أن حق الزوج لا يبطل بموت المستحق عليه، وهو المولى، ويبطل بموت المستحق.
فإن قيل: الأمة يستحق عليها، ويبطل بموتها.
قيل له: الأمة لا تملك شيئًا، فيستحق عليها، وإنما الملك للمولى، فالاستحقاق يقع عليه.
ولو جاز أن يقال ذلك في النكاح لجاز أن يقال في الرهن إذا كان المرهون أمة: إن المستحق عليه الأمة، ويبطل بموتها.
ثم الرهن فيه معنى المال، فلهذا لم يبطل، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه حق ليس فيه معنى المال، أشبه خيار القبول والإقالة، ولهذا قلنا في خيار القصاص والكفالة: لا يبطل؛ لأن فيه معنى المال، وهو الانتقال إلى الدية وإلى ذمة الكفيل.
واحتج بأنه لو طالب بالخيار قبل الموت، ومات؛ فإنه يورث عنه، كذلك إذا لم يطالب.
والجواب: أنه لو طالب برد الهبة، ومات، ملك وارثه المطالبة بالعين، ولو مات قبل ذلك لم يملك.
واحتج بأن عقد البيع باقٍ، وزمان خيار الشرط باقٍ، ولم يوجد

ممن له الخيار رضًا بتركه، فوجب أن يكون الخيار باقيًا.
أصله: إذا كان من له الخيار باقيًا.
والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يوجد ممن له الخيار رضا، ويسقط خياره، كما لو أعتق الآخر إذا كان الخيار لهما.
ويبطل به إذا كان الخيار للمشتري، فحدث نده عيب في مدة الخيار؛ فإنه يبطل خياره.
ثم نقلبه فنقول: فلا نثبت الخيار لمن لم يثبت له بالعقد، كما لو كان العقد باقيًا.
ثم المعنى في الأصل: أنه لم يحدث ما يسقط التأجيل حكمًا، فلم يسقط الخيار حكمًا، وفي مسألتنا الموت يسقط التأجيل من طريق الحكم، وكذلك يسقط خيار الشرط.
واحتج بأن الخيار لعقد الصفة المشروطة إذا ورث، فالخيار المشروط أولى بذلك؛ لأن الصفة تثبت بالشرط، ولولا الشرط لم تثبت الصفة بمطلق العقد، وثبت الخيار بفقدها، فالخيار الذي يثبت بالشرط من غير واسطة أولى بالتأكيد والتبقية بعد الموت.
والجواب: أن ذلك الخيار لم يثبت شرطًا، وإنما ثبت بعدم الصفة المستحقة فهو كخيار العيب.
والذي يبين صحة هذا: أنه لو حدث في المبيع ما يمنع الرد، كان له الرجوع بأرش ذلك.

واحتج بأن خيار الشرط إذا ثبت فهو حق من حقوق البيع متعلق بعين المبيع، فوجب أن يورث.
أصله: التمسك بالمبيع حتى يستوفي الثمن، ووجوب التسليم إذا استوفاه، وخيار الرد بالعيب، وخيار فقد الصفة.
والجواب: أنا لا نسلم أنه من حقوق البيع، وإنما هو معنى عارض يجوز أن يوجد في البيع، ويجوز أن لا يوجد في البيع.
ولا نسلم- أيضًا- أنه متعلق بعين المبيع، وإنما يثبت به فسخ العقد في المبيع، فهو كخيار الإقالة.
فأما الإمساك والتسليم فهي موجبات البيع، فتجري مجرى الملك، فتثبت لوارث المتبايعين.
وأما الخيار بفقد الصفة فهو خيار العيب؛ لأن الشرط أوجب كون البيع على صفة، فيجب الخيار بعدمها.
...

268 -

مسألة

إذا مضت مدة الخيار، ولم يكن من مشترطه رد ولا إجازة حكم عليه بنفس مضي المدة:

وقال مالك: لا يحكم عليه.
دليلنا: أن الخيار مدة ملحقة بالعقد، فيجب أن ينقضي بانقضاء المدة.

دليله: الأجل في الثمن.
ولأنه خيار لفسخ بيع، فلم يقف إبطاله على وجود قولٍ من جهته، كخيار الرد العيب والمجلس.
وقد قيل: إن المسألة مبنية على أصل، وأن الخيار عندنا مشروط للفسخ إذ العقد بغير شرط يقتضي الإجازة [....]، فوجب أن يكون شرط الخيار فائدة، وما له إلا الفسخ.
واحتج المخالف بأن مدة الخيار إنما ضربت لحقه، لا لحق عليه، فلم يلزم الحكم بنفس مضيه، وكذلك العنين.
والجواب: أنه يبطل بالأجل؛ فإنه ضرب لحق من عليه الدين، ثم يلزمه الحكم بنفس مرورها.
ثم المعنى في العنة والإيلاء: أنها فرقة متعلقة بسبب من جهة الزوج، فافتقرت إلى قول، وهذا فسخ بيع.
واحتج بأن العقد كان موقوفًا على الإجازة، فإذا انقضت المدة فقد عدمت الإجازة.
[والجواب:...].

269 -

مسألة

إذا تقدم القبول على الإيجاب لم ينعقد البيع سواء كان القبول بلفظ الماضي مثل أن يقول: ابتعت منك بكذا، أو كان بلفظ الطلب، فقال: بعني بكذا، وكذلك النكاح في إحدى الروايتين:

نقلها مهنا عنه في من قال لرجل: بعني هذا الثوب بدينار، فقال: قد فعلت، لا يكون هذا بيعًا حتى يقول الآخر: قد قبلت.
وهو اختيار أبي بكر ذكره في كتاب (الشافي)، وقال: هذا مثل رجل قال لرجل: زوجني بنتك، فقال: قد فعلت، فلابد من قبوله للنكاح.
وفيه رواية أخرى: يصح البيع، ولا يصح النكاح، ولا فرق- أيضًا- في ذلك بين لفظ الماضي أو الطلب.
نص عليه في رواية علي بن سعيد النسوي في الرجل يقول للرجل: بعني هذا بكذا، فيقول البائع: هو لك، جائز وقد تم البيع، فإن قال: زوجني ابنتك، فقال: قد زوجتك، ففي النكاح يقول: قد قبلت؛ النكاح أشد.
قال أبو حنيفة: إذا تقدم القبول على الإيجاب في عقد النكاح صح، وإن تقدم في لفظ البيع نظرت؛ فإن كان بلفظ الماضي صح.
وإن كان بلفظ الطلب والأمر لم يصح.

وقال مالك والشافعي: يصح في البيع والنكاح سواء كان بلفظ الماضي، أو بلفظ الطلب.
والكلام في ثلاثة فصول: أحدها: أن البيع لا ينعقد على الرواية المشهورة.
والثاني: مع أبي حنيفة في فرقه بين البيع والنكاح.
والثالث: على الرواية التي تحكم بصحة البيع؛ لا فرق بين لفظ الماضي والطلب خلافًا لأبي حنيفة.
والدلالة على أن البيع لا يصح في الجملة خلافًا لمالك والشافعي: أن القبول تقدم الإيجاب في عقد يلحقه الفسخ، فلم يصح.
دليله: لو تأخر الإيجاب عن القبول ساعة، وهما في مجلس العقد.
فإن قيل: المعنى هناك: أن الإيجاب لو تقدم وتأخر القبول عنه هذه المدة لم يصح، كذلك القبول إذا تقدم وتأخر الإيجاب.
قيل: لا نسلم لك هذا، وقياس مذهبنا: أنه إذا وجد الإيجاب والقبول في مجلس العقد صح، وإن لم يكن عقيبه بناء على قول أحمد في خيار المخيرة.
ولأن القبول إنما كان قبولًا للإيجاب، فمتى لم يوجد الإيجاب لم يكن قبولًا لعدم معناه، كما أن الشفيع لو أسقط شفعته قبل البيع لم

تسقط، والمعتقة إذا أسقطت خيارها قبل القبول لم يسقط لعدم موجبه، وهو ثبوت النقص عليها بعتقها تحت عبد، ودخول الضرر على الشريك بحدوث ملك الثاني، كذلك هاهنا.
وذهب المخالف إلى أن الزوجة لو قالت لزوجها: اخلعني على ألف درهم، فقال: قد خلعتك، صح، وإن كان القبول قد تقدم، والخلع معاوضة.
والجواب: أن الخلع لا يلحقه الفسخ، وهذا يلحقه؛ لأن الخلع يصح تعليقه بشرط، وهو أن تقول: إن طلقتني ثلاثًا فلك ألف درهم، فطلقها، استحق العوض، وإن كان خلعًا، ولو قالت: إن بعتني ثوبك فلك ألف، لم يصح.
واحتج بأن الطلب يتضمن الرضا، فهو بمنزلة القبول بعد الإيجاب.
والجواب: أن بعد الإيجاب يوجد معناه، وهاهنا لا يوجد.
ولأن هناك تأخر القبول، وهاهنا تقدم، فهو كما لو تقدم ووجد الإيجاب بعد ساعة، وهما في المجلس.
فصل: والدلالة على أن النكاح لا يصح- أيضًا- خلافًا لأبي حنيفة: أنه عقد يلحقه الفسخ، تقدم القبول فيه على الإيجاب، أشبه البيع.

فإن قيل: القياس في النكاح: أن لا يجوز، وإن تركناه في النكاح لحديث الموهوبة؛ قام رجل، فقال: زوجنيها، فقال: (زوجتكها على ما معك من القرآن)، فتقدم القبول.
قيل له: إذا كان القياس يقتضي بطلانه، فيجب الحكم به؛ إذ ليس هاهنا ما هو أولى منه.
وأما الخبر فيحتمل أن يكون المتزوج أعاد القبول بعد الإيجاب، ولم ينقل.
فإن قيل: عقد النكاح يجوز أن يليه واحد، ألا ترى أن للرجل أن يزوج ابنة أخيه من ابن أخيه، وهما صغيران، ويجوز أن يكون الوكيل الواحد للرجل والمرأة، فيزوج أحدهما من الآخر، ولا يجوز ذلك في البيع.
قيل: يجوز أن يليه واحد، وهو أن يبيع مال ابنه من ابنته، وهما صغيران، فيكون العاقد واحدًا.
فإن قيل: العادة قد جرت بالمساومة والمراوضة في البيع، فإذا تقدم القبول احتمل أن يكون سومًا، والنكاح بخلافه.
قيل: العادة جارية في النكاح بالمساومة والمراوضة في قدر الصداق والزيادة والنقصان فيه.

فصل: والدلالة على أنه يصح إذا كان بلفظ الطلب والأمر على الرواية الأخرى خلافًا لأبي حنيفة: أن العقد إذا تقدم القبول فيه لم يفترق الحال بين لفظ الماضي والطلب.
دليله: عقد النكاح، وعقد الخلع، ولا فرق بين أن يقول: زوجني بنتك، وبين أن يقول: قبلت نكاح ابنتك، وكذلك لا فرق بين أن تقول: اخلعني، وبين أن يقول: قبلت خلعك على كذا، فالحكم سواء في الصحة.
وذهب المخالف إلى أنه إن لم يوجد منه لفظ الماضي، أشه إذا قال: بعتك، فقال: أنا آخذه بذلك، لم يصح.
نص عليه في رواية مهنا.
وكذلك إذا قال: تبيعني بكذا، فقال: قد بعتك، لا يصح.
نص عليه في رواية مهنا.
والجواب: أنه يبطل بالقبول في الخلع والنكاح.
وعلى أن هناك وعد بالقبول، فليس فيه ما يدل على الرضا، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الطلب يدل عليه، فلهذا فرقنا بينهما.

270 -

مسألة

إذا تبايعا بما لا يتغابن الناس بمثله في العادة، وكان أحدهما ممن لا يخبر سعر ذلك المبيع، فله الخيار:

نص عليه في رواية محمد بن العباس في مريض وهب هبة على عوض، وكان العوض يقارب الهبة: فهو جائز، وشبهه بالبيع، وإن كان غير متقارب لا يتغابن الناس بمثله لم يجز، ولا يجوز في ذلك إلا ما يجوز في البيع.
وقال- أيضًا- في رواية أبي النضر إسماعيل بن ميمون العسكري: الخلابة: الخداع، وهو أن يغبنه في ما لا يتغابن الناس في مثله؛ يبيعه ما يسوى درهمًا بخمسة.
وقال- أيضًا- في رواية أبي سعيد اللحياني: إنما كره غبن المسترسل، فإذا ساوم وعرف، فلا بأس.
وقال أبو بكر في كتاب (التنبيه): وحد الغبن الثلث، وقيل: السدس.
وظاهر هذا: أنه محدود عند أبي بكر بالثلث والسدس، والمنصوص عن أحمد: أنه غير محدود، وهو على ما يتغابن الناس بمثله في العادة.
وهو قول مالك، ومن أصحابه من حده بالثلث.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا خيار له بذلك.

وقال داود: البيع باطل من أصله.
دليلنا على ثبوت الخيار: عموم قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، والمغبون غير راضٍ بهذه التجارة.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا ضرر، ولا ضرار)، وفي إلزامنا المبيع في حق المغبون إلحاق ضررٍ به؛ لأنا نلزمه إخراج شيء من ماله لا يقابله عوض.
فإن قيل: وفي إثبات الخيار إلحاق ضررٍ بالآخر؛ لأنا نفسخ العقد عليه.
قيل له: الضرر حاصل في جهة المغبون؛ لأنه يخرج من ماله ما لا يقابله عوض، وهذا معدوم في حق البائع.
وقوله: (لا يحل مال امرئٍ مسلمٍ إلا عن طيب نفسٍ منه)، وهذا الثمن مال المشتري.
ويدل عليه ما روى الدارقطني في كتاب (الأفراد) بإسناده عن أبي أمامه الباهلي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ما زاد التاجر على المسترسل فهو ربا)، ومعناه: حكمه حكم الربا في تحريم الأخذ.

ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لحبان: (بع، وقل: لا خلابة)؛ يعني: لا غبن.
وهذا يقتضي سلامة العقد من الغبن، فإذا غبن ملك الفسخ، كما قال [النبي - صلى الله عليه وسلم - للعداء] ب خالد بن هوذة، وقد اشترى منه عبدًا، أو أمةً: (لا داء، ولا غائلة، بيع المسلم للمسلم).
اقتضى سلامة المبيع من العيب، فإذا ظهر به عيب فسخ.
ولأنه غبن يخرج عن العادة، فملك الفسخ.
دليله: غبن الركبان.
وقد دل على ذلك الأصل ما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: (لا تلقوا الركبان، فمن يلقى فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق، إن شاء أجازه، وإن شاء رده).
ومعلوم أنه إنما جعل له الخيار لأجل الغبن.
فإن قيل: البائع هناك غير مفرط؛ لأنه لا يعرف القيمة، وهذا مفرط؛ لأنه يمكنه أن يعرف القيمة.
قيل له: إذا ظهر بالمبيع عيب فهو مفرط؛ لأنه كان يمكنه أن

يختبر المبيع، ومع هذا يملك الرد.
ولأنه معنى يملك الركبان الفسخ به، فملك غيرهم الفسخ.
دليله: العيب في المبيع.
وإن شئت قلت: نقصان في أحد العوضين، أشبه النقصان في المبيع بالعيب.
وإن شئت قلت: نقصان بثمن العين، أشبه العيب.
فإن قيل: لو كان الغبن يجري مجرى العيب، لوجب أن يملك الفسخ به إذا وجد بعد العقد وقبل القبض، كما يملك ذلك في العيب الحادث بعد العقد وقبل القبض.
قيل له: إنما ملك الرد بالعيب إذا كان موجودًا حال العقد، وإذا حدث قبل القبض؛ لأنه عيب في الموضعين، وليس كذلك الغبن؛ لأنه إنما يكون غبنًا في أحد الموضعين، وهو حال العقد؛ لأن الغبن هو فعل التغابن، وهذا لا يوجد بعد العقد، والعيب هو نقص يحصل في السلعة بغير فعل العاقد، وهذا يوجد في الموضعين.
وعلى أن هذا يبطل بغبن الركبان يثبت به الفسخ حين العقد، ولا يثبت بعد العقد وقبل القبض.
فإن قيل: لو كان هذا يجري مجرى العيب لاستوى قليله وكثيره، كما قلت في العيب.
قيل له: قد يفرق بين يسير العيب وكثيره.

قال في رواية أبي طالب: يرد من الغبن إذا كان الغبن شديدًا، وبما ألفى الرجل.
وظاهر هذا: أنه لا يرد من اليسير.
وكذلك نقل مهنا عنه في الرجل يشتري مصحفًا على أنه جامع، فخرج فيه آية، أو آيتان ساقطة: ليس هذا بعيب، ولا يخلو المصحف من هذا.
وعلى أن هذا باطل بغبن الركبان يثبت به الفسخ، وإن فرق بين قليله وكثيره، وكذلك الحاكم وأمين الحاكم والوصي والأب إذا باعوا بنقصان في الثمن، فإن كان يسيرًا جرت العادة بمثله جاز، ولو كثر لم يجز.
وعلى أن البياعات تسلم من العيب اليسير، كما تسلم من الكثير، فلهذا ملك الفسخ فيهما، وليس كذلك الغبن المطابق للعادة؛ لأن البياعات لا تخلو منه.
ولأن كل واحد يقصد الاسترخاص، فأجيز ذلك على حسب تعارفهم فيه، فإذا خرج عن ذلك جاز أن يملك الفسخ.
وعلى أن غلظ الدابة عيب إذا زاد وتفاحش، وليس بعيب إذا كان يسيرًا، وكذلك يسير الرمد في العين ويسير الحمى ليس بعيب، وإن كان كثيره عيبًا.
فإن قيل: المعنى في العيب: أنه نقص في المعقود عليه، وليس

كذلك هاهنا؛ لأنه نقص في ما لم يعقد عليه.
قيل له: النقص يحصل في الثمن، وذلك معقود عليه.
ثم يبطل هذا بغبن الركبان.
فإن قيل: لو كان ثبت به الفسخ، لوجب أن يكون محرمًا، كما أن التدليس العيب محرم.
قيل: الرد بالعيب ثابت، وإن لم يكن قصد التدليس؛ لأن غبن الركبان يثبت الفسخ، وإن لم يكن محرمًا.
ثم لا يمتنع أن نقول: محرم إذا كان مسترسلًا، وقد قال أحمد: إنما كره غبن المسترسل.
واحتج المخالف بما روى ابن عمر: أن حبان بن منقذٍ أصابته آمة في رأسه، وكان يخدع في البيع، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا بعت فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثًا).
قال: فلو كان الغبن سبيلًا يملك به الفسخ لما احتاج إلى شرط الخيار مع استغنائه عنه.
والجواب: أنا قد جعلناه حجة لنا؛ لأنه نهى عن الغبن، فاقتضى سلامته منه، كما اقتضى سلامته من العيب.
وعلى أن راوي الحديث عمر بن الخطاب عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال

عمر: وكان ضريرًا.
هكذا روى الدارقطني في (سننه) بإسناده عن طلحة بن يزيد بن ركانة: أنه كلم عمر بن الخطاب في البيوع، فقال: ما أجد لكم سببًا أوسع مما جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحبان بن منقذٍ: أنه كان ضرير البصر، فجعل له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهدة ثلاثة أيام؛ إن رضي أخذ، وإن سخط ترك.
وإذا كان ضريرًا لم يصح عقده عند الشافعي، فلا يصح الاحتجاج به.
وعلى أنه لم يمتنع شرط الخيار مع استغنائه عنه، كما قال: (فمن ابتاع مصراة فهو بخير النظرين ثلاثًا).
فشرط له الخيار مع استغنائه عنه.
وعلى أنه يحتمل أنه كان يغبن غبنًا لا يخرج عن العادة، وكان الخيار لأجل ذلك.
واحتج بأنه نقص لا يغير المبيع، ولا ينقصه، فلا يملك به الخيار، كما لو كان النقص غبنًا في العادة.
أو يقول: كل ما لو حدث بعد العقد وقبل القبض لم يثبت به الخيار، فإذا كان موجودًا في حال العقد لم يثبت به الخيار.

جارٍ التحميل