التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 544-573

بعضهم متقرب، وبعضهم يريد اللحم، لم يصح.
وقال مالك: إن كانوا متطوعين صح الاشتراك، وإن كان عليهم هدي واجب لم يصح.
فالدلالة على مالك بما روى عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناده عن أبي هريرة قال: ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن من اعتمر من نسائه في حجة الوداع البقرة بينهن.
فإن قيل: نحن نقول بموجبه؛ لأنهن كن أهل بيت واحد، وهو بيت النبي صلى الله عليه وسلّم.
قيل: لو لم يجز في حق أهل أبيات، لم يجز في حق أهل بيت، كالشاة.
وروى بإسناده عن جابر قال: تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالعمرة إلى الحج، فكنا ننحر البدنة عن سبعة.
وفي لفظ آخر: كنا نذبح البقرة عن سبعة، نشترك فيها.
فإن قيل: لو لم يجز لانتقلوا إلى الصيام.
ولأن كل بدنة جاز أن يخرجها الواحد، جاز أن يخرجها الجماعة عن تلك الجهة.

دليله: إذا كانوا متطوعين.
وكل ما جاز أن يشترك فيه السبعة إذا كانوا متطوعين، جاز أن يشتركوا فيه إذا كانوا مفترضين، كالسبع من الغنم.
وإن شئت قلت: ما جاز أن يشترك فيه أهل بيت واحد، جاز أن يشترك فيه أهل أبيات.
دليله: ما ذكرنا.
واحتج المخالف بما روي عن ابن عباس: أنه قال: ما كنت أرى دماً يقضي عن أكثر من واحد.
وعن ابن عمر: أنه قال: لا اشترك في شيء من النسك.
والجواب: أنه يعارضه ما روى مسلم عن رجل، عن علي بن أبي طالب قال: البقرة تُجزئ عن سبعة يضحون بها.
وهذا يعارض قولهم.
على أن هذا محمول على منع الاشتراك في الشاة، فنجمع بين أقاويلهم.
واحتج بأن الاشتراك في الدم يوجب أن يكون لكل واحد قسط من اللحم، وذلك يوجب القسمة، وهي بيع.

والجواب: أن القسمة عندنا إفراز الحقوق، وتعديل الأنصبة، وليستع ببيع.
واحتج بأنه حيوان يجزئ في الهدي، فلا يصح الاشتراك فيه، كالشاة.
والجواب: أن الشاة لما لم يصح الاشتراك في التطوع فيها، لهذا لم يصح في الواجب، كالسبعة من الغنم.
واحتج بأنه حصل مخرجاً لبعض بدنة، فلم يجزئه، كما لو اشترى لحماً.
والجواب: أن القربة تحصل بإراقة الدم، وبشراء اللحم لا يوجد هذا المعنى.
يبين صحة هذا: أنه في التطوع لو اشترى لحماً لم تحصل له القربة، ولو أخرج جزءاً من بدنة على وجه الشركة حصلت له القربة، كذلك هاهنا.
واحتج بأنه اشتراك في دم واجب، أشبه اشتراك العشرة في البدنة.
والجواب: أن تلك الشركة لا تصح في التطوع، فلهذا لم تصح في الواجب.
واحتج بأنه إزالة ملك عن حيوان على وجه الحتم والوجوب، فلم يصح الاشتراك فيه.
دليله: كفارة العتق في القتل والظهار.

ولأنه حيوان وجب عن جناية لحق عبادة، فلم يجزئ الواحد منه عن سبعة.
دليله: الواطئ في رمضان.
والجواب: أن الفرض هناك لا يسقط بأقل من رقبة، فلهذا لم يصح الاشتراك فيها، فمثال الرقبة هناك الشاة هاهنا؛ فإنه يصح الاشتراك.
فصل: الدلالة على أبي حنيفة: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة".
فعم، ولم يخص؛ لأن كل ما جاز أن يشترك فيه السبعة إذا كانوا متقربين، جاز أن يشتركوا فيه إذا كان بعضهم متقرباً، وبعضهم غير متقرب، كالسبعة من الغنم.
ولأن نية كل واحد من الشركاء غير معتبرة في حق شريكه بدليل: أنه يجوز أن ينوي أحدهم عن تمتع، والآخر عن قران، ونية القران في التمتع كلا نية.
فإذا كانت النية غير معتبرة في حقه، فلا فرق أن يكون الشريك متقرباً، أو غير متقرب.

واحتج المخالف بأن الدم لا يتبعض، فلا يصح أن يقع بعضه قربة، وبعضه غير قربة، كما لو كان أحدهم ذمياً.
والجواب: أن الدم يتبعض عندنا، ألا ترى أنه يجوز أن يجتمع في الدم الواحد في قُرب مختلفة، فيكون بعضه عن قران، وبعضه عن تمتع، وبعضه عن جزاء صيد، وبعضه عن فدية حلق، أو لبس مخيط، أو طيب، أو ترك نسك.
وإذا اختص كل سبع بقربة مخالفة للقربة الأخرى دل على أنها تتبعض.
وأما المشاركة للذمي، فلا نسلمه، ويجوز على قياس قول أحمد، وإنما اختلفت الرواية عنه في ذبح الذمي ضحايا المسلمين على روايتين، فأما في المشاركة لهم، فما نعرف الرواية عنه، وقياس قوله جوازه.
واحتج بأنه دم لم يقع بعضه عن القربة، فلم يقع باقيه عنها، كالمجوسي والمسلم إذا اشتركنا في الذبح.
والجواب: أن ذلك الاشتراك لما أثر في سبع من الغنم، لهذا أثر في البدنة، وكان المعنى فيه: أنه يصير المذبوح ميتة، وليس كذلك في ما اختلفنا فيه؛ لأنه يصح في السبع، فصح من البدنة.
......

236 -

مسألة

لا يأكل من شيء من الهدايا إلا هدي التمتع والقران والتطوع إذا بلغ محله في أصح الروايتين:

رواها أبو طالب عنه، فقال: لا يأكل من جزاء الصيد، ولا كفارة، ولا نذر، ويأكل من الهدي عن العمرة والقران والتطوع.
وبهذا قال أبو حنيفة.
ونقل ابن إبراهيم وابن منصور: لا يُؤكل من النذر، ولا من جزاء الصيد، ويُؤكل ما سوى ذلك.
وظاهر هذا: أن ما عدا هذين الدمين يجوز الأكل منهما.
وقال مالك: يأكل من الهدي كله إلا من جزاء الصيد، وفدية الأذى، ونذر المساكين.
وقال الشافعي: لا يأكل إلا من التطوع.
فالدلالة على مالك: أنه دم تعلق بمعنى يحظره الإحرام في الأصل، فلم يجز الأكل منه.
دليله: جزاء الصيد، وفدية الأذى.
ولا يلزم عليه التمتع والقران والتطوع؛ لأنه لم يتعلق بمعنى يحظره الإحرام في الأصل؛ لأنه دم نسك عندنا على ما نبينه في ما بعد.
ولا يلزم عليه إذا صال عليه الصيد، فقتله، أو كان به أذى من رأسه؛ لأن هناك، وإن لم يكن الفعل محرماً في الحال، ففي الأصل الإحرام

يحظره، فلهذا لم يُبح أكله.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَالْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28].
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: 36].
والجواب: أن المراد بذلك: هدي القران والمتعة.
ثم رتب قضاء التفث عليه بقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: 29]، والهدي الذي يترتب عليه قضاء التفث هو هدي التمتع والقران، ونحن نقول: يجوز الأكل من ذلك.
واحتج بأنه هدي لم يسلم للمساكين، ولا مدخل فيه للإطعام، فهو كالتطوع وهدي القران والتمتع.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه لا يتعلق بمعنى يحظره الإحرام، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه يتعلق بمعنى يحظره الإحرام في الأصل، أشبه ما ذكرنا.
فصل: والدلالة على الشافعي، وأنه يجوز الأكل من هدي التمتع والقران: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَالْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 28 - 29]، والهدي الذي يترتب عليه قضاء

التفث هو هدي القران والمتعة؛ لأن له أن يذبح سائر الهدايا أي وقت شاء.
فإن قيل: يجوز أن يكون المراد به التطوع إذا ساقه؛ فإنه يترتب عليه الحلق، ويقدمه على الحلاق.
قيل له: إلا أنه لو حلق قبل الذبح جاز، فالترتيب هناك غير واجب.
فإن قيل: المراد به التطوع بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم﴾ [الحج: 36].
قيل له: هي لنا بمعنى: استحقاقنا للثواب بها، وإن كانت علينا.
فإن قيل: قوله: ﴿فَكُلُوا﴾ [الحج: 28] أمر، وأقل أحواله الندب، وليس بمندوب أن يأكل من الواجب.
قيل له: هو مندوب إلى الأكل من دم التمتع.
وأيضاً ما احتج به أحمد، ورواه أبو حفص في كتاب "المناسك" بإسناده عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلّم حج ثلاث حجج؛ حجتين قبل أن يُهاجر، معها عمرة، وساق ثلاثاً وستين بدنة، وجاء علي بتمامها من اليمن، فيها جمل لأبي جهل في أنفه بُرة من فضة، فنحرها رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأمر من كل بدنة ببضعة، فطُبخت، وشرب من مرقها.

وبإسناده عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا أنه الحج، فلما دنونا من مكة، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم من لم يكن معه هدي، إذا طاف بالبيت، وسعي بين الصفا والمروة، أن يحل.
قالت عائشة: فدُخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن أزواجه.
قال أحمد في رواية المروذي: يأكل من هدي متعته، قد أكل أزواج النبي صلى الله عليه وسلّم من الهدي؛ من البقر؛ لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلّم تمتعوا.
وقال في رواية بكر بن محمد، عن أبيه: يأكل من هدي المتعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلّم ساق الهدي في حجة الوداع، وجمع بين الحج، وإن كان متمتعاً، وأكل من هديه في حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر.
فقد نص على أن النبي صلى الله عليه وسلّم وأزواجه كانوا متمتعين، وفيه بيان أن جعفر بن محمد بن محمد ثابت الحديث [....]. وأيضاً ما روى عبد الرحمن بن أبي حاتم في "سننه" قال: ذكر أبي قال: نا محمد بن علي بن الحسين بن سفيان قال: سمعت أبي يقول: أنا أبو حمزة، عن جابر، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،

عن علي بن أبي طالب قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم بهدي المتعة أن أتصدق بجلودها ولحومها سوى ما يأكل.
وهذا نص.
فإن قيل: النبي صلى الله عليه وسلّم كان منفرداً، فالهدي الذي ساقه كان تطوعاً.
قيل له: النبي صلى الله عليه وسلّم كان متمتعاً، وقد دللنا على ذلك في ما تقدم.
وعلى أن قوله: (أمر بهدي) لا يقضي الهدي الذي كان معه خاصة، بل يقضي كل هدي؛ أن يُفعل به مثل ذلك.
وأيضاً هدي التمتع والقران لم يجب بإيجابه، ولا بمعنى يحظره في الأصل، أشبه هدي التطوع.
ولا تلزم عليه فدية الأذى؛ لأنه تعلق بمعنى يحظره الإحرام في الأصل، وهو الحلق، وإن كان مباحاً في هذه الحال.
ولا يلزم عليه النذر؛ لأنه وجب بإيجابه.
وكل تصرف جاز في الأضحية، جاز في هدي التمتع، كالتصدق به.
واحتج المخالف بأنه دم تعلق وجوبه بالإحرام، فصار كجزاء الصيد وغيره.
والجواب: أن ذلك يتعلق بمعنى يحظره الإحرام في الأصل.
واحتج بأنه دم واجب، فلم يجز الأكل منه.

دليله: النذر.
والجواب: أن النذر إن كان على وجه الأضحية؛ فإنه يجوز الأكل منه، ذكره أبو بكر في كتاب "التفسير".
ولأن النذور محمولة على أصولها في الشرع، والأضحية الشرعية يؤكل منها.
وإن كان نذر مطلقاً لم يُؤكل؛ لأن النذر آكد في اللزوم، ألا ترى أنه لا ينوب الصيام عن الإطعام عنه؟ والأجود من هذا: أن دم القران والضحايا المنذورة القصد منها إراقة الجم، ولهذا يختص بزمان، وتفرقة اللحم تبع، وقد حصل المقصود، وهاهنا القصد تفرقة اللحم، ويُتوصل بالذبح إليه.
واحتج بأن دم القران يجب لجبران النقص الداخل في الإحرام، أشبه دم اللابس والمتطيب والحالق.
والجواب: أن القران لا يوجب نقصاً في الإحرام عندنا؛ لأنه لو أوجب نقصاً لما جاز الجمع بينهما من غير ضرورة به إليه، ألا ترى أنه ليس للمحرم أن يحلق من غير عذر؛ لأن الحلق يوجب نقصاً فيه، فلما اتفقنا على جواز القران لغير عُذر علمنا أنه لا يوجب نقصاً في الإحرام، وإذا لم يوجب نقصاً فيه الدم الواجب بالقران دم نسك.
فإن قيل: قد قال أحمد في رواية الأثرم في من أخذ حجة عن

ميت، فتمتع، أو قرن: فالدم عليه دون الميت.
وهذا يدل على أنه دم جبران.
قيل له: أحمد لم يوجب الدم على الحاج؛ لأنه دم جبران، لكن لأجل أنه خالف ما أُمر به.
فإن قيل: فكان يجب أن يغرم النفقة -أيضاً- لمخالفة الأمر.
قيل له: إنما [لم] يغرم النفقة؛ لأنه قد حصل له ما أمره به وزيادة، فلهذا لم يغرم النفقة.
......

237 -

مسألة إذا أوجبت بدنة، جاز بيعها، وعليه بدنة مكانها، فإن لم يوجب مكانها حتى زادت في بدن، أو شعر، أو ولدت، كان عليه مثلها زائدة، ومثل ولدها، ولو أوجب مكانها قبل الزيادة والولد، لم يكن عليه شيء في الزيادة:

ذكره الخرقي في "مختصره" فقال: ويجوز أن يُبدل إذا أوجبها بخير منها.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية أبي طالب في الرجل يشتري الأضحية، فيسميها للأضحى؛ يبدلها بما هو خير منها؟ يبيعها؟ قال: نعم.
وقد أطلق القول في رواية صالح وابن منصور وعبد الله: يجوز أن

يُبدِّل الأضحية بما هو خير منها.
ورأيت في "مسائل الفضل بن زياد": إذا سماها لا يبيعها إلا لمن يريد أن يضحى بها.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك والشافعي: قد زال ملكه، فلا يجوز بيعه.
دليلنا: أن النبي صلى الله عليه وسلّم ساق الهدي لينحرها عن التمتع، فلما أُحصر صرفها إلى الإحصار، ثم أبدلها في العام القابل، فلو كانت قد خرجت عن ملكه بالإيجاب لما تصرف فيها بعد ما أوجبها لغيره.
فإن قيل: من أين لكم: أنه قد أوجبها؟ قيل له: لو لم يكن أوجبها لما كانت الثانية بدلاً.
ولأنه جعله هدياً، فجاز بيعه، كما لو ساقه متطوعاً، وكما لو أهدى داراً، أو ثوباً.
فإن قيل: هناك لم يزل ملكه عنه إذا كان تطوعاً، وهاهنا قد زال.
قيل: لا نسلم لك هذا.
فإن قيل: الدار والثوب إذا جعلهما هدياً يجب بيعها، وهاهنا لا يجب.
قيل له: ليس إذا لم يجب لم يجز، كما لو عطب، وكالمال الذي

وجبت فيه الزكاة.
ولأنه حق لله -تعالى- تعلق بالرقة، فإذا لم يتم، لم يوجب زوال ملكه.
دليله: أنه لو نذر أن يتصدق بهذه الدراهم.
ولا يلزم عليه إذا استولد أُمَّه، أو نذر أن يعتق عبداً؛ أنه لا يجوز بيعه؛ لأن الحق هناك لآدمي، فهو كالرهن.
ولأن النذور محمولة على أصولها في الفروض، وفي الفروض أن الحق إذا تعلق بعين المال، جاز إخراج بدله بدلالة الزكاة، كذلك هاهنا.
ولأنها لو عطبت في الطريق، جاز بيعها، فلو كان ملكه زال عنها بالإيجاب، لما عادت إليه بالهلاك.
فإن قيل: لا يمنع أن يزول ملكه، ويعود إليه بالهلاك، كما لا يمتنع أن يتعلق بها الحق، ثم يسقط بالهلاك.
قيل له: قد وجدنا حقاً تعلق بالعين، ويبطل الحق المتعلق بها، ولم نجد شيئاً يخرج عن ملكه، ثم يعود إليه بالهلاك، وكان يجب أن نقول: يسقط بهلاكه على ملك الفقراء؛ لأنه على ملكهم.
واحتج المخالف بما روى سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، [عن] عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله! إني أهديت نجيباً، وأُعطيت به

ثلاث مئة دينار، فأبيعه، وأشتري مكانه بُدناً؟ قال: "لا، انحره".
ومعلوم أن النجيب يُقصد به الركوب، ولحم البدن أنفع للمساكين منه، ومع هذا أمره -عليه السلام- بنحره.
والجواب: أنا نكره له فسخ المتعين، وإقامة غيره مقامه، فمنعه -عليه السلام- من ذلك لأجل الكراهية.
ولأنه سأله عن بيعها من غير أن يقيم غيرها مقامها، وذلك لا يجوز عندنا.
واحتج بأنها عين نذر إخراجها في حق الله تعالى، فإذا لزم النذر، لم يجز البيع، كما لو قال: لله علي أن أعتق هذا العبد.
ولأنه حق إذا تعلق بالعين سرى إلى الولد، فوجب أن يمنع جواز البيع، كإحبال الأمة.
والجواب: أن الاستيلاد لا يوجب خروج الأمة عن ملكه، فيجب أن لا يزول ملكه هاهنا.
على أن الاستيلاد، والنذر لعتق عبد بعينه، إنما منع من التملك لما يتعلق به حق العتاق، وهو حق لآدمي، فهو كالراهن، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه حق لله -تعالى- تعلق بالرقبة، فإذا لم يتم، لم يمنع

البيع، كما لو نذر أن يتصدق بمال بعينه، وكالزكاة إذا تعلقت بالمال، جاز الإخراج من غيره.
وإن قاسوا عليها إذا أعتق العبد، ثم أراد بيعه، لم يجز؛ لأن الإتلاف قد حصل هناك بالعتق، فهو كالذبح.
وإن شئت قلت: المعنى هناك: أنه نحر الفدية، وهاهنا لم ينحرها.
واحتج بأنه لو أتلفها عقيب العقد ضمنه، فدل على زوال ملكه؛ لأنه يسري إلى ولدها.
والجواب: أن الراهن إذا أتلف الرهن ضمنه، وإن كان ملكه باقياً، والمكاتبة يتبعها ولدها، وإن كان ملك السيد باقياً عليها.
......

238 -

مسألة

إذا نذر هدياً، لزمه شاة، فإن أخرج جزوراً أو بقرة كان أفضل، ولا يُجزئ فيه إلا ما يُجزئ في الأضحية:

وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في الجديد.
وقال في القديم، و"الإملاء": يجب ماله قيمة من بيضة، أو لقمة، أو كف من طعام.
وهل يختص بمساكين الحرم؟ فيه وجهان.
دليلنا: أن النذور محمولة على أصولها بالفروض، وقد ذكر الله -تعالى- الهدي في مواضع، والمراد بجميعها الحيوان، كذلك النذور.

وقد روى ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلّم سُئل عن الهدي، فقال: "أدناه شاة".
ولأنه حق وجب بلفظ الهدي المطلق، فلا يجزئ فيه أقل من شاة، كهدي المتعة والإحصار.
واحتج المخالف بقوله صلى الله عليه وسلّم: "المبكر [إلى] الجمعة، كالمهدي بدنة" إلى أن قال: "ثم كالمهدي بيضة".
والجواب: أن هذا هدي مقيَّد، ومثله يجزئ في النذر؛ لأنه لو قال: لله علي أن أهدي بيضة، أجزأه إذا أطلق.
......

239 -

مسألة

إذا قال: لله عليَّ أن أهدي بدنة، فإن نوى بها شيئاً، فهو ما نوى، وإن لم تكن له نية، فهو مُخير بين الجزور وبين البقرة في إحدى الروايتين:

قال في رواية حنبل: العشر من الغنم تجزئ مكان الجزور؛ إذا

كان عليه بدنة، فنحر عشرة من الغنم، أو في ذلك عنه، إن شاء الله.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وفيه رواية أخرى: عليه جزور، فإن لم يقدر أخرج بقرة.
وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب، فقال: إذا كان عليه جزاء أو نذر بدنة، فلم يجد بدنة، جعل مكانها سبعة من الغنم.
فأجاز العدول عن الجزور إذا لم يجد.
وهو قول الشافعي.
ومن أصحابه من قال: هو مُخير.
وجه الأولى: ما روى ابن الزبير، عن جابر قال: اشتركنا مع النبي صلى الله عليه وسلّم في الحج والعمرة؛ كل سبعة في بدنة، فقال رجل: أرأيت البقرة أيُشترك فيها كما يُشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البدن.
فإذا ثبت أن البقرة من البدن، وجب أن يكون مُخيراً بينها وبين الجزور.
وروى الأثرم بإسناده عن جابر قال: كنا نتمتع مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ثم تذبح البقرة عن سبعة، نشترك فيها.
ولأنها تجزئ في الهدي والأضحية عن سبعة، كما تجزئ

الجزور، وكما جاز أن يهدي الجزور كذلك البقرة.
واحتج المخالف بأن اسم البدنة يختص الجزور، ألا ترى أن ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه جعل البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة.
ففصل بين البدنة وبين البقرة في الاسم.
وروي -أيضاً- عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: "المبكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة".
ففصل بين البدنة وبين البقرة.
فإذا ثبت أنه يختص الجزور، والبقرة تقوم مقامه، لم يجز العدول عن الأصل إلا في حالة عدمه.
والجواب: أنا قد بينا: أن النبي صلى الله عليه وسلّم سماها بدنة بقوله: ما هي إلا من البُدن.
وعلى أنا نسلم أن اسم البدن يتناول الإبل حقيقة في اللغة، وإنما الكلام بيننا وبينكم في الحكم، وهو أن الموضع الذي تدخل فيه البدنة؛ هل تقوم البقرة مقامها، أم لا؟ وقد دللنا على أنها تقوم مقامها.
......

240 -

مسألة

إذا أوجبت هدياً، أو أضحية معينة، ثم أصابها عور، أجزأت عنه:

نص عليه في رواية صالح في من اشترى أضحية، فاعورت، أو عجفت: يذبحها، ويجزئه.
وكذلك نقل إبراهيم بن الحارث في من اشترى أضحية سوية؛ ليضحي لها، فأصابها عيب عنده، فسهل في ذلك.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا تجزئ إلا أن يكون حدوثه حال الذبح مثل أن تضطرب، فتنكسر رجلها، أو تصيب السكين عينها، فتعور، فتجزئه.
دليلنا: ما روى أبو سعيد الخدري قال: قلت يا رسول الله! إني أوجبت على نفسي أضحية، وإنه أصابها عوار، فقال: "ضح بها".
فإن قيل: يحتمل أن يكون أراد به: ضح بها، ويكون تطوعاً؛ لا أنها أضحية شرعية.
قيل له: ظاهر قوله: "ضح بها" يقتضي أن تكون أضحية شرعية؛ لأنه عن هذا سُئل.
ولأنه نقص حدث بعد الوجوب، فلم يؤثر في جهة القربة، كما لو حصل النقص حال الذبح بأن انفلتت السكين، فأصابها عوار، أو غيره.
فإن قيل: القياس أن لا يجوز إلا أنهم استحسنوا ذلك.

قيل له: المعنى الذي لأجله تركت القياس هناك موجود هاهنا.
فإن قيل: في حال معالجة الذبح لا تخلو من عيب يصيبها؛ لأنها تضطرب، فلهذا لم نعتبر استشرافها في تلك الحال، وهذا المعنى معدوم قبل تلك الحال.
قيل له: ليس الأمر على هذا، بل الغالب من المذبوح: أنه يسلم من عوار يلحقه في معالجة الذبح.
ولأنه يمكنه الاحتراز من ذلك بأن يشد قوائمها ويربطها.
وعلى أن هذا يبطل بموتها حال الذبح بالخنق والقطع؛ فإنه لا يمكن التحرز منه، ومع هذا فلا يعفى عنه.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "استشرفوا العين والأذن".
وروي أنه نهى عن العوراء البيت عورها، والعرجاء البين ظلعها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تُنقي.
فنهى عن العور، ولم يخص حالاً دون حال.
والجواب: أن هذا محمول عليه إذا كان موجوداً قبل الإيجاب.
واحتج بأن القربة تُستوفى بالذبح؛ لأنها لو هلكت قبل بالذبح وجبت أخرى مكانها، ولو هلكت بعد الذبح لم يجب شيء، فلو كان

الاعتبار بحال الإيجاب لوجب إذا عطبت أو سُرقت قبل الذبح أن لا يجب عليه شيء.
وإذا صح أن الاعتبار بالذبح وجب أن تُراعى صحة أعضائها في حال الذبح، فإذا كان في أعضائها نقص في تلك الحال لم تجزئه، وإن كانت سليمة الأعضاء أجزأت.
قالوا: وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: إذا هلك قبل أن يبلغ الحرم، فإن كان تطوعاً فليس عليه بدل، وإن كان هدي متعة والصيد والكفارات فعليه البدل.
ونقل عنه في موضع آخر في البدنة تهلك قبل أن تبلغ الحرم: فإذا كانت نذراً أو جزءاً صيد أبدلهما، ويأكل، وإن شاء باع، وإن كان تطوعاً لم يأكل.
والجواب: أن هذا باطل بحال الذبح؛ فإنها لو هلكت في تلك الحال وجب أخرى مكانها، ولو عابت لم يمنع الإجزاء.
ثم نقول: إذا عين أضحية بالنذر، فعطبت قبل الذبح، لم تلزمه أخرى مكانها.
نص عليه في رواية حنبل، فقال في الهدي إذا عطب في الحرم: فقد أجزأ عنه إلا ما كان من التمتع، فأما ما كان من نذره، أو تطوع؛ فإنه يُجزئ عنه.
وكذلك نقل علي بن سعيد في رجل اشترى أضحية، فهلكت:

ليس عليه بدلها، فإن اشترى أخرى، ثم وجد الأولى يذبحهما جميعاً على الحديث.
فإن قيل: فما معنى قول الخرقي: ولو أوجبها ناقصة وجب عليه ذبحها، ولم تجزه.
قيل له: معناه: لم تجزه عن الشرعية، ولم يرد أن عليه بدلها.
واحتج بأن حدوث العور قبل حال الذبح يمنع الإجزاء، كما لو كان قبل الإيجاب.
والجواب: أن المعنى هناك: أن العيب كان قبل الإيجاب، وهاهنا حدث بعده، فهو كما لو حدث في حال الذبح.
واحتج بأن الأضحية على ضربين: واجبة، ومسنونة.
وقد ثبت بأنه لو أفرد شاة، ونوى أن يضحي بها تطوعاً، ثم حدث بها نقص قبل الذبح، فإذا حدث النقص قبل حال القربة منع الإجزاء، والتقرب في الأضحية الواجبة حال الإيجاب، وإذا حدث النقص بعده لم يؤثر.
واحتج بأنه لو ثبت في ذمته هدي، فعينه في حيوان، فعاب،

فإنه لا يجزئه، كذلك ما كان معيناً حال الإيجاب.
وقد قال في رواية أبي داود: من ساق الهدي من جزاء، أو قران، أو واجب، فعطب، أو مات، فعليه البدل.
والجواب: أن الواجب هناك حصل ابتداء في معين، وهاهنا حصل ابتداء في غير معين، وفرق بينهما بدليل: أنه لو قال: لله علي أن أعتق هذا العبد، فعاب عبده، أعتقه، وأجزأه، ولو وجب في ذمته عتق رقبة عن كفارة، فعين رقبة ليعتقها، فعابت لم تجزه، كذلك هاهنا.
......

241 -

مسألة

فإن فقأ رجل عين الهدي تصدق بالأرش:

وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يأخذ النقصان ويبيعه؛ ليشتري بالثمن وبالأرش هدياً صحيحاً.
دليلنا: أن المسألة مبنية على أن حدوث العور بعد الإيجاب لا يخرجه من كونه هدياً.
وذهب المخالف إلى أنه قد خرج بالعور من أن يكون هدياً، وقد تعلق به الإيجاب، ولا يمكن ذبحه، وجب أن يبدل بثمنه وأرشه هدياً مكانه.

242 -

مسألة

إذا قال: (لله علي أن أتصدق بفدية) ولم ينوِ شيئاً، ولم ينحرها إلا في الحرم:

وقال أبو حنيفة: ينحرها حيث شاء.
وى خلف أنه لو قل: لله علي أن أتصدق بجزور؛ أن له نحره حيث شاء، و [لو] قال: أهدي بدنة، أو جزوراً؛ أنه يختص نحره بالحرم.
فالدلالة على المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: 36] إلى قوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ﴾ [الحج: 33]، وذلك عام في البدن كلها سواء كانت هدياً، أو غيرها.
فإن قيل: البدن المذكور في هذه الآية هي بدن القران والمتعة بدليل قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: 28]، وليس له أن يأكل من النذر.
ثم قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29]، والبدن التي ترتب عليها هذه الأفعال هي التي للقران والمتعة.
قيل له: قوله ﴿وَالْبُدْنَ﴾ عام، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ تخصيص بعض ما شمله الاسم، وذلك لا يوجب تخصيص أوله.
واحتج المخالف بأن البدنة اسم للبقرة، أو الجزور، وسُميت بذلك لأجل البدانة، وهي الجُثة، وليس في ذكرها ما يوجب إراقة دمها

في الحرم، وفي مكان دون مكان، فهو كقوله: على جزور أو بقرة.
وليس كذلك قوله: علي هدي؛ لأن نفس اللفظ يقتضي إهداء إلى موضع، فلهذا اقتضى الحرم؛ لأن الموضع الذي يُهدى إليه هو الحرم، كأنه قال: لله علي أن أهدي إلى الحرم.
والجواب: أن نفس اللفظ في قوله: (علي جزور أو بقرة) لا يقتضي اختصاص الموضع، وليس كذلك في قوله: بدنة؛ لأن نفس اللفظ يقتضي اختصاصاً بموضع بدليل ما ذكرنا من قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ﴾ [الحج: 36] إلى قوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33].
......

243 -

مسألة

فإن غصب شاة، فذبحها لمتعته، أو قرانه، ثم أجازه مالكها، أو ضمنها، لم يجز:

وقال أبو حنيفة: تجزئ.
دليلنا: أن ذلك الذبح لم تتعلق به قربة في الابتداء، فلا يصير قربة في الثاني، كما لو ذبح شاة لا ينوي بها هدياً، ولا أضحية، ثم نوى بها في الثاني؛ أنها لا تجزئه عما نوى.
وكذلك لو أعتق عبداً لا ينوي به كفارة، ثم نوى عن الكفارة؛ أنها لا تجزئه.

واحتج المخالف بأنه لما غصبها تعلق عليه الضمان، فإذا ضمن قيمتها بعد الذبح يملكها من وقت الغصب، فصارت كأنها ملك له من ذلك الوقت، فتجزئ عنه، ألا ترى أنه لو غضب عبداً، فباعه، ثم ضمن قيمته؛ أنه يجوز لهذه العل؟ ولو التقط لُقطة، فعرفها حولاً، ثم تصدق بها، فجاء صاحبها، واختار تضمين الملتقط؛ أنه يجزئ عنه، ويصير كأنه تصدق بملك نفسه، كذلك هاهنا.
والجواب: أنا لا نقول: إنه يملكها من وقت الغصب بالضمان، ولهذا نقول: إنه إذا ضمن قيمة العبد الآبق لم يملكه الغاصب، ولو باعه لم يصح بيعه.
وأما اللقطة إذا تصدق بها، فإنما صحت صدقته؛ لأنه مأذون له فيها حين التصدق؛ لأنه مخير بين التملك والصدقة، والقربة حاصلة حين الفعل، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه غير مأذون له حين الذبح، فالقربة غير حاصلة.
......

244 -

مسألة

إذا حج، ثم ارتد، ثم أسلم، فعليه حجة الإسلام، ولا يُعتد بما كان فعله:

نص عليه في رواية ابن منصور.

وهو قول أبو حنيفة.
وقال الشافعي: لا حج عليه.
دليلنا: أن هذه الحجة سُميت في الشريعة حجة الإسلام، وعُلقت به، وقد تجدد له إسلام، فتجب له حجة.
ولأنها توبة من كفر، فوجب أن يلزم بعدها حجة بوجود شرائطها.
دليله: الكافر الأصلي.
ولأنها عبادة يجوز أن تلزم في الإسلام الأول، فجاز أن تلزم في الإسلام الثاني بعد أدائها في الأول، كالصوم والصلاة والزكاة.
فإن قيل: تلك العبادات تتكرر في الإسلام الواحد، وهذه لا تتكرر.
قيل: الشهادة لا تتكرر في إسلام واحد، وتجب في الإسلام الثاني.
ولأنها عبادة لا تفعل في العمر مع استمرار الإسلام إلا مرة، فوجب إعادتها بعد الرِّدَّة، كالإيمان.
فإن قيل: لا يُعلم إيمانه إلا بالشهادتين، وليس كذلك الحج؛ لأنه لا يُعلم إيمانه به.
قيل له: الإسلام الأول لا يُعلم به إيمانه، ومع هذا يجب عليه الحج، كذلك في الإسلام الثاني.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: 275]. والجواب: أن هذا في الرِّبا؛ من أسلم فله ما قبض منه، ويسقط

ما لم يقبض، روي ذلك عن السدي وغيره، وأول الآية شاهد على ذلك.
واحتج بما روي عن الأقرع بن حابس قال: الحج مرة، أو أكثر؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "بل مرة".
والجواب: أن الذي نقول: إن الحج المعتد به مرة، وما تقدم الردة لا يُعتد به عندنا، كالحجة التي جامع فيها.
واحتج بأنه أسقط فرض حجة الإسلام، فلم تلزمه إعادتها.
دليله: ما تقدم.
والجواب: أنا لا نسلم: أن الفرض سقط، بل هو من أعاد عندنا؛ لأن الردة تؤثر بعد الفراغ من العبادات، كما تؤثر إذا تخللتها.
ثم المعنى في الأصل: أنه لا يلزمه تجديد الإسلام، فلم تلزمه إعادة الحج، ولما كان المرتد مأموراً بفعل الإسلام لزمه الحج بعده بوجود الزاد والراحلة، كما يلزم في الإسلام الأول.
واحتج بأن المسألة مبنية على أن الردة تُحبط العمل عندنا، وعندكم لم تُحبط ما مضى من عمله، فلا وجه لإيجاب حجة ثانية.

والجواب: أن ما مضى من توحيده لم يبطل، ومع هذا فيلزمه توحيد ثانٍ، كذلك في الحج.

جارٍ التحميل