فعلى هذا: لا يصح السؤال.
وقال شيخنا أبو عبد الله: لهما ذلك.
فعلى هذا: الفسخ هناك لحق السيد؛ لما عليه من الضرر من تعطيل خدمته، وتفويت كسبه ومنافعه، وبالحصر والتحلل يزول هذا المعنى، فلهذا كان له ذلك، وهذا المعنى معدوم في المرض.
......
228 -
مسألة
إذا شرط المحرم: أنه إذا مرض، أو أخطأ العدد: أن محلي حيث حبستني، جاز له التحلل عند وجود الشرط، وكذلك إن شرط: إن حصرني عدو، تحلل، ولا دم عليه.
فيستفيد بالشرط عند المرض والخطأ التحلل وإسقاط الدم، وعند العدو إسقاط الدم:
وقد نص على هذا في رواية مهنا والمروذي والميموني.
وهو قول الشافعي.
وقال لي أبو بكر الشامي: مذهب الشافعي: إن حُصر بعدو جاز له التحلل، وعليه دم؛ سواء شرط التحلل في إحرامه، أو لم يشرط.
وإن حصره المرض لم يجز له التحلل، وإن شرط التحلل، فهل يجوز له التحلل؟ على قولين.
فإن قلنا: يجوز له التحلل، فهل يسقط عنه الدم؟ على وجهين.
وقال أبو حنيفة ومالك: اشتراطه كلا اشتراط، ولا يحل إلا بالهدي في قول أبي حنيفة، وفي قول مالك لا يستفيد التحلل أصلاً في المرض وخطأ العدد.
دليلنا: ما تقدم من حديث ضُباعة، وأنه أمرها بالشرط، ففيه دلالة على جواز التحلل به من المرض، ودلالة على إسقاط الدم؛ لأن على قول أبي حنيفة لها أن تحل بغير شرط، فلا فائدة له على أصله إلا سقوط الهدي عنها.
فإن قيل: من الناس من يقول: إن محله لا يكون حيث حُبس، ويبقى حراماً حتى يطوف، فأفادنا هذا الخبر بطلان هذا المذهب، وأن كل من أُحصر فحكمه أن يحل من حيث حُبس.
قيل له: من يذهب إلى ذلم لا يفرق بين أن يشترط في إحرامه، وبين أن لا يشترط، فيجب أن يكون للأمر بالاشتراط فائدة، ولا فائدة له غير ما قلنا.
وأيضاً للشرط تأثير في إسقاط العبادات ولزومها في الشرع، بدلالة أن من قال: إن شفى الله مريضي، فلله علي أن أصوم، فإذا أطلق ذلك لزمه الصوم سواء شفى الله مريضه، وهو صحيح، أو سقيم.
وإن قال: إن شفى الله مريضي، فعلي صوم يوم إن كنت صحيحاً؛
فإنه إن كان مريضاً حال شفائه، لم يلزمه الصوم.
فأثر الشرط في إسقاط الصوم عنه، كذلك -أيضاً- جاز أن يكون له تأثير في الحج في إباحة التحلل.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، وهذا عام سواء شرط، أو لم يشرط.
والجواب: أنه محمول عليه إذا لم يشرط؛ لما ذكرنا من حديث ضُباعة.
فإن قيل: هذا من أخبار الآحاد، فلا يجوز أن يعترض على الآية.
قيل له: هذا تخصيص، وتخصيص الآية بخبر الواحد يجوز.
فإن قيل: لم يثبت تخصيصها بالاتفاق، ولا يجوز تخصيصها بخبر الواحد.
قيل له: يجوز عندنا.
واحتج بأنه لو أطلق الإحرام، ولم يشترط شيئاً، لم يحل إلا بالهدي، فإذا شرط لم ينتف موجب الإطلاق بالشرط، ألا ترى أنه لما كان موجب الإطلاق يوجب الطواف عند الفوات، لم ينتف ذلك الواجب بالشرط في إحرامه؛ أنه إن فاته الحج حل بغير طواف، ولم يكن لهذا الشرط حكم، كذلك لو شرط أنه إن فسد الحج، لم يقضه، لم يصح هذا الشرط، وكذلك هذا.
والجواب: أنه إذا شرط حين إحرامه أن يحل إن عرض له عارض؛ من مرض، أو ضياع نفقة، أو ضل الطريق، أو أخطأ العدد، أو فاته الحج، فله التحلل.
وقد قال أحمد في رواية مهنا: إذا قال عند الإحرام: محلى حيث حبستني، فأصابه شيء، أو أُحصر، أو مرض، أو ذهبت نفقته، [....] فأحل: لا شيء عليه.
فهذا غير مسلم، بلى إذا شرط: إن أفسد لم يقضه، لم يصح الشرط.
وكذلك إن شرط: أن لي أن أحل متى شئت، لم يصح؛ لأنه لا عذر له في ذلك.
وليس كذلك ما ذكرنا؛ لأن له عذراً فيه، فجاز أن يستفيد به التحلل بالشرط، ألا ترى أن الحصر والمرض لما كان عذراً استفاد به التحلل؟ كذلك هاهنا.
واحتج من قال: لا يجوز له التحلل بالشرط بعموم قوله: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196].
والجواب: أن هذا محمول على غير حالة الشرط بما ذكرنا.
واحتج بأن كل معنى لم يجز التحلل معه متى لم يشرط، لم يجز، وإن شرط.
أصله: ضلال الطريق، وعكسه: العدو.
والجواب: أنا لا نسلم ذلك، وقد ذكرنا في ما قبل.
واحتج بأن كل عبادة لم يصح الخروج منها بالمرض عند عدم الشرط، لم يجز عند وجوده، كالصلاة.
وعكسه: الصوم.
والجواب: أنه إنما لم يخرج منها بالمرض عند الشرط وعدمه؛ لأنه يمكنه الإتيان بها على حسب حاله، ويجزئه، فلا يستفيد بالخروج منها فائدة، وهو [....] فصح الخروج منه.
......
229 -
مسألة
لا تحج المرأة إلا مع ذي محرم:
نص عليه في رواية الجماعة؛ الأثرم، والمروذي، وابن منصور، وحرب، وابن القاسم، وبكر بن محمد، وأبي داود، والميموني:
فقال في رواية الأثرم: [المحرم] من السبيل، فإن كان لها محرم حج بها، وإن كره الزوج، إذا كانت الحجة فريضة.
ونقل ابن منصور عنه في امرأة موسرة ليس لها محرم، فقال: المحرم من السبيل.
ونقل حرب عنه في امرأة لها مال، وليس لها محرم؛ هل تحج؟ قال: لا، إلا مع محرم، قال تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، وهذه لا تستطيع.
وقال في رواية أبي داود في امرأة موسرة، لم يكن لها محرم؛ هل وجب عليها الحج؟ فقال: لا.
وقال في رواية المروذي في امرأة لها خمسون سنة، وليس لها محرم: لا تخرج إلا مع محرم.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال مالك والشافعي: إذا كان معها نساء ثقات، فلها أن تحج بغير محرم.
ومن أصحاب الشافعي من قال: لا اعتبار بالمحرم، ولا بنساء ثقات، ولها أن تخرج وحدها إذا كان الطريق آمناً.
وهذا خلاف نص الشافعي.
دليلنا: ما روى أبو بكر في كتاب "الشافي" بإسناده عن عبد الله بن عباس قال: إن رجلاً قدم المدينة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلّم: ["أين نزلت؟ "،
فقال: على فلانة]، فقال: "أغلقت عليك بابها؟ أغلقت عليك بابها؟ لا تحجن امرأة إلا مع ذي محرم".
فإن قيل: يحمل ذلك على حجة التطوع، وإذا لم يحصل الأمن إلا به.
قيل له: هذا التخصيص بغير دلالة.
على أن ظاهره يقتضي السفر الذي يجوز لها الخروج منه بوجود المحرم؛ أذن الزوج، أو لم يأذن، وهذا لا يكون إلا في سفر الفرض.
وروى -أيضاً- بإسناده عن ابن عباس قال: جاء رجل [إلى] النبي صلى الله عليه وسلّم، فقال: إن امرأتي خرجت إلى الحج، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: "انطلق، فاحجج مع امرأتك".
فوجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلّم أمره أن يترك الفرض لأجله، فلولا أنه شرط لم يأمره بذلك.
وروى -أيضاً- بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لا يحل لامرأة مُسلمة تُسافر سفراً إلا ومعها ذو محرم".
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم:
"لا تسافر المرأة بريداً إلا مع ذي محرم".
وروى -أيضاً- بإسناده عن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لا تسافر المرأة مسيرة يوم إلا مع ذي محرم".
وروى بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذُو حرمة منها".
وروى بإسناده عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "لا تُسافر امرأة فوق ثلاث إلا مع ذي محرم".
وبإسناده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لا تسافر المرأة سفراً؛ ثلاثة أيام فصاعداً، إلا مع زوجها، أو ابنها، أو أخيها، أو ذي محرم".
فإن قيل: ألفاظ هذا الحديث مختلفة:
فروي: سفراً.
وروي: بريداً.
وروي: يوماً.
وروي: ليلة.
وروي: ثلاثة أيام.
وروي: فوق ثلاث.
وهذا يدل على اضطرابه، فوجب اطراحه.
قيل له: هذا لا يوجب اطراحه؛ لأنا نقول بجمعها، وليس فيها ما يعارض الآخر؛ لأن السفر الطويل والقصير سواء عندنا في اعتبار المحرم.
والقياس أنها أنشأت سفراً في دار الإسلام، فوجب أن لا يجوز بغير محرم.
دليله: حجة التطوع، والتجارة.
وفيه احتراز من الهجرة؛ لأنها ليست في دار الإسلام.
وفيه احتراز من البكر إذا زنت؛ أنها تبقى بغير محرم، وإذا توجه عليها حق، وهي عايبة؛ فإن الحاكم يحضرها، وإن لم يكن لها محرم؛ لقولنا: أنشأت، وهذا إنما يكون مع الاختيار، وتلك خروجها بغير اختيار، فلا يلزم على العلة.
وإن شئت قلت: كل سفر منعت منه العدة، ومنع منه عدم المحرم.
دليله: ما ذكرنا.
فإن قيل: روى الكرابيسي عن الشافعي: أن لها الخروج مع
المسلم إذا كان الطريق آمناً من غير محرم لحجة التطوع.
قيل له: ليس بمعول عليه في المذهب، والمشهور عنه: أنه لا يجوز لها ذلك.
فإن قيل: لا يجوز اعتبار الفرض بالتطوع، ألا ترى أنه يجوز للزوج أن يمنع زوجته من التطوع في الصلاة والصيام والحج وليس له منعها من الفرض؟ كذلك هاهنا.
قيل له: العدة قد منعت من سفر الحج الفرض، كما منعت من سفر التطوع ومن التجارة، وإن اختلفا من الوجه الذي ذكرت، كذلك لا يمتنع أن يختلفا هاهنا.
على أنا لا نسلم وجوب الحج على إحدى الروايتين مع فقد المحرم، فالسفر إليه غير واجب.
وقياس آخر، وهو: أنه لما لم يجز لها أن تخرج بحجة التطوع والتجارة، لم يجز لها أن تخرج بحجة الإسلام.
دليله: المعتدة.
فإن قيل: العدة فرض مضيق، والحج موسع، فقُدم أداء العدة على أداء الحج، وليس كذلك إذا وُجد الأمن، وعُدم المحرم؛ فإن ذلك لا يؤثر.
قيل له: الحج عندنا فرض مضيق، كالعدة؛ لأنه على الفور.
وعلى أنا إذا قسنا على المعتدة من الطلاق لم تصح هذه المعارضة؛
لأن عندنا أنه لا يتعين قضاؤها في بيت زوجها، بل يجوز أن تعتد حيث شاءت، فليست هاهنا فرضاً مضيقاً.
وعلى أن ترك الخلوة بالأجانب فرض مضيق، فوجب أن تقدم على الحج الموسع على [....] قولهم.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، فعلق وجوب الحج بوجود الاستطاعة.
وقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلّم عن الاستطاعة، فقال: "هي الزاد والراحلة".
وهذا خارج مخرج البيان، ومن حكم البيان أن يكون شاملاً لجميع ما أريد بيانه، والنبي صلى الله عليه وسلّم قصد إلى بيان حكم جميع المخاطبين بالحج، فلو قلنا: إن المحرم شرط في وجوب الحج على المرأة، لكان النبي صلى الله عليه وسلّم قد ترك لحكم بعض المخاطبين به، وهذا لا يجوز.
والجواب: أن وجوب الحج عليها متعلق بوجود الزاد والراحلة، والمحرم شرط لحال السفر وجواز الخروج، كما نقول: لو وجدت زاداً وراحلة وجب عليها الحج، فإن كانت معتدة لم يجز لها أن تخرج، فجعلنا خلوها من العدة شرطاً في جواز الخروج، لا في الوجوب، كذلك المحرم.
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية أبي جعفر محمد بن أبي حرب الجرجرائي: وقد سُئل عن المرأة لا يكون لها ولي؛ هل تعطي من يحج عنها، فقال: قد أيست؟ قيل: نعم، قال: تعطي من يحج عنها في حياتها.
وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم في امرأة ليس لها محرم؛ هل تدفع إلى رجل؛ ليحج عنها؟ فقال: إذا كانت قد يئست من المحرم، فأرى أن تجهز رجلاً يحج عنها.
وظاهر هذا: أنه أوجب الحج عليها، وإن لم يكن لها محرم؛ لأنه أمرها بإخراج حجة عن نفسها.
وقال في رواية أبي داود: وقد سُئل عن امرأة موسرة، لم يكن لها محرم؛ هل وجب عليها الحج؟ قال: لا.
وظاهر هذا: أن المحرم شرط في أصل الوجوب.
فعلى هذا يحمل بيان النبي صلى الله عليه وسلّم للسبيل بالزاد والراحلة في حق الرجال دون النساء بدليل ما ذكرنا من الأخبار.
أو يحمل ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلّم بين الشرط الذي يعم جميع الناس، ولم يبين الشرط الذي يخص، ألا ترى أنه لم يبين عدم العدة، ولا وجود نساء ثقات.
أو يحمل على أنه بين الشرط الذي يحتاج إليه في سفر الحج،
والمحرم يُعتبر في كل سفر، فلا اختصاص له بسفر الحج.
واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله".
والجواب: أنه قال: "وبيوتهن خير لهن"، فلو جاز لها الخروج بغير محرم، لكان الخروج خير لها من كونها في بيتها؛ لأنها تخرج لأداء الفرض.
على أنا نمنعها على صفة، وبنيحها على صفة أخرى، ولا يكون هذا منعاً من المسجد [....]، ويباح ظاهراً.
واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال لعدي بن حاتم، وهو يرغبه في الإسلام: "يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة بغير جوار حتى تَحج البيت".
وروى: "حتى تطوف بالكعبة".
وهذا يدل على جواز خروجها بغير محرم؛ لأنه لم يشترط المحرم.
والجواب: أنه أخبر: أنها تخرج، وليس فيه دلالة على أن لها أن تخرج، وإنما قصد إلى الأخبار عن ما يؤول إليه حال الناس من الأمن
وزوال الخوف وطيب الزمان، حتى لو خرجت المرأة وحدها لم تخف إلا الله، ولا دلالة في ذلك على جواز خروجها بغير محرم.
يبين صحة هذا: ما روي في خبر آخر: أنه قال: "يُوشك أن تخرج الظعينة من القادسية إلى اليمن لا تخاف إلا الله".
ولا خلاف أنها لا تخرج لغير الحج بغير محرم.
فإن قيل: النبي صلى الله عليه وسلّم قصد إلى مدح الزمان الذي يأتي في المستقبل، فلو كان هذا فعلاً مذموماً، لما مدح الزمان الذي يقع فيه، كما لا يمدح الزمان الذي يُشرب فيه الخمر، ويكثر فيه الزنا.
قيل له: أليس أخبر: أنها تخرج من القادسية إلى اليمن؟ ولا خلاف أن خروجها إلى اليمن بغير محرم فعل مذموم.
وعلى أنه قد روي في الخبر: "لا تخاف إلا الله"، فذكر خوفاً يختص الخروج، وذلك الخوف؛ لأنها خالفت الواجب، وحجت بغير محرم.
يبين هذا: أن الإنسان يجوز أن يخاف الله في كل أحواله، وهاهنا ذكر خوفاً يخص الخروج، وما ذلك إلا ما ذكرنا.
واحتج بأنه سفر واجب، فوجب أن لا يكون من شرطه المحرم.
دليله: الهجرة، وخروجها للنفي، وحضورها مجلس الحاكم.
وقد نص أحمد على أن المحرم ليس بشرط في ذلك، فقال في روية الأثرم: المرأة تنفى بغير محرم.
وكذلك نقل المروذي عنه تُنفى المرأة بغير محرم.
ونقل ابن القاسم عنه: لا تحج امرأة إلا مع ذي محرم، فقيل له: فإن وجب عليها حق، وليس ثم حاكم؛ أليس يُخرج بها إلى الحاكم؟ فقال: ليس يشبه هذا أمر الحج.
والجواب: أن الهجرة آكد من السفر للحج بدلالة أن لها أن تهاجر، وهي معتدة، وليس لها أن تخرج إلى الحج، وهي معتدة، وبدلالة أنه لا يُعتبر في حقها زاد أو راحلة، وتعتبر في الحج.
ولأن المهاجرة تخاف على نفسها من المقام بين المشركين، فجُوِّز لها الخروج، وهذه تخاف على نفسها من الخروج؛ لأنها تصير معرضة للأجانب، وليس معها من يدفع عنها.
يبين صحة هذا: أن المعتدة إذا خافت من المقام في منزل زوجها، جاز لها الانتقال، ثم لا يجوز لها أن تنتقل مع عدم الخوف، كذلك هاهنا.
وأما خروجها للنفي ففيه روايتان:
نقل المروذي عنه: أنها تُنفي إلى موضع لا تقتصر فيه الصلاة.
فعلى هذا: ليس هناك سفر كامل.
ونقل ابن منصور وأبو طالب والأثرم: تُنفى مسافة تقصر فيها الصلاة.
فعلى هذا: ذلك السفر عقوبة، فجاز أن لا يُعتبر المحرم فيه تغليظاً عليها.
وأما حضورها مجلس الحاكم في بلد آخر، فظاهر كلام أحمد: أنه لا يُعتبر فيه المحرم.
قال في رواية ابن القاسم: لا تحج إلا مع ذي محرم، فقيل له: أليس إذا وجب عليها حق من الحقوق يُخرج بها إلى الحاكم في ذلك؟ قال: ليس يشبه هذا أمر الحج؛ هذا حق لازم يقام عليها مثل الحدود.
وظاهر هذا: أنه لم يعتبر المحرم في ذلك، وكان الفرق بينهما أن حضوره حق لآدمي، فهو أغلظ، وهذا حق لله تعالى، فهو أضعف.
واحتج بأن كل عبادة لم يُشترط المحرم في وجوبها لم يُشترط في أدائها، كالصوم والصلاة.
والجواب: أنا قد حكينا روايتين: إحديهما: أنها شرط في الوجوب.
فعلى هذا: لا نسلم الوصف.
وإن قلنا: ليس بشرط، فلا يمتنع أن يكون من شرائط السفر ولزوم الأداء، كامرأة ثقة هي شرط في أدائها، وليس بشرط في وجوبها.
وقد نص على ذلك الشافعي، فقال: إذا وجدت المرأة الزاد والراحلة، وكانت مع نساء ثقات في طريق آمن، عليها الحج، وإن لم يكن معها محرم.
ثم نقول بموجبه، وأنه ليس بشرط في أدائها، وإنما شرط في قطع السفر بدلالة المكية بغير محرم.
ثم نقلب العلة فنقول: فاستوى نفلها وفرضها.
دليله: ما ذكره؛ لأن سائر العبادات لا تعلق للمحرم بأدائها، فلم يشترط فيها، وهذه للمحرم تعلق بأدائها، ألا ترى أنها تخاف على نفسها متى انفردت بالسفر، فلذلك شرط فيها.
ولهذا المعنى اعتبر أحمد المحرم في حق من تخاف أن ينالها الرجال، فقد [قال] في رواية أحمد بن إبراهيم الكوفي: وقد سُئل عن الجارية: متى لا يحل لها أن تسافر إلا مع ذي محرم؟ فقال: إذا كان لها سبع سنين، أو قال: تسعة.
واحتج بأنه لا يخلو إما أن يكون الاعتبار بالمحرم؛ لأنه لو كان
موجوداً، ولا أمن هناك لم يجب عليها.
والجواب: أن الاعتبار بالأمن؛ إلا أن المرأة لا تأمن إلا باستقامة الطريق ووجود محرم تأمن فيه العيبة من الأجانب، وليس يمنع أن تختلف صفة الأمن باختلاف الناس، ألا ترى أن الطريق الآمن يجب سلوكه للحج لعامة الناس، وإن كان منهم من يخاف لشيء يخصه لم يجب عليه؟
واحتج بأنه لو كان المحرم شرطاً في حج المرأة لاستوت فيه العجوز والشابة، كسائر الشرائط.
وقد نقل المروذي عنه: أنه قد سئل عن امرأة كبيرة، ليس لها محرم، وقد وجدت قوماً صالحين، فقال: إن تولت هي النزول، ولم يأخذ رجل بيدها، فأرجو.
والجواب: أن ذلك شرط في حق العجوز والشابة، وقد رواه المروذي عنه في موضع آخر في امرأة لها خمسون سنة، وليس لها محرم: لا تخرج إلا مع محرم، أرجو أن تُرزق، لعلها تتزوج.
ونقل الميموني عنه: أنه حُكي له قول مالك: العجوز تخرج مع عجائز مثلها، فقال: من فرق بين العجوز والشابة؟
وكذلك نقل حرب عنه في امرأة قد كبرت، وليس لها محرم:
لا تحج إلا مع محرم.
واحتج بأنه لو كان المحرم شرطاً في ابتداء سفرها كان شرطاً في استدامته، وقد قال أحمد في رواية الأثرم وأبي الحارث وابن إبراهيم: إذا مات محرمها في الطريق مضت لحجها.
والجواب: أن هذا يبطل بحجة النفل، وسفر التجارة؛ فإن المحرم معتبر في ابتدائه دون استدامته كذلك هاهنا.
فصل:
وقصير السفر وطويله سواء في اعتبار المحرم.
نص عليه في رواية بكر بن محمد، عن أبيه، عن أحمد: وقد سئل عن حديث ابن عباس في من وقع بأهله، وهو محرم، يحجان من قابل، فإذا بلغا الموضع الذي واقعها فيه تفرقا.
قيل: أليس قد صارت بغير محرم؟ فقال: نعم، لا يعجبني هذا إلا أن يكون معها محرم غير الزوج إذا فارقها.
قال: والسفر عندي، ولو كان ساعة، ابن عباس يروي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: "لا تُسافر سفراً".
ذكرها أبو بكر الخلال في كتاب "العلل".
وروى الميموني عنه: وقد سئل: تحج المرأة من مكة إلى منى
بغير محرم؟ فقال: لا يعجبني.
قيل له: لم؟ قال: لأن مذهبنا أن لا تسافر امرأة سفراً إلا مع ذي محرم.
وكذلك نقل ابن منصور عنه قال: لا تسافر سفراً.
وقال أبو حنيفة: المحرم شرط في السفر الطويل، وهو الذي تُقصر فيه الصلاة، وهو مسيرة ثلاثة أيام عنده.
دليلنا: ما تقدم من حديث ابن عباس: "لا تحجن امرأة إلا مع ذي محرم".
وهذا عام في القصير والطويل.
وحديث أبي هريرة: "لا يحل لامرأة تسافر سفراً إلا مع ذي محرم".
وفي لفظ آخر: "لا تسافر بريداً إلا مع ذي محرم".
والبريد أربع فراسخ.
وفي لفظ آخر: "لا تُسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم".
وهذه الأخبار نص في النهي عن السفر القصير كالطويل.
ولأنه سفر يبيح صلاة النفل على الراحلة، ويبيح التيمم عند عدم
الماء، فلم يجز بغير محرم.
دليله: إذا كان قدره ثلاثة أيام.
الماء، فلم يجز بغير محرم.
دليله: إذا كان قدره ثلاثة أيام.
ولا يلزم عليه سفر الهجرة، والمنفية للزنا، ومن لزمها حضور مجلس الحاكم؛ لأنه لا يستوي في ذلك الأصل والفرع في إسقاط اعتبار المحرم.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه سفر صحيح، وليس كذلك هاهنا؛ فإنه بخلافه؟
قيل له: لا نسلم هذا؛ لأن أحكام السفر عندنا تتعلق بستة عشر فرسخاً.
وعلى أن حكم السفر فيه، وهو الصلاة على الراحلة والتيمم، وكان إلحاقه بهذين الحكمين أولى من غيره؛ لما فيه من الاحتياط.
وعلى أن تلك الأحكام لا تلحق بها المشقة في القصير، ويُخاف عليها أن ينالها الرجال في القصير.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "لا تُسافر المرأة فوق ثلاث إلا مع ذي محرم".
فاعتبر الثلاث، فدل على أن ما دونه لا يُعتبر فيه المحرم.
والجواب: أن نطقه يقتضي: أنها لا تسافر فوق ثلاث بغير محرم،
ودليله يقتضي جواز ذلك بغير محرم في ما دونه.
وقد روينا في لفظ آخر: "لا تُسافر يوماً ولا ليلة إلا مع ذي محرم".
وهذا لفظ خاص، فهو يقتضي على الدليل.
واحتج بأنها مسافة لا تستباح فيها رخصة السفر، فلم يُشترط المحرم فيها.
دليله: أطراف البلد.
والجواب: أنه لم يوجد هناك سفر، فلم يعتبر المحرم، وهاهنا قد وُجد بدليل أنه يستبيح به الصلاة النافلة على الراحلة، وجواز التيمم عند عدم الماء عندهم، ولا يستبيح ذلك في البلد المتباعد الأطراف.
......
230 -
مسألة
إشعار البُدن من الإبل والبقر وتقليدها مسنون:
نص عليه في رواية حنبل والمروذي وابن إبراهيم.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يُكره الإشعار، وهو مُثلة.
دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" أنا هشيم، أنا أصحابنا؛ منهم
شعبة، عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أشعر بدنته من الجانب الأيمن، ثم سلت الدم عنها، وقلدها نعلين.
ورواه حنبل بلفظ آخر عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم لما أتى ذا الحُليفة أشعر الهدي، ثم شق السنام، وأماط عنه الدم، وقلده، وأحرم بالحج.
ورواه حنبل بإسناده عن مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة: أن النبي صلى الله عليه وسلّم خرج في عام الحُديبية في بضع عشرة مئة، فلما كان بذي الحُليفة قلد الهدي، وأشعره، وأحرم منها بالعمرة.
وروى حنبل بإسناده عن القاسم، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أشعر بذي الحُليفة.
فإن قيل: روي عن عائشة: أنها قالت: إن شئت فأشعر، وإن شئت فلا، وإنما أشعر النبي صلى الله عليه وسلّم ليُعلم أنها هدي إذا ضلَّت.
فأخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلّم أشعر هديه؛ ليكون ذلك علامة لها، ومخالفنا يقول: إنه فعله على أنه نسك.
قيل له: هذا دليلنا؛ لأنها أخبرت: أن النبي صلى الله عليه وسلّم أشعر؛ ليكون
علامة، ونحن نستحب الإشعار لما فيه من العلامة، ونقول: إن النبي صلى الله عليه وسلّم فعل لهذا المعنى، ونقول: إن شاء فعل، وإن شاء ترك؛ لأنه ليس بواجب، فكان قول عائشة حجة لنا.
فإن قيل: هذا منسوخ بنهي النبي صلى الله عليه وسلّم عن المثلة، وهذا من المثلة.
قيل له: لا يجوز حمله على النسخ مع إمكان الاستعمال، والنسخ يحتاج إلى النقل والتوقيف، ونحن نبين وجه نهي النبي صلى الله عليه وسلّم عن المثلة في ما بعد.
وجواب آخر، وهو: أنه لو كان منسوخاً لما أشعرت الصحابة، ولا أمرت بذلك، وقد روى حنبل بإسناده عن ابن عمر قال: ما لم تُشعر، ولم تقلد، فليس بهدي.
وفي لفظ آخر عنه قال: البدن ما قُلِّد وأُشعر ووُقِف بعرفة، وإلا فإنما هي ضحايا.
وبإسناده عن نافع قال: أدركت الناس والبقر تُشعَر في أسنمتها، فما لم يكن لها سنام أُشعرت في موضع السنام.
وهذا إشارة إلى الصحابة وغيرهم.
فإن قيل: يحتمل أن يكون أشعروا في الوقت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلّم يشعر.
قيل له: ما روينا عن ابن عمر يقتضي أن يكون بعد النبي صلى الله عليه وسلّم؛ لأنه ابتداء قول من جهته، وبيان عن مسنون ذلك، وهذا لا يكون منه في وقت النبي صلى الله عليه وسلّم، ونافع لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلّم، فهو يخبر عما شاهد، وإنما كان هذا بعد النبي صلى الله عليه وسلّم.
فإن قيل: ففيهم من لم يُشعر.
قيل له: من لم يُشعر منهم نحمل أمره على أن تركه رخصة ليس بواجب.
فإن قيل: فقد روي عن إبراهيم النخعي: أنه كان يكره الإشعار.
ومن أصلنا: أن التابعي إذا أدرك زمن الصحابة، وسوغوا الاجتهاد في الحوادث، كان خلافه عليهم خلافاً، وكان إبراهيم يفتي في زمن الصحابة، وقد تقدم على كثير منهم.
وعن الأعمش أنه قيل له: لم أقللت مجالسة أنس بن مالك.
فقال: كنت أترك إبراهيم، وأجالس أنساً.
قيل له: لا نوافقك على هذا الأصل، ولا يكون خلافه عليهم خلافاً؛ [لما] لهم من المزية من مشاهدة التنزيل وحضور التأويل.
ويبين صحة هذا: أن قول الصحابي حجة عندنا وعند أبي حنيفة، وقو الشافعي ليس بحجة.
وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث: لا يُصلي بين التراويح.
واحتج بما روي عن عُبادة وأبي الدرداء، فقيل له: فعن سعيد والحسن:
أنهما كانا يريان الصلاة بين التراويح؟ فقال: أقول لك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم، وتقول التابعين!
وقال أبو عبد الله القواريري: سمعت أحمد يذاكر رجلاً، فقال: الرجل: قال عطاء.
فأخذ نعله، وقام، وقال: أقول لك: قال ابن عمر، وتقول: قال عطاء! من عطاء؟ ومن أبوه؟
فإن قيل: يحتمل أن يكون بالبدنة داء، فودجها.
قيل له: التوديج ليس بإشعار.
ولأنه لو كان ذلك للتوديج لما تلاوه بنفسه، بل كان يأمر غيره به، وإنما الإشعار يتولاه بنفسه؛ لأنه سنة.
وأيضاً في الإشعار فوائد منها: أنه إذا [....] فاختلطت بغيرها، أو ضلت، استدل بذلك عليها.
ومنه أنه إذا قصد سارق، فرأى ذلك منها، تحرج عن أخذها.
ومنها أنها ربما تعطب، فتُنحر، وتُترك في موضعها، فإذا رأى المساكين عليها علامة الهدي أخذوها.
فاستحب ذلك، كما يُستحب التقليد عندهم لهذه المعاني، بل الإشعار أقوى؛ لأنه علامة لازمة لا تزول، والتقليد يزول بأن سقط عنها.
فإن قيل: التقليد يُغني عن ذلك.
قيل له: لا يغني؛ لأنه ليس بلازم.
ولأنه إيلام سليم لامتياز حق الله -تعالى- عن حق الآدمي، أشبه الكي في أفخاذ إبل الصدقة والجزية.
ولأنه إيلام سليم لغرض صحيح، فجاز فعله، كالفصد والحجامة.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه نهى عن المثلة.
بدلالة: أنه أشعر في غير حال الإحرام كان مثلة.
والجواب: أن هذا محمول على المثلة لغير غرض بدليل ما ذكرنا، وخبرنا أولى؛ لأنه خاص في موضع الخلاف.
واحتج بأنه هدي ساقه إلى الحرم، فلم يكن من سنته الإشعار.
دليله: الغنم.
والجواب: أن المخالف فرق بينهما، فاستحب التقليد في البدن، ولم يستحبه في الغنم، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر.
ولأن إبل الصدقة والجزية تُكوى في أفخاذها للعلامة، ولا تُكوى الغنم.
ولأن الإشعار لا يفيد في الغنم؛ لأن الدم يخفي في صوفه، فلا يتبين.
ولأن التقليد فيه كفاية في الغنم؛ لأنها لا تقوى على قطعه، وليس كذلك البدن؛ فإنها تقطعه، فجمع بين التقليد وبين الإشعار.
واحتج بأن فيه إيلام الحيوان، وهو منهي عنه في غير حال الإحرام، فوجب أن يكون منهياً عنه في حال الإحرام، كما لو قطع عضواً منه.
والجواب: أن القطع مخوف على الحيوان منه.
ولأن القطع لا يحتاج إليه.
ولأن الإشعار يغني إليه.
ولأنه لا يمتنع أن لا يُقطع، ويُشعر، كما قالوا في إبل الصدقة وإبل الجزية: تُوسم في أفخاذها، ولا تقطع.
واحتج بأن الإحرام يزيد تغليظاً وتأكيداً في حظر الأشياء قد كانت مباحة من قبل الإحرام، فوجب أن يكون الإحرام مؤكداً لحظره، ولا يوجب إباحته.
والجواب: أن الإشعار غير مُحرم قبل الإحرام إذا احتيج إليه لإبل الجزية، ونعم الصدقة، وهاهنا حاجة.
ولأن الإيلام لغرض غير محرم، كالحجامة والفصاد ونحوها.
......
231 -
مسألة
وصفة الإشعار: أن يشق صفحة سنامها الأيمن في أصح الروايات:
نص عليه في رواية ابن منصور، فقال: تشعر البدن صفحة سنامها الأيمن، وذكر حديث ابن عباس.
وهو قول الشافعي.
والثانية: أن يشق صفحة سنامها الأيسر حتى يظهر الدم.
نص عليه في رواية حنبل، فقال: لا ينبغي للرجل أن يسوق بدنة حتى يشعرها من شقها الأيسر، ويجللها بثوب أبيض، ويجعل في عنقها نعلاً أو علاقة سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأصحابه.
وبه قال أبو يوسف ومحمد.
ونقل المروذي عنه: وقد سُئل: من أين تشعر البدنة؟ فقال: مثل فعل ابن عمر، أي من الشقين فعل فهو جائز.
وكذلك نقل أبو إسحاق بن إبراهيم عنه: أنه قال: من أين أشعرت البدنة فهو جائز بحديث ابن عمر.
وظاهر هذا: أنه مُخير في صفحتها اليمنى واليسرى، وليس أحدهما بأولى من الآخر.
وجه الأولى: ما تقدم من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلّم أشعر
بدنته من الجانب الأيمن.
ولأن التيامن مستحب في كثير من الأشياء.
ووجه الثانية: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا أهدى هدياً من المدينة قلده وأشعره بذي الحليفة؛ فقلده قبل أن يشعره، وذلك في مكان واحد، [وهو] موجه إلى القبلة، يقلده نعلين، ويشعره من الشق الأيسر، ثم يُساق معه حتى يُوقف به مع الناس بعرفة.
والجواب: أن ما روينا عن النبي أولى من فعل ابن عمر.
واحتج بأن هذه ملاقاة النجاسة، فكان اليسار به أولى.
والجواب: أنه يبطل بالذبح؛ فإنه يستحب باليد اليسار، وهو ملاقاة نجاسة.
......
232 -
مسألة
التقليد مسنون في الغنم:
نص عليه في رواية حنبل، وابن منصور، وابن إبراهيم:
فقال في رواية حنبل: تُقلد الغنم.
فقيل له: فتُشعر؟ فقال: ما سمعنا أن الغنم تشعر، ولكن الإبل والبقر.
وقال في رواية ابن منصور: وقد سئل: تقلد الشاة؟ فقال: النبي صلى الله عليه وسلّم أهدي غنماً فقلدها.
وقال في رواية ابن إبراهيم: وقد سئل عن الغنم إذا قُلدت، يذهب بها إلى عرفة؟ فقال: إن شاء ذهب بها، وإن شاء لم يذهب.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: التقليد ليس بمسنون.
دليلنا: ما روى حنبل بإسناده عن عائشة قالت: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم من الغنم بيدي هاتين، ثم لا نحتنب شيئاً مما يجتنبه المحرم.
فإن قيل: ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلّم أمرها بذلك.
قيل له: هذا لا يخفى على النبي صلى الله عليه وسلّم.
وروى أبو داود بإسناده عن الأسود، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أهدى غنماً، مُقلدة.
فإن قيل: يحتمل أن تكون قُلدت للحفظ، وهذه عادة جارية في الغنم.
قيل له: لا يصح؛ لأنه نقل تقليد معلق بالهدي، فلو كان القصد به الحفظ، لم يختص به الهدي.
وعلى أن نستحب ذلك لما فيه من زيادة الحظ للهدايا.
فإن قيل: يحتمل أن يكون هذا في أول الأمر، ثم نُسخ، وقد روي عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلّم أهدي غنماً مُقلدة مرة.
وروي عن الزهري وعطاء: أن ذلك كان في صدر الإسلام.
قيل له: النسخ يحتاج إلى توقيف، وليس هاهنا ما يدل عليه.
وعلى أن حنبل روى بإسناده عن عطاء قال: كانت الغنم تدم مكة مقلدة.
وفي لفظ آخر: رأيت الغنم تُقلد، وإنها لتعرفه.
وروى عن عبيد الله بن أبي زيد قال: رأيت الغنم تقدم مكة مقلدة.
وروي عن هشام، عن أبي جعفر قال: رأيت الكباش تقلد.
وهذا الانتشار عنهم يمنع النسخ.
فإن قيل: هذا يدل على جواز فعله، وأن فاعله لا يُنكر عليه، ونحن نقول هذا، وخلافنا هل هو مسنون، أم لا؟ وليس في ذلك ما يدل عليه.
قيل له: لا يجوز أن يجتمعون على مثل هذا إلا ويكون قربة؛ لأنه في معنى التلاعب، ولو شد الخيط على رجلها كام مباحاً، ولم يفعلوا ذلك حيث لم يكن فيه قربة.
ولأنه نوع هدي من النعم، فوجب أن يُستحب تقليده.
أصله: الإبل والبقر.
يبين صحة هذا: أن الإبل والبقر إنما قُلدت؛ لئلا تنفر، فتختلط بغيرها، فتتميز بذلك، وهذا في الغنم أولى؛ لأنها أكثر نفوراً من الإبل؛ لأن الإبل تقاد بأزمتها، والغنم مخلاة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: 2]، فعطف القلائد على الهدي، وقد ثبت أن البدن مراده بقوله: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾، فيجب أن يكون الهدي غير القلائد؛ لأن الشيء يعطف على غيره، ولا يعطف على نفسه، فلو كان من سنة الغنم التقليد، لكان قد عطف القلائد على نفسه، وإذا ثبت أنها غير القلائد، وقد جعل الله -تعالى- من صفتها أن تكون مقلدة، ولم يجعل ذلك من صفة الهدي، عُلم أنها لا تُقلد.
والجواب: أن الله -تعالى- ذكر الهدي وأراد به الإبل والغنم إذا
كانت مقلدة، ولا يمتنع أن يكون المراد بالثاني الأول، ويعطف عليه لاختلاف اللفظ، كما قال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68].
وقال الشاعر:
فألفى قولها كذباً ومينا
والمين هو الكذب.
وعلى أن [....].
قال: القلائد في رقاب البهائم [....].
واحتج بأن الناس كانوا يهدون الغنم في زمان النبي صلى الله عليه وسلّمكما كانوا يهدون الإبل، فلو كان تقليد الغنم ثابتاً، لورد النقل به، ورووه كتقليد البدن، فلما لم يرد النقل به متواتراً عُلم أنه غير ثابت.
والجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يهدي الإبل أكثر من هدي الغنم، فلهذا كان النقل في الإبل أظهر وأشهر.
......
233 -
مسألة
ليس من شرط الهدي أن يُوقف بعرفة، ولا الجمع بين الحل والحرم، فإذا اشتراه في الحرم، ونحره في الحرم، ولم يُعرف به، أجزأه:
نص عليه في رواية أبي طالب في الغنم والبدن: إن لم يذهب بها؛ يعني: إلى عرفة، وليس عليه شيء، قول عائشة للأسود: إن شئت وقفت، وإن شئت لم تقف.
وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم.
وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك: إذا كان محرماً بالحج؛ فإنها تساق من الحل إلى الحرم، وتوقف بعرفة، فإن لم يقفها بعرفة إلا أنه جمع بين الحل والحرم، أجزأه.
فالاعتبار عنده بالجمع بين الحل والحرم.
دليلنا: أن الهدي مشتق من الهدية، والهدية ما أُهدي، فإذا أهداه من ملكه إلى منحره، فقد أهدى.
ويبين هذا: قول النبي صلى الله عليه وسلّم: "المبكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة" إلى قوله: "كالمهدي بيضة"، فدل على أن هذا اسم لغوي وشرعي.
ولأن النحر قد وُجد في الحرم بسبب الإحرام، فأجزأه، كما لو ساقه من الحل إلى الحرم، ونحره فيه.
واحتج المخالف بما روى عطاء قال: عرف رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالبدن الذي كان أهداها.
والجواب: أن هذا محمول على طريق الاستحباب، ونحن نستحب ذلك لتراها الناس.
واحتج بما روى نافع، عن ابن عمر: أنه كان يقول: الهدي ما قُلد، وأشعر، ووقف بعرفة.
وفي لفظ آخر عنه: من اشترى يوم النحر ناقة، أو بدنة، لم يقفها بعرفة، فإنما هي ضحية.
وروى إبراهيم، عن الأسود: أنه أرسل إلى عائشة يسألها: أنعرف بالبدنة؟ قالت: نعم.
وعن ابن الحنيفة قال: عرفوا بها.
والجواب: أن أبا بكر النجاد روى أيضاً بإسناده عن الأسود قال: أرسلنا إلى عائشة غلاماً لنا يُقال له: معبد، فقال: معنا هدي، فقالت: ما استطعتم أن تعرفوا فعرفوا، وما لم تستطيعوا فدعوه.
وروى عن ابن الزبير: أنه اشترى عشرة من البدن، فأصابتها صاعقة
بعرفات، فاحترقن، فاشترى مكانها بمنى حتى نحرهن.
وهذا يعارض ما رووه.
واحتج بأنه لم يجمع فيه بين الحل والحرم، فلم يجز، كما لو نحره في الحل.
والجواب: أن الحل ليس بمحل تحلله، فلهذا لم يكن محلاً لنحره، وهذا بخلافه.
واحتج بأن الإحرام شرطه الجمع بين الحل والحرم، كذلك الهدي.
والجواب: أنا نقول: لم كان كذلك؟
على أنه لما كان إلحاقه بالإحرام أولى من إلحاقه بالطواف والسعي والرمي، وجميع ذلك ليس من شرطه الجمع بين الحل والحرم؟!
......
234 -
مسألة
أي موضع نحر من الحرم أجزأه:
نص عليه في رواية ابن القاسم: وذُكر له قول مالك: إذا لم يقف بها نُحرت بمكة، فقال: مكة ومنى، وأخذ ابن عباس يقول: نُزهت مكة عن الدماء.
وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك: لا يُنحر في الحج إلا بمنى، ولا في عمرة إلا بمكة.
دليلنا: حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "فجاج مكة كلها
طريق ومنحَر".
وقوله: "فجاج مكة"، لم يرد نفس بنيان مكة، وإنما أراد به الحرم، والفج الطريق، فقد أخبر أن فجاجها منحر، فدخل فيه جملة الحرم.
ولأنه نحر في الحرم، فأجزأه، كما لو نحر بمكة، أو بمنى.
فإن قيل: مكة بقعة شريفة، ولهذا تختص بالنُّسك، فجاز أن تختص بالنحر.
قيل: ليس في النحر تشريف لها، بل تنجيس.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33].
وقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95].
وظاهر هذا: أنه لا يجوز نحره في غيره.
والجواب: أن هذا لا يمنع جواز الذبح في غير مكة، كما لم يمنع عنده جواز ذلك بمنى.
واحتج بما روى جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "عرفة كلها موقف، ومُزدلفة كلها موقف، ومنى وفجاج مكة كلها طريق ومنحر".
فخض مكة ومنى بالنحر، فدل على أنه لا يجوز النحر في غيرهما.
والجواب: أن تخصيصها بالذكر لا يمنع غيرهما، كما خص الأشياء
الستة بتحريم الربا، ولم يدل على أن غيرها ليس في حكمها.
على أنه قد جعلناه حجة لنا.
واجتج بأن مكة مخصوصة بالبيت وبالطواف، ومنى خصت بالرمي والمبيت بها لبقاء االنسك، وليس هذه المزية لغيرهما من الحرم، فجاز أن يختصا بالذبح.
والجواب: أن تخصيصها بهذه الأفعال فضيلة، وليس في تخصيصها بالذبح فضيلة لما ذكرنا، وهو أنه تلويث مكان شريف بالنجاسة، ولهذا روى عطاء، عن ابن عباس قال: المنحر بمكة، ولكنها نُزهت عن الدماء.
فإن قيل: فلم استحببتم النحر بها.
قيل: ليكون اللحم غضاً طرياً لأهلها، وإذا ذبح خارجاً منها في بعض الحرم ربما فات ذلك.
......
235 -
مسألة
يجوز أن يشترك السبعة في البدنة والبقرة سواء كان هديهم تطوعاً، أو واجباً، سواء اتفقت جهات قربهم، أو اختلفت، وكذلك إن كان بعضهم متطوعاً، وبعضهم عن واجب، وكان بعضهم يريد اللحم، وبعضهم متقرباً:
نص على هذا في رواية حنبل: لا بأس أن يشرك القوم في البقرة
عن سبعة أهل البيت وغيرهم، وذكر حديث جابر: كنا نذبح البقرة عن سبعة.
وقال في رواية مهنا في سبعة اشتركوا، فقال أحدهم: أريد حصتي لحماً، لا أريد أضحية، وقال الستة: هي عنا جميعاً، فنحروها على هذه الحال: تجزئهم، وإن كانوا سبعة، فقال ستة: نريد حصتنا لحماً، وقال الواحد: بل هي أضحية، فنحروها على هذه الحال: تجزئ الواحد، ولا تكون أضحية وفرضاً للستة.
وقال في رواية حرب في ثلاثة اشتروا بقرة، فذبحوها على أنهم إن جاءهم شركاء شاركوهم بعد الذبح، فجاءهم قوم، فشاركوهم في ذلك اللحم: أجزأ عنهم.
وقال في رواية ابن القاسم في جماعة اشتروا بدنة؛ لينحروها عنهم، وهم يظنون أنهم سبعة، فإذا هم ثمانية: يشترون شاة أخرى، فتكون البدنة والشاة عندهم، ويجوز إن شاء الله.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن كانوا مُتقربين صح الاشتراك، وإن كان