التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 483-23

واحتج بأنه لما جاز أن يكون شاهدًا في عقد النكاح، جاز له أن يكون عاقدًا، كالمحل.
والجواب: أن أحمد قال في رواية حنبل: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب"، ومعناه: لا يشهد النكاح، فعلى هذا: لا نسلم.
وإن سلمنا ذلك، فلا يمتنع جواز شهادته، وإن لم يجز عقده، كالمحرم يجوز أن يكون شاهدًا في شراء الصيد، ولا يجوز أن يكون عاقدًا، ويجوز أن يكون المصلي شاهدًا في عقد النكاح، ولا يجوز أن يكون عاقدًا.
ولأن الشاهد لا فعل له في العقد، وإنما يعتبر سماعهما للإيجاب والقبول، وليس كذلك القابل والموجب]............. [عاقدان بقولهما، فكان حكمهما أغلظ من حكم الشهادة.

97 -

مسألة

لا تصح الرجعة في حال الإحرام في أصح الروايتين:

نقلها أحمد بن أبي عبده، والفضل بن زياد، وحرب.

وروى عبد الله عنه جواز ذلك.
وهو قول مالك والشافعي.
وجه الأولى: أنه عقد يتوصل به إلى استباحة بضع مقصود في عينه، فمنع] منه [الإحرام.
دليله: عقد النكاح.
ولا يلزم عليه شراء الأمة؛ لأنه ليس القصد منه استباحة البضع، وإنما القصد الملك.
ولا يلزم عليه المظاهر إذا كفر في حال الإحرام؛] فإنه [يصح، وإن كان يتوصل به على الإباحة؛ لأنه ليس القصد منها الاستباحة، وإنما القصد إسقاط ما وجب في ذمته؛ لأن عندهم لو قال: أنت علي كظهر أمي، ثم طلقها ثلاثًا، وجبت الكفارة في ذمته.
وعلي أنا قلنا: عقد، والتكفير ليس بعقد.
فإن قيل: كيف يجوز أن تقولوا: إن الرجعة سبب يتوصل به] إلى [استباحة البضع، وعندكم أنها مباحة؛ لأن الطلاق الرجعي لا يوجب التحريم؟! قيل: في ذلك روايتان: نقل أبو داود عنه أنه قال: أكره أن يرى شعرها.
وظاهر هذا يقتضي أنها محرمة عنده، فعلى هذا: لا يصح السؤال.

ونقل أبو طالب عنه: لا تحجب عنه.
وقال في رواية أبي الحارث: تتشوف له ما كانت في العدة.
وظاهر هذا: أنها مباحة، فعلى هذا: الرجعة تتعلق بها استباحة الوطء؛ لأنه لو تركها حتى مضت المدة حرم وطؤها، فإذا راجعها استباح بالرجعة الوطء بعد مضي مدة العقد.
فإن قيل: الرجعة لا توجب ابتداء تملك البضع، وإنما توجب بقاء البضع في ملكه بدلالة: أن العبد لا يحتاج إلى إذن المولى في الرجعة، ويحتاج إلى إذنه في ابتداء العقد، والإحرام لا يمنع بقاء الملك، وإنما يمنع ابتداء الملك، فلهذا صحت الرجعة، ولم يصح ابتداء العقد.
قيل: الرجعة توجب استباحة مبتدأة، ولهذا قال مخالفنا: إذا وطئها الزوج في مدة العدة قبل الرجعة كان عليه مهرها.
فلو كان الملك باقيًا لم يلزمه المهر، كما لا يلزمه بعد الرجعة.
فإن قيل: فالدلالة على بقاء الملك: أن خصائص الملك باقية بدلالة وقوع الطلاق، وصحة الظهار، واللعان، والإيلاء، والإرث.
قيل: والدلالة على أنها في حكم الملك المبتدأ ثبوت المهر عندك بوجود الوطء، والمهر لا يجب إلا في حق أجنبية.
وعلى أن بقاء الملك لا يدل على جواز الرجعة لوجود المانع من النكاح.
ألا ترى أن الردة لا تمنع بقاء الملك على البضع مادامت العدة

باقية، ومع هذا تمنع من الرجعة؛ لأنها تمنع من النكاح، كذلك ههنا؛ لما كان الإحرام يمنع النكاح منع من الرجعة.
وعلى أن الطلاق لا يختص الملك عندنا، ولهذا يقع في النكاح الفاسد، وكذلك اللعان يقع بالوطء في النكاح الفاسد، وكذلك الظهار ينعقد قبل النكاح.
فإن قيل: المعنى في النكاح: أنه يفتقر إلى الولي والشهود، والرجعة لا تفتقر إلى ذلك.
قيل: عقد الشراء على الصيد لا يفتقر إلى ذلك، ومع هذا لا يصح.
على أن الشهود إنما اعتبروا في عقد النكاح احتياطًا للنسب خوف التجاحد، وهذا المعنى معدوم في الرجعة؛ لأن السبب ثابت بالعقد السابق، والولي شرط خوفًا] أن [تضيع نفسها في غير كفء، وقد أمن ذلك في الرجعة.
فأما نفس الرجعة، فإن معناها ومعنى النكاح سواء، وهو أنها تدعو إلى الجماع، أو أنها استباحة مقصودة.
فإن قيل: الرجعة تزيل التحريم العارض في عقد النكاح، ويستباح الوطء بعقد النكاح، فهي بمنزلة أن يكفر المظاهر، فيحل له الوطء، ويكون الوطء مستباحًا بعقد النكاح، والتكفير مزيل للتحريم العارض في النكاح.
قيل: الرجعة استباحة مبتدأة من الوجه الذي بينا، وأما التكفير

فإنما جاز في حال الإحرام لوجهين: أحدهما: ليس القصد بها استباحة الوطء.
الدلالة على ذلك: أنه لو وطئ، ثم طلق، أو ماتت الزوجة، لزمه إخراج الكفارة، وإن كان الاستمتاع معدومًا في المستقبل، والنكاح القصد منه الاستمتاع، وذلك معدوم حال الإحرام.
والثاني: أنه لا يمنع أن تجوز الكفارة في حالة لا تجوز فيها الرجعة، كما أن الكفارة قد تجوز عندهم في حالة لا يجوز عقد النكاح بدليل أن من تحته أربع زوجات قد ظاهر من إحداهن، وأراد أن يكفر عن ظهاره جاز، ولو أراد أن يعقد عليها عقد النكاح لم يجز، وكذلك لو كانت معتدة، وهي تحته بأن تكون وطئت بشبهة صح أن يكفر عن ظهاره، ولا يصح أن يعقد النكاح في مثل تلك الحالة، وكذلك في حالة الإحرام.
وطريقة أخرى، وهو: أنه لما منع من ابتداء عقد النكاح، منع استصلاحه، ألا ترى أن الصيد لما منع ابتداء تملكه، منع استصلاحه، وهو إذا باع المحل بشرط الخيار، ثم أحرم، فاختار الفسخ، لم يصح، كما لم يصح ابتداء تملكه.
فإن قيل: الفسخ هناك ابتداء تملك؛ لأن ملكه زال بالبيع،

والملك هاهنا لم يزل.
قيل: قد ثبت أنه في حكم ما قد زال ملكه بدليل وجوب المهر.
وطريقة أخرى، وهو: أن كل من لم يصح منه عقد النكاح، لم تصح منه الرجعة، كالصبي، والمجنون.
ولا يلزم عليه العبد؛ أنه لا يملك العقد بنفسه، ويملك الرجعة؛ لأن العبد في الجملة يصح منه عقد النكاح، لكن بإذن سيده، والمحرم لا يصح منه العقد بحال.
وإنما فرقنا بين العقد والرجعة في حق العبد، وسوينا بينهما في حق المحرم؛ لأن المانع من النكاح عدم الإذن، وذلك معدوم في الرجعة؛ لأن إذنه في النكاح يقتضي استدامته، والملك باق في حق الرجعية، والمانع من النكاح هو الإحرام، وذلك موجود في الرجعة، فهو كالردة يمنع العقد والرجعة.
وطريقة أخرى، وهو: أن الرجعة من دواعي الجماع، أشبه لطيب.
فإن قيل: هي مباحة عندكم، فكيف يكون من دواعي الجماع؟ قيل: قد بينا: أنها تؤثر في الاستباحة، وهو تحصيلها فيما بعد العدة.
وطريقة أخرى، وهو: أن المقصود بالرجعة الاستمتاع، كما أن المقصود بشراء الصيد ملكه، فلما لم يصح تملكه، لم يصح شراؤه، كذلك الرجعة.
وطريقة أخرى، وهو: أن المعتدة في حال الإحرام محرمة الوطء

بدواعيه، فلم يصبح رجعية منها.
دليله: المعتدة في حال الردة، والمعتدة عن طلاق رجعي إذا وطئت بشبهة، ووجب عليها عدة الوطء؛ فإنه لا يصح الرجعة عليهما جميعًا، وكذلك هاهنا.
ولا تلزم عليه المطلقة في الصيام والحيض، ولأن هناك لا تحرم دواعي الوطء من الطيب والقبلة، وكذلك الاعتكاف.
وإن شئت قلت: تحريم يمنع عقد النكاح فمنع الرجعة.
دليله: ما ذكرنا.
وهذه العبارة أجود.
فإن قيل: المعتدة من غيره، هل تصح رجعتها؟ على وجهين.
والمرتدة لا تصح رجعتها وجهًا واحدًا.
قيل: المشهور عندك في المعتدة: أنها كالمرتدة؛ لا تصح رجعتها.
فإن قيل: تحريم الزنا آكد؛ لأنه يؤول إلى زوال النكاح، والإحرام لا يوجب زواله.
قيل: فالمعتدة من غيره لا توجب زوال النكاح، ولا تصح رجعتها.
وعلى أنه إن لم يوجب زوال النكاح، فقد منع من ابتداء النكاح،

كما منعت العدة والردة.
على أن على الأصل تبطل بمن علق طلاقها بمجيء الشهر، ثم طلقها؛ فإنه تصح رجعتها، وإن كانت جارية إلى فرقة.
فإن قيل: إذا كانت في عدة غيره إنما لم تصح الرجعة؛ لأنه قد يظهر بها حمل، فتكون معتدة من غيره، وتتأخر عدتها منه، فلهذا لم تصح الرجعة.
قيل: فلو لم يظهر بها، فإنها تكمل عدتها أولًا، ثم من الزوج، ثم من الواطئ، ومع هذا فلا تصح الرجعة وهي في بقية عدتها منه.
واحتج المخالف بأنه عقد لا يفتقر إلى الولي، ولا إلى الشهود، أشبه الشراء.
والجواب: أنه يبطل بشراء الصيد.
وعلى أنا قد بينا العلة في إسقاط الولي والشهود وثبوتها في الرجعة، والمعنى في الشراء: أنه نوع لا يقصد به استباحة البضع، وهذا بخلافه.
واحتج بأنها زوجة بدليل أن أحكام الزوجات باقية في حقها من الطلاق والظهار والإيلاء والتوارث.
والجواب: أن من أحكام الزوجات سقوط المهر بوطئها، وجواز المسافرة بها، وإباحتها، واعتبار مدة الإيلاء والعنة في حقها، وهذا معدوم هاهنا.

98 -

مسألة

إذا أحرم بالحج من مكة؛ إما أن يكون متمتعاً، أو من أهل مكة، ففي حقه طواف قدوم مسنون، لكنه لا يطوف طواف القدوم حتى يرجع] من [مني:

نص عليه في رواية الأثرم وحرب فقال في متمتع قدوم بعمرة، فطاف بها، ثم حج من مكة: يطوف إذا رجع من منى، ولا يطوف قبل خروجه، أذهب إلى حديث جابر: أنهم طافوا بعدما رجعوا من منى.
وبه قال مالك.
ونقل ابن منصور عن أحمد: أنه يجوز الطواف قبل الرجوع، فقال: وقد سئل عن طواف المكي قبل المغرب، فقال: لا يخرج من مكة حتى يودع البيت، وطوافه للحج بعد أن يرجع من منى.
وكذلك نقل أبو داود، وحكى لي بعض الشافعية: أنه ليس في حق المكي، ولا المتمتع طواف قدوم؛ لا في حالة إحرامه، ولا بعد رجوعه من منى.
فالدلالة على أن في حقه طواف قدوم: أنه إحرام بحج، فشرع فيه طواف القدوم.
دليله: المفرد إذا قدم من بلده.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه يوجد في حقه معناه، وهو القدوم، وهذا معدوم في من أحرم من مكة.

قيل: بل يوجد معناه أيضاً، وهو قدومه من منى، ولهذا قلنا يؤخره حتى يقدم من حل.
فإن قيل: فالمفرد والقادم من بلده لم يتعين عليه طواف الفرض،] و [ليس كذلك هاهنا؛ لأنه بعد قدومه من منى قد تعين عليه طواف الفرض، فسقط طواف القدوم، كما سقطت تحية المسجد في حق من أحرم بالفرض.
قيل: هذا يبطل بطواف الوداع؛ فإنه لا يسقط في حق من تعين عليه طواف الزيارة، بل قالوا: إذا أراد أن ينفر إلى بلده عقيب طواف الزيارة شرع في حقه طواف الوداع، كذلك القدوم.
وأما تحية المسجد فتفارق الطواف؛ لأنه لو كان في ذمته صلاة مفروضة، ودخل المسجد، فأخر فعل الفريضة، لم تسقط تحية المسجد] عنه [بحصول الفرض في ذمته، وعلى قول المخالف: إذا كان في ذمته طواف الزيارة سقط طواف القدوم.
وقياس آخر، وهو: أن طواف القدوم يفعل إذا لم يتعين عليه غيره، فشرع فعله، وإن تعين عليه غيره.
دليله: طواف الوداع؛ يفعله عند انصرافه سواء كان طواف الزيارة باقياً في ذمته،] أ [وكان قد فعله، كذلك هاهنا.
] و [لأن طواف القدوم تحية المسجد الحرام، كما أن الركعتين تحية

لسائر المساجد، ثم ثبت أن تحية المسجد] مسنونة [في حق من في ذمته صلاة مفروضة إذا أخر فعلها حتى الدخول، كذلك الطواف؛ يجب أن يكون مسنوناً في حق من في ذمته طواف واجب.
والدلالة على تأخيره بعد قدومه: ما احتج به أحمد: فروى الأثرم بإسناده عن جابر قال: قدم رسول الله "صل الله عله وسلم"، فلما طفنا بالبيت وبالصفا والمروة قال: ((اجعلوها عمرة إلا من كان معه هدي)) فلما كان يوم التروية أهلوا بالحج، فلما كان يوم النحر طافوا.
وروي بلفظ آخر عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله "صل الله عليه وسلم"، فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعدما رجعوا من منى لحجهم.
وروى الأثرم بإسناده عن نافع قال: كان ابن عمر إذا أهل من مكة لم يرمل البيت، ولم يسع بن الصفا والمروة حتى يرجع من منى، وإذا جاء مهلاً بالحج رمل بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة.
وروى بإسناده عن عطاء، عن ابن عباس قال: طواف من قدم مكة قبل أن يخرج إلى عرفات، وطواف من أهل من مكة بعدما يرجع من عرفة.

ولأنه إحرام يتضمن طواف، فلم يشرع الطواف إلا بعد قدومه من حل.
دليله: الإحرام بالعمرة.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الإحرام بها من الحل، فلهذا كان الطواف بعد مجيئه منه، وهاهنا إحرامه من الحرم، فلهذا كان عقيبه.
قيل: إذا وجد في الحرم لم يوجد معناه، والذي قو القدوم، فلهذا لم يطف، ألا ترى أن طواف الوداع لما لم يوجد معناه في حق المكي لم يطف؛ لأن معناه الانصراف؟ كذلك هاهنا.
فإن قيل: هذا الطواف غير واجب، فعلى أي وجه أوقعه جاز.
قيل: طواف العمرة الثانية غير واجب، ولا يصح إلا بعد دخوله من الحل.

99 -

مسألة

استلام الركن اليماني مسنون:

نص عليه في رواية الأثرم فقال: لا يستلم إلا اليماني والحجر الأسود، ويقبل الحجر الأسود، ولا يقبل اليماني.
وقال -أيضاً- في رواية حنبل: يستحب أن يستلم الركن اليماني

الذي يلي الحجر الأسود، ولا ستلم غيرهما.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: ليس بسنة.
دليلنا: ما روى عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله "صل الله عليه وسلم" كان يستلم الركن اليماني الأسود في كل طواف، ولا يستلم الآخرين الذين مما يلي الحجر.
وفي لفظ آخر: لم أر رسول الله "صل الله عليه وسلم" يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين.
وروى جابر: أن النبي "صل الله عليه وسلم" بدأ بالحجر الأسود فاستلمه، وفاضت عيناه من البكاء حتى انتهى إلى الركن الآخر، واستلمه، ورمل ثلاثاً، ومشى أربعاً.
وروى ابن عباس: أن رسول الله "صل الله عليه وسلم" لم يستلم غير الركنين اليمانيين.
وروى معاوية -أيضاً- استلم رسول الله "صل الله عليه وسلم" الركنين اليمانيين.

رواه أحمد في ((علل أبي بكر الخلال)).
فإن قيل: تحمل هذه الأخبار على الاستحباب.
قيل له: هذا يرفع الخلاف.
ولأن معنى قولنا: أنه مسنون؛ معناه: أنه مستحب، فإذا قال: قلتم: أنه مستحب، فقد اتفقنا على الحكم، واختلفنا في عبارة، ولا فائدة في ذلك.
وأيضاً فهو إجماع الصحابة؛ روي عن عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس: أنهم استلموا الركن اليماني، وقلبوا أيديهم، ولا يعرف لهم مخالف.
والقياس أنه ركن مبني على قواعد إبراهيم، فوجب أن يكون استلامه مسنوناً قياساً على الركن الذي فيه الحجر الأسود، وعكسه الركنان الآخران.
فإن قيل: لو كان بمثابة الركن الأسود لكان من سنته التقبيل، كما كان من سنته ذلك.
قيل له: إنما اختص الحجر الأسود بالتقبيل لفضيلته على اليماني؛ لأن الحجر فيه وفيه فضائل، ولأنه يبدأ به ويختم، به فجاز أن يختص بالقبلة.

فإن قيل: فهذا المعنى الذي أوجب تخصيصه بالاستلام.
قيل له: هذا المعنى يوجب اختصاصه بمزية على غيره من وجه من الوجوه، ولا يوجبه من جميع الوجوه، وهذا كما قلنا وإياهم: وإن الجرم يساوي الكعبة في أنهما] أمان [لمن دخلهما وهو قاتل، وإن كان للكعبة مزية من وجه آخر، وهو: أنها قبلة المصلين، ومحل للطائفين، وكذلك إحرام الحج آكد من إحرام العمرة, وقد تساويا في أحكام.
واحتج المخالف بأنه ركن لا يسن تقبيله، فلا يسن استلامه.
أصله: الركن العراقي والشامي.
ولأنه ركن لا يجب الافتتاح به، أو ركن لا يجب العود إليه؛ يعني: عند الفراغ من الطواف، أشبه ما ذكرنا.
والجواب: أن هذا قياس يعارض السنة.
على أن المعنى في الأصل: أنهما غير مبنيين على قواعد إبراهيم.
وقد روت عائشة: أن النبي "صل الله عليه وسلم" قال: ((إن قومك حين بنوا الكعبة

اقتصروا عن قواعد إبراهيم)) فقلت: يا رسول الله! أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال: ((لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت)).
والذي دل على أن العلة ما ذكرنا: ما روى سالم عن أبيه قال: ما أرى ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم.
ذكره أحمد في ((كتاب المناسك)) عن ابن عمر، عن عائشة.
] و [ذكره ابن المنذر أيضاً.

100 -

مسألة

إذا استلم الركن اليماني لم يستحب تقبيل يده:

نص عليه في رواية الأثرم فقال: يضع يده، فقيل له: ويقبل؟ فقال: يقبل الحجر الأسود، فقيل له: كيف يصنع في استلام الحجر من لم يقدر على تقبيله؟ قال: إن قدر مسه بيده، وقبل يده.
دليلنا: ما روى جابر قال: استلم رسول الله "صلى الله عليه وسلم" الركن

اليماني، ولم يقبله.
ولأن كل ركن لم يسن تقبيله لم يسن تقبيل ما لمسه، كالعراقي والشامي، وعكسه الحجر الأسود.
ولأن تقبيل المواضع الشريفة خلاف القياس، هكذا قال عمر: إنك حجر لا تضر، ولا تنفع، فلم يجز إثبات ذلك إلا بتوقيف، ولا توقيف في ذلك.
واحتج المخالف بأن هذا ركن سن استلامه، فيسن تقبيل اليد بلمسه، كالأسود.
والجواب: أن الأسود لما سن تقبيله سن تقبيل ما لمسه، وهذا لما لم يسن تقبيله لم يسن تقبيل ما لمسه، بل هذا أولى؛ لأنه إذا لم يباشر بالقبلة، فأولى أن لا يقبل ما لمسه.

101 -

مسألة

إذا لم يقدر على تقبيل الحجر، وضع يده عليه، ثم وضعها على فيه، وقبلها:

نص عليه في رواية الأثرم قال: يضع يده على الحجر

الأسود، ثم يقبل يده.
وقال في رواية ابن منصور: وقد سئل عن تقبيل اليد إذا لمس الحجر فقال: لا بأس به.
فظاهر هذا: أنه جائز غير مكروه، ولا مستحب.
وقال مالك: يضعها على فيه من غير تقبيل.
دليلنا: ما روى الأثرم بإسناده عن عطاء: أنه رأى أبا سعيد وابن عمر وجابر وأبا هريرة يستلمون الركن، ثم يقبلون أيديهم، قال: قلت: وابن عباس؟ فقال: وابن عباس -حسبت- كثيراً.
وهذا إجماع منهم.
وأيضاً رواه البرقاني بإسناده عن ابن عباس قال: طاف رسول الله "صل الله عليه وسلم" حول البيت على بعير ثم استلم الحجر بمحجن معه، ثم قبله.
وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناده عن ابن عمر: كان رسول الله "صل الله عليه وسلم" يستلم الركن بمحجنه، ثم يقبله.
وبإسناده عن جابر] قال [: طاف رسول الله "صل الله عليه وسلم" على راحلته، ثم

أتى الحجر فاستلمه تعصيباً، وعصبت معه، ثم قبل العود.
وبإسناده عن أبي الطفيل قال: طاف رسول الله "صل الله عليه وسلم" بالبيت سبعاً، واستلم الركن بمحجنه وقبل طرف المحجن.
ولأنه لما استحب تقبيله تعظيماً له استحب تقبيل ما باشره تعظيماً له.
واحتج المخالف بأنه لو كان مسنوناً لفعله النبي "صل الله عليه وسلم".
والجواب: أنه قد فعله بما روينا، فسقط هذا.
واحتج بأن الركن اليماني لا يستحب تقبيل ما باشره، كذلك الأسود.
والجواب: إنما لم نستحب تقبيل اليماني، لهذا لم نستحب تقبيل ما باشره وهذا بخلافه.

102 -

مسألة

لا تكره القراءة في الطواف في أصح الروايتين:

نقلها الأثرم وأبو طالب فقال: القراءة في الطواف جائزة.

وظاهر هذا: أنها غير مكروهة.
وقال -أيضاً- في رواية أبي داود: وقد سئل: أيما أحب إليك: القرآن، أم الدعاء في الطواف؟ فقال: كل.
وروى الميموني وحنبل عنه: لا يقرأ في الطواف.
وظاهر هذا: أنه مكروه.
وهو قول مالك.
وجه الأولى: ما روي عن النبي "صل الله عليه وسلم" قال: ((الطواف بالبيت صلاة إلا إن الله أباح فيه النطق)).
فشبهه بالصلاة، واستثنى الكلام فقط، والصلاة يقرأ فيها.
وروى عبد الله بن السائب قال: كان رسول الله "صل الله عليه وسلم" يقول في طوافه: ((ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)).
وهذا من القرآن.
وروى الأثرم بإسناده عن عائشة قالت: قال رسول الله "صل الله عليه وسلم" ((إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله)).

والقرآن من ذكر الله تعالى.
واحتج المخالف بما روى حنبل بإسناده عن يحيى البكاء: أن عمر رأى رجلاً يقرأ في الطواف، فضرب صدره.
والجواب: أن هذا يقابله ما روى الأثرم بإسناده عن عطاء قال: أدركت الطواف وما فيه إلا قراءة القرآن والذكر، فصار الناس يتتابعون.
وهذا لإشارة إلى فعل الصحابة.
واحتج بأنه موطن للدعاء، فكرهت قراءة القرآن فيه، كالركوع والسجود والتشهد.
والجواب: أنه يبطل بالوقوف بعرفات، وعند المشعر الحرام؛ فإنه موطن للدعاء، ولا تكره القراءة فيه.
وأما الركوع والسجود والتشهد فإنما لم تجز القراءة فيها لنهي النبي "صل الله عليه وسلم" عن ذلك.
وعلى أن الصلاة حجة لنا؛ لأن الطواف مثلها.
و] على [أنه يحتمل أن يكون المحل الواحد لجنسين، كما أن القيام لدعاء الاستفتاح وللقراءة.

تابع كتاب الحج

103 -

مسألة

إذا طاف محدثاً، أو على بدنه نجاسة، أو مكشوف العورة، لم يجزئه، وعليه الإعادة في أصح الروايتين:

نص عليها في رواية أبي طالب: إذا طاف محدثاً، أو جنباً، أعاد طوافه.
وكذلك نقل حنبل عنه إذا طاف بالبيت طواف الواجب غير طاهر لم يجزئه.
وكذلك نقل الأثرم وابن منصور.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وروى أبو بكر بن محمد، عن أبيه، عن أحمد في من طاف للزيارة أو للصدر، وهو جنب أو على غير وضوء: أرجو أن يجزئه أن يهريق دماً إذا كان ناسياً.
وكذلك نقل الميموني فقال: الناسي أهون بكثير.
وظاهر هذا أن الطواف جائز، وعليه دم.

وهو قول أبي حنيفة.
وقد ذكر أبو بكر المسألة على روايتين فى كتاب "الشافي".
وقال أبو حفص العُكبري: لا يختلف قوله إذا تعمد -وطاف على غير طهارة-: لا يجزئه، واختلف قوله في النسيان على قولين: أحدهما: أنه معذور بالنسيان.
والآخر: لا يجزئه مثل الصلاة.
وجه الرواية الأولى: ما روى طاوس، عن عبد الله بن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "الطواف صلاة، إلا أن الله - تعالى - أحل لكم به النطق، ولا ينطق إلا بخير".
رواه حنبل بهذا اللفظ في "مسائله" بإسناده.
قوله: "الطواف صلاة"؛ معناه: مثل الصلاة، والعرب تحذف المضاف كثيراً، وأكثر ما يُحذف منه المثل، وقد ورد بذلك القرآن في مواضع كثيرة: قال تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: 55]؛ أي: مثل شرب الهيم.
وقال أيضاً: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: 133]؛ أي: مثل عرض السموات والأرض.

وقال: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]؛ أي: مثل أمهاتهم.
فإذا كان كذلك، وجب أن يكون الطواف بمنزلة الصلاة فى جميع الأحكام، إلا فيما استثناه، وهو إباحة النطق.
وأيضاً ما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت".
وهذا نهي، والنهي يدل على فساد المنهي عنه.
والقياس: أن الطواف عبادة تجب فيها الطهارة، فوجب أن تكون الطهارة شرطاً فى صحتها قياساً على الصلاة.
فإن قيل: لا يمنع أن تكون الطهارة واجبة للطواف، ولا تكون شرطاً فى صحته، كالرمي، وطواف الصدر، والإحرام من الميقات، وترك المحظورات من الطيب وغيره، واجب فى الحج، وليس بشرط فى صحته.
قيل له: لم نقل: إن كل واجب شرط، وإنما قلنا: الطهارة إذا وجبت كانت شرطاً فى الصحة، كما نقول فى الصلاة: الفريضة، والنافلة، وصلاة الجنازة، وسجود القرآن.
يبين صحة هذا: أن سجود السهو يجب فى الصلاة، ولا يكون شرطاً فى صحتها، وتجب الطهارة للصلاة، وتكون شرطاً فى صحتها، ولم يعتبر أحدهما بالآخر.

وإن شئت قلت: عبادة تتعلق بالبيت فكانت الطهارة شرطاً فى صحتها.
دليله: الصلاة.
أو تقول: عبادة تتعلق بالبيت فلم تُجبر بالدم.
دليله: ما ذكرنا.
ولأنه ترك من الطواف ما يسقط إلى غير شيء، فلم يعتد به، كما لو أخل بأشواط.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
وهذا قد طاف، فوجب أن يجزئه بظاهر الآية.
والجواب: أن طواف المحدث منهي عنه، وإنما المنهي عنه معنى غيره، وهو ترك الطهارة.
قيل له: الطهارة غير مقصودة فى نفسها، وإنما أُمر بها للطواف، والطواف بغير طهارة منهي عنه، فلا يدخل تحت الأمر.
واحتج بأنه ليس من شرط صحته ترك الكلام فيه، فوجب أن لا يكون من شطره الطهارة، كالصوم.
يبين صحة هذا: أن الكلام أكبر فى إفساد العبادة المقصودة لنفسها من الحدث بدلالة أنه من تكلم فى صلاته مع علمه بحاله فسدت صلاته،

والمستحاضة تجزئها صلاتها مع وجود الحدث، وعلمها بحالها، وكذلك المتيمم.
فإن كان كذلك، وقد ثبت: أن الكلام لا يفسد الطواف، فلأن [لا] يفسده الحدث أولى.
والجواب: أنه يبطل بمس المصحف؛ من شرطه الطهارة، وليس من شرطه ترك الكلام.
وكذلك اللبث فى المسجد من شرطه الطهارة الكبرى، وليس من شرطه ترك الكلام.
فإن قيل: مس المصحف والكون فى المسجد حاصل، وإن ترك الطهارة، فيجب أن يحصل الطواف.
قيل له: مس المصحف حاصل غير صحيح؛ لأنه لا يكون مساً شرعياً، كالنافلة إذا صلاها من غير طهارة، لا تكون صلاة صحيحة.
ثم المعنى فى الأصل: أن الطهارة غير واجبة فيه، وليس كذلك الطواف؛ لأن الطهارة واجبة فيه، فكانت شرطاً فيه.
واحتج بأنه لو كان من شرطه الطهارة، لوجب أن يكون من شرطه استقبال القبلة فى غير حال العذر، كالصلاة، ولما لم يكن من شرطه استقبالها، وجب أن لا يكون من شرطه الطهارة، كسائر أفعال المناسك.

والجواب: أن من شرطه استقبال القبلة؛ لأنه لا يجوز أن يبتدئ الطواف غير مستقبل للرُّكن.
وعلى أن استقبال القبلة قد سقط فى الصلاة فى حال المسابقة، وفى النوافل على الراحلة فى السفر، ولا تسقط الطهارة، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر.
واحتج بأنه لو كانت الطهارة شرطاً فى صحة الطواف، لوجب أن تكون شرطاً فى صحة الإحرام، ألا ترى أنها لما كانت شرطاً في أفعال الصلاة، كانت شرطاً في إحرام الصلاة.
والجواب: أنها إنما لم تكن شرطاً في صحة الإحرام؛ لأنها غير واجبة فيه، وليس كذلك فى الطواف؛ لأنها واجبة فيه.
وهكذا الجواب عن قولهم: إن الطواف فعل من أفعال الحج، فلم تكن الطهارة شرطاً فيه، كالسعي، والوقوف، وسائر الأفعال؛ لأن تلك الأفعال لا تجب [لها] الطهارة، وليس كذلك الطواف؛ لأن الطهارة تجب له، مع أن هذا يبطل بركعتي الطواف؛ لأنها من أفعال الحج، ومن شرط صحتها الطهارة.
على أن إسحاق بن إبراهيم نقل عنه قال: الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة.
وظاهر هذا: أن الطهارة شرط له في السعي، ولكن المذهب الصحيح أن الطهارة لا تجب في ذلك.

نص عليه في رواية أبي طالب [قال]: إذا حاضت المرأة، وهي تطوف بالبيت قبل أن تقضي الطواف، خرجت، ولا تسعى بين الصفا والمروة؛ لأنها لم تتم الطواف، فإن طافت بالبيت، ثم خرجت تسعى، فحاضت، فلتمضِ في سعيها؛ فإنه لا يضرها، وليس عليها شيء.
وكذلك نقل حرب عنه أنه قال: الحائض لا تطوف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، إلا أن تكون قد طافت قبل ذلك، فإنها تسعى.
......

104 -

مسألة

إذا انعكس الطواف - وهو أن يجعل البيت عن يمينه - لم يغنه:

نص عليه في رواية حنبل فقال: من طاف بالبيت طواف الواجب منكوساً لم يجزئه حتى يأتي به على ما أمر الله تعالى، وسنة النبي صلى الله عليه وسلّم، فإن طاف كذلك وانصرف، فعليه أن يأتي به، ولا يجزئه.
وقال - أيضاً - في رواية حرب في محرم نسي، فبدأ بالمروة قبل الصفا: يعيد الشوط.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يعيد إن كان بمكة، وإن رجع إلى أهله، فعليه دم، ويجزئه.
دليلنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: [أنه] لما طاف جعل الكعبة عن

يساره، وقال: "خذوا عني مناسككم".
وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
فإن قيل: الواجب عليه إذا أراد الطواف أن يطوف غير منكوس، وليس فيه أنه إذا خالف: أنه لا يعتد به.
قيل: إذا ثبت أنه أوجب عليه، لم يسقط إلا بفعله؛ لأن الإيجاب يقتضي الإيجاد، فمن أراد أن يقيم ما لم يتضمنه الأمر مقام ما تضمنه يحتاج إلى دليل.
ولأن الأمر بالشيء نهي عن ضده وتركه، ولا يجوز تركه إلى غيره بدليل.
وأيضاً ما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".
وروي: "من أحدث من أمرنا ما ليس منه فهو رد".
وأيضاً الطواف عبادة متعلقة بالبيت، فإذا نكسها لم يعتد بها، كالصلاة، وهو أن يبدأ بالسلام، ثم بالتشهد، ثم بالسجود، ثم بالقيام، ثم الركوع، ثم يستوي قائماً يقرأ.
وإن شئت قلت: كل عبادة يجب بها الترتيب، كان شرطاً فى صحتها.

دليله: الصلاة.
فإن قيل: الصلاة آكد بدليل لا يصح فعل الفرض منها راكعاً لغير عذر، والطواف يجوز.
قيل له: لا يجوز عندنا لغير عذر مع أن هذا لما لم يوجب الفرق بينهما في إيجاب الترتيب، لم يوجبه في أشراطه.
ولأنه قد طاف منكوساً، فلم يجزئه، كما لو كان بمكة.
فإن قيل: إذا كان مكة، فلا مشقة عليه في الرجوع، وإذا خرج منها شق عليه الرجوع، فيجبره بدم، كطواف الوداع.
قيل: هذا باطل؛ لأنه إذا ترك جميع الطواف وخرج، كان عليه مشقة، ومع هذا لا ينوب عنه الدم.
ويفارق هذا طواف القدوم؛ لأنه ينوب الدم عن جميعه.
ولأن ما أوجب إعادة الطواف إذا كان بمكة، أوجبه إذا رجع إلى أهله.
دليله: إذا طاف منكوساً قبل طلوع الفجر يوم النحر.
فإن قيل: إنما يعتد به هناك؛ لأنه قدمه على وقته.
قيل: لا نسلم لك هذا.
ولأن هذا الفرق يبطل به إذا كان بمكة، وطاف بعد طلوع الفجر منكوساً؛ فإنه لا يجزئه، وإن لم يقدمه على وقته.

ولأنه ترك من الطواف ما لا يسقط على غير شيء، فلم يعتد به، كما لو ترك شرطاً من الشرائط.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
وهذا قد طاف.
والجواب: أن هذا الطواف منهي عنه، والله - تعالى - لا يأمر بالمنهي عنه.
فإن قيل: نفس الطواف غير منهي عنه، وإنما المنهي عنه ترك الترتيب.
قيل له: إذا وقع الطواف على هذه الصفة فهو منهي عنه.
واحتج بأنه طاف بالبيت مع وجود النية، وهو ممن يصح منه فعل الطواف، فوجب أن يجزئه، كما لو طاف غير منكوس.
والواجب: أنه لا يجوز اعتبار المنكوس بعدمه في مسألتنا، كما لم يجز ذلك في الصلاة، وإن كان الفعل موجوداً في الموضعين.
واحتج بأنه قد فعل الطواف، وإنما خالف في هيئته، وذلك لا يمنع وقوعه موقع الجواز، كما لو طاف راكباً لغير عذر، أو طاف، ولم يرمل، ويضطبع.
وقد نص أحمد على أنه إذا ترك الرمل صح، ولا دم عليه.

في رواية أبي طالب في من ترك الرمل عامداً: أرجو أن ليس عليه شيء.
وكذلك نقل ابن منصور عنه قال: من ترك الرمل لا شيء عليه.
قيل له: من ترك السعي بين الصفا والمروة؟ قال: كلاهما عندي واحد.
والجواب: أن عندنا أنه إذا طاف راكباً لغير عذر لا يُعتد به في إحدى الروايتين، والأخرى يعتد به.
فعلى هذا: لا يدل على إسقاط الترتيب، ألا ترى أن صلاة النافلة في السفر وصلاة الفرض في الخوف تجوز على الراحلة، ومن شروطها الترتيب.
وأما إذا لم يرمل، ولم يضطبع، فالمعنى فيه: أنه يسقط إلى غير شيء، فلم يكن شرطاً، وإذا ترك الترتيب فقد ترك إلى ما يسقط إلى بدل، فلهذا لم يعتد بطوافه.
واحتج بأنها عبادة لم تشترط فيها الموالاة، فلم يشترط فيها الترتيب، كالزكاة.
وقد نص أحمد على أن الموالاة غير واجبة، فقال في رواية حنبل: وذكر له أن الحسن طاف بين الصفا والمروة أسبوعاً، فغشي عليه، فحمل إلى أهله، فجاء من العشا، فأتمه، قال أحمد: إن أتمه فلا بأس، وإن استأنف فلا بأس.

ونقل ابن منصور عنه: وقد سئل: إذا قطع الطواف يبني، أو يستأنف؟ قال: يبني.
وقال - أيضاً - في رواية ابن إبراهيم في الرجل يطوف، فيرى جنازة: يقطع، ويصلي عليها، ويبني.
وسئل عن الرجل يطوف بالبيت، فيعيي: هل يستريح؟ فقال: نعم، قد فعله ابن عمرو وابن الزبير؛ طافا واستراحا.
وظاهر هذا: أن الموالاة غير واجبة.
والجواب: أن حرباً نقل فى امرأة طافت ثلاثة أشواط، ثم حاضت: تقيم حتى تطوف.
فقيل له: تبني على طوافها؟ قال: لا، تبتدئ.
وقال في رواية أبي طالب: إذا طاف خمساً أو ستاً، ورجع إلى بلده، يعيد الطواف.
وظاهر هذا: اعتبار الموالاة؛ لأنه إنما بقي عليه شوط واحد.
وقد خرجها أبو بكر في كتاب "التنبيه" على روايتين فقال: لو طافت خمساً، ثم حاضت، بنت، وقيل: تبتدئ.
قال: وهو اختياري.
وعلى أن الزكاة لا ترتيب فيها بحال، والطواف فيه ترتيب، ألا ترى أنه يجبر تركه بالدم؟ وبهذا المعنى بين بين الموالاة وبين الترتيب، وهو أن الموالاة تركها لا يوجب الدم، والترتيب تركه يوجب الدم.
ولأن الزكاة عبادة لا تتعلق بالبيت، ولا هي شرط في ما يتعلق

بالبيت، فلهذا لم تفتقر إلى الترتيب، والطواف عبادة تتعلق بالبيت، فأشبهت الصلاة.
......

105 -

مسألة

إذا ترك بعض الطواف لم يعتد به، ولم يجبره بالدم:

نص عليه في رواية الأثرم في من ترك من الطواف الواجب فقال: لا يجزئه حتى يأتي بسُبع تام، لا بد منه.
وكذلك نقل ابن منصور: وقد ذكر له قول سفيان: إذا لم يكمل سبعه فهو بمنزلة من لم يطف؛ يكون حراماً، ثم يرجع، فيقضي؛ حجة كانت، أو عمرة، فقال أحمد: ما أحسن ما قال.
وكذلك نقل عنه حنبل في رجل طاف ستة أشواط، وصلى ركعتين، ثم ذكر بعد: يطوف شوطاً، ولا يعيد، وإن طاف ابتداء فهو أحوط.
وكذلك نقل أبو طالب عنه: وقد ذكر له قول عطاء: إذا طاف أكثر الطواف؛ خمساً، أو ستاً، فقال: أنا أقول: يعيد الطواف.
قيل له: فإن كان بخراسان؟ قال: يرجع، فإذا بلغ التنعيم أهل، ثم طاف، ويهدي مثل قول ابن عباس.
وبهذا قال مالك والشافعي.
قال أبو حنيفة: إذا طاف الأكثر، وترك الأقل؛ فإن كان بمكة أتمه،

وإن رجع إلى أهله ناب عن الباقي الدم.
دليلنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه طاف سبعاً، وقال: "خذوا عني مناسككم".
وهذا الأمر يقتضي الوجوب.
فإن قيل: نقول: إن السبعة كلها واجبة، والخلاف في الدم؛ هل يقوم مقام الأقل، أم لا؟ وليس في وجوبها ما يمنع، كما تقول في طواف الصدر، ورمي الجمار، والإحرام من الميقات.
قيل له: إذا ثبت وجوب السبعة لم يسقط منها شيء إلا بفعله؛ لأن الإيجاب يقتضي الإيجاد، ومن أراد أن يُقيم ما لم يتضمنه الأمر مقام ما تضمنه يحتاج إلى دليل.
ولأن الأمر بالشيء نهي عن ضده وتركه، فلا يجوز تركه إلى غيره إلا بدليل.
والقياس أنه ترك بعض الأشواط الواجبة عليه، فلا يتحلل من إحرامه قبل إتمامه قياساً على الأكثر إذا تركه.

وإن شئت قلت: يلزمه إتمامه إذا كان بمكة، فوجب أن يلزمه إذا رجع إلى أهله.
دليله: ما ذكرنا.
وإن شئت قلت: ترك من الطواف ما لا يسقط إلى غير شيء، فلم يجزئه.
دليله: ما ذكرنا.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون حكم الأقل حكم الأكثر، كما لم يجز أن يكون حكم الأقل من أفعال الحج حكم الأكثر، وحكم أقل أفعال الركعة حكم الأكثر، وإنما لزمه إتمامه ما دام في مكة؛ لأنه يمكنه أن يجبر النقص الداخل فيه من جنسه، ولا يتعذر عليه، وإذا رجع إلى أهله تعذر عليه العود إلى مكة، فجاز أن يجبر النقص بالدم.
قيل: أما قولك: (إنه إذا تعذر عليه العود، فجاز أن يجبره بالدم) فيبطل به إذا ترك الأكثر؛ فإنه يتعذر، ومع هذا لا يجبره.
وأما قولك: (إنه لا يجوز اعتبار الأقل بالأكثر) فغير صحيح؛ لأن أكثر الركعات لا تقوم مقام الجميع، وكذلك أكثر أعضاء الوضوء، وأكثر غسل البدن في الجنابة، وأكثر الآذان والإقامة، وأكثر أيام رمضان، وسائر صيام الكفارة، وأكثر النصاب، وأكثر الزكاة، وغير ذلك مما يكثر تعداده.
ثم هذا المعنى يبطل به إذا كان مقيماً بمكة؛ فإنه لم يقم

الأكثر مقام الجميع.
ولأنه لو كان الأكثر قائماً مقام الجميع لم يجبر بالدم، كما لا يجبر في الإدراك مع الإمام أكثر أفعال الركعة.
ولأن أكثر أفعال الركعة ليس بقائم مقام الجميع، وإنما تُحسب له بفعل الإمام، ولا نظير له من الطواف.
ولأن الطواف عبادة تتعلق بالبيت، فلا يقوم المال مقام شيء منها، كالصلاة.
فإن قيل: الحج آكد من الصلاة بدليل أن معظمه يقوم مقام جميعه في باب المنع من ورود الفساد عليه، ألا ترى أنه لو جامع بعد الرمي وقبل الطواف، لم يفسد حجه، ومعظم الصلاة لا تمنع من ذلك، فإن كان كذلك، فلهذا فرقنا بينهما.
قيل له: إنما افترقنا من هذا الوجه؛ لأن للحج تحليلين، فإذا وجد أحدهما، ثم تعقبه محظور، لم يؤد إلى الفساد، والصلاة لها تحلل واحد، فإذا وجد المحظور سرى إلى جميعها.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
وهذا قد طاف.

والجواب: أن المراد به: سبعة أطواف بالإجماع، وما أجمعوا عليه فهو بمنزلة المنطوق به، فكأنه قال: وليطوفوا سبعة أطواف، فإذا طاف بعضها، كان باقياً عليه.
واحتج بأن كل ما حظر عليه بعقد الإحرام جاز أن يستبيحه قبل استيفاء فروضه، كاللبس والطيب والصيد والحلق، وعندكم لا يستبيح الجماع إلا بعد الفراغ من الطواف.
وربما قالوا: تحلل من إحرام الحج، فجاز أن يحصل قبل استيفاء فروضه، كالتحلل الأول.
والجواب: أن هذه الأشياء تُستباح بالتحلل الأول، والاستمتاع بالنساء لا يستباح إلا بعد الفراغ من الطواف، وإنما يقوم الدم مقام ما بقى منه، وجعله بمنزلة فعل الجميع، فلم يصح الجمع بينهما؛ لأن استباحة الاستمتاع لا يجوز أن تكون سابقة للفراغ من الطواف، أو ما يقوم مقام الفراغ منه.
واحتج بأن الحج آكد من الصلاة بدليل أن معظمه يقوم مقام جميعه في باب المنع من ورود الفساد عليه؛ لأنه لو جامع بعد الرمي وقبل الطواف، لم يفسد حجُّه، ومعظم الصلاة لا يمنع من ذلك، ثم ثبت أن في أركان الصلاة ما يقوم معظمه مقام جميعه، وهو إدراك المأموم الإمام في الركوع، فلا يكون في أركان الحج ما هو بهذه الصفة أولى.

والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج بأن الطواف ركن في الحج، فجاز أن يجبر الدم بعض أجزائه، كالوقوف.
والجواب: أن الدم لا يجبر بعض الوقوف؛ لأن القدر الذي يجب في الوقوف هو الحصول في الموقف فحسب، والزيادة على ذلك مسنونة فيه.
وعلى أن الدم يجبر معظم الوقوف، ولا يجبر معظم الطواف، فافترقا.
واحتج بأنه أتى بمعظم الطواف، أشبه لو أتى بالسُّبْع، وأخل بالرَّمل والاضطباع.
والجواب: أن هناك قد أتى بجميع العبادة، والرمل والاضطباع صفة فيها، فلم يؤثر تركها في الطواف، فهو كالصلاة إذا أتى بركعاتها، وأخل بهيآتها من الجهر، والإخفات، والرفع، ووضع اليمين على الشمال؛ فإنه يحكم بصحتها، ولو نقص من ركعاتها ركعة، لم يعتد به.
ويبين صحة الفرق بينهما: أنه لا يجب بترك الرمل والاضطباع دم، ويجب الدم بترك شوط، فبان الفرق بينهما.
......

106 -

مسألة

إذا سلك في الطواف الحجر لم يجزئه إلا أن يستأنف الطواف، فيبنى على الموضع الذي دخل من الحجر:

نص عليه فى وراية الأثرم في من طاف في الحجر، فاخترقه: لم يجزئه؛ لأن الحجر من البيت، فإذا كان شوطاً واحداً أعاد ذلك الشوط، وإن كان قبل الطواف أعاده.
وكذلك نقل حنبل عنه في من طاف، واخترق الحجر: لا يجزئه، ويعيد.
وكذلك نقل حرب.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجزئه.
دليلنا: أن النبي صلى الله عليه وسلّم طاف حول الحجر، فروى الأثرم بإسناده عن ابن عباس قال: من طاف بالبيت فليطف من وراء الحجر؛ فإن الله - تعالى - يقول: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]، وقد طاف النبي صلى الله عليه وسلّم من وراء الحجر.
وإذا ثبت هذا من فعله دخل تحت قوله: "خذوا عني مناسككم".

جارٍ التحميل