التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 184-223

السيد، فلو قلنا: (له أن يحلله) غلبنا حق السيد على حق الله تعالى، وهذا لا يجوز، ألا ترى أن العدة لما تعلق بها حق الله وحق الزوج، وكان المغلب فيها حق الله، فلو أسقطها الزوج لم تسقط؟ وكذلك القتل في المحاربة المغلب فيه حق الله تعالى، فلو عفا الولي لم يسقط قتله.
ولأنها عبادة تلزم بالدخول فيها، فإذا عقدها بغير إذن سيده لم يملك فسخها.
دليله: الإيمان.
[ولا يلزم عليه الدخول في النوافل] من صلاة التطوع وصوم التطوع أن له أن يحلله؛ لأنه لا يلزم بالدخول فيه.
وما ذكروه من أن مُضيه في الحج تعطيل لحق سيده من منافعه، فلا يمتنع مثل هذا، كالسيد إذا كان ذمياً، وله عبد ذِمِّيُّ، أسلم العبد الذمي؛ فإن إسلامه يوجب قطع استدامة ملك السيد عليه، ويُؤمر بإزالته، ومع هذا فليس له فسخ الإسلام عليه.
وكذلك لو كان السيد مسلماً، وله عبد ذمي، فأسلم، لم يملك فسخ الإسلام عليه، وإن كان -على قول بعضهم- فيه ضرر، وهو نقصان قيمته.
وما ذكروه من ان الحصر بغير حق يثبت التحلل، فأولى أن يثبت بحق، فلا نسلم أن هاهنا حصر ثابت؛ لأنا قد بينا: أنه ليس للسيد أن

يحلله، فإذا تعدى وصده عن البيت جرى مجرى حصر العدو.
......

147 -

مسألة

فإن أحرمت المرأة بحجة الإسلام لم يجز لزوجها أن يُحللها رواية واحدة:

نص عليه في رواية صالح في امرأة تريد الحج الفرض مع ابنها: فليس لزوجها أن يمنعها، ولا تخرج إلا بإذنه.
وكذلك نقل أبو طالب عنه قال: ليس له أن يمنعها من الفرض.
وهو قول أبي حنيفة.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: له أن يحللها.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: 196]. وتحليلها يمنع وجوب الإتمام عليها، وذلك خلاف مقتضى الظاهر.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: 196]؛ يعني: فإن منعتم، ولم يفرق بين أن يكون المنع من جهة الزوج، أو من جهة غيره.
قيل له: قد حكينا عن أهل اللغة، وأن منهم من قال: أحصره

المرض، وحصره العدو، ومنهم من قال: أحصرتم يصلح لهما، ولم يقل واحد منهم: إنه يستعمل في الزوج.
ولأن الحج عبادة مفروضة، فلا يجوز للزوج أن يمنعها من أدائها، كالصلاة والصيام.
ولا تلزم عليه المنذورة؛ فإن الحكم فيها كالحكم في المفروضة بأصل الشرع، وقد حكينا كلام أحمد في ذلك.
فإن قيل: ليس في اشتغالها بالصلاة إبطال حق الزوج؛ لأنها لا تمتد، ولا تطول، وفي اشتغالها بالحج إبطال حق الزوج؛ لأنه يمتد في الوقت، ويطول بقاؤها على الإحرام.
قيل له: فأفرق بين هذا المعنى، بين صلاة التطوع وصوم التطوع، وبين حج التطوع.
وعلى أن وق الحج لأهل مكة يقصر، ومع هذا تحتاج إلى الإذن عندكم.
فإن قيل: الصلاة تجب عليه، كما تجب عليها، فالوقت لهما واحد، فلا يستضر بتشاغلها فيه.
قيل له: قد تختار أن تصلي في أول الوقت، فلا يمنعها، وإن لم يتعين عليه الصلاة فيه.
على أن استضراره في ما كان حقاً عليه غير مُعتبر بدليل

حبسها في الدين.
واحتج المخالف بما روى عبد الله بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال في امرأة لها مال، ولها زوج، ولا يأذن لها الزوج في الحج: "ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها".
والجواب: أن هذا الحديث، إن كان صحيحاً، فهو محمول على وجه التطوع بدلالة ما قدمنا.
فإن قيل: شرط المال يدل على أن المراد الحج الواجب؛ لأن المال شرط فيه، وليس بشرط في التطوع.
ولأن الحج معرف بالألف واللام، فرجع إلى حجة الإسلام؛ لأن التعريف يرجع إلى المعهود.
قيل له: الحجة المنذورة يُشترط فيها المال، وهي معرفة، فالخبر محمول عليها على إحدى الروايتين.
على أنه ليس في قوله: "لها مال" ما يدل على أن المراد به الفرض؛ لأن المال عون على كل حج النفل، كما هو عون على حج الفرض، فلا يمتنع أن يكون السؤال عن النفل خرج.
وقولهم: (ليس يأذن لها في الحج) لا يختص الفرض؛ لأن الألف واللام للجنس، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلّم: "ليس لها أن تُصلي إلا بإذن

زوجها" لا يختص الفرض دون النفل.
واحتج بأنه نوع ملك يتعلق به وجوب النفقة، فوجب أن يستحق به المنع من الحج.
دليله: ملك اليمين.
يبين صحة الجمع: ما روي عن عائشة أنها قالت: النكاح رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته؟ والجواب: أن العبد يشتغل بالتطوع عن خدمة المولى، فنظيره من المرأة أن تحرم بحجة التطوع، فيجوز للزوج أن يحللها، فأما إذ أحرمت بحجة الإسلام، فإنما اشتغلت بأداء الفرض، فهي كالعبد إذا اشتغل بأداء الظهر والعصر.
فإن قيل: فالعبد إذا أحرم وجب عليه الحج بالإحرام، ومع هذا فله منعه.
قيل له: قد حكينا في ذلك روايتين: إحداهما: ليس له منعه.
فعلى هذا: لا نسلم ذلك، ويجب أن تكون هذه الرواية هي الأشبه؛ لأنه قد نص على أن المرأة إذا نذرت لم يكن له منعها، والدخول في الحج من جهته كالنذر.

والثانية: له منعه، وكذلك في المنذورة؛ لأن الإيجاب هناك من جهة العبد وجهة المرأة، فلم تملك إسقاط حق الزوج، وفي مسألتنا الإيجاب من جهة الله، فهو كالصلاة والصيام.
واحتج بأنها حجة واجبة، فكان لزوجها منعها من الخروج لها، كالمنذورة.
والجواب: أنه ليس له المنع من المنذورة، وقد حكينا كلام أحمد في رواية ابن إبراهيم في المرأة تخلف بالحج والصوم، ويريد زوجها منعها، فقال: ليس له ذلك، قد ابتليت وابتلى زوجها.
يعني بقوله: حلفت: نذرت، مع أن النذر وجوبه من جهته، فهو أخف، وما اختلفنا فيه وجوبه بأصل الشرع، فهو آكد.
ويتخرج في رواية أخرى له المنع بناءً على الرواية التي أجاز له تحليل العبد من الحج، وكان المعنى في النذر ما ذكرنا.
واحتج بأن حق الزوج مُضيق يتجدد حالاً فحالاً، والحج موسع؛ لأنه على التراخي، والحقان إذا اجتمعا، ولم يكن بد من تقديم أحدهما وجت تقديم المُضيق منهما إذا كان في تأخيره ضرر على المستحق، ألا ترى أن العبد إذا أحرم بغير إذن المولى كان له أن يحلله لهذا المعنى؟ والجواب: أن الحج غير موسع عندنا، فلا يلزمنا ما ذكره.

فإن قيل: فتصور المسألة في امرأةنذرت أن تحج: أنها تؤديه متى شاءت، والخلاف فيه كالخلاف في حجة الإسلام.
قيل له: لا يمتنع أن نقول: له أن يحللها، كما يحللها في حجة التطوع.
على أن وقت الصلاة في أول الوقت موسع، ومع هذا فلا يُعتبر إذن الزوج فيه، والحج في السنة التي تغلب على ظنها أنها تعجز، فإن الحج مضيق عندكم، ويحتاج إلى إذن الزوج فيه، فلم يصح ما قاله.
......

148 -

مسألة

إذا اشترى الرجل جارية مُحرمة، وقد كان البائع أذن لها في الإحرام، لم يكن للمشتري أن يحللها:

نص على هذا في رواية الحارث في رجل اشترى جارية محرمة، فهل له أن يطأها؟ فقال: وكيف يطؤها وهي محرمة؟! هذه أذن لها مولاها بالإحرام، وباعها وهي محرمة، يعلم بها المشتري، ثم قال: ما تقول في رجل زوج جارية له، ثم باعها، وعلم المشتري أن لها زوجاً، هل له أن يطأها؟ هذه مثلها، قد أحرمت بإذن سيدها، ليس له أن يطأها حتى تقضي حجها.
نقلتها من كتاب النجاد.
وقال أبو حنيفة: له أن يحللها.

دليلنا: أن الإحرام عقد لازم، فأشبه عقد النكاح، ولا خلاف أنه ليس للمشتري أن يفسخ النكاح، كذلك الإحرام.
واحتج المخالف بأن إذن البائع لا يوجب استحقاق منافعها عليه، وأن له أن يحللها، فإذا باعها انتقل إلى المشتري جميع ما كان للبائع منها، فلما ثبت للبائع ذلك، ثبت كذلك للمشتري.
والجواب: أنا لا نسلم لك هذا، وقد ثبت أن البائع لا يجوز أن يحللها، فالمشتري مثله.
......

149 -

مسألة

في العبد يدخل مكة مع مولاه بغير إحرام، ثم يأذن له مولاه، أو يعتقه، فيحرم، والصبي يدخل مكة بغير إحرام، ثم يبلغ، أو يأذن له وليه، فيحرم، فلا دم عليهما:

نص عليه في رواية ابن منصور: وذكر له قول سفيان في مملوك جاوز المواقيت بغير إحرام، منعه مواليه أن يحرم حتى وقف بعرفة، قال: يحرم مكانه، وليس عليه دم؛ لأن سيده منعه.
قال أحمد: جيد، حديث أبي رجاء، عن ابن عباس.
وقال أبو حنيفة في العبد: عليه دم، وفي الصبي: لا دم عليه.

وللشافعي قولان في العبد والصبي.
دليلنا: أن العبد والصبي لم يلزمهما الإحرام من الميقات؛ لأن العبد لا يملك منافع نفسه، وللسيد منعه، وكذلك الصبي لا يملك الإحرام بنفسه، فإذا أخر ما بعد ذلك لم يلزمهما دم، كالمجنون.
ولهذا نقول: لو أذن لهما الولي في الإحرام من الميقات، فلم يحرما، لزمهما دم.
ولأن سبب وجوب العبادة حصل بعد البلوع، فلم يلزمه بترك الفعل شيء، كما لو وجد الزاد والراحلة.
ولأن الحج وجب عليه بمكة، فصار كأهلها.
ونخص أبا حنيفة بأن العبد مولى، فإذا منعه الولي من الإحرام، ثم أحرم بعده، لم يلزمه دم، كالصبي.
فإن قيل: الصبي يصح منه الإحرام، وليس كذلك العبد؛ لأنه لا يصح منه.
قيل له: لا نسلم لك هذا، بل عندنا يصح إحرامه.
واحتج المخالف بأنه ممن تصح منه العبادات، أو ممن يصح منه الإحرام في الحال، فوجب أن يلزمه لتركه في الوقت دم، كالحر.
والجواب: أن الحر يلزمه الإحرام من الميقات، ومع هذا لا يلزمه.
......

150 -

مسألة

في نصراني دخل مكة، فأسلم، ثم أحرم منها، فعليه دم لترك الميقات في أصح الروايتين:

نص عليها في رواية أبي طالب في نصراني أسلم بمكة: يخرج إلى الميقات، فيحرم، فإن خشى الفوات أحرم من مكة، وعليه دم.
وبه قال الشافعي.
وفي رواية أخرى: لا شيء عليه، أومأ إليها في رواية حنبل في الذمي يسلم بمكة، ويحرم من مكة، أو من موضع أسلم؟ وكذلك نقل ابن منصور عنه في نصراني أسلم بمكة، ثم أراد أن يحج: هو بمنزلة من وُلد.
وظاهر هذا: أنه لا يلزمه الإحرام من الوقت، ولا دم عليه، وقد ذكرها أبو بكر على روايتين.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وجه الرواية الأولى: أنه حر بالغ عاقل لا يتكرر دخوله إلى مكة، فإذا دخلها لغير قتال، وأحرم دون الميقات، لزمه دم.

دليله: المسلم.
فإن قيل: المسلم لو أحرم من الميقات صح إحرامه، فإذا تركه لزمه دم، وليس كذلك الذمي؛ فإنه لو أحرم من الوقت لم يصح إحرامه، فلا يلزمه دم، كالمجنون.
قيل: إلا أنه يمكنه أن يسلم، ويحرم، فإذا لم يفعل مع التمكن وجب الدم، وكان بمنزلة المسلم إذا ترك الإحرام من الميقات.
يبين صحة هذا: أن من ترك الصلاة حتى فات وقتها، وهو محدث، كان منزلة من ترك الصلاة، وهو متطهر؛ لأنه كان متمكناً من ذلك، كذلك هاهنا.
وأما المجنون فلم يتمكن من إزالة المانع من الإحرام، وليس كذلك الكافر؛ لأنه متمكن من إزالته، فلهذا لزمه الدم؟ واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: "الإسلام يجُب ما قبله".
والجواب: أن الدم يتحدد وجوبه بعد الإسلام، فلا يسقط الإسلام؛ لأنه إنما يجب إذا أحرم من سنته من غير الميقات، وهذا السبب حدث بعد إسلامه، فلم يكن في الخبر حجة.

واحتج بأنه لا يصح منه الإحرام، فلم يلزمه دم بترك الوقت، كالمجنون.
والجواب عنه": ما تقدم.

......

151 -

مسألة

من أراد دخول مكة لحاجة لا تتكرر، كالتجارة ونحوها، لزمه دخولها بإحرام، سواء كان منزله الميقات، أو وراء الميقات إلينا، أو إلى مكة:

وقد نص على هذا في مواضع: فقال في رواية ابن منصور: لا يدخلها أحد إلا بإحرام.
وقال في رواية ابن إبراهيم: وقد سئل عن رجل أراد أن يدخل مكة بتجارة: أيجوز أن يدخلها بغير إحرام؟ قال: لا يدخل مكة إلا بالإحرام، ويطوف، ويسعى ويحلف، ثم يحل.
وقال في رواية ابن القاسم وسندي: قد رُخِّص للحطابين والرعاء، ونحن هؤلاء، وقد رجع ابن عمر من بعض الطريق، فدخلها بغير إحرام،

فقيل له: إنهم يقولون ابن عمر لم يكن بلغ الميقات، فمن أجل ذلك دخل بغير إحرام، فقال: الميقات وغيره سواء.
وإنما رجع لاضطراب الناس والفتنة، فدخل كما هو.
وكان ابن عباس يشدد في ذلك، فقيل له: فالنبي صلى الله عليه وسلّم دخلها يوم الفتح بغير إحرام، فقال: ذلك من أجل الحرب.
وهذا يدخل مع فعل ابن عمر.
فقد نص على ما ذكرنا.
وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة: إن كان وراء الميقات إلينا لم يجز دخولها بغير إحرام لقتال أو غيره، وإن كان من أهل الميقات، أو كان من رواء الميقات إلى مكة، لم يلزمه دخولها بإحرام.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: يجوز دخولها بغير إحرام إذا لم يكن مُريداً للنسك.
وقد أومأ أحمد إلى مثل هذا في رواية الأثرم والمروذي: لا يعجبني أن يدخل مكة تاجر ولا غيره إلا بإحرام تعظيماً للحرم، وقد دخلها ابن عمر بغير إحرام.
وظاهر هذا: أنه على طريق الاختيار، والمذهب على ما حكينا.

والدلالة عليه: ما روى أبو شريح الكعبي: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال يوم فتح مكة حين دخلها، وعلى رأسه عمامة سوداء: "إنها لم تحل لأحد قبلي، ولا لأحد بعدي، وإنما أُحلت لي ساعة من نهار".
فلا يخلو إما أن يكون أراد به القتال، أو دخولها بغير إحرام، فلما اتفق الجميع على جواز القتال فيها متى عرض مثل ذلك الحال، علمنا أن التخصيص وقع لدخولها بغير إحرام.
فإن قيل: إنما أراد به القتال، ولهذا دخلها بأُهبة الحرب وعُدتها؛ لأنه كان لا يأمن الغدر والنَّكث.
قيل له: قد بينا جواز القتال فيها لغيره متى عرض مثل تلك الحال، فعلمنا أن التخصيص وقع لدخولها بغير إحرام.
وقد ورى بعض من نصر هذه المسألة: عن خُصيف، عن سعيد ابن جبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لا يجاوز أحد الميقات إلا وهو محرم، إلا من كان أهله دون الميقات".
وروى أبو حفص في كتابه بإسناده عن مجاهد وطاوس قالا: ما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلّم قط -هو ولأصحابه- إلا وهم محرمون.
وأفعال النبي صلى الله عليه وسلّم تقتضي الوجوب.
ولأن كل من لا يتكرر دخوله إلى مكة إذا دخلها لغير قتال، وهو

من أهل فرض الحج، لزمه الإحرام.
دليله: لو دخلها مريداً للنسك.
وفيه احتراز من دخولها لقتال، ومن يتكرر دخوله كالحطابة والرعاء، ومن العبد والصبي والمجنون.
فإن قيل: إذا كان مريداً للنسك فإن الميقات موضع للنسك، وهو الإحرام، فلم يجز أن يتجاوز بغير فعله، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه غير مريد للنسك، فلم يتعين عليه فعل الإحرام فيه.
قيل له: إذا أراد دخولها فقد أراد النُّسك في محله، فيجب أن يأتي به.
ولأن كل معنى إذا فعله المريد للنسك أوجب دماً، جاز أن يوجبه إذا لم يرده.
دليله: قتل صيد الحرم.
ولأنه لو نذر المشي إلى بيت الله، أو نذر دخول مكة، لزمه أن يدخلها بأحد النُّسكين، فلولا أن إحرامه نسك يختص بدخولها، لم يُوجب عليه غير ما نذره.
ولأنها تختص بأشياء منها: وجوب الجزاء على قاتل الصيد، والتحلل من الإحرام بها، واختصاصها بالهدايا.
واحتج المخالف بما روى ابن عباس: أن الأقرع بن حابس قال: يا رسول الله! الحج في كل سنة، أو مرة واحدة؟ قال: "بل، مرة واحدة،

وما زاد فهو تطوع".
وروي أن سراقة بن مالك قال: يا رسول الله! أعمرتنا هذه لعامنا، أم للأبد؟ فقال: "بل للأبد".
فدل على أن الحج والعمرة بعد أدائهما مرة تطوع، وإذا كان تطوعاً لم يلزمه.
والجواب: أنا لا نوجب عليه حجة أخرى، بل نقول: إذا أراد دخولها لا يدخلها إلا محرماً، ومتى دخلها على هذه الصفة كان تطوعاً، كما نقول: إذا أراد أن يصلي يتطهر ويكبر ويقرأ، ومتى فعل ذلك كان متطوعاً، ولهذا نقول: لا فرق بين أن يدخلها بحج، أو عمرة.
ولأن الخبر تضمن ما وجب بإيجاب الله تعالى، وكلامنا فيما وجب من جهة المكلف، ولهذا لم يدخل النذر تحته.
واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "هذه المواقيت لأهلها، ولكل آتٍ عليها من غير أهلها ممن أراد حجة، أو عمرة".
فظاهر هذا: أن من مر على الميقات غير مريد للحج والعمرة لم يلزمه الإحرام بحال.
والجواب: أن الخبر قُصد به بيان حد المواقيت التي يجب الإحرام

منها، ولم يُقصد به بيان من أراد الجواز عليها؛ هل يلزمه الإحرام، أم لا؟ وقوله: "ممَّن أراد حجاً، أو عمرة"؛ معناه: أنه يلزمه الإحرام بكل حال، ومن لا يريد النُّسك تارة يلزمه الإحرام إذا أراد دخول مكة، وتارة لا يلزمه إذا أراد مجاوزة الميقات إلى [....] وما قبله.
ففائدة التخصيص لمن أراد النُّسك يرجع إلى هذا.
ولأن قوله: "ممن أراد حجاً، أو عمرة"؛ معناه: من أراد مكان الحج والعمرة، وقد يُسمى مكان العبادة باسمها، كقوله تعالى: ﴿وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ [الحج: 40] الآية.
فإن قيل: هذا مجاز.
قيل له: قوله: "من أراد الحج والعمرة" يقتضي شرط إرادتها، وذلك غير معتبر باتفاق، فكل منا ترك الظاهر من وجه.
واحتج بما روي عن ابن عمر: أنه دخلها بغير إحرام.
والجواب: أن هذا محمول على أنه دخلها بغير إحرام من الميقات، وهو أنه يجوز أن يكون قصد ما قبل الحرم، فلما حصل هناك قصد

مكة، فأحرم من ذلك الموضع.
وعلى أنه يقابلها ما رواه الأثرم وغيره بإسناده عن عطاء، عن ابن عباس قال: لا يدخل مكة تاجر ولا طالب حاجة إلا وهو محرم.
واحتج بأنه دخل موضع النُّسك غير مريد للنسك، فلم يلزمه الإحرام، كما لو تكرر دخوله بأن يكون حطاباً، ودخلها لقتال.
والجواب: أنا لو كلفنا هؤلاء الدُّخول إليها بإحرام مع تكرر ذلك منهم لأدى إلى مشقة عظيمة، وأن يبقوا على إحرامهم أبداً؛ لأنهم يدخلون ويخرجون في كل يوم، ولاستضر أهل مكة أيضاً؛ لأن مصالحهم متعلقة بهم، فصاروا مخصوصين بذلك.
وأما دخولها لقتال [....]. واحتج بأن القربة المفعولة لحرمة المكان لا تجب بالشرع.
دليله: تحية المسجد.
والجواب: أنه باطل بتفرقة لحم الهدي في الحرم.
على أنا لا نقول: إن دخول مكة يوجب الإحرام، بل نقول: لا يدخلها إلا محرماً أي إحرام كان، كما نقول: لا نصلي إلا بطهارة أي

طهارة كانت، فلو تظهر قبل الوقت للنفل، ثم دخل الوقت، جاز أن يصلي الفرض بتلك الطهارة.
على أن تحية المسجد لم تجب؛ لأنها لا تختص بمسجد بعينه، فتلحق المشقة في إيجابها، فيجري حكمها مجرى الحطابة، وهذا بخلافه.
ولأن تحية المسجد لا تجب إذا أراد الفريضة، والإحرام من الميقات يجب إذا أراد الحج.
واحتج بأنه لو كان دخول مكة يوجب الإحرام، لوجب أن لا ينوب عنها الإحرام بحجة الإسلام، كما لو نذر حجة، لم تنب عنها حجة الإسلام.
والجواب: أنا لا نقول: إن دخول مكة يوجب الإحرام، بل نقول: لا يدخلها إلا محرماً أي إحرام كان، كما نقول: لا نصلي إلا بطهارة أي طهارة كانت، فلو تطهر للنفل جاز أن يصلي به الفرض، كذلك هاهنا.
وذكر بعضهم هذا الاستدلال بعبارة أخرى، فقال: لو كان واجباً لكان على من دخلها بحجة الإسلام وعمرته أن يقضيه؛ لأن الدخول إلى الحرم قد خلا عن الإحرام لسنته، وإنما دخلها لواجب سابق.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو أنا لا نقول: إن دخولها يوجب الإحرام، بل نقول: لا يدخلها إلا محرماً أي إحرام، كما لا يصلي إلا

متطهراً أي طهارة كانت.
وأما أبو حنيفة فالدلالة عليه- وأن من كان منزله الميقات أو وراء الميقات إلى مكة: أنه لا يجوز له دخولها بغير إحرام-: ما تقدم من حديث شريح، وهو عام، وحديث ابن عباس، والقياس على من مكان منزله وراء الميقات إلينا بالعبارة التي تقدمت، وهو: أن من لا يتكرر دخوله، فإذا دخلها لغير قتال، وهو من أهل فرض الحج، لم يجز له دخولها بغير إحرام.
دليله: ما ذكرنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه يجتاز بالميقات، فلهذا لزمه الإحرام، وهذا لا يجتاز به.
قيل له: قريته ميقاته، ولهذا لا يجوز أن يتجاوزها إذا أراد الإحرام إلا محرماً.
وعلى أن الإحرام لتعظيم الحرم دون الميقات؛ لأنه إذا اجتاز بالميقات لدخول قرية في الحل لم يجب عليه الإحرام، فإذا كان دون الميقات، فأراد أن يدخل الحرم، استحب له أن يحرم، فدل على أنه لحرمة الحرم وتعظيمه وتشريفه، فإذا وجب على من كان منزلة وراء الميقات إلينا، وجب على من كان منزلة وراء الميقات إلى مكة.
......

152 -

مسألة

إذا جاوز الميقات غير محرم لزمه إحرام على وجه القضاء، فإن أدى به حجة الإسلام في سنته سقط عنه، وإن أخره إلى السنة الثانية لم تجزأه حجة الإسلام عنه، ولزمه حجة، أو عمرة:

أومأ إليه أحمد في رواية حرب في من قدم مكة من بلد بعيد تاجراً، فدخل مكة بغير إحرام: يرجع إلى الميقات، فيُهل بعمرة إن كان في غير أيام الحج، وإن كان في أيام الحج أهل بحجة.
وظاهر هذا: أنه أوجب عليه القضاء؛ لأنه مر بالرجوع والإحرام بحج أو عمرة على نحو ما كان يلزمه إذا دخلها.
وقال في رواية أبي طالب في من دخل مكة بغير إحرام، وهو يريد الحج: فإن كان عليه وقت رجع إلى الميقات فأهل منه، ولا شيء عليه.
وظاهر هذا: أنه لا شيء عليه من إحرام آخر.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال مالك، والشافعي على القول الذي قال: إن الإحرام من الميقات واجب: لا يلزمه شيء إذا تجاوزه ودخل.
دليلنا: أنه إذا أراد دخولها لزمه أن يحرم، فإذت لم يفعل فقد ترك إحراماً لزمه، فعليه أن يأتي به، كما لو قال: لله عليَّ إحرام، وقد تركه؛

فإنه يلزمه الإتيان به.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الوجوب لا يسقط بحجة الإسلام.
قيل: ليس إذا سقط الوجوب بفعل واجب آخر ما يدل على سقوط الوجوب، كما أن الطهارة واجبة لصلاة الفرض، فلو توضأ لصلاة جنازة، سقط بذلك ما وجب عليه، ولم يدل على أن الطهارة لم تكن وجبت.
ولأنه إحرام واجب، فجاز أن يلزمه فعله بعد مضي وقته، كإحرام حجة الإسلام.
واحتج المخالف بأنها قربة مفعولة لحرمة المكان، فوجب أن لا تُقضى، كتحية المسجد.
والجواب: أن تحية المسجد ليست واجبة، فلم يجب قضاؤها، والإحرام في مسألتنا واجب، فإذا لم يفعله لم يسقط وجوبه.
واحتج بأنه دخل على صفة لو حج من سنته لم يستقر عليه القضاء، كذلك وإن لم يحج من سنته.
أصله: من يتكرر دخوله إلى مكة.
والجواب: أنه يبطل بمن دخل مكة مُهلاً بحجة، ثم أفسدها.
ولأنه إذا حج بعد فعل المأمور به، وإذا لم يحج فقد ترك المأمور به، وليس إذا لم يلزمه القضاء من أدى الفعل وجب أن يلزم من لم يفعل شيئاً.
ولأن من يتكرر دخوله لا يلزمهم الإحرام؛ لأن مصالحهم متعلقة

بدخول مكة، وكذلك مصالح أهل مكة متعلقة بهم، ففي إيجاب الإحرام عليه إلحاق مشقة، وهذا المعنى لايوجد في غيرهم؛ لأن الإحرام يلزمهم من الميقات.
واحتج بأن كل من لا يستقر عليه القضاء بدخول الحرم محلاً إذا كان ممن يتكرر عليه دخوله، كذلك إذا كان من غيرهم.
دليله: إذا حج من سنته.
والجواب: أنه إذا حج من سنته فقد فعل ما اقتضاه الأمر، وإذا أخر الحج فلم يفعل ما يقتضيه الأمر، وفرق بين الأمرين وإيجاب القضاء بدلالة أن من أحرم بحجة الإسلام، فأداها، سقط عنه مقتضى الأمر، ولو أفسدها لما لم يفعل مقتضى الأمر، استقر عليه القضاء.
واحتج بأن الإحرام لا يجب عليه بالدخول بدليل أنه لو ورد ليدخل، وأقام في مكانه، أو انصرف إلى بلده، لم يجب عليه الإحرام، فثبت أنه يلزمه إذا أراد الدخول، فصار كالطهارة لصلاة النافلة.
والجواب: أن وجوب الإحرام يتعلق بإرادة الدخول، فإذا تم الدخول وجب عليه، كما أن الدخول في الإحرام يتعلق بالإرادة، فإذا دخل وجب عليه بالدخول حتى إذا أفسد وجب عليه القضاء.
واحتج بأنه لو وجب القضاء بترك الإحرام لأدى إلى إيجاب الإحرام إلى غير نهاية؛ لأنه كلما حضر الميقات لزمه إحرام، فوقع ما يفعله عن الحال دون الماضي، وهذا كما لو نذر أن يصوم أبداً، ثم أفطر، لم يلزمه

القضاء؛ لأن كل يوم مشغول بما وجب فيه من القضاء.
والجواب: أن هذا غير صحيح؛ لأن عندنا إذا عاد إلى الميقات في سنة أخرى،÷ فأحرم، والذي يجب لحرمة الميقات أن لا يجاوزه إلى مكة محرماً، وليس عليه أن يأتي بإحرام للميقات، وإذا حضره أحرم بما عليه، لم يلزمه معنى آخر لمجاوزته الميقات، وهذا كما لو أحرم فيه بحجة الإسلام.
ومثل هذا ما نقوله جميعاً في الإحرام: أنه يوجب الحج عندنا وعندهم، ولو أحرم بحجة الإسلام أو المنذورة صح، ولا يُقال: قد لزمه بالدخول إحرام، وحجة الإسلام لازمة بالشرع، فيؤدي إلى إيجاب ما لا نهاية.
وقد قيل: إن له سبيلاً إلى القضاء من غير ما ذكروه، وهو أن يأتي بإحرام من مكة، فيسقط عن نفسه موجب ما لزمه، وهذا لا يخرج على أصلنا؛ لأن أحمد قال في رواية حرب: يرجع إلى الميقات، فيحرم بحجة، أو عمرة.
واحتج بأن هذا أمر مؤقت، فسقط بفوات الوقت، والقضاء يجب بأمر آخر، فموجبه يحتاج إلى دليل.
والجواب: أنا إذا اتفقنا أن مجاوزة الميقات توجب إحراماً آخر،

فهو كمن قال: لله عليَّ الحج في هذه السنة؛ لأن الإيجاب تعلق بسبب من جهته، وقد اتفقنا على أن النذر المؤقت لا يسقط بفوات الوقت، كذلك هذا.
على أن القضاء عندنا يجب بالأمر السابق.
......

153 -

مسألة

إذا أحرم بحجتين، أو عمرتين، لزمه إحرام واحد:

نص عليه في رواية أبي طالب وابن منصور في من أهل بحجتين: لا تلزمه إلا حجة.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يلزمه الإحرامان، ثم يرفض إحداهما، ويمضي في الأخرى، فإذا فرغ من هذه قضى الأخرى.
وقال داود: يقع إحرامه باطلاً، ولا ينعقد بواحد منهما.
فالدلالة على صحة الإحرام في الجملة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئٍ ما نوى".
ولو خلينا والظاهر لقلنا: يصح إحرامه بهما؛ لأنه نواه، لكن قام

دليل الإجماع على إسقاط أحدهما، فبقى ما عداه على موجب الظاهر.
ولأن الزمان يصلح للإحرام بحجة واحدة، فإذا أحرم بحجتين وجب أن يصح بما يصلح له الزمان، ويبطل فيما لا يصلح، كما لو عقد الإمام الهدنة زيادة على المدة صح فيما صح، وكذلك لو باع ملكه وملك غيره، وكذلك إذا أحرم بالحج في غير أشهره لم يصح عندهم بالحج، ويصح بالعمرة.
واحتج المخالف بقوله صلى الله عليه وسلّم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ"، وهو منهي عن الإحرام بحجتين.
وإن قاسوا على الإحرام بالصلاتين، فالمعنى فيه ما نذكره فيما بعد، وهو اعتبار التعيين.
والدلالة على أنه ينعقد بأحدهما: أنهما عبادتان لا يصح المضي فيهما بوجه، فلم يصح الإحرام بهما.
دليله: الصلاتان.
ولا يلزم عليه إذا أحرم بالحج والعمرة في يوم عرفة بالكوفة أن يصح إحرامه بهما، وإن لم يمكن المضي فيهما؛ لأنهما يمكن المضي

فيهما بوجه، وهو إذا كان بمكة، وإن لم يكن المضي فيهما في هذه الحال.
وإن شئت قلت: عبادتان لا يصح المضي فيهما، ولا في شيء من أفعالهما بوجه، أشبه الصلاتين.
ولا يلزم عليه إذا أحرم الكوفي بالحج والعمرة في يوم عرفة؛ فإنه يصح إحرامه بهما؛ لأنه يمكن المضي في أكثر أفعالهما؛ لأنه يطوف، ويسعى، ويحلق أو يقصر، وذلك من أفعال الحج والعمرة.
فإن قيل: المعنى في الصلاتين: أنه لما لم يصح الجمع بينهما إذا كانا من جنسين، لم يصح إذا كانا من جنس واحد، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لما صح الجمع بينهما إذا كانا من جنسين، وهو الحج والعمرة، صح إذا كانا من جنس واحد؛ لأنه لو أحرم بصلاتين لم ينعقد بواحدة منهما، ولو أحرم بحجتين لزمه أحدهما، فدل على الفرق بينهما.
قيل له: إنما لم يصح الإحرام بأحد الصلاتين، ووقع باطلاً فيهما، وإن اتفق الجنسان، أو اختلفا؛ لأن من شرط صحة الصلاة تعيين النية لها، فلو قلنا: تنعقد إحدى الصلاتين؛ لانعقدت بلا تعيين، وهذا لا يجوز، وليس كذلك الحج؛ فإنه ليس من شرطه تعيين النية، فجاز أن ينعقد بحجة واحدة، ويبطل في الأخرى؛ لأن الوقت يصلح لأحدهما.

فإن قيل: إذا نوى صلاة فريضة ونافلة، كان يجب أن ينعقد الإحرام بصلاة النافلة التي لا تفتقر إلى التعيين.
قيل له: كذلك نقول: تحصل له نافلة.
وجواب آخر عن أصل السؤال: وهو أنه ليس أنه إذا صح في إحديهما يجب أن يصح فيهما، كمن نوى صومين في يوم رمضان، صح لأحدهما عندهم، ولم يصح للآخر، وإذا نذر أن يحج في عام واحد حجتين، وجبت إحداهما، ولم تجب الأخرى.
وعليه أنه ليس إذا لم يتناف الإحرام بهما في صحة أحدهما، يجب أن لا يتنافى في صحتهما معاً، ألا ترى أن المضي فيهما لا يتنافى في صحة أحدهما، ويتنافى في صحة المضي فيهما؟ أما الحج والعمرة فيأتي الكلام عليهما.
وقياس آخر، وهو: أن الإحرام فعل من أفعال الحج، فلا يجوز أن يجمع به بين حجتين.
أصله: الوقوف، والطواف، والسعي، والرمي.
ولأن الحجة الثانية لو كانت منعقدة لم تنفسخ إلا بسبب طارئ بعد الانعقاد، كالفساد والفوات، ولم يحدث سبب يوجب الفسخ، فدل على أنها لا تنعقد.
فإن قيل: أخذه في الطواف الذي لا يصلح لهما يوجب الفسخ قبل الطواف في موجب الإحرام، وفعل ما يقتضيه الإحرام ويوجبه،

لا يوجب فسخه.
واحتج المخالف بأننا اتفقنا على جواز الجمع بين إحرام الحج والعمرة، والمعنى فيه: وجوب التلبية بهما مع النية، وهو ممن يصح منه الإحرام، وهذا المعنى موجود في إحرام الحجتين أو العمرتين.
والجواب: أنه إنما صح الجمع بين إحرام الحج والعمرة؛ لأنه لا يمكنه المضي فيهما، فوجب أن لا يلزماه بإحرام واحد، كالصلاتين.
فإن قيل: تعذر المضي فيهما لا يمنع لزومه، ألا ترى أنه لو أحرم بالكوفة يوم عرفة لزمه الإحرام، وإن لم يمكنه المضي فيه؟ وكذلك لو أحرم، وهو محصر، وكذلك إذا أحرم بشيء مجهول انعقد إحرامه للحج، ولا يمكنه المضي فيه، وكذلك إذا أحرم الماسح على الخفين بالصلاة، فمضى وقت المسح لم يمكنه المضي فيها، وإحرامه صحيح.
قيل له: قد يستفيد بالإحرام في تلك المواضع فائدة، وهو أنه إذا فاته الحج تحلل بعمرة، وإذا أحرم بشيء مجهول عينه في الثاني، ومضى فيه، وإذا أحرم بالصلاة الماسح حصل له بعض أفعال العبادة، وهذا معدوم في مسألتنا؛ فإنه لا يستفيد بالحجة الثانية شيئاً.
واحتج بأن الحج يلزم بالدخول كلزومه بالنذر، ثم النذر تلزم به حجتان وأكثر، كذلك الدخول؛ لأن كل واحد منهما سبب للوجوب.
والجواب: أن الزاد والراحلة سبب للوجوب، ولا يجب به

إلا حجة واحدة.
وعلى أن الشروع لا يجب اعتباره بالنذر، ألا ترى أنه يصح أن ينذر صلوات كثيرة، ولا يصح أن يشرع في صلوات كثيرة.
وعلى أن النذر هو التزام في الذمة، وهي تتسع لوجوب حج، وعمرة، وليس كذلك الإحرام؛ فإنه لا يصح إلا فيما يصلح له الوقت، والوقت لا يصح لحجتين، فلم يصح الشروع فيهما [....] أن ينذر حجتين في سنة واحدة، فتلزمه إحداهما؛ لأن الوقت لا يتسع لهما.
......

154 -

مسألة

يضيف الحج إلى العمرة، ولا يضيف العمرة إلى الحج، فإن فعل لم تنعقد العمرة على ظاهر كلام أحمد في مواضع:

فقال في رواية المروذي في من قدم يوم عرفة معتمراً، فخاف أن يفوته الحج: إن طاف أدخل الحج على العمرة، ويكون قارناً.
قيل له: فيدخل العمرة على الحج؟ قال: لا.
وكذلك نقل حنبل عنه: إذا أهل بعمرة، أضاف إليها الحج، وإذا أهل بالحج لم يضف إليه عمرة.
وكذلك نقل الأثرم عنه: إذا أهل بعمرة أضاف إليها الحج،

ولا بأس، إنما الشأن في الذي يهل بالحج يضيف إليه عمرة، ثم قال علي: لو كنت بدأت بالعمرة.
وكذلك نقل حرب عنه، وقد سأله عن من أهل بالحج، فأراد أن يضم إليها عمرة، فكرهه.
وكذلك نقل أبو الحارث عنه قال: إذا أحرم بعمرة، فلا بأس أن يضيف العمرة إلى الحج، فإن فعل فقد أوتي وهو قارن.
وبه قال مالك.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: مثل قول أبي حنيفة ومالك.
دليلنا: ما احتج به أحمد، ورواه الأثرم في "مسائله" بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي نصر، عن أبيه قال: خرجت أريد الحج، فقلت: أمر بالمدينة، ثم خرجت، فأدركت علياً في الطريق، وهو يهل بعمرة وحجة، فقلت له: يا أبا الحسن! إنما خرجت من الكوفة؛ لأقتدي بك، وقد سبقتني فأهلك بالحج، أفأستطيع أن أدخل معك فيما أنت فيه؟ قال: لا، إنما ذلك لو كنت أهللت بعمرة.
فإن قيل: نحمل قوله على الكراهة، ونحن نكره ذلك.

قيل له: النهي يدل على فساد المنهي عنه، فوجب أن تكون العمرة فاسدة.
وأيضاً فإن القارن يفعل ما يفعله على أصلنا، فإذا كان محرماً بالحج لم يستفد بإضافة العمرة إليه فائدة، وقد صارت هذه الأعمال مُستحقة عليه بالحج، ولا يجوز إسقاط عبادة أخرى بها، ولا يجوز استحقاقها بعقد مستأنف عليها.
ألا ترى أن المنافع المستأجرة لا يجوز عقد الإجارة عليها؛ لأنها صارت مستحقة بالعقد الأول، ولا يجوز استحقاقها بعقد مستأنف، كذلك هاهنا.
فإن قيل: لا نسلم لك هذا الأصل؛ لأن القارن عندنا يفعل ما يفعله المفرد بكل واحد منهما.
قيل له: قد دللنا على هذا الأصل فيما تقدم، وهذه المسألة مبنية عليه.
فإن قيل: فهذا لا يوجب أن لا يصح الجمع بينهما؛ لأنه لا يستفيد بالجمع بينهما شيئاً.
قيل له: إذا عقد عليهما دفعة واحدة فقد صارت أعمال الحج التي مثلها في العمرة مستحقة بالحج والعمرة، وليس كذلك إذا عقد الحج مفرداً؛ فإن عمله قد صار مستحقاً به، فلا يصح عقد العمرة عليه، كما قلنا في الإجارة.

وأيضاً فإن الحج آكد من العمرة؛ لأنه متفق على وجوبه، والعمرة مختلف في وجوبها.
ولأن كل ما في العمرة ففي الحج مثله، ويختص بأشياء زائدة، فلم يجز إدخال الضعيف على القوي، كما لا يجوز إدخال الفراش بملك اليمين على الفراش بالنكاح؛ لأن الفراش بالنكاح أقوى؛ لأنه يتعلق به الظهار، واللعان، والإيلاء، وغير ذلك مما لا يتعلق بالفراش بملك اليمين.
واحتج المخالف بأنه لما جاز الجمع بينهما، كذلك إذا تقدم أحدهما، وتأخر الآخر، كما لو أحرم بعمرة، ثم أدخل عليها الحجة.
والجواب: أنه إنما جاز الجمع بينهما؛ لأنه تصير أفعال الحج والعمرة مستحقاً بالإحرام، وليس كذلك إذا عقد الحج مفرداً؛ لأن عمله قد صار مستحقاً به، فلا يصح عقد العمرة عليه، كما قلنا في الإجارة.
وأما إدخال الحج على العمرة فإنما جاز، لأنه إدخال القوي على الضعيف، وفي إدخال العمرة على الحج إدخال الضعيف على القوي، وهذا لا يجوز، كما يجوز إدخال فراش النكاح على فراش ملك اليمين، ولا يجوز إدخال فراش ملك اليمين على فراش النكاح؟ واحتج بأن كل شيئين صح الجمع بينهما في عقد واحد، جاز إدخال كل واحد منهما على الآخر، كالأختين، وعكسه نكاح الأختين.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أنه إنما جاز الجمع بينهما؛ لأنه

تصير أفعالهما مستحقة بالإحرام، وليس كذلك في إدخال العمرة على الحج؛ لأن عمل الحج قد صار مستحقاً به، فلا يصح عقد العمرة عليه، ولا يشبه هذا نكاح الأختين؛ لأنه إذا عقد على أحديهما منفردة صح؛ لأنه لا يوجب استحقاق ما كان مستحقاً بعقد مستأنف، وهاهنا يوجب استحقاق ما كان مستحقاً بعقد مستأنف، وهاهنا يوجب استحقاق بعقد مستأنف، فهو كما لو استأجر داراً، لم يجز أن يعقد عليها عقداً مستأنفاً في مدة الإجارة، ويجوز أن يعقد على غيرها عقداً مستأنفاً للمعنى الذي ذكرنا.
واحتج بأن الإحرام بالحج والعمرة لا يتنافيان بدلالة جواز الإحرام بهما معاً، وليس في إدخال العمرة على الحج أكثر من كونه منهياً عنه، وهذا لا يمنعن لزومه بدلالة الإحرام من الميقات؛ لأنه منهي عنه ويلزمه.
والجواب: أن فيه ما هو أكثر من هذا، وهو استحقاق ما كان مستحقاً بعقد مستأنف، وذلك غير جائز.
......

155 -

مسألة

إذا أفسد الحج لم يخرج منه بالإفساد، بل يلزمه المضي في فاسده:

نص عليه في رواية عبد الله، وابن منصور، وأبي الحارث: فقال في رواية عبد الله: إذا وطئ، وهو محرم، ثم أصاب صيداً، عليه الجزاء، الإحرام قائم، يُؤمَر أن يتم حجه، ولا يحلق، ولا يصيد.

وفي رواية ابن منصور: إذا جامع، ثم أصاب صيداً، أو حلق، فالإحرام قائم، كلما أصاب من ذلك فعليه كفارة.
وفي رواية أبي الحارث: إذا وطئ امرأته وهما محرمان، فسد حجه، يتم هذا، والإحرام قائم، وعليه الحج من قابل، فقيل له: أيهما حجة الفريضة التي أفسدها، أو التي قضى؟ قال: لا أدري.
وبهذا قال جماعة الفقهاء.
وحُكي عن داود: أنه قال: يخرج منه بالإفساد.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: 196]، ولم يفرق بين الفاسد والصحيح.
وأيضاً روى أبو بكر النجاد في "سننه" قال: ثنا زكريا قال: ثنا أحمد بن سعيد قال: ثنا ابن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، عن سعيد بن المسيب: أن رجلاً من حذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل النبي صلى الله عليه وسلّم، فقال لهما: "أتما حجكما، ثم ارجعا، وعليكما حجة أخرى من قابل، حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتها فأحرما، وتفرقا، ولا يُواكل واحد منكما صاحبه، ثم أتما مناسككما، وأهديا".
وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.

ولأنه إجماع الصحابة.
روى النجاد قال: حدثنا القعنبي، عن مالك: أنه بلغه: أن عمر ابن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبا هريرة رضى الله عنه سُئِلُوا عن رجل أصاب أهله، وهو محرم بالحج، فقالوا: ينفذان لوجههما حتى يُتما حجهما، ثم عليهما الحج من قابل، والهدي.
وروى بإسناده عن ابن عباس في رجل أصاب امرأته، وهو محرم: يمضيان لوجههما، ثم يحجان من قابل، ويحرمان من حيث أحرما، ويتفرقان، ويهديان جزوراً.
ولأنه معنى يجب به قضاء الحج، ولم يخرج منه، كالفوات.
واحتج المخالف بما رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "كُلُّ عمل ليس عليه أمرنا فهو رد".
والحج الفاسد ليس عليه أمره.
والجواب: أن الذي ليس عليه أمره هو الوطء، وهو مردود، فأما الحج فهو مأمور به.
واحتج بأن هذه عبادة، فخرج منها بالفساد، كالصوم وسائر العبادات.
والجواب: أن تلك العبادات يخرج منها بقوله، وهو أن يقول:

أخرجت نفسي من هذه العبادة، فلهذا خرج منها بالإفساد، والحج لما يخرج منه بالقول، لم يخرج منه بالإفساد.
......

156 -

مسألة

إذا أفسد الحج بالوطء، وعادا للقضاء؛ فإنهما يتفرقان:

نص عليه في رواية الأثرم في الرجل يصيب امرأته، وهما محرمان: يتفرقان إذا أعادا الحج في النزول والمحمل والفسطاط، وما أشبه ذلك.
وكذلك نقل ابن منصور عنه في الذي يصيب أهله مُهلاً بالحج: يحجان من قابل، ويتفرقان، وأرجو أن يجزئهما هدي واحد.
فقد أطلق القول بالتفرق، قال شيخنا أبو عبد الله: يحتمل وجهين: أحدهما: أنه واجب.
والثاني: أنه مستحب.
وقال مالك والشافعي: يتفرقان.
واختلف أصحاب الشافعي: هل ذلك واجب، أم مستحب؟ على وجهين.
وقال أبو حنيفة: لا يتفرقان في الجملة.
والدلالة على التفرق في الجملة: ما تقدم من الحديث الذي رواه النجاد، وذكر فيه: "حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما فيه، فأحرما،

وتفرقا، ولا يُواكل واحد منكما صاحبه".
وهذا أمر فهو على الوجوب.
ولأنه إجماع الصحابة؛ روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس: فروى النجاد بإسناده عن مجاهد: وقد سئل عن الرجل يأتي امرأته، وهو محرم، قال: كان ذلك في عهد عمر بن الخطاب، فقال: يمضيان بحجهما، والله أعلم بحجهما، ثم يرجعان حلالاً كل واحد منهما بصاحبه، حتى إذا كان من قابل حجَّا، وأهديا، وتفرقا من حيث أصابا حتى ينقضي حجُّهما.
وروى مالك عن علي: فإذا أهلا بالحج من قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما.
وروى النجاد بإسناده عن الزهري، عن عبيد الله قال: سئل ابن عباس عن رجل أصاب امرأته، وهو محرم، قال: عليها الحج من قابل، ثم يفترقان من حيث يحرمان، ولا يجتمعان حتى يقضيا نسكهما، وعليهما الهدي.
ولأنه إذا كان قد جامعها مرة لم يُؤمن إذا بلغ ذلك الموضع أن يذكره، فتتوق نفسه إليه، فيواقعها، وتفسد الحجة الثانية، فيجب أن

يُفرَّق بينهما؛ لتؤمن هذه الحال، كما يمنع من القُبلة والطِّيب؛ ليأمن مواقعه الوطء.
فإن قيل: ففي الابتداء لا يأمن أن يجامعها، فيفسد حجمها، ومع هذا لا يُؤمران بالافتراق، وكذلك إذا لبس القميص مرة، ثم نزعه، فإنه لا يأمن أن يلبسه ثانياً، ومع هذا لا يُفرق بينه وبين قميصه وسائر ثيابه.
ولأنه إذا جامع في موضع، وأفسد الحج، فالقضاء بالحذر والإشفاق أولى.
ولأنه إذا بلغ ذلك الموضع يستغفر الله، ويحذر أن يعود إليه، فيفسد حجه، فيمسك عنه، فلا يُقدم عليه.
قيل له: أما قولك: (إنه في الابتداء لا يأمن أن يجامعها) فلا يصح؛ لأنه ليس هناك داعٍ، وهو ذكره عند بلوغه الموضع.
وأما لبسه القميص فغير ممنوع من دواعي اللبس؛ لأنه لا يُمنع من النظر إليه في الوقت الذي تتوق نفسه إلى لبسه، وفي الزوجة مُنع من الدواعي.
وقوله: إنه في الحجة الثانية أشد حذراً من الأولى، فهذا يوجب جواز الطيب في القضاء والقُبلة؛ لأنه يتحذر من الوطء.
واحتج المخالف بأنه لو وجب الافتراق في القضاء لوجب في الابتداء، ألا ترى أنه لما وجب الامتناع من الجماع في القضاء وجب في الابتداء؟

والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أن الأداء ليس فيه داعٍ، وفي القضاء داعٍ.
واحتج بأنه لا يُفرق بينهما في الابتداء فلم يفرق بينهما في القضاء قياساً على رمضان إذا جامع فيه امرأته، وأفسد الصوم، ثم أراد القضاء؛ فإنه لا يُفرق بينهما.
يبين صحة هذا: أن كل واحد منهما يجب بإفساده الكفارة.
والجواب: أن الحج أبلغ في منع الدواعي من الصوم بدليل المنع من الطيب والقبلة، والصوم بخلافه.
فصل: ويفترقان من الموضع الذي وطئها.
وهو قول الشافعي.
وقال مالك: يتفرقان من حيث يحرمان.
دليلنا: ما تقدم من حديث النجاد، وذكر فيه: "حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما فيه، فأحرما، وتفرقا"، فأوجب التفريق في المكان الذي أصابها فيه.
ولأن المعنى الذي لأجله أُمر بالتفرق: أنه لا يأمن إذا بلغ ذلك الموضع أن يذكره، فتتوق نفسه إلى مثل ذلك، وهذا المعنى لا يُوجد فيما قبله.

جارٍ التحميل