التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 104-143

أدائها فيه، ثبت أنه إنما تركه؛ لأنه لم يكن وقتاً لها.
والجواب: أنه يجوز ترك العصر في وقتها بعرفة مع القدرة على أدائها فيه، وإذا لم يجز ترك شيء من واجباتها، كذلك في المغرب، وكذلك إذا خشي فوات الوقت.
واحتج بأن الجمع بالمزدلفة نسك في مكان مخصوص، فلم يجز فعله في غيره، كالطواف والوقوف والرمي.
والجواب: أنه ليس بنسك، وإنما هو جمعٌ للسفر عندنا، ثم إن هذا منتقض بصحة الإحرام في غير الميقات، ثم لا يجوز الوقوف والطواف والرمي في غير مواضعه، ويجوز فعل المغرب في الطريق في النصف الأخير إذا خشي طلوع الفجر.
......

123 -

مسألة

يجوز الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل من ليلة النحر:

نص عليه في رواية حرب: وقد سئل عن الإفاضة من جمع بليل من غير عذر، فقال: أرجو، إلا أنه قال: في وجه السحر.
وقال في موضع آخر من "مسائله": وقد سُئل عن الرجل يخرج من المزدلفة نصف الليل، يأتي منى يرمي الجمار؟ فقال: نعم، أرجو أن لا يكون به بأس.

وكذلك نقل أبو الحارث عنه في من أفاض من جمع بليل قبل طلوع الفجر، فقال: إذا نزل بها، أو مر بها، فأرجو أن لا يكون عليه شيء إن شاء الله.
وقال -أيضاً- في رواية حنبل: من لم يقف بعرفة غداة المزدلفة ليس عليه شيء، ولا ينبغي له أن يفعل.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا ترك الوقوف بالمزدلفة بعد طلوع الفجر فعليه دم؟ دليلنا: ما روى أبو داود بإسناده عن عروة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وسلّم بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلّم، تعني: عندها.
وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في "سننه" بإسناده عن هشام بن عروة، عن أم سلمة قالت: قدمني النبي صلى الله عليه وسلّم في من قدم من أهل ليلة المزدلفة، قالت: فرميت الجمرة بليل، ثم مضيت إلى مكة، فصليت بها الصبح، ثم رجعت إلى منى.
وروى عبد الرحمن بن أبي حاتك بإسناده عن القاسم، عن عائشة

قالت: كانت سودة بنت زمعة امرأة ثقيلة ثبطة، فأستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم في أن تُدلج من جمع، فأذن لها، وكانت عائشة تقول: لوددت أني كنت استأذنته.
وكانت تقول: ليس الإدلاج من المزدلفة إلا لمن أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
وهذا يقتضي أنها استأذنته في ذلك ليلاً؛ لأنه لو كان نهاراً لم تحتج إلى إذن.
ولأن عائشة قالت: لوددت أني كنت استأذنته، فتأسفت على ذلك.
وكانت تقول: ليس الإدلاج إلا لمن أذن لمن أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وهذا يدل على أنه كان ليلاً؛ لأن ما بعد طلوع الفجر يجوز لكل أحد.
فإن قيل: إنما قدمها، وأذن لها في ضعفة أهله خوف الزحام، وأباح لها ولغيرها ترك الوقوف للعذر، كما أباح لصفية ترك طواف الصَّدر لعذر؛ لأنها كانت امرأة ثبطة، وخاف عليها الزحام، وكان يوم قسمها.
قيل: ليس ذلك بعذر؛ لأن كونها ثبطة، وحق القسم لها، ووجود الزحام، لا يوجب العذر في ترك النُّسك.
يدل على صحة ذلك: أنه لو كان خوف الزحام عذراً في ذلك المكان، لكان عذراً في ترك الوقوف والسعي؛ لأن الزحام فيهما أكثر،

وقد نُقل أن امرأة قُتلت في زحام الطواف، وقضى عثمان فيها بدية وثلث، ولم يُنقل ذلك في زحام طريق منى من المزدلفة.
وكذلك حق القسم لها ليس بعذر؛ لأنه حق واجب لها، أو عليها، وذلك لا يوجب ترك نسك واجب، كسائر الحقوق.
وكذلك كونها ثبطة لا يوجب تأخير ذلك، كما لم يوجب تأخير الطواف.
ولأنه دفع منها بعد نصف الليل، فلم يلزمه الدم.
دليله: إذا دفع بعد نصف طلوع الفجر.
وإن شئت قلت: الإفاضة منها في النصف الآخر جائزة للمعذور، وجب أن لا يكون وقتاً لوجوب الوقوف فيها قياساً على ما بعد طلوع الفجر.
فإن قيل: لا يمتنع أن يجوز ذلك في حق المعذور، ولا يجوز في حق غيره، كما أن الحائض يجوز لها أن تنفر من مكة بغير وداع، ولا يجوز ذلك لغير الحائض.
قيل له: وهذا معذور أيضاً؛ لأن به حاجة إلى التعجيل؛ لتخيير فضيلة أول الوقت، ويتخلص من الزحام، ونحو ذلك.
واحتج المخالف بما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "من ترك نُسكاً فعليه دم".

وهذا نسك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلّم وقف بها بعد طلوع الفجر، وقال: "خذوا عني مناسككم".
والجواب: أن وقوف النبي صلى الله عليه وسلّم بعد الفجر محمول على الاستحباب والفضيلة دون الإيجاب، وقوله: "من ترك نُسكاً فعليه دم" محمول على غير مسألتنا بدليل ما تقدم.
واحتج بأن نصف الليل وقت للعشاء الآخرة، فلم يجز الوقوف فيه.
دليله: قبل نصف الليل.
أو نقول: وقت للوقوف بعرفة، أشبه قبل نصف الليل.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار النصف الأخير بالنصف الأول؛ لأن الدفع من المزدلفة في النصف الأول لا يجوز في النصف الأخير لأهل الأعذار.
واحتج بأن هذا وقوف مأمور به، فوجب أن يكون واجباً، كالوقوف بعرفة.
والجواب: أنا نوجب الكون بمزدلفة، كما نوجبه بعرفة، وإنما الخلاف في الوقوف بعد الفجر، وليس في القياس ما يدل عليه.
......

124 -

مسألة

فإن دفع من المزدلفة قبل نصف الليل، أو لم يبت بها جملة لغير عذر؛ فهل عليه دم، أم لا؟

فالمنصوص عنه في رواية أبي طالب وحنبل وصالح والمروذي: أن عليه دماً.
قال في رواية أبي طالب: من لم يقف بجمع فعليه دم.
وفي رواية حنبل: إذا لم يبت بالمزدلفة فعليه دم.
وفي رواية صالح: إذا مر بجمع بعد طلوع الشمس فعليه دم.
وفي رواية المروذي: إذا وقف بعرفة، فغلبه النوم حتى طلعت عليه الشمس، فعليه دم.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
ونقل الجماعة عنه؛ الأثرم وابن إبراهيم وأبو طالب والمروذي: إذا ترك ليالي مني فلا دم عليه.
فيُخرج في ليلة المزدلفة كذلك.
وللشافعي قولان، كالروايتين.
فإذا قلنا: عليه دم، فوجهه: أن النبي صلى الله عليه وسلّم بات بها، وهذا خرج مخرج البيان.
ولأنه قال: "خذوا عني مناسككم"، وهذا أمر فهو على الوجوب.

وإذا ثبت بهذا وجوب البيتوتة دخل تحت قوله: "من ترك نُسكاً فعليه دم"؛ لأنه مبيت مأمور به في مكان مخصوص، وكان واجباً، أو نقول: فوجب بتركه دم.
دليله: ليالى منى.
ومن قال: لا يجب؛ فإن البيتوتة بمزدلفة غير مقصودة، وإنما يبيت ليتأهب لفعل النسك في الغد، فلم يجب بتركه دم، ولم يكن واجباً.
والجواب: أنا لا نسلم أن ذلك غير مقصود.
وإن قاسوا على ليالي منى ففيها روايتان، والفرق بينهما أنها تقصد للجمع.
......

125 -

مسألة

يجوز رمي جمرة العقبة بعد نصف الليل، وقبل طلوع الفجر:

نص عليه في رواية حرب، وقد تقدم ذكرها.
نص عليه -أيضاً- في رواية حنبل، فقال: ومن رمى جمرة العقبة قبل الفجر فهو جائز.
وبهذا قال الشافعي.

وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز.
دليلنا: ما تقدم من حديث أم سلمة، وأن النبي صلى الله عليه وسلّم قدمها في من قدم، فرمت فبل الفجر.
وفي لفظ آخر: فرمت بليل.
فإن قيل: ليس فيه أنها رمت بأمر النبي صلى الله عليه وسلّم.
قيل: لا يجوز أن يأمر زوجته بالإفاضة من المزدلفة من الليل قبل الناس، ويأمرها بأن توافي مكة مع صلاة الصبح، ولا يُعلمها ما تفعله، ولا يوافقها عليه، ولا يجوز أن تفعل أم سلمة ذلك، ولا تسأله، ويجتمع معها في يوم النحر، فلا تخبره بما فعلته.
وجواب آخر، وهو: قوله: (أرسل أم سلمة، فرمت قبل الفجر) يقتضي أن يكون أرسلها؛ لترمي قبل الفجر، كما لو قال: أذن فلان لفلان، فباع عقاره، أو أجره، أو أدى خراجه؛ فإنه يقتضي أن يكون الإذن في إرساله، وفيما فعله.
وجواب آخر: هو أن أبا عبد الله بن بطة روى هذا الحديث في "سننه" بإسناده عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن يوم أم سلمة دار إلى يوم النحر، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فرمت الجمرة، وصلت الفجر بمكة.
وقوله: (أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فرمت) يدل على أنها رمت الجمرة بأمره، وأنه أمرها بالإضافة لرمي الجمرة.
والقياس: أن الرمي وجد بعد نصف الليل، أشبه إذا وُجد

بعد طلوع الفجر.
وإن شئت قلت: كل وقت جاز فيه الدفع جاز فيه الرمي قياساً على ما بعد طلوع الفجر.
ونريد بقولنا: إنه يجوز فيه الدفع لأهل الأعذار، وهذا مسلم.
وإن شئت قلت: ما كان وقتاً للرمي فيه مع الجهل به، كان وقتاً له مع العلم به.
دليله: ما بعد الفجر.
وقد قالوا: إنه لو اعتقد أن الفجر طلع، فرمى، ثم بان أنه لم يطلع الفجر، أجزأه.
فلولا أنه وقت للرمي لم يجزئه، ألا ترى أن ما قبل نصف الليل لما لم يكن وقتاً للرمي، استوى فيه الجاهل والعالم.
واحتج المخالف بما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قدم ضعفة أهله ليلة المزدلفة خوف الزحام، وقال لهم: "لا ترموا جمرة العقبة إلا مُصبحين".
والجواب: أن هذه اللفظة غير محفوظة، وإنما المحفوظ من ذلك ما رواه أحمد في "المسند" بإسناده عن ابن عباس قال: قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم -أُغيلمة بني عبد المطلب- على حُمُرات لنا من جمع، قال: فجعل يلطح

أفخادنا، ويقول: "أبني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس".
فهذا هو المعروف، والمراد به الاستحباب دون الإيجاب.
والدلالة على ذلك: أنه أمرهم بذلك بعد طلوع الشمس، وذلك مستحب، وليس بواجب.
وهكذا الجواب عما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه رمى بعد الفجر: أنه على الاستحباب دون الإيجاب بما ذكرنا.
واحتج بأنه وقت للوقوف بعرفة، فوجب أن لا يكون وقتاً للرمي.
دليله: قبل نصف الليل.
ولأنه لو رمى قبل نصف الليل لم يجزئه، كذلك إذا رمى بعد نصف الليل قياساً على اليوم الثالث والرابع من يوم النحر.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون وقت نُسك وقتاً لنسك آخر، كما كان وقت الوقوف وقتاً للإحرام، ووقت الرمي وقتاً للطواف.
وأما النصف الأول، فلا يجوز فيه الدفع من المزدلفة فيه، كما يجوز قبل طلوع الفجر.
وعلى أنه لا يجوز اعتبار النصف الأخير بالنصف الأول، كما لا يجوز ذلك في الرمي في أيام التشريق؛ فإنه يجوز في النصف الأخير من النهار، ولا يجوز في النصف الأول.

وأما اليوم الثالث والرابع، فالمعنى فيه: أنه لا يجوز الرمي فيها قبل الزوال، وهذا المعنى معدوم في مسألتنا.
......

126 -

مسألة

لا يجوز رمي الجمار إلا بالحجر خاصة:

نص عليه في رواية حنبل في من رمى بخزف: فلا يجزئه حتى يرمي بالحصى على ما قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "بمثل حصى الخذف".
وقال -أيضاً- في رواية المروذي: وقد سأله عن من رمى بقص، وكان حجراً، فقال: لا يرمي إلا بمثل ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلّم "بمثل حصى الخذف".
قيل له: فإن رمى من غير تلك الحجارة؟ قال: يرمي بما أُمر الحاج مثل حصى الحذف.
ونقل حنبل عنه: إذا رمى بغير حصى، فإن كان قد أخذه، فأعده، فسقط منه، فلا بأس على معنى الضرورة، فأما أن يتعمد لذلك، فلا.
وظاهر هذا: أنه إذا رمى بغير الحصى من غير قصد يجزئه، والمذهب على ما حكيناه.

وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز الرمي بكل ما كان من جنس الأرض كالنورة، والزرنيخ، والجص، ونحو ذلك.
دليلنا: ما روى أحمد بإسناده -وذكره حنبل- عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم غداة جمع: "القط لي حصى"، فلقطت له حُصيات هن كالخذف، قال: "نعم، عليكم بأمثال هذه، وإياكم والغلو في الدين".
وروى أحمد فيما ذكره حنبل بإسناده عن معاذ، أو ابن معاذ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "عليكم بمثل حصى الخذف".
ومعناه: عليكم بمثل حصى الخذف من الحجر.
وأيضاً فإنه رمى بغير جنس الحجر، فوجب أن لا يجوز، قياساً على الدراهم والدنانير والحديد والنحاس والرصاص.
وإن شئت قلت: الكحل جوهر مودع فيها، فأشبه ما ذكرنا.
فإن قيل: المعنى في هذه الأشياء: أنها ليست من جنس الأرض، وإنما هي جواهر مودعة في الأرض، ألا ترى أن طبعها مخالف لطبع الأرض؛ لأنها تنطبع، وأجزاء الأرض لا تنطبع؟

قيل له: أجناس الأرض مختلفة الطباع؛ فمنها الطين، وهو ينطبع بالندا، ومنها الرمل والحجارة، ولا ينطبعان، والحجارة من جنس الأرض، وهي مختلفة؛ فمنها ما ينطبع ويلين للنحت، وتُعمل منه الآنية، ومنها ما لا يلين ويتشقق، فلا يمتنع أن يكون الذهب والفضة وسائر الجواهر من الأرض، وإن كانت تنطبع بالنار.
وقد قيل: إن الرمي عبادة لا يُعقل معناها؛ لأنه إن كان للكرامة فرمى الدراهم والدنانير واللوز والسكر أولى، وإذا كان للنكاية كان رمي والسكاكين أولى، فإذا كان كذلك، وجب المصير إلى ما ورد به الشرع، ولا يصح قياس غيره عليه.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء".
والجواب: أن هذا محمول على الحجارة بما ذكرنا.
واحتج بما روي أن سكينة بنت الحسين رمت بستة أحجار، وأعوزها سابع، فرمت بخاتمها.
والجواب: أن الفرض قد سقط بالست، والسابعة تطوع، وقد نص على ذلك في رواية حنبل وغيره.

وقد قيل: يحتمل أن يكون فصه حجراً فاعتدت بذلك، والخواتيم لا تخلو من فص.
واحتج بأنه رمى بما هو من جنس الأرض، أشبه ما ذكرنا من الأحجار.
والجواب عنه: ما ذكرنا.
واحتج بأنها عبادة تتعلق بالأحجار، فجازت بغيرها، كالاستجمار.
والجواب: أن الاستجمار لما جاز بما ليس من جنس الأرض، وهو الخزف ونحوها، جاز بما كان من جنسها، وليس كذلك الجمار؛ لأنه لا يجوز بما ليس من جنس الأرض، فهو أضيق، فوُقف على الأحجار.
......

127 -

مسألة

إذا رمى بحجر قد رمى به غيره لم يجزئه:

ذكره أبو بكر في "الخلاف"، وحكاه عن أحمد خلافاً للشافعي في قوله: يجزئه.
دليلنا: قول النبي صلى الله عليه وسلّم لابن عباس: "القط لي مثل حصى الخذف".
أمره بذلك من المزدلفة، وقال "خذوا عني مناسككم"؛ فاقتضى

ذلك أنه لا يجوز من غيره.
كذا رواه أحمد في رواية حنبل، فقال: أحب إليَّ من المزدلفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلّم أمر أن يُلتقط له من المزدلفة؛ يعني: حصى الجمار.
ويدل عليه ابن عباس قال: الحجر قربان؛ فما تقبل رفع، وما لم يُتقبل تُرك، وكرهنا أن نرمي بما لم يُتقبل.
فقد بين أن ما لم يُقبل يبقى مكانه، فلم يجز أن يرمي به؛ لأن القصد منها القبول، فلا يأمن أن لا يتقبل منه.
ورواه أبو حفص بإسناده عن ابن عباس قال: ما يُقبل من الحصى رُفع، ولولا ذلك لكان أعظم من ثبير.
وأيضاً ما حصلت به القربة على وجه الإتلاف انتقل المنع إليه.
دليله: العتق، والماء المستعمل.
ولا يلزم عليه إذا صلى في ثوب: أنه لا ينتقل المنع إليه؛ لأنه لم يقصد به الإتلاف.
ولا يلزم عليه الحجر الذي استجمر به إذا غسله، ثم استجمر به ثانياً: أنه لا يجوز؛ لأنا لا نعرف فيه رواية، وإن سلمناه، فلا يلزم؛ لأن المنع قد انتقل إليه في الحال، وإنما يزول بغسله، ومثله في الماء

المستعمل قد انتقل المنع إليه، ويزول إذا خالطته قُلتين، والمنع قد يحصل على وجه ينتقل كتحريم الطلاق الثلاث، وقد لا ينتقل كتحريم اللعان.
واحتج المخالف بما رُوي أن ابن مسعود أخذ الحصى من المرمى، ورمى به.
والجواب: أن قول الواحد وفعله ليس بحجة عند مخالفنا، وأما على قولنا، فيعارضه ما رويناه عن ابن عباس.
واحتج بأنه لو استجمر بحجر وغسله، ثم استجمر به ثانياً، جاز، كذلك إذا رمى الجمار.
والجواب: أن القصد من الاستجمار إزالة النجاسة، وهذا موجود بالحجر الواحد، والقصد من الرمي القبول، وذلك لا يحصل.
ولأن الاستجمار يُعقل معناه، وهو الإزالة، وهذا لا يُعقل معناه، فوُقف على ما ورد الشرع به.
ولأن الاستجمار ليس بقُربة محضة، ولهذا يصح من الكافر، ولا يفتقر إلى النية، وهذا قربة محضة، ولهذا لا يصح من الذمي، ويفتقر إلى النية.
......

128 -

مسألة

فإذا وقعت حصاة في ثوب إنسان، فنفضها عن ثوبه، فوقعت في المرمى، فحكى أبو بكر في "الخلاف" عن أحمد جواز ذلك في رواية بكر بن محمد خلافاً للشافعي في قوله: لا يجزئه:

دليلنا: أن الاعتبار بأن ينفرد بالرمي لا بالأصول، ألا ترى أنه لو رمى بها، فوقعت على موضع صلب مثل محمل، أو حجر، فاستثبتت، فوقعت في المرمى، أجزأه؟ كذلك هاهنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنها حصلت في المكان بفعله، وليس كذلك هاهنا؛ لأنها لم تتحصل في المكان بفعله، فهو كما لو رمي حربه إلى صيد، فتلقاها مجوسي، فرمى بها إلى الصيد، فقتله، لم يجزئه؛ لأن الذي قتله فعل غيره، كذلك هاهنا.
قيل: قوله في علة الفرع: (لم تتحصل في المكان بفعله) لا يصح؛ لأن رجلاً لو جعل في الطريق نبله، فوقع الحجر عليها، ثم استثبتت، وحصلت في المكان؛ فإنها لم تحصل بفعله، بل حصلت بفعله وفعل صاحب النبلة؛ لأن حكم فعله باقٍ بدليل أنه لو عثر بها إنسان، فوقع، فمات، كان ضامناً، ثم مع هذا يجزئه، فالعلة تبطل بهذا.
فأما المجوسي إذا تلقى الرمية، فرمى بها الصيد؛ فإنه إنما حرمناه لاشتراكهما، والذكاة إذا اشترك فيها من تصح ذكاته ومن لا تصح غلبنا

الحظر، وهاهنا يجب أن يختص الرمي بالرامي نفسه؛ لأن هناك العلة: أنه انفرد المجوسي بالرمية.
......

129 -

مسألة

إذا رمى في آخر أيام التشريق قبل الزوال لم يجزئه:

نص عليه في رواية الأثرم وابن منصور فقال: إذا رمى قبل الزوال يعيد.
وقال أيضاً في رواية المروذي في من نفر قبل الزوال: عليه دم.
وكذلك نقل ابن إبراهيم.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجزئه استحساناً.
وقد روى الأثرم عن أحمد نحو هذا، فقال: أحب إلي أن لا يرمي حتى تزول الشمس.
وظاهر هذا: أنه حكم بصحة الرمي.
وقد علق القول في رواية ابن منصور إذا رمى عند طلوع الشمس في النفر الأول، ثم نفر: كأنه لم ير عليه دماً.
وجه الرواية الأولى: ما روى الأثرم بإسناده عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم رمى جمرة العقبة يوم النحر ضحى، ورمى سائر أيام

التشريق بعدما زالت الشمس.
وروى بإسناده عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم رمى الجمار بعدما زالت الشمس.
وروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن عائشة قالت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلّم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع، فمكث بمنى ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى وعند الثانية، فيطيل المقام، ويتضرع، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها.
وإذا ثبت هذا من فعله دخل تحت قوله عليه السلام: "خذوا عني مناسككم".
فإن قيل: يُحمل فعله على الجواز.
قيل له: لا يمكن لوجهين: أحدهما: أنه خارج مخرج البيان.
والثاني: أنه قال عليه السلام: "خذوا عني مناسككم"، وهذا أمر.

ولأنه رمي لا يجوز تقديمه على طلوع الفجر، فلا يجوز تقديمه على زوال الشمس.
دليله: اليوم الثاني والثالث.
ولأنه رمي يتعلق بالجمار الثلاث، أو رمي يوم من أيام التشريق، أشبه ما ذكرنا.
واحتج المخالف بأن وجوب الرمي في هذا اليوم مقصور على من أصبح بمنى، ألا ترى أنه لو نفر قبل ذلك لم يلزمه شيء؟ فإذا كان وقتاً لوجوبه جاز الرمي فيه، ولا يجوز أن يكون وقتاً للوجوب، ولا يكون وقتاً للجواز.
وليس كذلك ما قبله من الأيام؛ لأن وجوب الرمي فيها غير مقصور على من أصبح كائناً فيها، ألا ترى أنه لا يجوز له النفر في تلك الأيام قبل الرمي، وإن تركه لزمته الفدية؟ والجواب: أنا لا نسلم أن وجوب الرمي في هذا اليوم مقصور على من أصبح بمنى من هذا اليوم، وإنما وجوبه متعلق بغروب الشمس في اليوم الثاني، فإذا لم ينفر حتى غربت الشمس لزمه أن يبيت بمنى، ويرمي من الغد إذا زالت الشمس، فامتنع أن يكون وجوب الرمي مقصور

على الصبح من اليوم الآخر، وإنما هو مقصور على ليلة هذا اليوم، والقرآن يشهد لهذا، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203]، وهذا يقتضي أن يكون التعجيل في اليوم الثاني، وهو قبل غروب الشمس، فمن لم يتعجل فيه لزمه أن يقيم فيه.
وجواب آخر، وهو: أن وجوبه مقصور على ترك التعجيل في يومين، فعاد إلى أصله؛ لأن الله -تعالى- جعل التعجيل رخصة في ترك الرمي في اليوم الثالث، وإذا لم يتعجل زالت الرُّخصة، ولزمه أن يبيت، ويرمي في وقته، كما أن تعجيل العصر إلى الظهر رخصة عندنا، فإذا لم يتعجل زالت الرُّخصة، ولزمه أن يصلي العصر في وقتها.
واحتج بأنه يوم سن فيه الرمي يجاوره يوم لا رمي فيه، أشبه يوم النحر.
والجواب: أنا لا نسلم أن العلة في الأصل ما ذُكر، وأنه يوم لا يجاوره يوم لا رمي فيه.
ثم نقابله فنقول: يوم شُرع فيه رمي، يتقدمه يوم شرع فيه رمي، فلا يجوز تقديمه على زوال الشمس.
أصله: اليوم الأول واليوم الثاني من أيام التشريق.
وعكسه: يوم النحر؛ فإنه لما كان لا يتقدمه يوم شرع فيه رمي، جاز تقديمه على زوال الشمس.

ولأن إلحاق اليوم الثالث باليوم الأول والثاني، أولى من إلحاقه بيوم النحر؛ لأن اليوم الثالث من جنس اليوم الأول والثاني في تعلق الرمي بالجمار الثلاث، وفي عدد الحصيات، وكونه خارج الإحرام؛ لا يتعلق به التحلل منه، وقياس الشيء على نظيره أولى.
......

130 -

مسألة

إذا غابت الشمس يوم النفر الأول، وهو بمنى، فعليه أن يبيت الليلة بها، ويرمي من الغد:

نص عليه في رواية المروذي، فقال: ينفر الرجل، فإن صلى العصر وأمسى، فلا ينفر إلى الغد.
وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم في القوم ينفرون النفر الأول: فإن أمسوا بمنى لم ينفروا، وإن لم يمسوا، فلا بأس أن يقيموا بمكة.
وكذلك نقل ابن منصور عنه في من أدركه المساء يوم الثاني بمنى: يقيم إلى الغد حتى تزول الشمس.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: له أن ينفر قبل طلوع الفجر من آخر أيام التشريق، فإن طلع الفجر، وهو بمنى، وجب الرمي في اليوم.

دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203]. وهذا ظاهر في أن التعجيل بالنهار دون الليل؛ لأن اسم اليوم للنهار.
يدل عليه: أن أهل اللغة قالوا: اليوم اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس.
ويدل عليه: أنه إذا قال: (لله على أن أعكتف يوماً) لزمه أن يعتكف ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس.
وأيضاً روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه أمر رجلاً فنادى: أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين، فلا إثم عليه، ومن تأخر، فلا إثم عليه.
وروى المنذر بإسناده عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني بمنى، فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس.
ولا يُعرف له مخالف.
ولأنه لم يتعجل في يومين، فلزمه المقام حتى يرمي قياساً على من لم ينفر حتى طلع الفجر.
واحتج المخالف بأنه لم يدخل وقت الرمي في اليوم الأخير،

فوجب أن لا يلزمه الرمي في ذلك اليوم، وله أن ينفر.
دليله: قبل غروب الشمس من يوم النفر الأول.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه لم يدركه الليل قبل النفر، وليس كذلك هاهنا؛ فإن الليل أدركه قبل النفر، فزالت رخصة التعجيل.
ولأن التعجيل في اليومين رخصة، فإذا انقضى اليومان زالت رخصة التعجيل، ولزمه الرمي في وقته، فكان الاعتبار بانقضاء اليومين، لا بدخول وقت الرمي.
......

131 -

مسألة

إذا بدأ في اليوم الثاني بجمرة العقبة، ثم بالوسطى، ثم بالأولى، لم يجزئه إلا مرتباً، ويعيد الوسطى والأخيرة:

نص عليه في رواية الأثرم وابن منصور.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجزئه.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحَّال في من رمى الجمرة قبل جمرة: أرجو أن لا يكون عليه شيء إذا كان ناسياً.
دليلنا: ما تقدم من حديث عائشة قالت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلّم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع، فمكث بمنى ليالي أيام التشريق،

[يرمي الجمرة إذا زالت الشمس]، كل جمرة بسبع حصيات، [يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى وعند الثانية، فيطيل المقام، ويتضرع]، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها.
فأخبرت أنه بدأ برمي الأولى، ثم الثانية، ثم جمرة العقبة، وفعله إذا ورد مورد البيان اقتضى الوجوب.
ولأنه قال: "خذوا عني مناسككم".
ولأنه نسك يتكرر من جنس متعلق بأماكن، فيجب أن يكون الترتيب المشروع فيه شرطاً في صحته.
دليله: ترتيب السعي على الطواف.
ولا يلزم عليه الرمي وطواف الزيارة أن الترتيب فيهما غير واجب؛ فإنهما جنسان، ونحن قلنا: من جنس، والطواف والسعي من جنس؛ لأنهما جميعاً شيء ذو عدد.
فإن قيل: المعنى في تقديم السعي على الطواف: أنه تابع للطواف، فلهذا كان الترتيب مستحقاً، وليس كذلك هاهنا؛ لأن كل جمرة ليست بتابعة لغيرها.

قيل له: لا نسلم لك هذا؛ لأن الجمرات تتبع بعضها بعضاً، كالسعي مع الطواف.
وقد قيل: إنه نسك مبني على التكرار، فوجب أن يكون موضع البداية مستحقاً، كالبداية بالصفا ثم بالمروة إذا أراد السعي بينهما، والبداية بالحجر الأسود في الطواف.
وبعضهم يمنع هذا الأصل، ويقول: روى ابن شجاع عن أبي حنيفة: أنه إن بدأ بالمروة وختم بالصفا أجزأه.
واحتج المخالف بأنها مناسك تتعلق بأمكنة، جمعها وقت واحد، ليس بعضها تابعاً لبعض، فوجب أن يكون الترتيب فيها ساقطاً.
دليله: الرمي وطواف الزيارة.
ولا يلزم عليه صلاتا عرفة؛ لأنها لا تتعلق بأماكن متفرقة.
ولا يلزم عليه تقديم الطواف على الوقوف؛ لأنه لا يجوز؛ لأنه لم يجمعها وقت واحد.
ولا يلزم عليه تقديم السعي على الطواف؛ لأنه تبع للطواف.
والجواب: أنا لا نسلم أن بعضها ليس بتابع لبعض، وإذا سقط هذا الوصف انتقض بالسعي مع الطواف.
على أن أعمال يوم النحر فيها نص، وهو قوله صلى الله عليه وسلّم فيما قُدم وأُخر:

"افعل، ولا حرج"، وليس في الفرع ما يمنع الترتيب، فوجب أن يكون شرطاً.
ولأن أعمال يوم النحر يجب الدم بتقديم بعضها على بعض عنده، وهاهنا لا يجب الدم عنده، وعندنا لا يجب الدم فيها، وتجب الإعادة في الجمرات، فدل إجماعنا على الفرق بينهما.
......

132 -

مسألة

إذا أخَّر رمي يوم إلى الغد -أو إلى ما بعده- رماه، ولا دم عليه، وأيام الرمي كلها بمنزلة اليوم الواحد، فإن ترك الرمي في يوم منها، رماه فيما بعد إلى أن تنقضي أيام التشريق:

نص على هذا في رواية ابن منصور: وقد سئل عن الرمي بالليل إذا فاته، فقال: أما للرعاء فقد رخص لهم، وأما غيرهم، فلا يرمي إلا بالنهار من الغد إذا زالت الشمس، يرمي رميين.
وقال في رواية أبي طالب: من نسى رمياً، ثم ذكر من الغد، يرمي من الغد، ومن نسي رمي الجمار حتى خرج، فعليه دم.
قال في رواية إسحاق بن إبراهيم: وقد سئل عن الرجل ينسى رمي جمرة العقبة، فذكرها في أيام التشريق، فقال: يُروى عن سعيد بن

المسيب في الرجل ينسى الرمي: يرمي إذا ذكر في أيام منى، فإذا جازت أيام منى، ثم ذكر، فعليه دم.
وسئل -أيضاً- عن الرجل ينسى رمي الجمار إلى الغد قال: لا بأس، يرميها من الغد.
قيل له: فإن نسي، ثم خرج من البلاد، فقال: كان عطاء يقول: عليه دم.
وقال أبو حنيفة: إن أخَّر رمي يوم إلى الليل رمى، ولا شيء عليه، وإن أخَّر إلى الغد رماه، وعليه دم.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: إن رمي كل يوم محدود الأول محدود الآخر، فيرمي، ويريق دماً.
فالدلالة على أنه يقضي من الغد، ولا دم عليه: ما روى عبد الله ابن بطة بإسناده عن أبي البداح بن عاصم، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة، يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد، ومن بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر.
وروى في لفظ آخر قال: رخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلّم للرعاء أن يرموا

يوماً، ويدعو يوماً.
وقد رواه أحمد، كذلك ذكره أبو بكر.
فوجه الدلالة: أنه رخص في التأخير إلى الغد، ولم يوجب الدم.
فإن قيل: معناه رخص لهم في تأخيره إلى الليل.
قيل له: قد روينا في الخبر: أنه قال: رخص للرعاء أن يرموا يوماً، ويدعوا يوماً.
وهذا يقتضي أن يكون الرمي في النهار دون الليل.
وفي لفظ آخر قال: ثم يرموا يوم النفر.
وهذا يقتضي التأخير إلى آخر النهار.
فإن قيل: الدم مسكوت عنه، فلا دلالة فيه على إسقاطه.
قيل له: لو كان واجباً لذكره وبينه، كما بين رخصة التأخير، ولما لم يبين ذلك دل على أنه غير واجب.
والقياس أنه زمان يصح فيه الرمي، فلا يجب بتأخيره إليه دم.
دليله: إذا أخره من النهار إلى الليل.
فإن قيل: تأخير الرمي إلى الليل ليس بمنهي عنه، فلهذا لم يجب الدم، وتأخيره إلى اليوم الثاني منهي عنه، فلهذا وجب الدم.
قيل: لا نسلم أنه منهي عنه، بل جميع الأيام الثلاثة وقت للرمي؛

أداء لا قضاء، إنما يكون تاركاً للفضيلة، كما يكون تاركاً لها بالتأخير إلى الليل.
ولأنه أخر الرمي إلى يوم فيه رمي، فوجب أن لا يفوت فيه، كالرعاء.
ولأنه بتأخيره إلى اليوم الثاني والثالث يكون مؤدياً لا قاضياً؛ لأنه لو كان قضاء لم يكن زمانه محصوراً يفوت بفواته، كسائر العبادات، فلما ثبت أنه يفوت بفوات أيام التشريق ثبت أنه وقت للأداء.
ولا يدخل عليه قضاء رمضان؛ لأن القضاء ليس له وقت يفوت فيه.
ولأنه نسك أخره عن وقت الفضيلة إلى وقت الجواز، فلم يجب بتأخيره دم، كما لو أخَّر الوقوف من النهار إلى الليل.
ولهذه العلة قلنا: لا يجب بتأخير طواف الزيارة والحلاق ودم المتعة وصوم المتعة دم على الصحيح من الروايات؛ لأنه أخَّره إلى جواز فعله.
ولا يلزم عليه إذا أخره عن أيام التشريق؛ لأنه أخره عن جواز فعله، وكذلك إن أخر الوقوف حتى طلع الفجر.
واحتج المخالف بأنه منهي عن تركه إلى الغد لغير عذر، وكونه منهياً عنه يوجب نقصانه، فيحتاج أن يجبر ذلك، كالنقص الداخل في سائر المناسك مثل الإحرام من غير الميقات وغيره.
ولا يلزم عليه تأخيره إلى الليل؛ لأنه غير منهي عن تأخيره إليه؛

لأن النبي صلى الله عليه وسلّم رخص للرعاء أن يرموا ليلاً.
والجواب: أنا قد منعنا الوصف، وقلنا: إنه غير منهي عنه؛ فإن جميع الأيام الثلاثة وقت للرمي.
ثم هذا يبطل به إذا نكس الجمار؛ فإنه منهي عنه، ومع هذا، فلا دم عليه عندهم.
وكذلك منهي عن ترك الاضطباع والرمل في الطواف، ولا يجب الدم بتركه.
ثم المعنى في الإحرام من الميقات: أنه واجب، ولا يجوز تأخيره عن الموضع الذي شرع فيه، وليس كذلك هاهنا؛ فإن الرمي حيث شُرع فيه، فهو بالنهار غير واجب فيه؛ لأنه يجوز تأخيره إلى الليل عند المخالفة.
ولأن مخالفة المكان مفارقة لمخالفة الزمان، ألا ترى أن تأخير الوقوف من النهار إلى الليل لا يوجب دماً، وإذا أخره عن موضعه لم يصح، ولم يعتد به، وكذلك الطواف.
......

133 -

مسألة

لا يختلف المذهب إذا ترك ثلاث حصيات: أنه يجب عليه الفدية، وإذا ترك أقل من ثلاث ففيه ثلاث روايات:

إحداها: يجب الجزاء بترك كل واحدة من الحصيات.

قال في رواية: إذا ترك حصاة ففيها دم.
وهو قول الجماعة.
وفيه رواية ثانية: لا جزاء فيها.
قال في رواية حنبل: إذا رمى بست، فلا بأس.
قيل له: وخمس؟ قال: وخمس، وأحب إلى سبع.
وفي رواية ثالثة: لا يجب الجزاء بترك حصاة، ويجب بترك حصاتين.
وقال في رواية صالح: وقد سئل عن الرجل يرمي بخمس، أو بست، قال: خمس لا، ولكن بست وسبع.
وكذلك قال في رواية المروذي: إذا رمى سادسة ونسي السابعة، فلا شيء عليه، فإن رمى بخمسة فعليه دم.
وكذلك قال في رواية ابن منصور: إذا رمى بست أرجو.
وجه الرواية الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلّم رمى بسبع، وقال: "خذوا عني مناسككم".
وهذا يدل على وجوب السبع، فإذا ترك بعضها دخل تحت

قوله عليه السلام: "من ترك نُسكاً فعليه دم".
وكل جملة كانت مضمونة كانت أبعاضها مضمونة.
دليله: الصيد.
ووجه الثانية والثالثة: ما رواه أبو طالب بن العشاري بإسناده عن سعد قال: رمينا الجمرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ثم جلسنا نتذاكر، فمنا من قال: رميت بست، ومنا من قال: رميت بسبع، ومنا من قال: رميت بثمان، ومنا من قال: رميت بتسع.
ورواه حنبل بإسناده عن عبد الله بن أبي نجيح قال: سألت طاوساً عن الرجل يرمي الجمار بست حصيات، قال: يتصدق بقبضة من طعام؟ فلقيت مجاهداً، فسألته، وأخبرته بقول طاوس، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن! سمع قول سعد: رمينا في حجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ثم جلسنا نتذاكر، فمنا من قال: رميت بست، ومنا من قال: رميت بسبع، ومنا من قال: رميت بثمان، ومنا من قال: رميت بتسع.
فلم يرَ بذلك بأساً.
والجواب.... واحتج بأنه ترك من الرمي ما لا يُضمن بالدم، فلم يكن مضموناً،

كالدعاء عند الجمرة واستقبال القبلة.
والجواب: أن ما لا مثل له من الصيد لا يُضمن بالدم ويُضمن بالجملة، وكذلك الشعر والظفر إن سلمه هذا القائل.
فصل: إذا ثبت أن ما دون الثلاثة مضمون، فبماذا يُضمن؟ فيه روايات: أحدها: يضمن الواحدة بمُد، والاثنتين بمدين بناء على الشعرة والشعرتين.
نص عليه في رواية حنبل في الشعر.
وفيه رواية ثانية: في حصاة قبضة من طعام، وفي حصاتين قبضتان من طعام، وفي ثلاثة دم.
نص على ذلك في الشعرة والشعرتين في رواية حنبل، فقال: في شعرة أو شعرتين قبض من طعام، وفي ثلاثة دم.
وفيه رواية ثالثة: في حصاة درهم، أو نصف درهم، وفي حصاتين درهمان، أو درهم، وفي الثلاث دم.
نص على ذلك في ليالي منى، فقال في رواية إسحاق بن إبراهيم في الرجل يبيت من ليالي منى بمكة قال: يتصدق بدرهم، أو بنصف درهم.

وكذلك نقل أبو طالب.
ووجه الجمع بين الأحجار وبين الشعر وليالى منى: أن كل واحد من ذلك للدم مدخل في جميعه، ولغير الدم مدخل في بعضه، فجاز أن يُبنى بعضه على بعض.
وفيه رواية رابعة: يجب في حصاتين دم.
نص عليه في رواية المروذي: إذا رمى بسادسة ونسى السابعة، فلا شيء عليه، فإن رمى بخمسة فعليه دم.
وقد اختلف الفقهاء في ذلك، وقال أبو حنيفة: إذا ترك حصاة فعليه طعام مسكين نصف صاع.
وحُكي عن مالك: عليه دم.
وللشافعي ثلاثة أقاويل: أحدها، وهو المشهور: مُد من الطعام.
والثاني: درهم.
والثالث: ثلث دم.
فالدلالة على إيجاب الإطعام خلافاً لمالك وأحد الأقوال للشافعي: أن ضمان الجمار يجري مجرى ضمان الصيد؛ لأن جملتها مضمونة، وإبعاضها مضمونة، كالصيد، ثم ثبت أن للإطعام مدخلاً في جزاء الصيد؛ لأنه بالخيار بين المثل وبين الإطعام، وكذلك يجب في مسألتنا.

ولأن في تضمينه بالدم إيجاب أجزاء الحيوان، وإيجاب جزء من حيوان يشق ويحرج، ألا ترى أن زكاة الغنم والبقر من جنسها، ولم يجب فيه جزء من حيوان، وزكاة الإبل قبل خمسة وعشرون من غير جنسها؛ لأن إيجاب جزء منها يشق، كذلك هاهنا يشق، فوجب أن يسقط وجوبه.
والدلالة على أن ما قدره مد خلافاً لأبي حنيفة في قوله: نصف صاع: أنه طعام من البر مقدر على وجه التكفير، فوجب أن يتقدر بالمد.
دليله: كفارة اليمين.
ولا يلزم عليه طعام التمر والشعير؛ لقولنا: في البر.
فإن قيل: لا نسلم الأصل؛ لأن عندنا: أنه يجب نصف صاع من البر، وهذا خلاف ظاهر مذكور في الكفارات.
قيل: إذا لم يسلم دللنا عليه بما رواه أحمد قال: ثنا إسماعيل قال: ثنا أيوب عن أبي زيد المدني قال: جاءت امرأة من بني بياضة بن سوار بنصف وسق شعير، فقال النبي صلى الله عليه وسلّم للمظاهر: "أطعم هذا؛ فإن مُدي شعير مكان مُدبر".
وهذا نص في الاقتصار على مد البر.
وأيضاً فإن مقدار المد واجب بالإجماع منا ومنهم، وما زاد عليه

من المد الثاني مختلف فيه، فمن ادعى وجوبه فعليه الدليل؛ لأن الذمة بريئة.
فإن قيل: الذمة قد ارتهنت بترك حصاة، واختلفنا في براءتها بمد، فمن ادعى براءتها فعليه الدليل.
قيل له: لا نقول: إن ذمته اشتغلت على الإطلاق، وإنما نقول: ارتهنت بمقدار المد، وإذا أداه برئت ذمته؛ لأنه قد أدى ما ارتهنت به ذمته.
وأيضاً فإنها كفارة، فلا يجب فيها الدرهم.
دليله: سائر الكفارات.
واحتج من أوجب الدم بأنه ضمان لأجل الإخلال برمي واجب، وكان مضموناً بالدم.
دليله: إذا ترك ثلاث حصيات.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الكثير بالقليل في باب الفدية، ألا ترى أن مالكاً قال في حلق الشعر: إذا كان ما يميط أذى وجبت فيه الفدية، وإن لم يمط أذى، فلا فدية عليه.
وكذلك لو أتلف جميع الصيد ضمنه بكمال القيمة، ولو أتلف عضواً منه لم يضمنه بذلك.
واحتج من قال: (يجب درهم) بأن كل شيء ضمن بمثله، فإذا تعذر

مثله وجبت قيمته من غالب نقد البلد، كمن أتلف على غيره ما له مثل، فتعذر مثله، كان عليه قيمته من غالب نقد البلد.
والجواب: أن هذا يبطل بالصيد؛ فإنه إذا تعذر مثله عدل إلى الطعام، ولم يعدل إلى الدراهم، كذلك هاهنا.
واحتج من قال: (يضمنه بنصف صاع) بأنه طعام مقدر على وجه التكفير، فوجب أن لا يتقدر للمسكين أقل من نصف صاع، كفدية الأذى.
والجواب: أنه لا فرق بين المسألتين، وذلك أن في فدية الأذى يجزئه مد من بر، أو نصف صاع تمر، أو شعير، ومثله نقول هاهنا.
وقال في إطعام المساكين في الفدية: إن أطعم براً مد لكل مسكين، وإن أطعم تمراً نصف صاع لكل مسكين، وهي ستة مساكين.
......

134 -

مسألة

فإن ترك ثلاث حصيات ففيها دم، وفي جميع الجمار دم:

وقد حكينا كلام أحمد في رواية المروذي: في حصاتين دم، وإن نسيها كلها فعليه دم، وإن نسى جمرة واحدة فعليه دم.
وقال أبو حنيفة: في ثلاث طعام؛ في كل حصاة نصف صاع، إلا أن تبلغ قيمة الطعام قيمة شاه، فيكون مخيراً بين الطعام وبين الدم، فإن زادت قيمته على قيمة الشاه لم يلزمه أكثر من شاة.

واختلف قول الشافعي في ذلك، فقال: في ثلاث حصيات دم إلى آخر حصاة، وهو المشهور عندهم.
وفيه قول آخر: أن كل يوم منفرد بنفسه، في ثلاث حصيات من يوم النحر إلى إتمام سبع حصيات دم، وفي ثلاث حصيات من أيام منى إلى آخر حصاة من أيام منى دم.
فحصل من هذه الجملة أنه إذا ترك جميع الحصيات ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: دم واحد، وهو أصح.
والثاني: دمان.
والثالث: ثلاثة دماء.
والدلالة على أنه يجب في الثلاثة فصاعداً دم خلافاً لأبي حنيفة: أنه ترك من عدد الحصى ما يقع اسم الجمع المطلق، فوجب أن يكون فيه دم.
دليله: إذا كانت قيمة الطعام أكثر من قيمة شاة.
ولأن القليل لا يوجب الدم، والكثير يوجبه، ولا بد من حد فاصل بين القليل والكثير، وكان أولى معدود ثلاثة؛ لأنها أول حد الكثرة وآخر حد القلة.
واحتج المخالف بأنه قد ثبت أن في ترك جميع الحصى دم، فوجب أن يكون في ترك أوله صدقة، كما لو ترك حصاة واحدة.

والجواب: أن الحصاة ناقصة عن أقل الجمع، فلهذا فيها صدقة، وليس كذلك في الثلاثة؛ فإنه جمع مطلق، وكملت الفدية فيه، فوجب الدم.
......

135 -

مسألة

ليس في يوم النحر خطبة:

نص عليه في رواية ابن القاسم: وقد سئل: كم يخطب في الحج؟ فقال: أما ابن الزبير؛ فإنه يروى عنه: أنه كان يخطب أيام الحج كلها، ولكن يخطب بعد يوم النحر بيوم.
قيل له: فيخطب يوم النحر؟ قال: يخطب بعد يوم النحر بيوم.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
وقال الشافعي: يخطب فيه.
دليلنا: أن يوم عرفة فيه خطبة مسنونة، فوجب ألا يكون في اليوم الذي يليه خطبة، ألا ترى أنه لما كان في يوم النفر الأول خطبة لم يكن في الذي يليه -وهو النفر الثاني- خطبة.
ولأن الإمام يعلمهم في خطبة يوم عرفة ما يحتاجون إليه في يوم النحر، فلا حاجة به إلى إعادة الخطبة، ألا ترى أنه لما أعلمهم في النفر الأول ما يحتاجون إليه في الغد، وهو النفر الثاني، لم يحتج إلى إعادة الخطبة فيه.

جارٍ التحميل