فصل كلام الباقلاني في المعجزات ومناقشة شيخ الإسلام له
وقد ذكر القاضي أبو بكر أنّ من المثبتة المجيزين للكرامات من أجاب عن حجة النفاة، بأن قال: الأدلّة على ضربين: عقلية، ووضعية؛ فالعقليّ يدلّ لنفسه وجنسه، والوضعيّ يدلّ مع المواطأة، ولا يدلّ مثله مع عدمها؛ كعقد العشرة. وضعف أبو بكر هذا، بأن قال لهم أن يقولوا: إذا كانت المعجزات تجري مجرى القول، فحيث قصدت دلّت. وعنده أنّ الأمر ليس كذلك.1
قلت: بل هذا القائل أحسن؛ لأنّها تدلّ إذا قصدت بها الدلالة؛ مثل قيام الأمر، وقعوده إذا طلب ذلك منه؛ ومثل العلامة التي تكون للشخص إذا جعلها علامة؛ فحيث قصد الدلالة به دلّ.
لكن لازم هذا أن لا يكون إلا إذا طلب الاستدلال بها، [لا نفس] 2 الدعوى.
ثم إنّه3ذكر أنّ الخارق للعادة لا بُدّ أن يكون خارقاً لعادة جميع المرسَل إليهم.4
ثمّ جوَّز أن يكون ممّا اعتاده كثيٌر منهم، بشرط أن يمنعهم عن المعارضة، فيكون ذلك خرق عادة.1
ثم قال في الكرامات: لا يجوز أن تكثر حتى تصير عادة؛ لأنّ من حق المعجز على قولنا وقولهم أن يكون خارقاً للعادة، فلا تجوز إدامة ظهوره فيصير عادة، بل يقع نادراً.2
وقد [جوَّزوا] 3 في السحر والكهانة أن يكون عادة، لكن عند دعوى النبوة يمنعهم من المعارضة، فكانت الكرامات أولى بذلك هي عادة للصالحين، وإذا ادّعى النبوّة صادقٌ منع من المعارضة.4
فهذا اضطرابٌ آخر. قول الباقلاني الخوارق لاتظهر إلا على يد نبي أو ولي. والرد عليه... وادّعى إجماع الأمة على أنّها لا تظهر على فاسق. ولولا الإجماع لجوّز ذلك؛ لأنّه لا ينقض دليل النبوة، فصارت تدلّ على الولاية بالإجماع. على أنّها لا تظهر إلا على يد نبيّ أو وليّ. فبهذا الإجماع يعلم أن من ظهرت [على] 5 يده وليّ.6
وهذا تناقضٌ من وجهين: أحدهما: أنّهم قد قالوا: إنّها لا تدلّ على الولاية؛ لأن الولي من مات على الإيمان.
وهذا غير معلوم.
الفرق بين المعجزات والسحر عند الأشاعرة الثاني: أنّه يقال: إذا جوَّزتَ أن يظهر على يد الساحر، والكاهن، ونحوهما من الكفار ما هو من جنس المعجزات والكرامات، وقلتَ1: يجب أن لا يستثنى من السحر شيء لا يفعل عنده، إلا ما ورد الإجماع والتوقيف على أنه لا يكون بضرب من السحر، ولا يفعل عنده؛ كفلق البحر ونحوه؛ فيكون الفرق بين السحر وغيره [إنّما] 2 يُعلم بهذا الإجماع، إن ثبت.
وإلا فعندك يجوز أن يظهر على يد الساحر كل ما يظهر على يد النبيّ إذا لم يدع النبوة، [ويحتجّ] 3 بذلك إذا ادّعى النبوة، وعارضه معارضٌ بالمثل.
فكيف [تقول] 4 مع هذا: إنّ الخوارق تدلّ على الولاية بالإجماع، وأنت تجوّز ظهورها على أيدي الكفار؛ من السحرة، والكهان.
فإن قال: السحر والكهانة كانا قبل الرسول، فلما جاء بطلا.
قيل: أنت قد أثبتَّ أنّ نفسه سُحِر بعد النبوة5، وأنّ السحر كان على عهد الصحابة، وقتلوا الساحر، وذكرتَ إجماع الفقهاء على أنَّ السحر يكون من المسلمين، وأهل الكتاب6، والساحر ليس [بوليٍّ لله] 7.
والسحر عندك هو من جنس الكرامات.
الجميع خارق للعادة، لم يستدل به على النبوّة.8
فكيف تقول مع هذا: إنّ الخوارق [لا تكون] 1 إلاَّ لنبيّ، أو وليّ، وأنت [تُثبتها] 2 للكفار.3
وهذا كلّه من جهة أنّه أخذ جنس [الخارق] 4 مشتركاً؛ فجوّز أن يكون للنبيّ، وغير النبيّ، مع قوله: إنّ الخارق لا بُدّ أن يكون خارقاً لعادة جميع
المرسَل إليهم. ولكن عنده هذا يحصل بعدم المعارضة. وحينئذٍ فاشتراط كونه خارقاً، ومختصاً بمقدور [الربّ] 1 باطلٌ. وهو قد حكى أنّ الاجماع على أن المعجز لا بُدّ أن يكون خارقاً للعادة، فقال: اعلموا رحمكم الله أنّ الكلّ من سائر الأمم قد شرطوا في صفة المعجز أن يكون خارقاً للعادة.2
[ثم قال3في فصول الكرامات] 4:
[ثم قال1في فصول الكرامات] 2