فصل الذين سموا آيات الأنبياء خوارق لا بدّ أن يخصوا ذلك بالأنبياء دون غيرهم..
فالذين سمّوا هذه الآيات: خوارق للعادات، وعجائب، ومعجزات، إذا جعلوا ذلك شرطاً فيها، وصفة لازمة لها، بحيث لا تكون الآيات إلا كذلك، فهذا صحيح1، وإن كانت هذه الأمور قد تجعل أمراً عاماً؛ [فتكون] 2 متناولة لآيات الأنبياء، وغيرها؛ كالحيوان3الذي ينقسم إلى إنسان، وغير إنسان.
وأما إذا جعلوا ذلك حدّاً لها، وضابطاً، فلا بُدّ أن يُقيّدوا كلامهم؛ مثل أن يقولوا: خوارق [العادات] 4 التي تختص الأنبياء، أو يقولوا: خوارق عادات الناس كلّهم غير الأنبياء؛ فإن آياتهم لا بد أن تخرق عادة كلّ أمة من الأمم، وكل طائفة من الطوائف، لا تختص آياتهم يخرق عادة بلد معين، ولا من أرسلوا إليه، بل تخرق عادة جميع الخلق إلا الأنبياء؛ فإنها إذا كانت
معتادة للأنبياء؛ مثل الخبر الصادق بغيب الله تعالى الذي لا يُعرف إلا من جهتهم.
فما كان معتاداً للأنبياء دون غيرهم فهو من أعظم آياتهم وبراهينهم، وإن كان معتاداً لهم، فإن الدليل هو: ما يستلزم المدلول عليه.
فإذا لم يكن ذلك معتاداً إلا لنبيّ، كان مستلزماً للنبوة، وكان من أتى به لا يكون إلاّ نبياً، وهو المطلوب.
بل لو كان مستلزماً للصدق، ولا يأتي به إلا صادق، لكان المخبر عن نبوة نبيّ؛ إمّا نبوةُ نفسه، أو نبوةٌ غيرها.
وإذا كان كاذباً، لم يحصل له مثل ذلك الدليل الذي [هو] 1 مستلزم للصدق.
ولا يحصل أيضاً لمن كذّب بنبوة نبيّ صادق؛ إذ هو أيضاً كاذب، وإنما يحصل لمن أخبر بنبوّة نبيّ صادق.
وحينئذٍ فيكون ذلك الدليل مستلزماً للخبر الصادق بنبوّة النبي، وهذا هو المطلوب؛ فإن مدلول الآيات سواء سميت معجزات، أو غيرها، والخبر الصادق بنبوة النبي، ومدلولها: إخبار الله، وشهادته بأنه نبي، وأنّ الله أرسله؛ فقول الله: ﴿محمّد رسول الله﴾ 2، وقوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ 3، وقول كل مؤمن: إنه رسول الله4؛ كلّ ذلك خبرٌ عن
رسالته، وهذا هو مدلول الآيات. وقد يكون مدلول الآيات نفس النبوة، التي هي مخبر هذا الخبر، ويكون الدليل مثل خبر من الأخبار، وهذا من جنس الأول.1
فما دلّ على نفس النبوة، دلّ على صدق المخبر بها، وما دلّ على صدق المخبر بها، دلّ عليها.2
وأمّا نفس إخبار الربّ بالنبوة، وإعلامه بها، وشهادته بها؛ قولاً، وعملاً، فهو إخبارٌ منه بها، وهو الصادق في خبره؛ فإخباره هو دليلٌ عليها؛ فإنّه لا يقول إلا الحق، ولا يُخبر إلا بالصدق.
وأيضاً: فهو الذي أنشأ الرسالة، وإرساله بكلامه قد يكون إنشاءً للرسالة، وقد يكون إخباراً عن إرساله؛ كالذي يرسل رسولاً من البشر، قد يرسله والناس يسمعون، فيقول له: اذهب إلى فلان فقل له كذا وكذا.
وقد يرسله بينه وبينه، ثم يقول للناس: إني قد أرسلته، ويرسله بعلامات وآيات، يعرف بها المرسَل إليه صدقَه.
وكذلك: إذا وُصفت1بأنّها معجزات، فلا بد أن يعجز كلّ من ليس بنبيّ، ولم يشهد للنبيّ بالنبوة؛ فيعجز جميع المكذبين للرسول، والشاكّين في نبوته من الجنّ والإنس.
وكذلك: إذا قيل: هي عجائب، والعجب2: ما خرج عن نظيره، فلم يكن له نظير، فلا بُد أن يكون من العجائب التي لا نظير لها أصلاً عند غير الأنبياء؛ لا من الجن، ولا من الإنس.
[أما إذا] 3 كان [ليست] 4 لها نظير في شيء آخر، فهذا يؤيّد أنها من خصائص الأنبياء، ومن آياتهم.
الفرق بين النبي والمتنبئ فهذا الموضع من فهمه فهماً جيّداً، تبيَّن له الفرقان في هذا النوع5؛ فإنّ كثيراً من الناس6يصفها بأنها خوارق، ومعجزات، وعجائب، ونحو
ذلك، ولا يحقق الفرق بين من يجب أن يخرق عادته ومعجزه، ومن لا [يجب] 1 أن [تكون] 2 في حقه كذلك.
فالواجب أن يخرق عادة كل من لم يُقرّ بنبوة الأنبياء؛ فلا يكون لمكذّب بنبوته و [ليست] 3 لشاك.
وقولنا: يخرق عادتهم، هو من باب العادة التي تثبت بمرّة، ليس من شرط فسادها أن تقع غير مرّة، مع انتفاء الشهادة بالنبوة.
بل متى وقعت مرّة واحدة مع انتفاء الشهادة بالنبوة، لم [تكن] 4 مختصة بشهادة النبوة، ولا بالنبوة، فلا يجب أن تكون آية.
وقولنا: ولا يجب أن تخرق عادات الأنبياء، ولم [نقل] 5: ولا يجوز أن تخرق عادات الأنبياء.
بل قد تكون خارقة أيضاً لعادات الأنبياء.
أنواع آيات الأنبياء وقد خُصّ بها نبي واحد؛ مثل أكثر آيات الأنبياء6؛ فإنّ كلّ نبيّ خُصّ بايات، لكن لا يجب في آيات الأنبياء أن تكون مختصة بنبيّ7، بل ولا يجب أن يختص ظهورها على يد النبي، بل متى اختصت به، وهي من
خصائصه، كانت آية له سواء وجدت قبل ولادته، أو بعد موته، أو على يد أحد من الشاهدين له بالنبوة1، فكل هذه من آيات الأنبياء.
الرد على من قال من شرط آيات الأنبياء أن تقارن دعوى النبوة والذين قالوا: من شرط الآيات أن تقارن دعوى النبوة2: غلطوا غلطاً عظيماً، وسبب غلطهم: أنّهم لم يعرفوا ما يخص بالآيات، ولم يضبطوا خارق العادة بضابط يميّز بينها وبين غيرها، بل جعلوا ما للسحرة والكهّان، هو أيضاً من آيات الأنبياء، إذا اقترن بدعوى النبوة، ولم يُعارضه معارض.
وجعلوا عدم المعارض هو الفارق بين النبيّ وغيره، وجعلوا دعواه النبوة جزءاً من الآية3، فقالوا: هذا [الخارق] 4 إن وجد مع دعوى
النبوة، كان معجزة، وإن وجد بدون دعوى النبوة، لم يكن معجزة1، فاحتاجوا لذلك أن يجعلوه مقارناً للدعوى. قالوا: والدليل على [ذلك: أنّ مثل] 2 آيات الأنبياء يأتي في آخر الزمان، إذا [جاءت] 3 أشراط الساعة، ومع ذلك ليس هو من آياتهم.4
وكذلك قالوا في كرامات الأولياء.5
أشراط الساعة من آيات الأنبياء وليس الأمر كذلك، بل أشراط الساعة هي من آيات الأنبياء6، من وجوه؛ منها: أنهم أخبروا بها قبل وقوعها، فإذا جاءت كما أخبروا، كان ذلك من آياتهم.
ومنها: أنهم أخبروا بالساعة، فهذه الأشراط مصدّقة لخبرهم بالساعة، وكلّ من آمن بالساعة آمن بالأنبياء، وكلّ من كذب الأنبياء كذّب الساعة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوَّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ
إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَولِ غُرُورَاً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلتَصْغَى إِليهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَليَرْضَوْهُ وَليَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ 1. وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤمِنُونَ بِهِ﴾ 2. فكلّ من آمن بالآخرة فقد آمن بالقرآن، فإذا جاءت أشراط الساعة، كانت دليلاً على صدق [خبرهم أنّ الساعة حقّ، وأنّ القرآن حقّ، وكان هذا من الآيات الدالة على صدق ما جاء به الرسول] 3؛ من القرآن، وهو المطلوب. كل ما يكون خرق عادة لجميع الناس فهو من آيات الأنبياء فلا يوجد خرق عادة لجميع الناس، إلا وهو من آيات الأنبياء.4
وكذلك الذي يقتله الدجال، ثم يحييه، [فيقوم] 5، فيقول: أنت الأعور الكذّاب الذي أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما ازددت فيك إلا بصيرة.
فيريد الدجال أن يقتله، فلا يقدر على ذلك.
الرجل الذي يقتله الدجال ثم يحييه من آيات الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا الرجل بعد أن قتل وقام، يقول للدجال: أنت الأعور الكذّاب، الذي أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما ازددت فيك بهذا القتل إلا بصيرة.
ثم يريد الدجال أن يقتله، فلا يقدر عليه.6
فعجزه عن قتله ثانياً، مع تكذيب الرجل له بعد أن قتله، وشهادته للرسول محمّد بالرسالة، هو من خوارق العادات، التي لا توجد إلاّ لمن شهد للأنبياء بالرسالة.
وهذا الرجل هو من خيار أهل الأرض المسلمين.
فهذا الخارق الذي جرى فيه، هو من خصائص من شهد لمحمّد بالنبوة؛ فهو من اعلام النبوة، ودلائلها.
وكونه قُتِل أوّلاً أبلغ في الدلالة؛ فإنّ ذلك لم يزغه، ولم يُؤثّر فيه، وعلم أنّه لا يُسلّط عليه مرة ثانية، فكان هذا اليقين والإيمان، مع عجزه عنه، هو من خوارق الآيات.
ومعلومٌ أنّ قتله ممكنٌ في العادة، فعجزه عن قتله ثانياً، هو الخارق للعادة.
ودلّ ذلك على أن إحياء الله له، لم يكن معجزة للدجال، ولا ليبين بها صدقه، لكن أحياه ليكذّب الدجال، وليبين أنّ محمّداً رسول الله، وأنّ الدجّال كذّاب، وأنّه هو الأعور الكذاب، الذي أنذر به النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: "ما من نبي إلاَّ وقد أنذر أمته الأعور الدجال، وسأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لأمته: إنّه أعور، وإنّ الله ليس بأعور، مكتوب بين عينيه: كافر [ك ف ر] 1، يقرأه كلّ مؤمن؛ قارىء، وغير قارىء"2.
وفي بعض الأحاديث الصحيحة: "واعلموا أنّ أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت"1.
فذكر لهم آيات ظاهرة يشترك فيها الناس، تبيّن لهم كذبه، فيما يدعيه من الربوبية؛ إذ كان كثير من الناس يجوّزون ظهور الإله في البشر؛ النصارى2وغير النصارى.3
وما يأتي به الدجال، إنّما يحار فيه، ويراه معارضاً لآيات الأنبياء: من لم يحكّم الفرقان.
من أنكر خوارق الدجال وقال إنما هي خيال فقومٌ يكذّبون أن يأتي بعجيب، ويقولون: ما معه إلا التمويه4؛ كما
قالوا في السحر والكهانة؛ مثل كثيرٍ من المعتزلة، والظاهرية؛ كابن حزم.1
وقومٌ2يقولون: لما ادعى الإلهية، كانت الدعوى معلومة البطلان، فلم يظهر الخارق؛ كما يقول ذلك القاضي أبو بكر3، وطائفة.
ويدّعون أن
النصارى اعتقدت في المسيح الإلهية؛ لكونه أتى بالخوارق، مع إقراره بالعبودية.
فكيف بمن يدّعي الإلهية؟ ولكن هذا الخارق الذي يُظهره الله في هذا الرجل الصالح الذي طلب منه الدجّال أن يؤمن به، فلم يفعل، بل كذّبه، وقال: أنت الأعور الدجال الذي أخبرنا به النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقتله، ثمّ أحياه الله، فقال له: أنت الأعور الدجّال، فكذّبه قبل أن قُتِل، وبعد ما أحياه الله، وأراد الدجال قتله ثانية، فلم يُمكّن.
فعجزه عن قتله ثانياً: من أعظم الخوارق، مع تكذيبه.
وأما إحياؤه، مع تكذيبه له أولاً، وعجزه ثانياً عن قتله، فليس بخارق.
فهذا إحياء معين، معه دلائل معدودة، تُبيّن أنّه من الآيات الدالة على صدق الرسول، لا على صدق الدجال، وتُبيّن بذلك أنّ الآيات جميعها تدلّ على صدق الأنبياء؛ فإنّ آيات الله مرة أو مرتين أو ثلاثاً، لا يشترط في ذلك تكرار، بل شرطها: أن لا يكون لها نظير في العالم لغير الأنبياء، ومن يشهد بالنبوة، ولم يوجد لغيرهم، كان [هذا] 1 دليلاً على أنّها مختصة بالأنبياء.
ومن أطلق خرق العادة1، ولم يفسّره ويبينه، فلم يعرف خاصتها، بل ظن أن ما وجد من السحر والكهانة خرق عادة، أو ظن أنّ خرق [العادة] 2 أن لا يعارضها معارض من المرسل إليهم.
خوارق المتنبئين من جنس خوارق السحرة وكثير من المتنبئين الكذّابين أتوا بخوارق من جنس خوارق السحرة والكهّان، ولم يكن من أولئك القوم من أتى بمثلها، لكن قد عُلم أن في العالم مثلها، في غير ذلك المكان، أو في غير ذلك الزمان، وإنّما الخارق كما قال في القرآن: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرَاً﴾ 3.
التحدي بالقرآن الكريم ولهذا قال في آيات التحدي: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفتريَات وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ 4، وقال في تلك الآية: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ 5.
فلم يكتف بعجز المدعوين، بل أمرهم أن يدعوا إلى معاونتهم كلّ من استطاعوا أن يدعوه من دون الله.
وهذا تعجيز لجميع الخلق؛ الإنس، والجنّ، والملائكة.
وقال في البقرة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ 6؛ أي: ادعوا كلّ
من يشهد لكم، فيوافقكم على أنّ هذا ليس من عند الله؛ ادعوا كل من لم يُقرّ بأنّ هذا منزّل من الله، فهذا تعجيزٌ لكل من لم يؤمن به.
ومن آمن به، وبقي في ريب، [بل] 1 قد عُلم أنّه من عند الله.
وهذا التحدي في البقرة، وهي مدنية بعد يونس وهود.
ولهذا قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُم في رَيْب﴾، وهناك2قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾؛ فهذا3تحدّي لكل مرتاب، وذاك4تحدي لكلّ مثل مكذب.
ولهذا قيل في ذاك5: ﴿مَن اسْتَطَعْتُمْ﴾ فإنه أبلغ، وقيل في هذا6: ﴿شُهَدَاءَكُم﴾.
وقد قال بعض المفسرين7: ﴿شُهَدَاءَكُم﴾ : آلهتكم، وقال بعضهم8: من يشهد أنّ الذي جئتم به مثل القرآن.
والصواب: أن شهداءهم الذين يشهدون لهم؛ كما ذكره ابن اسحق9
بإسناده المعروف عن ابن عباس، قال: ﴿شُهَدَاءَكُم﴾ : من استطعتم من أعوانكم على ما أنتم عليه.1
وقال السدي2، عن أبي مالك: ﴿شُهَدَاءَكُم من دون الله﴾ : أي شركاءكم3؛ فإنّ هؤلاء هم الذي يُتصوّر منهم المعارضة إذا كانوا في ريب منه.
أمّا من أيقن أنه من عند الله، فإنه يمتنع أن يقصد معارضته؛ لعلمه بأنّ الخلق عاجزون عن ذلك.
والله تعالى شهد لمحمد بما أظهره من الآيات، فادعوا من يشهد لكم.
وهؤلاء يشهدون من دون الله، لا يشهدون بما شهد الله به، فتكون شهادتهم [مضادة] 4 لشهادة الله؛ كما قال: ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ 5.
وقال: ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدَاً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتَاب﴾ 1. كما قال: ﴿شَهِدَ اللهُ أنَّه لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالملائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ﴾ 2. وقد قلنا: يجوز أن تكون آياتهم خارقة لعادة جميع الخلق، إلاَّ للنبيّ، لكن لا يجب هذا فيها.3
اعتراض وجواب المؤلف عليه فإن قيل: قد ذكرتم أن آيات الأنبياء هي الخوارق التي تخرق عادة جميع الثقلين، فلا تكون لغير الأنبياء، ولغير من شهد لهم بالنبوة.
وهذا كلامٌ صحيحٌ فصلتم به بين آيات الأنبياء، وغيرهم بفصلٍ مطّرد منعكس4، بخلاف من قال: هي خرق العادة5، ولم يُميّز بينها وبين غيرها، وتكلّم في خرق العادة بكلامٍ متناقضٍ؛ تارة يمنع وجود السحر والكهانة، وتارة يجعل هذا الجنس من الآيات، ولكن الفرق عدم المعارضة.
لكن لم يذكروا الفرق في نفس الأمر، ونفس كونها معجزة، وخارقاً، وآية: لماذا كان؟ وما هو الوصف الذي امتازت به، حتى صارت آية ودليلا دون غيرها؟ فذكرتم الدليل، لكن لم تذكروا الحقيقة التي بها صار الدليل دليلاً.
قيل: لا بُد أن تكون مما يعجز عنها الإنس والجن؛ فإنّ هذين الثقلين بُعث إليهم الرسل؛ كما قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا
وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ 1.
وقال تعالى: ﴿ [وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا] 2 أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِينَ﴾ 3.
والإنس والجنّ منهم من آمن بالرسل، ومنهم من كذّبهم، فلا بُد أن يكون مما لا يقدر عليها جنس الإنس والجنّ.
ثمّ الكرامات [يخص] 4 بها المؤمنين من الطائفتين5، وأمّا آيات الأنبياء التي بها تثبت نبوتهم، وبها وجب على الناس الإيمان بهم، فهي أمرٌ [يخص] 6 الأنبياء، لا يكون للأولياء، ولا لغيرهم، بل يكون من المعجزات الخارقة للعادات الناقضة لعادات جميع الإنس والجن غير الأنبياء.
فما كان الإنس أو الجن يقدرون عليه، فلا يكون وحده آية للنبي.
أمّا ما تقدر عليه الملائكة: فذاك قد يكون من آياتهم؛ لأنهم لم يرسلوا إلى الملائكة7، والملائكة لا تفعل شيئا إلا بإذن الله؛ فما تفعله الملائكة معهم، فهو بإذن الله، وهو ما خص به الأنبياء بخلاف الإنس والجن.
كل ما استلزم نبوة الأنبياء فهو آية لهم وخاصتها التي تمتاز بها عن غيرها: أن يكون آيةً، ودليلاً على نبوتهم؛ فكلّ ما استلزم نبوّتهم، فهو آية لهم، وما لا يستلزم نبوتهم، فليس بآية1، وليست مختصة بجنس من الموجودات، بل تكون في جنس العلم، والإخبار بغيب الرب الذي اختص به، و [تكون] 2 في جنس القدرة، والتصرف، والتأثير في العالم3، وهي مقدورة للرب، فله سبحانه أن يجعلها في أي جنس كان من المقدورات.
تنوع آيات الأنبياء ولهذا تنوعت آيات الأنبياء، بل النبيّ الواحد تتنوع آياته، فليس القرآن الذي هو قول الله وكلامه من جنس انشقاق القمر، ولا هذا وهذا من جنس تكثير الطعام، والشراب؛ كنبع الماء من بين الأصابع.
وهذا كما أنّ آيات الرب الدالّة على قدرته، ومشيئته، وحكمته، وأمره، ونهيه، لا تختص بنوعٍ، فكذلك آيات أنبيائه.
فهذا مما ينبغي أن يعرف.
ولكن خاصتها أنها لا تكون إلا مستلزمة لصدق النبي، وصدق الخبر بأنه نبي4، فلا تكون لمن يكذّبه قط.
كرامات الأولياء من آيات الأنبياء الصغرى ولا يقدر أحدٌ من مكذبي الرسل أن يأتي بمثل آيات الأنبياء، وأمّا
مصدّقوهم1فهم معترفون بأن ما يأتون به هو من آيات الأنبياء، مع أنه لا تصل آيات الأتباع إلى مثل آيات المتبوع مطلقاً2، وإن كانوا قد يشاركونه في بعضها؛ كإحياء الموتى، وتكثير الطعام، والشراب3؛ فلا يشركونه في القرآن، وفلق البحر، وانشقاق القمر4؛ لأن الله فضل الأنبياء على غيرهم، وفضل بعض النبيين على بعض.
فلا بُد أن يمتاز الفاضل بما لا يقدر المفضول على مثله؛ إذ لو أتى بمثل ما أتى، لكان مثله، لا دونه.