يُعد هذا الكتاب من نفائس كتب الفقه على مذهب الإِمام المبجل أحمد بن حنبل 1 رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه؛ إذ أنه قائم على اختصار كتاب من أبرز كتب المذهب وهو "المحرر" 2، للإِمام المجد عبد السلام ابن تيمية، أبي البركات، بالاقتصار على الراجح فيه مع التصحيح والتنقيح والزيادة.
ويكتسب كتاب "المحرر" هذه الأهمية بالنظر إلى مكانة مصنفه الإِمام المجد عبد السلام ابن تيمية الذي يعد من المبرَّزين في المذهب، وممن حازوا على رتبة الاجتهاد في المذهب.
ويزداد هذا الكتاب أهمية إذا علمنا أن الذي اختصره هو الإمام تقي الدين أحمد بن محمد الأدمي، ممن هذَّب كلام المتقدمين، كما ذكر المرداوي في مقدمته على "الفروع" 1.
يقول الأدمي رحمه اللَّه في خطبته في المنوَّر:
"فهذا مختصر في الفقه على مذهب الإِمام الأنبل أحمد بن محمد بن حنبل، سمَّيته بـ "المنوَّر في راجح المحرّر"، قرَّبت فيه جمل ألفاظه ليسهل على متعلمه وحفَّاظه... ".
لهذا، فإن هذا الكتاب يعد من النوادر التي قربت أحد أهم المصنفات الفقهية على مذهب الإمام أحمد لمكانة مؤلفه ومختصره على حد سواء عند "المتوسطين" أو "المتأخرين" من علماء المذهب.
ولمعرفة هذه المكانة التي يتبوأُها صاحب المحرر، يقول العلامة البهوتي في "شرح الإِقناع" ما نصه:
"إذا أطلق المتأخرون كصاحب الفروع والفائق والاختيارات وغيرهم "الشيخ" أرادوا به الشيخ العلامة موفق الدين أبا محمد عبد اللَّه بن قدامة المقدسي، وإذا قيل: "الشيخان" فالموفق والمجد، وإذا قيل "الشارح" فهو شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن أبي عمر المقدسي، وهو ابن أخي الموفق وتلميذه، وإذا أطلق "القاضي" فالمراد به القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الفراء، وإذا قيل: "وعنه"، أي عن الإِمام أحمد رحمه اللَّه، وقولهم: "نصًّا" معناه نسبته إلى الإِمام أحمد رحمه اللَّه... " 2.
إن المتأمل في هذه العبارة للعلامة البهوتي (ت 1051 هـ) -وهو من طبقة "متأخري" علماء المذهب- سيعرف منزلة المجد ابن تيمية بين بقية العلماء، إذ جاء اسمه مقارنًا لاسم شيخ المذهب الموفق بن قدامة.
وقال ابن بدران في "المدخل" عن المحرر وصاحبه:
"كتاب في الفقه للإِمام مجد الدين عبد السلام ابن تيمية الحراني، حذا فيه حذو الهداية لأبي الخطاب 1، يذكر الروايات فتارة يرسلها وتارة يبين اختياره فيها... " 2.
وقد شرح المحرر عدد من العلماء، ولكل من تقي الدين 3 بن قندس (ت 861 هـ)، وابن نصر اللَّه (ت 844 هـ) حاشية عليه، وكذلك
لابن مفلح حاشية عليه طمعت معه هي "النكت والفوائد السنية"، بتحقيق حامد الفقي (1).
مكانة صاحب المحرر في المذهب
لكتاب المحرر وصاحبه مكانة مرموقة في المذهب، ولترجيحاته واختياراته أهمية كبيرة 2؛ إذ أنه ممن أدرك شيخ المذهب الإِمام موفق الدين ابن قدامة 3 (ت 620 هـ) ولكونه ينتمي إلى طبقة المتوسطين من علماء المذهب.
وهذه الطبقة تبدأ زمنيًّا عقب وفاة الحسن بن حامد (ت 403 هـ) وتمتد إلى وفاة البرهان بن مفلح صاحب المبدع في شرح المقنع (ت 884 هـ)،1
حيث ظهر في هذه الفترة ثلة من جهابذة علماء المذهب، أبرزهم: الموفق عبد اللَّه بن قدامة، والمجد أبو البركات عبد السلام بن تيمية.
ومنهم: شمس الدين، أبو محمد عبد الرحمن بن عمر المقدسي (597 - 682 هـ). ومنهم: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني (661 - 728 هـ)، ومنهم: شمس الدين محمد بن مفلح (708 - 763 هـ). ومنهم: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب السلامي (736 - 795 هـ).
يقول المرداوي في "تصحيح الفروع" في ذلك ما نصه:
"اعلم أن مرجع معرفة الصحيح والترجيح في المذهب إلى أصحابه، وقد حرر ذلك الأئمة المتأخرون، فالاعتماد في معرفة الصحيح من المذهب ما قالوه، ومن أعظمهم: الشيخ الموفق -لا سيما في الكافي والنجم المسدد، والشارح-.
والشيخ تقي الدين، والشيخ زين الدين بن رجب... إلخ"؛ ويقول: فإنهم هذبوا كلام المتقدمين ومهدوا قواعد المذهب بيقين، فإن اختلفوا فالمرجع إلى ما قاله الشيخان الموفق والمجد، ثم ما وافق أحدهما الآخر في اختياريه، فإن اختلفا من غير مشارك لهما فالموفق ثم المجد، وإلَّا ينظر إلى فيمن شاركهما من الأصحاب لا سيما إذا كان الشيخ تقي الدين أو ابن رجب" 1.
ويرى المرداوي أن المجد مجتهد في مذهب إمامه غير مقلد له، فقد
ذكر في "الإِنصاف" نقلًا عن "آداب المفتي والمستفتي" لابن حمدان: أن المجتهد ينقسم إلى أربعة أقسام: مجتهد مطلق، ومجتهد في مذهب إمامه أو في مذهب إمام غيره، ومجتهد في نوع من العلم، ومجتهد في مسألة أو مسائل.
وأن المجتهد في مذهب إمامه أو إمام غيره وهو القسم الثاني، أحواله أربعة: نذكر منها: الحالة الأولى: أن يكون غير مقلد لإِمامه في الحكم والدليل لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى ودعا إلى مذهبه وقرأ كثيرًا منه على أهله فوجده صوابًا وأولى من غيره وأشد موافقة فيه وفي طريقه.
قال المرداوي: "قلت ومن أصحاب الإمام أحمد رضي اللَّه عنه: فمن المتأخرين كالمصنِّف والمجد وغيرهما" (1).
ترجمة صاحب المحرر
اسمه ولقبه ونشأته
:
هو شيخ الإِسلام أبو البركات عبد السلام بن عبد اللَّه بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن علي بن تيمية الحراني الفقيه الحنبلي 2. وُلد سنة تسعين وخمسمائة تقريبًا بحرَّان.
ويلقب بمجد الدين، وكثيرًا ما يأتي ذكره1
في كتب الفقه عند الإِشارة إليه وإلى ترجيحاته واختياراته بقولهم: "قاله المجد"، أو "اختاره المجد" ونحو ذلك، فالمعني به هو.
وينتمي المجد إلى شجرة علمية مباركة هي شجرة آل تيمية التي تضم أشهر بيوت العلم والدين والفقه والحديث، ذلك البيت الذي ينتمي إليه حفيده شيخ الإِسلام وتحفة الأنام الإِمام أحمد، أبو العباس، ابن تيمية، ومنهم والده الشيخ شهاب الدين أبو المحاسن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية (1)، ومنهم شقيق شيخ الإِسلام، عبد اللَّه بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن عبد اللَّه بن أبي القاسم بن تيمية الحراني ثم الدمشقي، الفقيه الإِمام شرف الدين أبو محمد (2)، ومنهم عم المجد فخر الدين أبو عبد اللَّه محمد ابن الخضر بن تيمية شيخ حران وخطيبها (3).
شيوخه
:
حفظ القرآن وسمع من عمه الخطيب فخر الدين ابن تيمية، والحافظ عبد القادر الرهاوي وحنبل الرصافي بحرَّان.
ثم ارتحل إلى بغداد سنة ثلاث وستمائة مع ابن عمه سيف الدين عبد الغني، فسمع بها من عبد الوهاب بن سكينة، والحافظ ابن الأخضر وابن طبرزد، وضياء الدين بن الخريف، ويوسف بن المبارك الخفاف، وعبد العزيز بن منينا، وأحمد بن الحسن العاقولي، وعبد المولى بن أبي تمام بن باد 4، وسبط الخياط علي بن سلطان، وأبي بكر الحلاوي، والفخر إسماعيل، وأبي البقاء العكبري، وقرأ عليه في العربية والحساب والجبر والمقابلة.123
مؤلفاته
:
أما أبرز مؤلفاته فهي: "المنتقى"، و"المحرر"، و"المسودة" في أصول الفقه بالمشاركة مع ابنه وحفيده، وله كتاب "أحاديث التفسير"، و"مسودة منتهى الغاية في شرح الهداية" وقد بيّض بعضها، والأحكام الكبرى.
وقد فصَّل فيها ابن رجب صاحب "الذيل" بقوله: إن تصانيفه: "أطراف أحاديث التفسير" رتبها على السور معزوة، "أرجوزة" في علم القراءات، "الأحكام الكبرى" في عدة مجلدات، "المنتقى من أحاديث الأحكام" انتقاه من الأحكام الكبرى، "المحرر" في الفقه، "منتهى الغاية في شرح الهداية" بَيَّضَ منه أربع مجلدات كبار إلى أوائل الحج والباقي لم يبيضه، "مسوَّدة" في أصول الفقه مجلد، وزاد فيها ولده ثم حفيده أبو العباس، "مسودة" في العربية على نمط المسودة في الأصول" (1).
رحلاته
:
في بداية طلبه للعلم ارتحل إلى بغداد مع ابن عمه سيف الدين عبد الغني المتقدم ذكره، فسمع بها كما تقدم، ثم رجع إلى حران واشتغل بها على عمه الخطيب فخر الدين، ثم رجع إلى بغداد فاستزاد بها من العلوم.
قرأ ببغداد القراءات بكتاب المبهج لسبط الخياط علي بن سلطان، والعربية والحساب والجبر والمقابلة على العكبري كما قدمنا.
ثم لما اكتمل علمه صنف وحدَّث ودرَّس في الحجاز والشام وبلده حرَّان والعراق كما1
تقدم، ومكة، والتقى فيها علماء كثر (1).
تلاميذه
:
كثير تلاميذه واشتهرت مكانته العلمية وزاد من ذلك رحلاته.
فمن تلاميذه في الفقه: ولده شهاب الدين عبد الحليم، وابن أبي الفهم ابن تميم صاحب "المختصر"، وعبد اللَّه كتيلة صاحب "المبهم" وغيرهم.
وفي الحديث: روى عنه ابن شهاب الدين أبو العباس، والحافظ عبد المؤمن الدمياطي، والأمين ابن شقير الحراني، وأبو إسحاق الظاهري الحافظ، ومحمد بن أحمد القزاز، وأحمد الدشتي، ومحمد بن زناطر، والعفيف إسحاق الآمدي، ونور الدين البصري، وأبو عبد اللَّه الدواليبي.
كما أجاز لتقي الدين سليمان بن حمزة الحاكم، وزينب بنت الكمال، وأحمد بن علي الجزري، وبرع في القراءات وعمل أرجوزة لها.
وقد دَرَّس في المدرسة النورية في دمشق، والمدرسة المستنصرية ببغداد، مما يعني كثرة طلبته وتعددهم، وذلك لكثرة الدارسين في هاتين المدرستين.
ثناء العلماء عليه
: قال الإِمام الذهبي: قال شيخنا -يعني شيخ الإِسلام ابن تيمية الحفيد- "كان جدنا عجبًا في حفظ الأحاديث وسردها بلا كلفة وحفظ مذاهب الناس".1
وقال الذهبي أيضًا: وقال لي شيخنا أبو العباس: "كان الشيخ جمال الدين بن مالك يقول: أُلين للشيخ المجد الفقه كما أُلين لداود الحديد".
وحكى الذهبي أيضًا: حكى البرهان المراغي أنه اجتمع بالشيخ المجد فأورد نكتة عليه، فقال المجد: الجواب عنها من ستين وجهًا: الأول كذا والثاني كذا، وسردها إلى آخرها، ثم قال للبرهان: قد رضينا منك بإعادة الأجوبة، فخضع وانبهر 1!!.
وعند وفاته لم يبق في البلد من لم يشهد جنازته إلَّا معذور، وكان الخلق كثيرًا جدًّا، ودفن بمقبرة الجبانة في مقابر حرَّان، وقد توفي بعد عصر يوم الجمعة يوم عيد الفطر، سنة 652 هـ أو سنة 653 هـ.
الفصل الثاني
ترجمة صاحب المنوَّر والتعريف بكتابه
كما أن لصاحب "المحرّر" مكانة بين العلماء فإن لمؤلف "المنوَّر" مكانة لا تقل عن سلفه، بل إن "المنوَّر" أظهر خلاصة "المحرّر" ولبابه، ووقف على مكنونه وخلص إلى زبدته، حتى أنه لا يكاد يذكر "المحرّر" إلَّا ويذكر "المنوَّر" معه على حد سواء.
ومؤلف "المنوَّر في راجح المحرّر"، هو الشيخ الإِمام العالم العلامة تقي الدين أحمد بن محمد بن علي الأدمي -بفتح الهمزة والدال-.
ومن الغريب أن يغيب اسم هذا العالم العَلَم عن معظم كتب الطبقات، إذ لم يذكر له مؤلفوها شيئًا يعرف به وبتاريخ ولادته ووفاته وبلده وشيوخه على وجه الدقة كما هو معتاد في التراجم 1.
المصادر التي جاء ذكره فيها
:
وبعد بحث متواصل تيسر بحمد اللَّه الوقوف على ما يعرف به في مصدر مهم، ذلك أن الباحث كان يظن أن المرجع الوحيد الذي عرّف به وبإيجاز هو "الدّر المنضد" للعليمي 1 الذي قال في ترجمته تحت عنوان: "ذكر من لم تؤرخ وفاته" ما يأتي:
"الشيخ تقي الدين أحمد بن محمد الأدمي البغدادي له "المنوَّر في راجح المحرّر" و"المنتخب"".
وقد أفاد هذا التعريف الموجز في إثبات أربعة أمور أساسية تعرف بالمؤلف وهي:
1 - اسمه بالكامل، وقد جاء موافقًا لما ذكر في المخطوط.
2 - أنه من علماء الحنابلة في بغداد وليس من الشام أو مصر.
3 - أن له مؤلفين هما "المنوَّر في راجح المحرّر"، و"المنتخب".
4 - أنه من المؤلفين الذين لم تؤرخ ولادتهم ووفاتهم.
ورغم أن ما ذكره العليمي في "الدر المنضد" يفي بشيء من حاجة الدراسة، إلا أن تاريخ ولادة ووفاة الأدمي كان الشغل الشاغل للباحث لعدم المقدرة على التعرف على عصره بدقة بما يقرِّب لنا ما يتعلق به كما هو معلوم.
ولم ينقطع الأمل، حتى ظهر لنا مصدر = الإسلامية في وزارة الأوقاف الكويتية هو الأستاذ ماهر الساير بأنه رجع بالتعاون مع موظفي القسم إلى أكثر من 40 مرجعًا من أمهات المراجع، وذلك لوضع بطاقة تعرف به في مكتبة الوزارة، ولم يجد للأدمي ذكرًا).
مهم 1؛ كما أشرنا آنفًا، وهو "تاريخ ابن قاضي شهبة" 2 الذي قدم ترجمة وافية إلى حد كبير.
فقد جاء في تاريخه ما يأتي فيمن ذكر في آخر وفيات سنة 749 هـ ما نصه:
"وممن توفي بعد الأربعين ولم يذكر سنة وفاته" أحمد بن محمد بن علي البغدادي، المقرئ الأدمي الحنبلي.
سمع الموطأ رواية يحيى بن يحيى على ابن حلاوة، سمع مته ابن رجب وقال: "كان صالحًا دينًا، أعاد بالمستنصرية [......] 3 الوزيراتي، وصنّف كتابًا في الفقه، وأجاز له جماعة من شيوخ الشام، توفي ببغداد سنة نيف وأربعين وسبعمائة، ودفن بمقبرة الإِمام أحمد".
وقد أفادت هذه الترجمة في إثبات ما يلي:
1 - أن اسمه مطابق لما هو مذكور في المخطوط.
2 - أنه ضبط لفظ وقراءة اسمه الأخير بفتح الهمزة، وفتح الدال.
3 - أنه مقرئ، وسمع الموطأ إضافة إلى كونه فقيهًا.
4 - إن من مشايخه ابن حلاوة.
5 - من تلامذته العلامة العلم صاحب الذيل على طبقات الحنابلة،
ابن رجب، الحافظ زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين أحمد البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي (736 - 795 هـ) والفترة التي عاش فيها ابن رجب تتناسب مع فترة الأدمي.
6 - أنه قد دَرَّس في المستنصرية.
7 - أنه صنّف كتابًا في الفقه ولعله كتابنا هذا.
8 - أنه قد زار الشام وقرأ على شيوخها فأجازوه.
9 - أنه توفي في بغداد حوالي عام 749 هـ باعتبار أن النيِّف يزيد على العقد أو يقاربه، ويؤيد ذلك أن ابن قاضي شهبة قد ذكر في أعلى الصفحة التي ذكرت فيها ترجمته قوله: "سنة تسع وأربعين وسبعمائة".
10 - أنه لم يحدد بدقة تاريخ حياته أو وفاته.
11 - أن البياض الذي يقع بين قوله: "بالمستنصرية... الوزيراتي" لعله يكون "مع (أو عند) تقي الدين الزريراني" فتكون العبارة "بالمستنصرية مع (أو عند) تقي الدين الزريراني" أو "مع ابن أبي البركات الزريراني" لأن الزريراني قد أعاد في المستنصرية في تلك الفترة وهو مشهور جدًّا، وهو حتمًا غير الأدمي، وكثيرًا ما يصحف اسمه إلى الزريراتي بدلًا من الزريراني.
وقوله: "الوزيراتي" ذكر محقق تاريخ ابن قاضي شهبة أنه وجد ذلك في النسخ الثلاث التي حقق عليها "تاريخ ابن قاضي شهبة"، ثم قال: "ولعلها الزريراني" 1.
والزريراني نسبة إلى بلدة زَريران بفتح الزاي وكسر الراء المهملة بعدها ياء ساكنة ثم راء مهملة بعدها ألف ونون، وهي بلدة قرب بغداد تبعد عنها
سبعة فراسخ على جادة الحاج إذا أراد الكوفة من بغداد 1.
وفي ترجمة سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصري ثم البغدادي نجم الدين أبو الربيع صاحب "مختصر الروضة" في أصول الفقه، الذي ولد سنة بضع وسبعين وستمائة أنه "دخل بغداد سنة إحدى وتسعين فحفظ المحرّر في الفقه وبحثه على الشيخ تقي الدين الزريراتي" 2. والصواب الزريراني.
وقد جاء في طبقات ابن رجب ما يؤكد على أنه الزريراني وليس الزريراتي في ترجمته على النحو التالي: اسمه عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر ابن إسماعيل بن أبي البركات بن مكي بن أحمد الزريراني ثم البغدادي، تقي الدين أبو بكر 3. وجاء أيضًا أنه قرأ المذهب على الشيخ العلامة مجد الدين عبد السلام صاحب المحرّر بقوله في الذيل: "ثم ارتحل إلى دمشق فقرأ المذهب على الشيخ زين الدين بن المنجا والشيخ مجد الدين الحراني ثم عاد إلى بلده... إلخ"، وجاء أيضًا أنه: سمع الحديث من إسماعيل الطبال ومحمد بن ناصر بن حلاوة، وأكد ذلك ابن بدران عند حديثه عن أشهر كتب الحنابلة: "الوجيز" تأليف عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن أبي البركات الزريراني البغدادي فقيه العراق ومفتي الآفاق حكى عنه في "المقصد الأرشد" أنه طالع المغني للموفق ثلاثًا
وعشرين مرة، توفي سنة 729 هـ 1.
وممن أشار إليه من المؤلفين المعاصرين الشيخ بكر أبو زيد في كتابه الحافل "المدخل المفصل إلى فقه الإِمام أحمد بن حنبل"، مع عدم القطع بتاريخ ولادته أو موته، حيث ذكره في معرض حديثه عن "كتب المتن المخدومة" عند حديثه عن المحرّر، إذ اعتبر المنوَّر من كتب الحواشي والنكت والتعاليق، وكان الأقرب أن يضعه -حفظه اللَّه- تحت عنوان "اختصار المحرّر" بدلًا من ذكره تحت عنوان "كتب الحواشي والنكت والتعاليق"، لأنه تقدم أن الأدمي قال في مقدمته أنه "مختصر في الفقه على مذهب الإِمام الأنبل... "، فلعله -حفظه اللَّه- لم يقف عليه، وذلك لأن نسخته فريدة وحيدة كما قدمنا.
يقول الشيخ بكر أبو زيد:
"المنوَّر في راجح المحرّر على مذهب الإِمام أحمد بن حنبل للأدمي، تقي الدين أحمد بن محمد المتوفى سنة 700 هـ، وقيل توفي سنة 815 هـ، فاللَّه أعلم" 2.
وخلاصة القول: أن العلامة الأدمي قد دَرَّس في المستنصرية 3 مع العلامة الزريراني، وأنهما قد قرءا على العلامة محمد بن ناصر بن حلاوة
وغيره، وأن كلاهما يكنى تقي الدين، وأن السنوات التي ذكرها ابن قاضي شهبة في تاريخه وهي ما بين 740 و 749 هـ تتناسب مع ما يعتقد أنه عاش إلى زمنها، وأن وفاته تقرب من عام 749 هـ كما سيظهر لاحقًا في حوادث 749 هـ، وأن الزريراني توفي قبل الأدمي كما جاء في ذيل ابن رجب، و"مدخل" ابن بدران، وأن السقط الذي ورد في عبارة ابن قاضي شهبة لا يسعه أن يتعدى ما يدل على أنهما دَرَّسا في المستنصرية (1) كما أشرنا آنفًا، وأن العلامة الأدمي قد أعاد في المستنصرية للعلامة الزريراني، والمعيد منصب علمي مهم لا يصل إليه إلَّا النجباء من التلاميذ حيث يعيدون ما قاله الشيخ على التلاميذ، وهذا معنى قول ابن قاضي شهبة أنه أعاد بالمستنصرية، أي للعلامة الزريراني.
المنوَّر أم المنوِّر، الأَدْمِي أم الأَدَمِي أم الآدَمِي:
مما يثير الاستغراب أحيانًا عدم الجزم بذكر عنوان الكتاب مضبوطًا بالشكل، فمعظم من ذكر المنوَّر يذكره من غير شكل سوى ما جاء في الإِنصاف -الطبعة الملكية الجديدة 2 - حيث ذكره بقوله المنوِّر بضم الميم وتشديد الواو وكسرها، أما بقية المراجع فلم تبين ما إذا كان يقرأ المنوَّر أم المنوِّر أو المُنْوَّر.
غير أننا نعتقد أن ضبطه بضم الميم وفتح النون وفتح الواو وتشديدها، أي المُنَوَّر، أقرب لتسميته مع المحرّر، فينسبك العنوان عند قراءته "المنوَّر في راجح المحرّر"، بخلاف ما إذا قرأناه المُنْوَر بضم الميم وسكون النون وفتح الواو، أو المُنَوِّر بضم الميم وفتح النون وتشديد الواو وكسرها،1
وإن كان الأخير يحتمل لفائدته في المعنى، واللَّه أعلم.
وبالمثل، فإن اسم المؤلف الأخير غير متفق على ضبطه، فالبعض يكتبه الآدمي بالمد، والبعض الآخر يكتبه الأَدَمي بالهمز، وهل يكون النطق بفتح الدال أم بسكونها أم بكسرها، كل ذلك غير ظاهر.
وسيظهر لنا لاحقًا رسم اسمه وضبطه عند الحديث عن مكانته العلمية.
والذي يراه الباحث أن نطقه بتحريك الهمزة والدال أنسب كما في "الدر المنضد"، وقد تأكد لنا ذلك فيما تم مناقشته آنفًا في هذه المسألة فيما ذكر في تاريخ ابن قاضي شهبة (1) وغيره.
وقال السمعاني في الأنساب: "الأَدَمي، نسبة إلى بيع الأَدَم وهو باطن الجلد" (2).
وبالمثل فإن نطق اسمه بسكون الدال مع فتح الهمزة وارد ومناسب أيضًا لورود ذلك في تراجم لأسماء تتشابه معه، وقرأه العلَّامة ابن عقيل (3) -حفظه اللَّه- بضمّ الهمزة.
مكانة صاحب المنوَّر في المذهب:
للعلامة أحمد بن محمد الأدمي مكانة جليلة بين علماء المذهب، ويكفيه جلالة وقدرًا أنه لا تكاد تخلو صفحة من صفحات "الإِنصاف" من ذكر أحد كتابيه: "المنوَّر" أو "المنتخب" أو هما معًا، حيث يرجع إليهما كثيرًا في ترجيحات المذهب.123
يقول في "كتاب الصلاة" في "الإِنصاف" 1 مثلًا:
"... وإن تركها تهاونًا لا جحودًا دعي إلى فعلها، فإن أبى حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله، هذا المذهب وعليه جمهور الأصحاب، قال في الفروع: اختاره الأكثر، قال الزركشي: وهو المشهور، انتهى.
واختاره ابن عيدوس في تذكرته وجزم به في الوجيز والمنوَّر والمنتخب وغيرهم... ".
وفي باب "الهبة والعطية" يقول المرداوي في "الإِنصاف" قوله 2:
"... وتحصل الهبة بما يتعارفه الناس هبة من الإِيجاب والقبول والمعاطاة المقترنة بما يدل عليها، هذا المذهب، اختاره ابن عقيل والمجد في شرح الهداية وجزم به في المحرّر والوجيز والحاوي الصغير والمنوَّر وغيرهم".
وبالمثل يكثر ذكره في كتاب المفردات لـ: محمد بن علي العمري الذي شرحه العلامة البهوتي بعنوان: "منح الشفا الشافيات في شرح المفردات".
ففي كتاب الطهارة يقول:
ويكره التطهيرُ بالمسخَّنِ... بنجِسٍ في أشهرٍ مُعَنْعَنِ
قال الشارح -أي البهوتي 3 -: أي يكره استعمال المسخن بنجس في طهارة إن لم يحتج إليه في أشهر الروايتين عن أحمد وهو الصحيح، جزم به في المجرد والوجيز والمنوَّر ومنتخب الآدمي.
وكذا قول ناظم المفردات في كتاب الصلاة:
وتاركُ الصلاة حتى كَسَلا... يُقتل كُفرًا إن دُعِي وقالَ لاَ
وما له فَيْءٌ ولا يُغَسَّلُ... وصحَّح الشيخانُ حَدًّا يُقتَلُ
قال البهوتي 1: من يجحد وجوب الصلاة عالمًا أو جاهلًا وعُرَّف وأصرَّ كَفَرَ، قال الموفق: لا أعلم في هذا خلافًا... وإن تركها تهاونًا وكسلًا لا جحودًا دعاه الإِمام أو نائبه إلى فعلها وهدده، فقيل له: صل وإلَّا قتلناك، فإن لم يصل حتى تضايق وقت الذي بعدها وجب أن يستتاب فإن تاب بفعلها وإلَّا وجب قتله كفرًا في إحدى الروايتين، قال في الإِنصاف وهو المذهب وعليه جمهور الأصحاب، انتهى... واختار الموفق لا يكفر، وقال هو أصوب القولين، ومال إليه الشارح، واختاره ابن عبدوس، وصححه المجد وصاحب المذهب، ومسبوك الذهب، وابن رزين، والناظم، ومجمع البحرين، وجزم به في الوجيز والمنوَّر وقدمه في المحرر.
يلاحظ في هذه الفقرة ذكر المجد مرتين الأولى بقوله: "وصحح الشيخان حدًّا يقتل"، والشيخان الموفق والمجد كما أسلفنا، والثانية قوله في نهاية الفقرة: وجزم به في الوجيز والمنوَّر وقدمه في المحرّر حيث جمع بين الأدمي والمجد في الجزم والتقديم لما اختاره الموفق.
وجاء ذكر صاحب المنوَّر أيضًا في أحد أهم مصنفات متأخري المذهب وذلك في "مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى" للرحيباني 2، وغاية المنتهى هو جمع بين الإِقناع ومنتهى الإِرادات للعلامة
مرعي الكرمي (ت 1033) كما هو معلوم، كما في قوله في باب الحجر:
"ولا يمنعه زيادة منفصلة وكسب وولد نقص بها المبيع أو لم ينقص إن كان نقص صفة لأنه وجد عين ماله لم تنقص ولم يتغير اسمها، وهي أي الزيادة لراجع وهو البائع نص عليه الإِمام أحمد في ولد الجارية ونتاج الدابة، وهو المذهب اختاره أبو بكر والقاضي في الجامع، والخلاف، وجزم به في المنوَّر ومنتخب الأدمي.
وجاء ذكره في أحد أهم الكتب عند متأخري المذهب وهو العلامة الشويكي في كتابه "التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح" في مسألة هي: "هل يملك السيد إقامة الحد على مكاتبه" 1.
والخلاصة: أن العلامة الأدمي من كبار علماء المذهب، وقد قدمنا ما ذكر المرداوي في "تصحيح الفروع" في قوله عن المنوَّر، والعلماء الذين في درجته من المكانة العلمية أن مرجع معرفة الصحيح والترجيح إليهم لما قد حرره الأئمة المتأخرون بالاعتماد في معرفة الصحيح من المذهب على ما قالوه، منهم الموفق وابن تيمية وابن رجب وغيرهم كالأدمي في المنوَّر والمنتخب، أي أن الأدمي من أصحاب الترجيح وهي درجة تعادل درجة الاجتهاد في المذهب.
ومن جهة أخرى ظهر لنا أيضًا الاختلاف في ضبط المنوَّر والأدمي كما قدمنا، فمنهم من يقول هو المنوَّر كما في "الدر المنضد"، ومنهم يقول هو المنوَّر كما في "الإِنصاف" في طبعته الأخيرة؛ وكذا نسبته للعلامة الأدمي فمنهم من يقول هو الأَدَمي كما في "الدر المنضد" للعليمي، ومنهم من يقول
هو الآدمي بالمد كما في "منح الشفا الشافيات"، و"مطالب أولي النهى" (1).
الفترة التي عاش فيها العلامة الأدمي
:
مرَّ بنا آنفًا أن العلامة الأدمي ممن لم تؤرخ وفاته كما جاء في "الدر المنضد"، غير أنه من الممكن أن نتصور الفترة التي عاشها بالنظر إلى الأزمنة التي عاش فيها من اقتبس أو أشار إلى "منوره" و"منتخبه".
فمن ذلك أن العلامة المرداوي المعروف "بمنقح المذهب" صاحب "الإِنصاف" و"التنقيح" قد عاش في الفترة ما بين 817 - 885 هـ وهي فترة "متأخري المذهب" كما بيَّنه ابن بدران في المدخل وغيره من كتب طبقات المذهب "كالذيل على طبقات الحنابلة" لابن رجب.
وهذا يدل على أن الأدمي قد عاش بين الفترة الواقعة من وفاة صاحب المحرّر الذي عاش ما بين 590 - 652 هـ إلى الفترة التي عاشها المرداوي ما بين 817 - 885 هـ.
ثم إن الملاحظ أن صاحب المنوَّر كثيرًا ما يذكر اسمه مقارنًا لاسم صاحب "الوجيز" العلامة الحسن بن يوسف محمد بن أبي السرى الدجيلي البغدادي المتوفى سنة 732 هـ، وخاصة أنه بغدادي مثله ودجيلي نسبة إلى نهر دجلة وقيل: نسبة إلى نهر صغير يسمى دجلة أو نسبة إلى دجيلة، فقد يكون معاصرًا له.
والشيخ بكر أبو زيد يرى أنه قد توفي في عام 700 هـ1
أو في عام 815 هـ كما مر بنا آنفًا.
وعلى أية حال فإن ذلك يؤكد بأن الأدمي ينتمي إلى "طبقة متوسطي المذهب" بناءً على التقسيم الزمني الذي يقول إن الطبقات الزمنية للأصحاب تنقسم إلى ثلاث طبقات 1:
1 - طبقة المتقدمين (241 هـ - 403 هـ).
2 - طبقة المتوسطين (453 هـ - 884 هـ).
3 - طبقة المتأخرين (885 هـ - إلى ما شاء اللَّه).
وكذلك بناءً على تقسيم ابن بدران في "المدخل" 2 أمكننا استخلاص الطبقات الزمنية بالعلاقة إلى متون العلم التي اشتهرت إلى:
- المتقدمون (334 هـ - 620 هـ) (فترة مختصر الخرقي).
- المتوسطون (621 هـ - 884 هـ) (فترة المقنع).
- المتأخرون (885 هـ - 972 هـ إلى الآن) (فترة التنقيح المشبع ومنتهى الإِرادات).
وذلك بناء على قوله أن مختصر الخرقي اشتهر عند "المتقدمين" إلى أن ألَّف الموفق كتابه "المقنع" 3 الذي اشتهر إلى عصر التسعمائة حين ألف
المرداوي "التنقيح المشبع"، الذي اشتهر إلى أن ألف الفتوحي ابن النجار "منتهى الإِرادات".
وبما أن الموفق قد عاش في الفترة 540 - 620 هـ، والمرداوي بين 817 - 885 هـ، وابن النجار (ت 972 هـ) فإن الأزمنة بالعلاقة إلى المتون المشهورة تقرب مما ذكر.
ومما نقله محمد الخلوتي تلميذ العلامة البهوتي في حاشية ابن حميد على المنتهى من خط شيخه -مخطوط-.
- المتقدمون، من الإِمام أحمد إلى الإِمام أبي يعلى القاضي.
- المتوسطون، من القاضي أبي يعلى إلى الموفق.
- المتأخرون، من الموفق إلى الآخر.
مما يعني أن الأدمي ينتمي إلى طبقة المتأخرين، ولا شك أن مرجع ذلك حسب تقدير العلماء والمتقصين، ولعل أنه من المتوسطين أقربْ، واللَّه أعلم.
وخلاصة القول أنه رحمه اللَّه ينتمي إلى طبقة متوسطي المذهب كما قدمنا، ويؤكد ذلك ثلة العلماء الذين يذكر اسمه أو اسم كتابيه معهم دائمًا كما ظهر لنا آنفًا في "الإِنصاف" و"تصحيح الفروع"، وصاحب الوجيز العلامة الحسن الدجيلي المتوفى 730 هـ وغيره.
= منظومته الدالية: وَسَقَتْ زياداتُ "المحرّر" جلها... وما قدْ حَوى من كل قيدٍ مُجَوّد فما فوقَ مرقى "المجدِ" في العلمِ مرتقًى... وغايتُه القصوَى على رغم حُسد انظر: العلامة الإِمام الشيخ عبد الرحمن بن عبيدان الحنبلي الدمشقي "زوائد الكافي والمحرّر على المقنع"، منشورات المؤسسة السعيدية بالرياض، 1981 وقد أشرف على طبعه العلامة محمد بن مانع صاحب حاشية الدليل.
الفصل الثالث أبرز مميزات عصر الأدمي السياسية والعلمية وأبرز الماجريات
ذكرنا آنفًا أن العلامة الإِمام أحمد بن محمد الأدمي البغدادي قد عاش في الفترة التي قلت فترة الإِمام المجد ابن تيمية (590 - 652 هـ)، وأنه قد توفي ما بين 740 - 749 هـ كما قرره ابن قاضي شهبة تحت عنوان "عام" هو "سنة تسع وأربعين وسبعمائة"، ثم "خصصه" بعنوان آخر هو: "وممن توفي بعد الأربعين ولم يذكروا سنة وفاته" (1). امتاز عصر الأدمي -إذا سلمنا أنه عاش حتى السنوات التسع عقب عام 740 هـ وما سبقها- بخصائص سياسية وعلمية، وكذلك حوادث مما يلقي شيئًا من الضوء على مسألة غموض معرفة سنوات حياته ووفاته، وكذلك على مكانته العلمية والبيئة التي عاش فيها في ذلك العصر الوفير.
ظهور المغول وسقوط بغداد سنة 656 هـ
عاش الأدمي بناء على ما ذكرنا آنفًا في فترة المماليك التي تعرف بـ "المماليك البحرية" التي حكمت بلاد الشام ومصر منذ عام 648 هـ إلى عام 784 هـ سموا بذلك لنزولهم في ثكنات عسكرية في جزيرة الروضة على1
بحر النيل.
أما بغداد مقر الخلافة، فقد سقطت في أيدي المغول التتار على يد الطاغية هولاكو في سنة 656 هـ، فدمروا البلاد وقتلوا العباد واستباحوا المحرمات وصارت بغداد تحت دولتهم المسماة: "الدولة المغولية الإِيلخانية".
قال ابن العماد في حوادث سنة 656 هـ:
"ففي هذه السنة 656 هـ قتل الخليفة المستعصم باللَّه أبو أحمد عبد اللَّه ابن المستنصر باللَّه أبي جعفر المنصور آخر الخلفاء، وكانت دولتهم خمسمائة سنة وأربعًا وعشرين سنة 1. وكان قتله على يد الطاغية هولاكو وذلك بتواطؤ وخيانة الوزير ابن العلقمي، وفي ذلك يقول الشاعر:
يا عصبةَ الِإسلامِ نُوحي وانْدُبي... حزنًا على مأتم للمستعصم
دَسْت الوزارة كان قبلَ زمانهِ... لابن الفُرات فصار لابن العلقمِي
ويضيف: "ولما فرغ هولاكو من قتل الخليفة وأهل بغداد أقام على العراق نوابه، وكان ابن العلقمي حسَّن لهم أن يقيموا خليفة علويًا فلم يوافقوه واطرحوه وصار معهم في صورة بعض الغلمان ومات كمدًا لا رحمه اللَّه" 2.
وقال ابن العماد رحمه اللَّه أيضًا:
"وفي عام 664 هـ هلك هولاكو بن قولي قان بن جنكز خان المغولي مقدم التتار وقائدهم إلى النار الذي أباد البلاد والعباد... مات على كفره في هذه السنة بعلة الصرع، فإنه اعتراه منذ مقتل الشهيد صاحب ميافارقين الملك
الكامل غازي حتى كان يصرع في اليوم مرتين... خلَّف 17 ابنًا، تملك بعده ابنه أبغا 1.
واستمر العداء مع التتار، ولم تتعدل الأوضاع إلَّا بدءًا من عام 694 هـ، وذلك عندما أعلن السلطان الخاني غازان بن أرغون بن أبغا بن هولاكو إسلامه وتسمى باسم محمود، وتلقب بـ السلطان معز الدين، فدخل بسبب إسلامه كثير من الأمراء ورجالات الدولة المغولية وانتشر الإِسلام في أوساط التتار، ورغم ذلك فإن العداوة بين المغول في بغداد ودولة المماليك في مصر والشام ظلت باقية وتعرضت كثير من مدن الشام للخراب على أيدي التتاريين، وكانت الحروب بين التتار والمماليك سجالًا.
فقد هجم التتار على حمص والبقاع ودمشق؛ يقول الذهبي في "دول الإِسلام": ثم دخلت التتار دمشق وشرعوا في المصادرة والعسف ونهبوا الصالحية وسبوا أهلها وأتعبوا الخلق... ثم إن اللَّه لطف وألقى في قلب قازان فأمر الأمراء بالكف عن دمشق... " 2.
ثم جاء بعد ذلك السلطان خدا بنده بن أرغون بن أبغا بن هولاكو (703 - 716 هـ)، وكان حسن السيرة لكنه تبنى المذهب الشيعي وعادى أهل السنَّة، وشهدت البلاد رغم ذلك رخاء، كما أنه استمر على عداء المماليك في مصر والشام.
ثم حكم السلطان بوسعيد بن محمد خدا بنده (716 - 736 هـ) وكان صغير السن في بداية حكمه واستمر إلى أن تولى الأمور بنفسه ثم تحسنت
العلاقات بينه وبين مماليك مصر والشام، وعقد صلح بين الدولتين في عام 736 هـ (1).
ثم بعد ذلك جاء السلطان حسن بزرك الجلائري (738 - 757 هـ) فأسس "الدولة المغولية الجلائرية" وذلك بعد الخلاف بينه وبين المنافسين له، فاستطاع أن يستولي على بغداد وانتهى في عهده حكم "الأسرة المغولية الإِيلخانية" التي أسسها هولاكو وأبناؤه وأحفاده، وقد شاع الظلم في عهده مما دعى أهل العراق إلى الهجرة خارجها، لكنه تعدل في النهاية وأقام العدل مما دفع كثيرًا من النازحين عن العراق على العودة إليها وذلك في سنة 748 هـ (2)، وهي أقرب سنة من وفاة العلامة الأدمي كما ذكرنا آنفًا.
كما شهدت هذه الفترة وعلى الأخص الفترة التي عاصرت الأدمي عدة حوادث ربما تلقي الضوء على الغموض الذي اكتنف أخبار هذا العالم الجليل، فمن ذلك ما يأتي:
طاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة (749 هـ)
يشير تاريخ ابن قاضي شهبة إلى ذلك بقوله 3: "في هذه السنة كان الطاعون العظيم الذي عم المشارق والمغارب12
ومات فيه من العلماء والأعيان وغيرهم خلائق لا يحصيهم إلَّا الذي خلقهم.
وقد كان للطاعون مدد عظيمة لم يقع في هذه البلاد.
حدثني بعض مشايخنا عن والده أنه قال: ما كنا نعرف حقيقة الطاعون قبل سنة تسع وأربعين... ".
ويضيف أيضًا:
"وفي أواخره كان الطاعون العام بأقطار البلاد وامتد إلى أواخر المحرم من العام القابل، مات بالقاهرة ومصر في اليوم الواحد نحو أحد عشر ألف نفس، وفي بعض تواريخ المصريين أنه كان يموت بالقاهرة كل يوم فوق العشرين ألف إنسان".
وجاء مثل ذلك في تاريخ ابن تغري بردي "النجوم الزاهرة" 1 بقوله:
"كانت هذه السنة (سنة تسع وأربعين وسبعمائة) كثيرة الوباء والفساد بمصر والشام، ومع هذا كان الوباء الذي لم يقع مثله في سابق الأعصار، فإنه كان ابتداء بأرض مصر آخر أيام التخضير في فصل الخريف في أثناء سنة ثمان وأربعين، فما أهلَّ المحرم سنة تسع وأربعين حتى اشتهر واشتد الوباء بديار مصر في شعبان ورمضان وشوال وارتفع في نصف ذي القعدة، فكان يموت بالقاهرة ومصر ما بين عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألف نفس إلى عشرين ألف نفس في كل يوم.
وعملت الناس التوابيت والدكك لتغسيل الموتى للسبيل بغير أجر وحمل أكثر الموتى على ألواح الخشب وعلى السلالم والأبواب، وحفرت الحفائر وألقي فيها الموتى، فكانت الحفيرة يدفن فيها الثلاثون والأربعون وأكثر... ".
ويضيف:
"ولم يكن هذا الوباء كما عهد في إقليم دون إقليم، بل لمَّ أقاليم الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، جميع أجناس بني آدم وغيرهم حتى حيتان البحر وطير السماء ووحش البر... ".
... ويستطرد بقوله عن بغداد التي عاش فيها الأدمي:
"... ثم وقع ببغداد أيضًا، فكان الإِنسان يصبح وقد وجد بوجهه طلوعًا فما هو إلَّا أن يمد يده على موضع الطلوع فيموت في الوقت".
وذكر مثل ذلك ابن الوردي في تاريخه وقد أشار إليه شعرًا:
ماذا الذي يصنعُ الطاعونُ في بلد... في كلِّ يومٍ لهُ بالظلمِ طاعون
وقد مات ابن الوردي بطاعون حلب في 17 ذي الحجة 749 هـ 1.
والخلاصة: أن هذا الوباء يفسر لنا غموض تاريخ تلك الفترة، فلعل الأدمي رحمه اللَّه ممن مات بسببه.
كما شهدت هذه الفترة أيضًا نزاعات سياسية وحروب وتبدل سلاطين وأمراء وقواد كما يظهر ذلك في حوادثها في تاريخ الذهبي وغيره 2. وقد سبقها ظهور أكبر فتنة في العالم الإِسلامي وهي فتنة المغول الذين خرجوا حوالي سنة 654 هـ واستمروا إلى دخول بغداد بقيادة الطاغية هولاكو سنة 656 هـ، قال الذهبي 3:
"ودخلت التتار بغداد واقتسموها كل نوين أخذ ناحية وبقي السيف يعمل أربعة وثلاثين يومًا، وقلَّ من سلم، فبلغت القتلى ألف ألف وثمانمائة ألف وزيادة".
ويشير ناجي معروف في تاريخه بقوله:
"أتت فتنة هولاكو على خزائن العلم والأدب فلم يتق شيئًا ولم يبق من الكتب إلَّا ما كان منه نسخ عديدة أو امتلكها أناس كانوا في نجوة من هذا الإِعصار... إلخ" (1).
فلعل هذه الحوادث كالطاعون والوباء وما تلاه من مقاتل وفتن ونزاعات قد غيبت تاريخ وفاة الأدمي وعلى الأخص الوباء الذي لم يسلم منه أحد كما أشار المؤرخون.
المدارس العلمية وشيوع العلم
رغم ما شهدته هذه الفترة من فتن وحوادث كما بيّنا سابقًا، امتازت في الوقت نفسه بشيوع العلم ومدارسه المتعددة، وظهور أشهر علماء المسلمين ومصنفيهم، وأشهر المصنفات على حد سواء. وسنتعرض لبعض المدارس في الشام وبغداد على اعتبار أن العلامة الأدمي انتقل فيما بين العراق والشام واستقر في بغداد كما ذكرنا آنفًا، مع ذكر لأبرز العلماء والمصنفات بقدر الإِمكان.1
= أن أخرج إلى القاني الأعظم في تقرير الصلح، فخرج الكلب وتوثق لنفسه ورجع فقال: إن القاني قد ركب في أن يزوج بنته بابنك وأن تكون الطاعة له كالملوك السلجوقية ويرحل عنك، فخرج المعتصم في أعيان دولته فضربت رقاب الجميع.
أما المدارس فهي أكثر من أن تحصى سواء من حيث حجمها أو تخصصاتها أو مذاهبها.
المدارس في بلاد الشام
انقسمت المدارس في بلاد الشام إلى عدة أقسام حسب تخصصاتها ومواقعها والعلوم التي تدرس فيها على النحو التالي (1):
1 - دور القرآن الكريم.
2 - دور الحديث الشريف.
3 - دور الحديث والقرآن.
4 - المدارس الفقهية.
ويتصل بذلك الزوايا والخوانق ونحوها، غير أننا سنركز على الأنواع الأربعة وعلى الأخص ما عاصر منها فترة العلامة الإِمام الأدمي والعلامة الإِمام المجد عبد السلام.
أولًا: دور القرآن الكريم:
1 -
دار القرآن الكريم الرشائية:
أنشأها رشأ بن نظيف بن ما شاء اللَّه أبو الحسن الدمشقي في حدود سنة أربعمائة، وذكر النعيمي أنها قد زالت عينها وأدخلت في غيرها والتي منها الآن الأخنائية التي أنشاها محمد بن القاضي تاج الدين محمد الأخنائي الشافعي ودفن بها 816 هـ 2.1
2 -
دار القرآن الكريم السنجارية
(1): أنشئت في سنة 735 هـ، أنشأها علاء الدين بن إسماعيل بن محمود السنجاري.
3 -
دار القرآن الكريم الوجيهية
(2): أنشأها وجيه الدين محمد بن عثمان بن المنجي التنوخي في عام 701 هـ، وهو من شيوخ الحنابلة.
وهناك دور قرآن كثيرة قبل وبعد هذه الفترات، غير أننا ذكرنا المعاصر منها للعلامة الأدمي (3).
ثانيًا: دور الحديث الشريف:
1 -
دار الحديث الأشرفية
ذكر النعيمي أنها أنشئت في سنة 628 هـ بأمر الملك الأشرف وفتحت سنة 635 هـ، وأملى بها الشيخ تقي الدين ابن الصلاح (1)، الإِمام البارع الفقيه المفتي صاحب أشهر كتاب في مصطلح الحديث المعروف باسم "مقدمة ابن الصلاح" أو "علوم الحديث".
وفي "منادمة الأطلال" لابن بدران سماها "دار الحديث الأشرفية الأولى"، وقد فصل الحديث عنها وانتهى إلى ما آلت إليه في عصره.
2 -
دار الحديث الأشرفية البرانية
(2):
المقدسية بسفح جبل قاسيون، بناها الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن العادل أيضًا، للحافظ جمال الدين عبد اللَّه بن تقي الدين عبد الغني المقدسي، وقرر له معلومًا لكنه مات قبل فراغها.
وفي "منادمة الأطلال" لابن بدران سماها: "الأشرفية الثانية" (3).
3 -
دار الحديث البهائية:
كانت دار للشيخ بهاء الدين أبي محمد القاسمي، ابن الشيخ بدر الدين أبي غالب المظفر، فأوقفها آخر عمره دار حديث سنة 723 هـ.
4 -
دار الحديث الدوادارية والمدرسة والرباط:
وقفها الأمير علم الدين سنجر التركي الصالحي الدوادار، كان مكانها رواقًا له فجعله دار حديث سنة 698 هـ، وليها عدد من العلماء، وقد أفرد العلامة ابن بدران في منادمة الأطلال ترجمة حافلة لواقفها 4.123
5 -
دار الحديث الحمصية
(1): كانت حلقة في الجامع الأموي لإِقراء الحديث، وكان لها وقف يقوم بمصالحها، درَّس بها الحافظ المزي (2)، ثم الحافظ صلاح الدين العلائي خليل ابن كيكلدى (3) سنة 728 هـ.
6 -
دار الحديث السكرية
(4):
لم يعرف واقفها، ولي مشيختها الإِمام العالم الفقيه شهاب الدين عبد الحليم ابن الشيخ الإِمام العلامة مجد الدين عبد السلام بن تيمية صاحب المحرّر، سمع من والده المجد وصار شيخ البلد بعد أبيه المجد.
ودرس بهذه المدرسة الشيخ الإِمام العالم العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني والشيخ زين الدين المنجَّا الحنبلي.
7 -
دار الحديث الشقشقية
أوقفها المحدث نجيب الدين أبو الفتح نصر اللَّه مظفر بن عقيل2345
الشيباني الدمشقي، وقد سكنها الحافظ المزي قبل أن ينتقل إلى دار الحديث الأشرفية، توفي واقفها سنة 666 هـ.
8 -
دار الحديث الفاضلية
(1):
نسبة إلى عبد الرحيم بن علي القاضي محيي الدين العسقلاني (529 - 596 هـ): درس فيها علماء أفاضل وجهابذة، منهم الإِمام الحافظ الذهبي وغيره.
وكان القاضي العسقلاني من خواص السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه اللَّه تعالى.
9 -
دار الحديث القلانسية، والقوصية، والكروسية
(2):
بالصالحية، صاحبها عز الدين القلانسي (649 - 729 هـ) أحد رؤساء دمشق، بها رباط ومئذنة.
وهناك أيضًا دار الحديث القوصية، ودار الحديث الكروسية.
10 -
دار الحديث النورية
(3): بناها نور الدين محمود زنكي، الملك العادل، بدمشق، وهو أول من بنى دارًا للحديث كما ذكر النعيمي في "الدارس" 511 - 569 هـ. تولى مشيختها ابن عساكر الدمشقي إمام أهل الحديث في زمانه، ذكر النعيمي أن جملة شيوخ ابن عساكر 1300 شيخ ونيف و 80 امرأة، له تاريخ دمشق في 80 مجلدًا.
11 -
دار الحديث النفيسية:
واقفها هو إسماعيل بن محمد بن صدقة الحراني ثم الدمشقي (628 - 696 هـ).123
وُلي مشيختها صاحب التذكرة الإِمام المقرئ المحدث علاء الدين علي بن المظفر الكندي الإِسكندراني ثم الدمشقي، ثم وليها بعده الإِمام علم الدين البرزالي (1).
12 -
دار الحديث الناصرية:
أنشأها الملك الناصر صلاح الدين يوسف حفيد السلطان صلاح الدين الأيوبي يوسف بن أيوب (2) فاتح بيت المقدس (627 - 659 هـ). درَّس فيها جمال الدين الشربيني وباشر مشيختها (694 - 779 هـ)، والشيخ حسام الدين القرمي (685 - 746 هـ)، وشرف الدين الغزاري (630 - 705 هـ) وغيرهم (3).
ثالثًا: دور القرآن والحديث معًا:
اشتمل هذا العصر أيضًا على دور تجمع بين القرآن والحديث، مما يدل على ازدهار العلم وتشعب مؤسساته، ويدل أيضًا على كثرة العلماء وطلاب العلم، فمن ذلك:123
1 -
دار القرآن والحديث التنكزية
(1): أنشأها نائب السلطنة تنكز الملكي الناصري، وجعلها دار قرآن ورتب منها الطلبة والمشايخ سنة 728 هـ، تسلم المشيخة فيها صدر الدين بن عبد الحكم (643 - 749 هـ)، فهو معاصر لفترة الأدمي تقريبًا؛ وفي "منادمة الأطلال" أسماها جامع "تنكز".
2 -
دار القرآن والحديث الصبّانيّة
(2): أنشأها الصدر الحنبلي شمس الدين محمد بن أحمد بن محمد بن أبي العز الحراني ثم الدمشقي، المعروف بابن الصبان سنة 738 هـ، وذكر النعيمي أنه لم يقف على من وليها، تقع شمالي طبرية.
3 -
دار القرآن والحديث المعبدية
(3): داخل دمشق، وربما كانت دار قرآن فقط على ما ذكر النعيمي، تنسب إلى الأمير علاء الدين علي بن معبد البعلبكي، في سنة 746 هـ.
رابعًا: المدارس الفقهية:
كما تخصصت مدارس لتدريس الفقه على المذاهب الأربعة أو على مذهب معين، كمدارس الشافعية، ومدارس المالكية، ومدارس الحنفية والحنبلية.
وسنتعرض للمدارس الحنبلية لصلتها بموضوعنا.
ويلاحظ أن هذه المدارس تعادل أضعاف ما ذكر من دور القرآن ودور القرآن والسنَّة، فمثلًا بلغ عدد المدارس الشافعية حوالي 63 مدرسة،123
والمدارس الحنفية حوالي 52 مدرسة، والمالكية 4 مدارس، والمدارس الحنبلية 11 مدرسة على ما ذكر النعيمي في "الدارس في تاريخ المدارس" 1، وعند ابن بدران في "منادمة الأطلال" تبلغ مدارس الشافعية حوالي 82 مدرسة، ومدارس الحنفية حوالي 51 مدرسة، والمدارس المالكية حوالي 4 مدارس، ومدارس الحنابلة حوالي 11 مدرسة 2.
ذكر ابن بدران في "منادمة الأطلال" مقدمة لطيفة في انتشار العلم، ثم ظهور المذاهب منذ العهد النبوي الشريف، ثم عصر الصحابة، ثم التابعين، ثم تابعيهم، ثم انتشار العلماء في الأمصار، وظهور الملوك والسلاطين الذين تبنوا رأي عالم من العلماء، إلى أن انتهى الأمر إلى الأئمة الأربعة.
فانتشر المالكي في الأندلس في عهد المرتضى بن هشام الملقب بالمنتصر سنة 180 هـ، ثم تبعهم بعد ذلك أهل أفريقية.
وفي عهد الخليفة القادر باللَّه أبي العباس أحمد تمكَّن الشيخ أبو حامد الإِسفرائيني من دولته واستخلف أبي العباس البازري الشافعي وساد الفقه الشافعي في بغداد.
وفي مصر انتشر الفقه المالكي وتبعه الحنفي ثم قدم الإِمام محمد بن إدريس الشافعي سنة 197 هـ، فتبه جماعة من أعيانها كالربيع والمزني وصاروا من أشهر أصحابه وتلامذته.
ثم فشى المذهب الشيعي في عهد جوهر الصقلي الذي أنشأ الأزهر، ثم الفاطمي الإِسماعيلي، إلى أن جاء السلطان صلاح الدين فأزال ذلك سنة 564 هـ وأنشأ المدرسة الشافعية.
وفي عهد السلطان نور الدين زنكي شاع المذهب الحنفي في بلاد الشام، ثم شاع المذهب الشافعي في عهد صلاح الدين الأيوبي.
وفي عهد سلطنة الملك الظاهر بيبرس البندقداري ولي في مصر أربعة قضاة هم: شافعي، مالكي، حنفي، وحنبلي.
وكان أول من ولي القضاء بدمشق من الحنابلة الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي الصالحي، وهو من مشايخ شيخ الإِسلام أحمد بن تيمية، توفي سنة 682 هـ. وقد شاع المذهب الحنبلي في العراق في عهد الإِمام أحمد وتلاميذه.
المدارس في بلاد الشام
مدارس الحنابلة
: من المدارس الحنبلية في بلاد الشام ما يأتي:
المدرسة الجوزية
أنشأها محيي الدين ابن الشيخ جمال الدين ابن الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي (580 - 656 هـ)، وكتب على عتبة بابها: "هذا ما وقف الصاحب محيي الدين ابن الجوزي على مذهب الإِمام أحمد بن حنبل رضي اللَّه عنه... "، وذلك في أيام الملك الصالح عماد الدين، وصاحبها هو ابن العلامة ابن الجوزي، وصار محيي الدين أستاذ دار المعتصم باللَّه، وقد قتل هو والخليفة المستعصم في سنة 656 هـ على يد هولاكو 3. وممن درَّس بها شرف الدين حسن المقدسي (605 - 659 هـ)، ونجم الدين بن قدامة (651 - 689 هـ)، وشرف الدين بن قدامة (636 - 695 هـ)، وتقي الدين سليمان بن حمزة حفيد ابن قدامة المقدسي (628 - 715 هـ)،