مقدمة المحقق
يسر مكتبة الإمام ابن القيم بجامع شيخ الإسلام ابن تيمية ممثلة في مركز البحث العلمي لديها، أن تزف البشرى لطلبة العلم ومحبي الخير بتتابع أجزاء هذه السلسة المباركة في الرسائل والكتب التالية: 1- "منظومة الفارضية" في الفرائض على المذهب الحنبلي، من مائة وسبع وعشرين بيتا، تطبع لأول مرة من نظم الشيخ محمد الفارضي القاهري، إخراج وتحقيق الشيخ د. عبد السلام بن محمد الشويعر.
2- "جزء في امتحان السني من البدعي" للشيخ عبد الواحد الشيرازي، دراسة وتحقيق الشيخ فهد بن سعد المقرن "رسالة ماجستير".
3- "جزء في امتحان السني من البدعي" للشيخ عبد الواحد الشيرازي، دراسة وتحقيق الشيخ فهد بن سعد المقرن "رسالة ماجستير" 4- "مختصر الصارم المسلول" للبعلي.
5- "مختصر إبطال الحيل" للبعلي، كلاهما من إخراج وتحقيق فضيلة الشيخ د. يوسف بن محمد السعيد.
6- "القول العلي على أثر أمير المؤمنين علي رضي الله عنه" وصيته للكميل بن زياد، للعلامة محمد السفَّاريني، إخراج وتحقيق عبد العزيز بن إبراهيم الدخَيِّل.
وسيتبعها المزيد من الرسائل التراثية المفيدة بإذن الله تعالى.
مقدمة المحقق: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فإن التشبه بالمشركين مما جاءت الشرائع بالنهي عنه، بل هو دين المرسلين - عليهم الصلاة والسلام - كما قال - تعالى -: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ.
وقد تظاهرت النصوص من الكتاب والسنة على وجوب مخالفة أهل الجاهلية، وتحريم مشابهتهم في عباداتهم وعاداتهم، وأجمع على ذلك أهل العلم.
قال - تعالى -: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.
وقال - تعالى -: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ.
وقال - تعالى -: وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ.
وقال - تعالى -: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ.
وقال - تعالى -: فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ.
وقال - تعالى -: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ.
فهذه الآيات - وغيرها كثير - فيها نهي صريح عن متابعة أهواء المشركين، وأهواؤهم هو ما يهوونه، وما عليه المشركون من الهدي.
وذم -جلا وعلا - المتشبهين بالكفار، فقال: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- جاءت سنته صريحة في النهي عن التشبه بالكفار، وتنوعت دلالاتها، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: من تشبه بقوم فهو منهم وقوله: خالفوا المشركين وقوله: خالفوا اليهود وغير ذلك.
وقد عرف العلماء منزلة هذه المسألة وأهميتها، فخصوها بالتأليف، كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والذهبي والغزي وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -عليهم رحمة الله تعالى-.
ومن أجمع الكتب في هذا الباب كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فقد أوضح فيه بالدلائل من الكتاب والسنة والإجماع والأقيسة الصحيحة وجوب مخالفة أهل الجحيم: أهل الجاهلية من اليهود والنصارى والأميين.
وبين الشيخ ما وقع في الناس من مشابهتهم، وذكر صورا كثيرة، وقواعد وضوابط في هذا الباب، لا تكاد تجدها مجتمعة في غيره من الكتب.
ولهذا عني العلماء بهذا الكتاب، وأولوه نصيبا عظيما من الاهتمام، وكثير ممن جاء بعده يعولون عليه، وينقلون منه، ومنهم من قام باختصاره.
وقد وقفت على مختصر لهذا الكتاب لأحد علماء الحنابلة وهو الشيخ بدر الدين محمد بن علي بن محمد بن أسبا سلار البعلي الحنبلي، فأحببت نشره، وذلك لما يلي: 1- كونه اختصارا لهذا الكتاب.
2- كون مختصره إماما من الأئمة.
3- محافظته على مراد شيخ الإسلام من هذا الكتاب، حيث إنه لم يخل بشيء أراده المصنف، وإنما حذف المكرور من الأدلة، واختصر بعضها إذا كانت كثيرة، وأعرض عن ذكر كثير من الخلافات.
4- الحاجة الماسة لوجود مختصر لهذا الكتاب.
عملي في الكتاب: وعملي في الكتاب منحصر في الآتي: أولا: ترجمت للمختصر ترجمة مختصرة، ولم أترجم لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- لشهرته، ولكثرة ما كتب عنه، وطلبا للاختصار.
ثانيا: قراءة المخطوطة، ثم كتابتها وفق الرسم الإملائي الحديث.
ثالثا: ما أشكل علي قراءته استعنت فيه بالكتاب الأصل.
رابعا: ما رأيت أن الكلام لا يتم إلا به، أضفته من الأصل وجعلته بين معكوفتين هكذا [].
خامسا: عزوت الآيات، وخرجت الأحاديث والآثار تخريجا مختصرا.
وفي الختام فإني أشكر كل من أعانني على إتمام هذا العمل، وأخص بالشكر
الأخ الفاضل / عبد العزيز بن إبراهيم الدخَيِّل، وفقه الله لكل خير.
هذا والله أسأل العون والتوفيق والهداية لما فيه الخير.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
كتبه الفقير إلى الله يوسف بن محمد السعيد