فصل الأعياد المكانية وأقسامها
وأما الأعياد المكانية فتنقسم كالزمانية إلى ثلاثة أقسام: أحدها: ما لا خصوص له في الشريعة.
والثاني: ما له خصيصة لا تقتضي قصده للعبادة فيه.
والثالث: ما يشرع من العبادة فيه لكن لا يتخذ عيدا.
والأقسام الثلاثة جاءت الآثار بها، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: لا تتخذوا قبري عيدا ومثل نهيه عن اتخاذ آثار الأنبياء أعيادا.
فهذه الأقسام الثلاثة: أحدها: مكان لا فضل له في الشريعة أصلا، ولا فيه ما يوجب تفضيله، بل هو كسائر الأمكنة أو دونها، فقصد ذلك للاجتماع فيه لصلاة أو دعاء أو ذكر أو غيره ضلال بين، ثم إن كان به آثار بعض الكفار أو غيرهم؛ صار أقبح وأقبح، ودخل في هذا الباب وفيما قبله مشابهة الكفار، وهذه أنواع لا يمكن ضبطها بخلاف الزمان، فإنه محصور، وهذا الضرب أقبح من الذي قبله، فإن هذا يشبه عبادة الأوثان، أو هو ذريعة إليها، أو نوع من عبادة الأوثان، إذ عباد الأوثان كانوا يقصدون بقعة بعينها لتمثال هناك أو غير تمثال يعتقدون أن ذلك يقربهم إلى الله تعالى، وكانت الطواغيت الكبار التي تشد إليها الرحال ثلاثة: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى كما ذكر الله تعالى في كتابه، كل واحد من هذه الثلاثة لمصر من أمصار العرب،
ومواقيت الحج ثلاثة: مكة والمدينة والطائف، فكانت اللات لأهل الطائف، قيل: إنه كان رجلا صالحا يلت السويق للحجيج، فلما مات عكفوا على قبره مدة، ثم اتخذوا تمثاله، ثم بنوا عليه بنية سموها بيت الربة، وقصتها معروفة، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم هدمها لما فتحت الطائف بعد مكة سنة تسع.
وأما العزى فكانت لأهل مكة قريبا من عرفات، وكانت هناك شجرة يذبحون عندها، ويدعون، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد عقب فتح مكة، فأزالها، وقسم النبي صلى الله عليه وسلم مالها، وخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها، فيئست العزى أن تعبد.
وأما مناة فكانت لأهل المدينة من ناحية الساحل.
ومن أراد أن يعلم كيف كان حال المشركين في عبادة أوثانهم، ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله وأنواعه حتى يتبين له تأويل القرآن، فلينظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال العرب في زمانه، وما ذكره الأزرقي في "أخبار مكة" وغيره من العلماء.
ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم، ويسمونها "ذات أنواط" فقال بعض الناس: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال: الله أكبر! قلتم كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم فأنكر
مشابهتم للكفار بأن يعلقوا على شجرة، فكيف بما هو أطم من مشابهتهم في نفس الشرك؟!.
فمن قصد بقعة يقصد الخير فيها - ولم تستحب الشريعة ذلك - فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو غيرها أو قناة جارية أو جبلا أو مغارة، وسواء قصدها ليصلي فيها، أو ليدعو، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر أو لينسك بحيث يخص البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا نوعا، وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنا لتنور ويقال: إنها تقبل النذر - يقوله بعض الضالين - فإن هذا نذر معصية باتفاق العلماء لا يجوز الوفاء به، بل عليه كفارة يمين عند كثير من أهل العلم، منهم أحمد في المشهور عنه، وكذلك إذا نذر طعاما للحيتان التي في العين، أو نذر مالا للسدنة والمجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن هؤلاء تشبهوا بسدنة اللات والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل، [والمجاورون] فيهم شبه من العاكفين الذين قال لهم إبراهيم: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ وكالذين اختارهم موسى [من] قومه في قوله: فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ ثم إذا صرف هذا المال في جنس تلك العبادة من المشروع، مثل عمارة المساجد والصالحين وفقراء المسلمين كان حسنا.
فهذه الأمكنة فيها ما يظن أنه قبر نبي أو رجل صالح، وليس كذلك، أو يظن أنه مقام له، وليس كذلك.
فأما ما كان قبرا أو مقاما، فهو من النوع
الثاني، وهذا باب واسع أذكر بعض أعيانه.
فمن ذلك: عدة أمكنة بدمشق، مثل مشهد لأبي بن كعب خارج الباب الشرقي، ولا خلاف أن أبي بن كعب إنما توفي بالمدينة، وكذلك يقال قبر هود: في الحائط القبلي، وما علمت أحدا ذكر أن هودا مات بدمشق، بل قيل: باليمن، وقيل: بمكة، وكذلك مشهد أويس، وما قال أحد: إن أويسا مات بدمشق، ولا قدم إليها، ومن ذلك: قبر أم سلمة، ولا خلاف أنها ماتت بالمدينة.
وما أكثر الغلط في ذلك من جهة مشابهة الأسماء! وكذلك بمصر مشهد يقال: إنه للحسين، وهو باطل اتفاقا.
فهذه المواضع ليس فيها فضيلة أصلا، اللهم إلا أن يكون قبر رجل مسلم فيكون كسائر قبور المسلمين ليس لها خصيصة، وإن كانت القبور الصحيحة لا يجوز اتخاذها أعيادا، ولا أن يفعل عندها ما يفعل عند هذه القبور المكذوبة.
ومن هذا الباب: مواضع يقال: إن فيها أثر النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره،
ويضاهي بها مقام إبراهيم الخليل الذي بمكة، كما يقول الجهال في الصخرة التي ببيت المقدس من أن فيها أثرا من وطء النبي صلى الله عليه وسلم وبلغني أن بعض الجهال يقول: إنه من وطء الرب سبحانه.
وفي مسجد قبلي دمشق: مسجد القدم، يقال: إنه أثر قدم موسى، وهذا باطل، وكذلك مشاهد تضاف إلى بعض الأنبياء والصالحين بناء على أنه رؤي هناك في النوم، ورؤية النبي أو الرجل الصالح ببقعة في المنام لا يوجب لها فضيلة تقصد البقعة لأجلها، أو تتخذ مصلى بإجماع المسلمين، وهذه الأماكن كثيرة موجودة في أكثر المواضع، مثل الحجاز، فيها مواضع كغار عن يمين الطريق وأنت ذاهب من بدر إلى مكة يقال: إنه الغار الذي دخله النبي صلى الله عليه وسلم هو وأبو بكر، وإنه الغار الذي ذكره الله - تعالى - ولا خلاف بين أهل العلم أن هذا الغار الذي ذكره الله في القرآن إنما هو غار بجبل ثور قريب من مكة معروف عند أهل مكة إلى اليوم.
وبالجملة فتعظيم مكان لم يعظمه الشرع شر من تعظيم زمان لم يعظمه، فإن تعظيم الأجسام بالعبادة عندها أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان، فنهي عن الصلاة فيها وإن لم يقصد تعظيمها؛ لئلا يكون ذريعة إلى تخصيصها بالصلاة، كما ينهى عن الصلاة عند القبور المحققة، وإن لم يقصد المصلي الصلاة لأجلها، كما ينهى عن إفراد الجمعة وسرر شعبان بالصوم، وإن لم يقصد تخصيصها بالصوم.
وما أشبه هذه الأمكنة بمسجد ضرار، فإن هذه المشاهد إنما وضعت مضاهاة لبيوت الله، وتعظيما لما لم يعظمه الله، وعكوفا على أشياء لا تنفع، وصدا للخلق عن سبيل الله، وهي عبادته وحده لا شريك له بما شرعه.
ويلتحق بهذا الضرب - وإن لم يكن منه - مواضع تدعى لها خصائص لا تثبت، مثل كثير من القبور التي يقال: إنها قبر نبي، أو قبر صالح، أو مقام نبي أو صالح، ونحو ذلك، وقد يكون ذلك صدقا، وقد يكون كذبا.
وأكثر المشاهد التي على وجه الأرض من هذا الضرب، فإن الصحيح من ذلك قليل جدا، وقال غير واحد من أهل العلم: لا يثبت إلا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم، وغيره قد يثبت قبر إبراهيم الخليل - عليه السلام - وقد يكون عَلِمَ أن القبر في تلك الناحية، لكن يقع الشك في عينه ككثير من قبور الصحابة التي بباب الصغير من دمشق، فإن الأرض غيرت مرات، فتعيين قبر بعينه أنه قبر بلال أو غيره لا يكاد يثبت إلا من طريق خاصة، وإن كان لو ثبت لم يتعلق به حكم شرعي مما قد أحدث عندها؛ إذ لو كان ضبط هذه الأمكنة من الدين لما أهمل، ولما ضاع عن الأمة المحفوظ دينها المعصومة عن الخطأ.
وأكثر الحكايات إنما توجد من السدنة والمجاورين لها الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، وقد يحكى ما له تأثير مثل أن رجلا دعا عند قبر فاستجيب له، أو نذر فقضيت حاجته، ونحو ذلك.
وبمثل هذه الأمور عبدت الأصنام، فإن القوم كانوا - أحيانا - يخاطبون من الأوثان، وربما تقضى حوائجهم إذا قصدوها؛ ولذلك يجري [لهم مثل ما يجري] لأهل
الأبداد من أهل الهند، وربما قيست على ما شرعه الله من حج بيته والحجر الأسود، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس، وبمثل هذه الشبهات حدث الشرك في أهل الأرض.
وقد صح أنه نهى عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخير فإذا كان النذر - الذي هو طاعة - لا يأتي بخير، فما الظن بالنذر الذي هو معصية، بأن يكون لشيء من هذه الأمكنة مما لا ينفع ولا يضر؟.
وأما إجابة الدعاء، فقد يكون سببه اضطرار الداعي، وصدق التجائه، وقد يكون مجرد رحمة الله له، وقد يكون أمرا قضاه الله لا لأجل دعائه، وقد يكون له أسباب أُخر وإن كانت فتنة في حق الداعي، فإنا نعلم أن الكفار قد يستجاب لهم فيسقون، وينصرون، ويعافون مع دعائهم عند أوثانهم وتوسلهم بها.
وقال تعالى: كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا وقال: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا وأسباب المقدورات فيها أمور يطول شرحها، ليس هذا موضعها، وإنما على الخلق اتباع ما بعث الله به المرسلين، والعلم بأن فيه خير الدنيا والآخرة، ولعلي - إن شاء الله - أبين أسباب هذه التأثيرات في موضع آخر.
هذا هو النوع الأول من الأمكنة.
النوع الثاني من الأمكنة: ما له خصيصة، لكن لا يقتضي اتخاذه عيدا، ولا يصلى عنده، ولا يعيد بنوع من العبادات.
فمن ذلك: قبور الأنبياء والصالحين، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف النهي عن اتخاذها عيدا عموما وخصوصا، وبينوا معنى العيد.
أما العموم فما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم صلى الله عليه وسلم.
رواه أبو داود بإسناد حسن، رواته كلهم ثقات.
قال: حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، فذكره، وإن كان عبد الله بن نافع الصائغ فيه لين لا يقدح في حديثه، قال ابن معين: هو ثقة.
وقد روي من جهات أخرى، فما بقي فيه إنكار.
وروي عن الحسن بن الحسن بن علي أنه رأى سهل بن أبي سهيل عند قبره، فقال: "ما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء".
فإذا كان قبر النبي صلى الله عليه وسلم - مع أنه أفضل قبر على وجه الأرض - قد نهي عن اتخاذه عيدا، فقبر غيره أولى بالنهي، مع كونه قرن ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: ولا تجعلوا بيوتكم قبورا أي: لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى، ومن تشبه بهم.
وفي الصحيحين قال: اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا.
وقال - أيضا -: فإن صلاتكم تبلغني يشير إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا، والأحاديث بأن صلاتنا تعرض عليه كثيرة مشهورة صحيحة.
مع كون أفضل التابعين: علي بن الحسين رأى ذلك الرجل يدعو عند قبره صلى الله عليه وسلم فنهاه، وروى له حديث: لا تتخذوا قبري عيدا فعلم أن قصده للدعاء ونحوه اتخاذه له عيدا، وهو أعلم بمعنى الحديث من غيره،
وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدا، رواه سعيد.
فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل بيته - رضي الله عنهم -. ومعلوم ما كان هو صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه إذا دخلوا القبور أن يقول أحدهم: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون ونحوه من الأحاديث المشهورة.
وكالصلاة على الميت والدعاء له، وما كان عليه السابقون الأولون هو المشروع للمسلمين في ذلك كله، وهو الذي كانوا يفعلونه عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره.
فزيارة القبور في الجملة جائزة، حتى قبور الكفار، فإن في "صحيح مسلم" أنه قال: استأذنت ربي أن أستغفر لأمي، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها، فأذن لي.
وقال: زوروا القبور؛ فإنها تذكر الآخرة.
فهذه الزيارة التي تذكر الآخرة، أو لتحيتهم والدعاء لهم، هو الذي جاءت به السنة كما تقدم.
وقد اختلف أصحابنا وغيرهم هل يجوز السفر لزيارتها؟ على قولين:
أحدهما: لا، وهو قول ابن بطة وابن عقيل وغيرهما؛ لأنه سفر بدعة منهي عنه.
والثاني: يجوز، وهو قول الغزالي وأبي الحسن بن عبدوس الحراني والشيخ أبي محمد المقدسي، وما علمته منقولا عن أحد من المتقدمين؛ بناء على أن هذا الحديث لم يتناول النهي عن ذلك كما لم يتناول النهي عن السفر إلى المكان الذي فيها الوالد والعلماء والمشايخ والإخوان أو بعض المقاصد من الأمور الدنيوية المباحة، وأما ما سوى ذلك من المحدثات مثل الصلاة عند القبور مطلقا، أو اتخاذها مساجد، أو بناء المساجد عليها قد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك، والتغليظ فيه وقد صرح العلماء علماء الطوائف من أصحابنا وغيرهم بالنهي عن بناء المساجد على القبور، اتباعا للأحاديث وأنه حرام، ومن العلماء من أطلق عليه لفظ الكراهة فما أدري ما عنى به ولا ريب في القطع بتحريمه.
فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم: يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين، وتكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه، بل لا تصح عندنا في ظاهر المذهب؛ للنهي واللعن الوارد فيه، وليس في هذه المسألة خلاف لكون المدفون فيها واحدا، وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد: هل حدها ثلاثة أقبر؟ أو ينهى عن الصلاة
عند القبر الفذ وإن لم يكن عنده قبر آخر؟ على وجهين.
ثم يتغلظ النهي إن كانت البقعة مغصوبة مثل ما بني على بعض العلماء والصالحين ممن كان مدفونا في مقبرة مسبلة، فبني على قبره مسجد أو مدرسة أو رباط أو مشهد، وجعل فيها مطهرة، أو لم يجعل، فإن هذا مشتمل على أنواع من المحرمات: أحدها: أنه لا يجوز الانتفاع بالمقبرة المسبلة بغير الدفن من غير تعويض الاتفاق، فبناء المسجد ونحوه كدفن الميت في المسجد، وكبناء الخانقاه في المقبرة، وكبناء المسجد في الطريق الذي يحتاج الناس إلى المشي فيه.
الثاني: اشتمال غالب ذلك على نبش قبور المسلمين، وإخراج عظام موتاهم.
الثالث: أن البناء على القبور منهي عنه.
الرابع: أن بناء المطاهر بين المقابر من أقبح ما تجاور به القبور، لا سيما إن كان موضع المطهرة قبر رجل مسلم.
الخامس: اتخاذ القبور مساجد.
السادس: الإسراج على القبور.
السابع: مشابهة أهل الكتابين في كثير من الأقوال والأفعال والسنن بهذا السبب كما هو الواقع، إلى غير ذلك من الوجوه، وقد كانت البنية التي على قبر إبراهيم - عليه السلام - مسدودة لا يدخل إليها إلى حدود المائة الرابعة، فقيل: إن بعض النسوة المتصلات بالخلفاء رأت في ذلك مناما؛ فنقبت لذلك، وقيل: إن النصارى لما استولوا على هذه النواحي نقبوا ذلك، ثم ترك ذلك مسجدا بعد الفتوح المتأخرة، وكان أهل الفضل من شيوخنا لا يصلون في مجموع تلك البنية، وينهون أصحابهم عن الصلاة فيها؛ اتباعا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واتقاء معصيته، وكذلك إيقاد المصابيح في هذه المشاهد مطلقا لا يجوز، بلا خلاف أعلمه، ولا يجوز الوفاء بما ينذر لها.
ومن ذلك الصلاة عندها وإن لم يبن هناك مسجد، فإن كل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا، وإن لم يكن هناك بناء، فإن النهي عن الصلاة في المقبرة ليس لمجرد كونها محل النجاسة، بل لمظنة اتخاذها أوثانا، كما قد بينه في قوله صلى الله عليه وسلم: اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وقول عائشة: "ولولا ذلك لأبرز قبره" وغيره من الأحاديث؛ فإن قبور الأنبياء لا تنبش حتى يقال: لأجل النجاسة خصوصا، ولا
تبلى الأنبياء، فعلم أنه لمظنة عبادة الأوثان، قال الشافعي: "وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا؛ مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس" وقد نبه صلى الله عليه وسلم بقوله: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد على العلة.