فصل الكلام على الأعياد والمواسم المبتدعة وأنها من أشنع المنكرات
ومن المنكرات: سائر الأعياد والمواسم المبتدعة، فإنها من المكروهات سواء بلغت التحريم أو لم تبلغه، فهي منكرة من وجهين: أحدهما: أن ذلك داخل في مسمى البدع والمحدثات، فيدخل في قوله: شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وكل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد
وهذه قاعدة قد دلت عليها السنة والكتاب والإجماع مثل قوله: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ونحو ذلك في الكتاب.
وليعلم أن هذه القاعدة - وهي الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته - قاعدة عامة عظيمة، وتمامها بالجواب عما يعارضها، وذلك أن من الناس من يقول: البدع تنقسم إلى قسمين: حسنة وقبيحة، بدليل قول عمر - رضي الله عنه - في صلاة التراويح: "نعمت البدعة هذه" وبدليل أشياء من الأقوال والأفعال أحدثت بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست مكروهة، بل قد تكون حسنة للأدلة الدالة على ذلك من الإجماع والقياس، فإذا ثبت أن بعض البدع حسنة فالقبيح ما نهى عنه الشارع، وما سكت عنه من البدع فليس بقبيح، بل قد يكون حسنا، فهذا مما يقوله بعضهم، وقد يقال: هذه البدعة حسنة؛ لأن فيها من المصلحة "كيت وكيت"، وهؤلاء المعارضون يقولون: ليست كل بدعة ضلالة.
والجواب عن قولهم هو أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد نص على أن كل بدعة ضلالة وكل بدعة في النار، وشر الأمور محدثاتها، فلا يحل لأحد أن يدفع دلالة ذلك على ذم البدع، ومن دفع ذلك فهو مراغم.
وأما المعارضات فالجواب عنها بأحد جوابين: إما أن يقال: ما ثبت حسنه فليس من البدع، فيبقى العموم محفوظا لا خصوص فيه، فمن اعتقد أن بعض البدع مخصوص احتاج إلى دليل يخص به ذلك، وإلا كان العموم موجبا للنهي، ثم إن المخصص لا يجوز أن يكون عادة بعض البلاد أو بعض الناس، بل إنما يكون في الكتاب أو السنة أو الإجماع من الأدلة الشرعية، لا قول بعض العلماء أو العباد ونحو ذلك، فلا يعارض به قول سيد الخلق إمام المتقين، رسول رب العالمين - صلى الله عليه وسلم -، ومن اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنة مجمع عليها بناء على أن الأمة أقرتها ولم تنكرها فهو مخطئ، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المحدثة المخالفة للسنة.
ولا يجوز حمل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل بدعة ضلالة" على البدع التي نهى عنها بخصوصها؛ لأنه تعطيل لفائدة الحديث؛ فإن ما نهى عنه من الكفر والفسوق قد علم بذلك النهي أنه قبيح محرم سواء كان بدعة أو لم يكن بدعة، فإذا كان لا منكر إلا ما نهى عنه بخصوصه سواء كان مفعولا على عهده - صلى الله عليه وسلم - أو لم يكن، صار وصف البدعة عديم التأثير، لا يدل وجوده على القبح ولا عدمه على الحسن، بل يكون قوله: "كل بدعة ضلالة" بمنزلة قوله: كل عادة ضلالة، أو كل ما عليه العرب أو العجم فهو
ضلالة، ويراد بذلك أن ما نهي عنه من ذلك فهو ضلالة، وهذا تعطيل للنصوص من نوع التحريف والإلحاد، ليس من نوع التأويل السائغ، وفيه من المفاسد أشياء: أحدها: سقوط الاعتماد على هذا الحديث.
والثاني: أن وصف البدعة ومعناها يكون عديم التأثير، فتعليق الحكم بهذا المعنى تعليق بما لا تأثير له ولا فائدة فيه.
الثالث: أن الخطاب بمثل هذا إذا لم يقصد إلا الوصف الآخر - وهو كونه منهيا عنه - كتمان لما يجب بيانه لما يقصد ظاهره، فإن الجدعة والنهي الخاص بينهما عموم وخصوص، إذ ليس كل بدعة [جاء] عنها نهي خاص، وليس كل ما فيه نهي خاص بدعة، فالتكلم بأحد الاسمين وإرادة الآخر تلبيس محض، لا يسوغ التكلم به، فهو كما لو قيل: الأسد وأريد به الفرس، أو الفرس وعني به الأسد.
الرابع: أنه إذا أراد بقول: "كل محدثة بدعة" النهي عما نهي عنه، يكون قد أحالهم على ما لا يمكن الإحاطة به، ومثل هذا لا يجوز.
الخامس: إذا أريد به ما فيه نهي خاص كان ذلك أقل مما ليس فيه نهي خاص من البدع، فإنك لو تأملت البدع التي نهي عنها بأعيانها وما لم ينه عنها بأعيانها وجدت هذا الضرب هو الأكثر، واللفظ العام لا يجوز أن يراد به الصور القليلة أو النادرة،
فهذه الوجوه وغيرها توجب القطع بأن هذا التأويل فاسد لا يجوز حمل عليه، فإن على من تأول شيئا أن يبين إرادة ذلك المعنى الذي حمل الحديث عليه الكلام، ثم بيان الدليل الصارف، فإذا منع جواز إرادة ذلك، امتنع حمل الحديث عليه، هذا مقام.
وأما المقام الثاني فيقال: هب أن البدع تنقسم إلى حسن وقبيح، فهذا القدر لا يمنع أن يكون هذا الحديث دالا على قبح الجميع، لكن أكثر ما يقال: إنه إذا ثبت أن هذا حسن يكون مستثنى من العموم، وإلا فالأصل أن كل بدعة ضلالة، فقد تبين أن الجواب عن كل ما يعارض من أنه حسن وهو بدعة: إما بأنه ليس ببدعة، وإما أنه مخصوص، فقد سلمت دلالة الحديث، هذا إذا ثبت حسنه، أما ما يظن أنه حسن، وليس بحسن، أو أمور يجوز أن تكون حسنة، وأن تكون قبيحة فلا تصلح المعارضة بها، بل يجاب عنها بالجواب المركب، وهو إن ثبت أن هذا حسن فلا يكون بدعة أو يكون مخصوصا، وإن لم يثبت أنه حسن فهو داخل في العموم، فقد تبين أنه لا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكلية وهي قوله: "كل بدعة ضلالة" بسلب عمومها ويقال: ليست كل بدعة ضلالة، فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل، مع أن الجواب الأول أجود، فإن قصد التعميم المحيط ظاهر من نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذه الكلمة الجامعة، فلا يعدل عن مقصوده بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم - وزاده شرفا وكرما.
وأما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة، بل سنة بقول
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعله، فإنه قال: إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه ولا صلاتها جماعة بدعة، بل قد صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين بل ثلاثا، وصلاها - أيضا - في العشر الأواخر في جماعة مرات، وقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة لما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح رواه أهل السنن وبه احتج أحمد على أن فعلها جماعة أفضل، وكان الناس يصلونها جماعة في عهده - صلى الله عليه وسلم - ويقرهم على ذلك.
وأما قول عمر: "نعمت البدعة هذه" فأكثر المحتجين بهذا لو أردنا أن نثبت حكما بقول عمر الذي لم يخالف فيه لقالوا: قول الصاحب ليس بحجة، فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟.
ومن اعتقد أن قول الصاحب حجة فلا يعتقده إذا خالف الحديث.
فعلى التقديرين لا تصلح معارضة الحديث بقول الصاحب.
نعم يجوز تخصيص عموم الحديث بقول الصاحب الذي لم يخالف على إحدى الروايتين،
ثم يقال أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها، وهذه تسمية لغوية لا شرعية، وذلك أن البدعة في اللغة تعم ما فعل ابتداء من غير مثال سابق.
وأما البدعة الشرعية، فكل ما لم يدل عليه دليل شرعي، فإذا كان نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دل على استحباب فعل أو إيجابه بعد موته، أو دل عليه مطلقا ولم يعمل به إلا بعد موته ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر - رضي الله عنه - فإذا عمل ذلك العمل بعد موته صح أن يسمى بدعة في اللغة لأنه مبتدأ عمل كما أن نفس الدين الذي جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - يسمى بدعة ويسمى محدثا في اللغة، كما قالت رسل قريش للنجاشي عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - المهاجرين إلى الحبشة: "إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم ولم يدخلوا في دين الملك، وجاءوا بدين محدث لا يعرف".
ثم ذلك العمل الذي دل عليه الكتاب والسنة ليس بدعة وإن سمي بدعة لغة فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظها في الشريعة، وقد علم أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل بدعة" لم يرد كل مبتدأ فإن دين الإسلام، بل كل دين جاءت به الرسل فهو عمل مبتدأ، وإنما أراد ما ابتدئ من الأعمال التي لم يشرعها هو - صلى الله عليه وسلم - وإذا كان كذلك فقد كانوا يصلون قيام رمضان على عهده جماعة وفرادى، وقال لهم: لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن يفرض عليكم، فصلوا في بيوتكم فعلم أن المقتضي للخروج قائم، وأنه
لولا خوف الافتراض لخرج إليهم.
فلما كان في عهد عمر جمعهم على قارئ واحد، وأسرج المسجد، فصارت هذه الهيئة - وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج - عملا لم يكونوا يعملونه من قبل، فسمي بدعة، لأنه في اللغة يسمى بذلك ولم يكن بدعة شرعية؛ لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح لولا خوف الافتراض، وقد زال خوفه بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا جمع القرآن، فإن المانع من جمعه على عهده صلى الله عليه وسلم هو أن الوحي كان ينزل فينسخ الله من ذلك ما يشاء.
فلما أمن ذلك جمع في مصحف واحد، وإن سمي في اللغة بدعة، فإن المقتضي لجمعه وهو حفظه، كان موجودا في زمنه، لولا ما عارضه من احتمال تغييره وزيادته ونقصه، فلما أمن من ذلك عمل المقتضي عمله، وصار هذا كنفي عمر - رضي الله عنه - ليهود خيبر والنصارى من جزيرة العرب، وإنما لم ينفذه أبو بكر - رضي الله عنه - لاشتغاله عنه بقتال أهل الردة، وبشروعه في قتال فارس والروم، وكذلك لم يفعله عمر في أول خلافته لاشتغاله - أيضا - بقتال فارس والروم، فلما تمكن من ذلك فعل ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان هذا قد يسمى بدعة لغة، كما قال اليهود: كيف تخرجنا
وقد أقرنا أبو القاسم؟ وجاءوا إلى علي - رضي الله عنه - في خلافته فأرادوا أن يردهم، فامتنع من ذلك؛ لأن الفعل كان بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان محدثا بعده.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: خذوا العطاء ما كان عطاء، فإذا صار عوضا عن دين أحدكم فلا تأخذوه فإذا رده الراد لكونه عوضا كان متبعا للسنة، وأن نفس الرد مبتدع، لم يفعله أحد على حياته صلى الله عليه وسلم وهذا كثير في السنة، مثل تركه أن يجعل للكعبة بابين من أجل أنهم حديثو العهد في الإسلام.
وأما ما لم يحدث سبب يحوج إليه، أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد، فهنا لا يجوز الإحداث، فكل أمر يكون المقتضي لفعله على عهده صلى الله عليه وسلم موجودا أو كان مصلحة ولم يفعله، يعلم أنه ليس بمصلحة، وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخالق، فقد يكون مصلحة، ثم هنا للفقهاء طريقان: أحدهما: أن ذلك يفعل ما لم ينه عنه، وهذا قول القائلين بالمصالح المرسلة.
والثاني: أن ذلك لا يفعل إن لم يؤمر به، وهو قول من لا يرى إثبات الأحكام بالمصالح المرسلة، وهؤلاء ضربان: منهم من لا يثبت الحكم إن لم يدخل في لفظ كلام الشارع أو فعله أو إقراره، وهم نفاة القياس.
ومنهم من يثبته بلفظ الشارع أو بمعناه وهم القياسيون.
الوجه الثاني في ذم المواسم والأعياد المحدثة: ما تشتمل عليه من الفساد في الدين، وليس كل واحد يدرك فساد هذا النوع من البدع، لا سيما إذا كان من جنس العبادات المشروعة، بل أولو الألباب هم [الذين] يدركون بعض ما فيه من الفساد، والواجب على الخلق: اتباع الكتاب والسنة وإن لم يدركوا ما في ذلك من المصلحة والمفسدة، فننبه على بعض مفاسدها: فمن ذلك: أن من أحدث عملا في يوم، كصوم أول خميس من رجب وصلاة ليلة الجمعة التي يسمونها "صلاة الرغائب"، وما يتبع ذلك من إحداث أطعمة وزينة وتوسع في النفقة، فلابد أن يتبع هذا العمل اعتقاد في القلب أن هذا اليوم أفضل من غيره، وأن الصوم فيه أفضل من أمثاله، وأن هذه الليلة أفضل من غيرها من الجمع، إذ لولا قيام ذلك لما انبعث القلب لتخصيص هذه الليلة أو اليوم؛ إذ الترجيح من غير مرجح ممتنع.
وهذه مفسدة عظيمة: أن يعتقد الإنسان فضيلة يوم ولا يكون فيه فضيلة، فيكون قد شرع شيئا لم يشرعه الله، وقد أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نهى عن تخصيص يوم الجمعة بصوم وعن قيام ليلته، وذلك لما فيه من المفسدة باعتقاد كونه فاضلا على غيره ينبغي أن يخص بعمل، وهذا اعتقاد فاسد منهي عنه، فكذلك مسألتنا، ومن قال: أنا أفعل ذلك، وهذا الوقت عندي كغيره، فلابد أن يكون له باعث إما موافقة سجيته أو عادته أو خوف اللوم له، ويجوز ذلك، فلابد له من باعث غير شرعي، وهذا لعلمنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يخصون ذلك بفضيلة، فلا يجوز أن يكون لها فضل؛ لأنه إن كان ولم يعلمه الرسول ولا أصحابه ولا التابعون، فكيف يعلمه هو؟ فعلم أنه لم يكن لها فضل؛ إذ يمتنع أن يعلم أمرا يقربنا إلى الله لم يعلمه الرسول، وإن عملوه امتنع مع توفر دواعيهم على النصح وتعليم الخلق أن لا يعلموا أحدا بهذا الفضل، ولا يسارع إليه واحد منهم.
فإذا كان هذا الفضل المدعى مستلزما لعدم علم الرسول وخير القرون بدين الله أو لكتمانهم ذلك، وكل واحد من اللازمين منتف شرعا وعادة، علم انتفاء الملزوم وهو الفضل المدعى، ثم ذلك مستلزم إما لاعتقاد هو ضلال في الدين أو عمل دين لغير الله - سبحانه -، والتدين بالاعتقادات الفاسدة، وهذه البدع مستلزمة
قطعا ما لا يجوز اعتقاده، فأقل أحواله إن لم يكن محرما أن يكون مكروها، وهذا سار في سائر البدع المحدثة، فظهر أن فعل البدع تناقض الاعتقادات الواجبة على الخلق، وتنازع الرسول ما جاء به عن الله - تعالى -، وتورث القلب نفاقا ولو كان خفيا، فمن تدبر هذا علم ما في البدع من السموم المضعفة للإيمان، ولهذا قيل: إن البدع مشتقة من الكفر، وهذا المعنى جار في كل البدع كالصلاة عند القبور، والذبح عند الأصنام، ونحو ذلك، وإن لم يكن الفاعل معتقدا للمزية، لكن نفس الفعل قد يكون مظنة للمزية.