فصل لا يشرع شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة مع ذكر النصوص
ولا يشرع شد الرحل إلى غير المساجد الثلاثة؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، ولو نذر الإنسان إتيان مسجد غيرها، لم يجب عليه فعله باتفاق الأئمة، وليس بالمدينة مسجد يشرع إتيانه إلا مسجد قباء، وسائر المساجد لها حكم المساجد.
وفي المسند عن جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في مسجد الفتح ثلاثا يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين، فعرف البشر في وجهه، قال جابر: فلم ينزل بي أمر مهم إلا توخيت تلك الساعة، فأعرف الإجابة وفي إسناده كثير بن زيد وفيه كلام.
وهذا الحديث يعمل به طائفة من أصحابنا وغيرهم، فيتحرون الدعاء في هذا كما نقل عن جابر [ولم ينقل عن جابر رضي الله عنه] أنه تحرى الدعاء في المكان، بل في الزمان، فإذا كان هذا في المساجد التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبنيت بإذنه ليس فيها ما يشرع قصده بخصوصيته من غير سفر إليه إلا مسجد قباء فكيف بما سواها؟.
ولما فتح عمر بيت المقدس وجد النصارى قد ألقت على الصخرة
زبالة عظيمة عنادا لليهود، فأزالها ونظفها، وقال لكعب الأحبار: "أين ترى أن أبني مصلى المسلمين؟ فقال: ابنه خلف الصخرة.
فقال: يا ابن اليهودية! خالطتك اليهودية! بل أبنيه في صدر المسجد؛ فإن لنا صدور المساجد، فبناه في قبلي المسجد" وهو الذي يسميه كثير من العامة اليوم: الأقصى، والأقصى: اسم للمسجد كله، ولا يسمى هو ولا غيره حرما، وإنما الحرم بمكة والمدينة خاصة، وفي وادي وج الذي بالطائف نزاع، وذكر طائفة من المتأخرين أن اليمين تغلظ عند الصخرة، وليس هذا في كلام أحمد ولا غيره من الأئمة، فليس له أصل، بل تغلظ هناك عند المنبر، كما في سائر المساجد.
وقد صنف طائفة من الناس مصنفات في فضائل بيت المقدس وغيره من البقاع التي بالشام، وذكروا فيها من الآثار عن أهل الكتاب ما لا يحل للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم، ومن العجب كيف يحدث كعب الأحبار عن بعض الأنبياء الذي بينه وبينهم أكثر من ألف سنة، ولم يسنده، وغايته أن ينقله عن بعض كتب اليهود الذين أخبر الله أنهم قد بدلوا، فكيف يصدق شيء من ذلك
لمجرد هذا النقل؟! بل الواجب أن لا يُصدق ولا يُكذب إلا بدليل كما أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان قد فتحوا البلاد بعد موته صلى الله عليه وسلم وسكنوا الشام والعراق ومصر وغيرها - وهم أعلم بالدين وأتبع له - فليس لأحد أن يخالفهم فيما كانوا عليه، فما كان من هذه البقاع لم يعظموه، أو لم يقصدوا تخصيصه بصلاة أو دعاء أو نحو ذلك، لم يكن لنا أن نخالفهم في ذلك، ونقول: إن من جاء بعدهم من أهل الفضل والدين فعل ذلك؛ لأن اتباع سبيل الأولين أولى ممن بعدهم، وما أحد نقل عنه ما يخالف سبيلهم إلا وقد نقل عن غيره ممن هو أعلم منه وأفضل أنه خالف سبيل هذا المخالف، وهذه جملة جامعة لا يتسع هذا الموضع لتفصيلها.