فصل ذكر بعض الأمثلة على بدع قامت على نصوص باطلة وبيان بطلانها
تقدم أن العيد يكون اسما لنفس المكان والزمان والاجتماع، وقد أحدث من تلك الثلاثة أشياء، مثل أول خميس من رجب، وليلة تلك الجمعة [التي] تسمى "الرغائب" فإن تعظيم ذلك اليوم والليلة حادث بعد المائة الرابعة، وروي فيه حديث موضوع باتفاق العلماء، وفعل هذه الصلاة - وإن كان ذكرها بعض المتأخرين من الأصحاب وغيرهم - فإنها محدثة منهي عنها عند المحققين وأهل العلم، ونحو إفراد صوم هذا اليوم وكل ما فيه تعظيم له من طعام وزينة، بل لا يكون له مزية على غيره، وكذلك يوم آخر في وسط رجب تصلى فيه صلاة تسمى "صلاة أم داود" فلا أصل لذلك.
ومنها ثامن عشر ذي الحجة الذي خطب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغدير خم مرجعه من حجة الوداع، فاتخاذ ذلك اليوم عيدا محدث لا أصل له.
ومنها ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى - عليه السلام - وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم، والله [قد] يثيبهم على قصدهم الصالح، لكن هذا المولد لم يفعله أحد من السلف للنبي صلى الله عليه وسلم ولو كان خيرا لكان السلف - رضي الله عنهم - أحق به، وكمال تعظيمه في متابعته ظاهرا وباطنا، ونشر ما بعث به، والجهاد على إظهاره باليد والقلب واللسان، هذه طريقة السابقين.
فعليك بالتمسك بالسنة في خاصتك، خاصة من يطيعك، واعرف المعروف، وأنكر المنكر، وادع إلى السنة بحسب الإمكان، فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه، فلا تدع إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو ترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيرا إلا إلى مثله أو إلى خير منه، ففعل المولد قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم، فقد يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد.
فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشريفة بحيث تعرف مراتب المعروف ومراتب المنكر حتى تقدم
أهمها عند الازدحام، فهذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل.
وقد يفعل ما هو معظم في الشريعة من الأوقات الفاضلة ما يعتقد أنه فضيلة، فيصير منكرا، مثل ما أحدثه بعض أهل الأهواء في يوم عاشوراء من التعطش والتحزن والتجمع وغير ذلك من المحدثات من اتخاذه مأتما، فهو من دين الجاهلية، ليس من دين المسلمين، وكذلك أحدث قيه بعض الناس أشياء مستندة إلى أحاديث موضوعة، مثل فضل الاغتسال فيه أو التكحل أو المصافحة، فكل ذلك مكروه، وإنما السنة صومه، وقد روي في التوسعة على العيال آثار معروفة.
وقد يكون الغلو في تعظيمه من بعض المتسننة لمقابلة الروافض، فإن الشيطان قصده أن يحرف الخلق عن الصراط المستقيم.
ومنها رجب فإنه أحد الأشهر الحرم، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: اللهم بارك لنا في شهري رجب وشعبان وبلغنا رمضان ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم في فضل رجب حديث آخر، بل عامة الأحاديث المأثورة فيه كذب.
فاتخاذه
موسما بحيث يفرد بالصوم مكروه عند الإمام أحمد وغيره كما روي عن عمر بن الخطاب وأبي بكر وغيرهما من الصحابة - رضي الله عنهم -. وروى ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم رجب، وهل الإفراد المكروه أن يصومه كله أو أن لا يقرن به شهر آخر؟ فيه للأصحاب وجهان.
ومن هذا الباب: ليلة نصف شعبان، فقد روي في فضلها من الأحاديث ما يقتضي أنها ليلة مفضلة، وكثير من السلف من كان يخصها بالصلاة فيها، وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة، ومن العلماء من أنكر فضلها، وطعن في الأحاديث الواردة فيها كحديث: إن الله يغفر فيها لأكثر من عدد شعر غنم كلب والذي عليه أكثر أهل العلم من أصحابنا وغيرهم تفضيلها، وعليه يدل نص أحمد، وإن كان قد أحدث فيها أحاديث،
أما صوم النصف مفردا فلا أصل له، بل إفراده مكروه، وكذلك اتخاذه موسما تصنع فيه الأطعمة والزينة، وكذلك "صلاة الألفية" في ليلة النصف جماعة، وليعلم أن الاجتماع لصلاة تطوع أو استماع قرآن أو ذكر الله ونحو ذلك إذا كان يفعل ذلك أحيانا فهو حسن، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى التطوع في جماعة أحيانا، وعموم الأحاديث التي فيها ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم... الحديث وأنه خرج على قوم وهم يقرؤون، فجلس معهم وغير ذلك.
أما اتخاذ اجتماع راتب يتكرر بتكرر الأسابيع والشهور والأعوام غير الاجتماعات المشروعة، فإن ذلك يضاهي اجتماعات الصلوات الخمس، وذلك هو المبتدع المحدث، ففرق بين ما يتخذ سنة وعادة، فإن ذلك يضاهي المشروع، وهذا الفرق هو المنصوص عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة.