أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل ذكر البيان لحال من حضر تلك الأعياد متأولا مجتهدا

فلو قيل هذا يعارض بأن هذه المواسم قد فعلها قوم من أولي العلم والفضل الصديقين فمن دونهم، وفيها فوائد يجدها الإنسان في قلبه من زوال آصار ذنوبه وإجابة دعوته، مع ما ينضم إلى ذلك من العمومات الدالة على فضل الصلاة والصيام.
قيل: لا ريب أن من فعلها متأولا مجتهدا أو مقلدا فله أجر على حسن قصده وعلى عمله من حيث ما فيه من المشروع، وما فيه من المبتدع مغفور له إذا كان في اجتهاده أو تقليده من المعذورين، وكذلك ما ذكر فيها من الفوائد كلها إنما حصلت لما اشتملت عليه من المشروع في جنسه كالصوم والذكر والقراءة والركوع السجود وحسن القصد في عبادة الله، وما اشتمل عليه من المكروه انتفى موجبه

بعفو الله لاجتهاد صاحبها أو تقليده، وهذا ثابت في كل ما يذكر في بعض البدع المذكورة من الفائدة، لكن هذا القدر لا يمنع كراهتها والنهي عنها والاعتياض عنها بالمشروع الذي لا بدعة فيه.
كما أن الذين زادوا الأذان في العيدين هم كذلك، بل اليهود والنصارى يجدون في عباداتهم فوائد، وذلك أنه لابد أن تشتمل عباداتهم على نوع ما مشروع في جنسه، كما أن قولهم لابد أن يشتمل على صدق ما مأثور عن الأنبياء، ثم مع ذلك لا يوجب أن تفعل عباداتهم أو تروى كلماتهم؛ لأن جميع المبتدعات لابد أن تشتمل على شر راجح على ما فيها من الخير، إذ لو كان خيرها راجحا لما أهملها الشارع، فنحن نستدل بكونها بدعة على أن إثمها أكبر من نفعها، وذلك هو الموجب للنهي.
وأقول: إن إثمها قد يزول عن بعض الأشخاص لمعارض الاجتهاد أو غيره، كما يزول إثم النبيذ والربا المختلف فيهما عن المجتهدين من السلف، ثم مع ذلك يجب بيان حالها، وأن لا يقتدي بمن استحلها، وأن لا يقصر في طلب العلم المبين لحقيقتها، وهذا كاف في بيان أن هذه البدعة مشتملة على مفاسد اعتقادية أو حالية مناقضة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وما فيها من المنفعة مرجوح لا يصلح للمعارضة، ثم نقول على سبيل التفصيل: إذا فعلها قوم ذوو فضل، فقد تركها في زمانهم معتقدا كراهتها، أو أنكرها قوم إن لم يكونوا هم أفضل

ممن فعلها فليسوا دونهم ولو كانوا دونهم فقد تنازع فيها أولو العلم، فيجب ردها إلى الله والرسول، وكتاب الله وسنة رسوله مع من تركها بلا شك، لا مع من رخص فيها.
ثم عامة المتقدمين الذين هم أفضل من المتأخرين مع من تركها، وما فيها من المفاسد التي يستغني بها العامة عن كثير من السنن حتى تجد كثيرا من العامة قد يحافظ عليها ما لا يحافظ على التراويح والصلوات الخمس، وينقص بسببها عنايتهم بالفرائض وغير ذلك، يعارض ما فيها من المنفعة، فإن فيها - أيضا - من مصير المعروف منكرا والمنكر معروفا وجهالة أكثر الناس بدين المرسلين، وانتشار البدع، ومسارقة الطبع إلى الانحلال من ربقة الاتباع، وفوات سلوك الصراط المستقيم، وذلك أن النفس فيها نوع من الكبر، فتحب أن تخرج عن العبودية والاتباع بحسب الإمكان.
كما قال أبو عثمان النيسابوري - رحمه الله -: "ما ترك أحد شيئا من السنة إلا لكبر في نفسه"، ثم هذا مظنة لغيره، فينسلخ القلب عن حقيقة اتباع الرسول، ويصير فيه من الكبر وضعف الإيمان ما يفسد عليه دينه أو يكاد، إلى غير ذلك من المفاسد التي لا يدركها إلا من استنارت بصيرته، وسلمت سريرته، حتى إن متبعها يصير في غاية من الجهالة، قد ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
وهذا كله مقرر في غير هذا الموضع، ومنها ما تقدم التنبيه عليه في أعياد أهل الكتاب من المفاسد التي توجد في كلا النوعين المحدثين: النوع الذي فيه مشابهة، والنوع الذي لا مشابهة فيه، والكلام في ذم البدع لما كان مقررا في غير هذا الموضع لم نطل النفس في تقريره، بل نذكر بعض أعيان هذه المواسم.

فصول الكتاب · 32 فصل · 201 صفحة
الانتقال إلى صفحة
المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم
تأليف بدر الدين البعلي
الأولى، 1422 هـ
تقدّمك في الكتاب: فصل ذكر البيان لحال من حضر تلك الأعياد متأولا مجتهدا — 20 من 32
فصول المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم · 201 صفحة
مقدمة الكتابمقدمة المحققوصف النسخة الخطيةترجمة المختصربداية الكلام على خطر التشبه وحرمتهفصل إيراد النصوص الدالة على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم بشيء من البيانفصل الكلام على إجماع العلماء على حرمة التشبه وخطرهفصل بيان حرمة التشبه بالشياطينفصل بيان الفرق المعتبر بين التشبه بالكفار والشياطين وبين التشبه بالأعراب والأعاجم مع ذكر النصوصفصل أنواع التشبه بالكفار وأقسام العبادات بالنسبة لدينهم ودين الإسلامفصل الكلام على التشبه بالكفار في أعيادهم ولغتهم مع إيراد النصوص والإجماعفصل الاعتبار في مسألة العيد من وجوهفصل ذكر الكلام في مشابهتهم فيما ليس من شرعنافصل الكلام على العيد ومعناه وأحواله عند الكفارفصل لا يجب على المسلم أن يعرف أعياد الكفار لمخالفتها بل يكفيه أن سببها من جهتهمفصل ردع المسلم التشبه بهم عند ذلكفصل حكم قبول المسلم الهدية من الكفار يوم عيدهم وإيراد النصوص على جوازهفصل الكلام على صيام أعياد الكفارفصل الكلام على الأعياد والمواسم المبتدعة وأنها من أشنع المنكراتفصل ذكر البيان لحال من حضر تلك الأعياد متأولا مجتهدافصل ذكر بعض الأمثلة على بدع قامت على نصوص باطلة وبيان بطلانهافصل قد يحدث في اليوم الفاضل مع العيد العملي المحدث العيد المكاني فيغلظ قبحافصل الأعياد المكانية وأقسامهافصل الكلام على سد ذرائع الشرك والنهي عن الصلاة على القبورفصل ذكر أقسام الدعاء والعبادة عند القبور وغيرها من الأماكنفصل أن اعتقاد استجابة الدعاء غير المشروع زمانا ومكانا كرامة الغرورفصل آداب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وحكم تكرارها لأهل المدينة وغيرهمفصل الأفعال المشروعة والممنوعة عند مقامات الأنبياء والصالحينفصل ذكر حرمة الإقسام على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهمفصل لا يشرع شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة مع ذكر النصوصفصل أصل دين الإسلام ألا تختص بقعة بقصد العبادة فيها إلا المساجد خاصةفصل افتراق الناس إلى ثلاثة فرق وأن سلف الأمة هم من أصاب الحق والخير
جارٍ التحميل