أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل إيراد النصوص الدالة على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم بشيء من البيان

إذا تقرر ذلك، فقد دل الكتاب والسنة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم في الجملة، سواء كان عاما في جميع أنواع المخالفات أو خاصا ببعضها، وسواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب.
أما الكتاب فقوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ.
وقال: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ إلى أن قال: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ.
فأخبر أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيا من بعضهم على بعض، ثم جعل محمدا صلى الله عليه وسلم على شريعة، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، فدخل فيهم كل من خالف شريعته.
وأهواؤهم: هو ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل.
ومن هذا قوله: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إلى أن قال:

وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.
والضمير -والله أعلم- يعود إلى من تقدم ذكره، وهم الأحزاب الذين ينكرون بعضه، فدخل كل من أنكر شيئا من القرآن من يهودي أو نصراني وغيرهما.
ومن ذلك قوله: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ الآية.
فقال في الخبر: حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ وفي النهي: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقا، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير، ومتابعتهم في بعض ما هم عليه نوع متابعة لهم فيما يهوونه، أو مظنة له، وكذا قوله: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ إلى قوله: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ إلى قوله: وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ.
قال غير واحد: لئلا يحتج اليهود عليكم بأنكم وافقتموهم في القبلة، فيوشك أن يوافقونا في الملة، فقطع الله هذه الحجة بأن قال: خالفوهم في القبلة.

وقال سبحانه: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وهم اليهود والنصارى الذين افترقوا على أكثر من سبعين فرقة، مع أنه قد أخبر -صلى الله عليه - أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة.
وقال: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وكل ما في الكتاب من النهي عن مشابهة الأمم الكافرة وقصصهم التي فيها عبرة لنا بترك ما فعلوه مثل قوله: <> فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ولَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ وأمثال ذلك، كله دال على هذا المطلب من أن مخالفتهم مشروعة لنا في الجملة، وهي دين لنا.
وقال تعالى: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ الآيات إلى قوله: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ إلى قوله وَبِئْسَ الْمَصِيرُ فبين أخلاق المنافقين والمؤمنين وتوعد المستمتعين الخائضين كالذي خاضوا بأن قال أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ فأخبر أن في هذه الأمة من استمتع بخلاقه كما استمتعت الأمم قبلهم وخاض كالذي خاضوا وذمهم على ذلك -والخلاق قيل هو الدين وقيل بنصيبهم من الآخرة في الدنيا قال أهل اللغة هو الحظ والنصيب كأنه ما خلق للإنسان ثم حضهم على

الاعتبار بمن قبلهم فقال أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ الآية.
فذم من استمتع وشابه القرون الماضية، وكان من الخائضين، وهم اليهود والنصارى وغيرهم ممن تقدم، ومع ذلك فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا بد أن تأخذ أمته مأخذ الأمم قبلها ذراعا بذراع وشبرا بشبر.
وقوله بعد ذلك: جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ دليل على جهاد هؤلاء الخائضين المستمتعين ثم هذا الذي دل عليه الكتاب من مشابهة بعض الأمة للقرون الماضية في الدنيا وفي الدين وذم من يفعل ذلك قد دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفسر أصحابه الآية بذلك فعن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم قال لتأخذن كما أخذت الأمم من قبلكم ذراعا بذراع وشبرا بشبر وباعا بباع حتى لو أن أحدا من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه" قال أبو هريرة اقرءوا إن شئتم كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً الآية، قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب؟ "قال فمن الناس إلا هم؟.
وعن ابن عباس أنه قال: "ما أشبه الليلة بالبارحة هؤلاء بنو

إسرائيل شُبِّهنا بهم".
وعن ابن مسعود أنه قال: "أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا وهديا، تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟ ". وعن حذيفة بن اليمان قال: "المنافقون الذين منكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أولئك كانوا يخفون نفاقهم، وهؤلاء أعلنوه".
وأما السنة ففي "الصحيحين" عن عمرو بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان قد صالح أهل البحرين، وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بالمال، فسمعت الأنصار، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث إلى أن قال: أبشروا، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم.

وهذا هو الاستمتاع بالخلاق المذكور في الآية.
وفي "مسلم" عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم، أي قوم أنتم؟ ". قال عبد الرحمن بن عوف: نكون كما أمرنا الله -عز وجل- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تنافسون، ثم تحاسدون، ثم تدابرون أو تباغضون، أو غير ذلك، ثم تنطلقون إلى مساكن المهاجرين، فتحملون بعضهم على رقاب بعض".
وفي "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله، فقال: "إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح من زهرة الدنيا وزينتها" فقال رجل: "أو يأتي الخير بالشر يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: ما شأنك تكلم رسول الله ولا يكلمك؟ وقال: ورأينا أنه ينزل عليه، فأفاق يمسح عنه الرحضاء، وقال: أين هذا السائل؟ وكأنه حمده، فقال: "إنه لا يأتي الخير بالشر وفي رواية فقال: أين السائل آنفا؟ أو خير هو ثلاثا؟ إن الخير لا يأتي إلا بالخير، وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم إلا آكلة الخضر، فإنها أكلت حتى إذا امتدت خاصرتها استقبلت عين الشمس، فثلطت وبالت، ثم رتعت، وإن هذا المال خضر حلو، ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه من يأخذه بغير حق كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شاهدا يوم القيامة.
وفي "الصحيح" أنه قال: إن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، فاتقوا الله، واتقوا النساء.
فحذر فتنة النساء، معللا بأن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء.
وقال: إنما هلك بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم يعني وصل الشعر.
وكثير من مشابهة أهل الكتاب في أعيادهم وغيرها، إنما يدعو إليها النساء.
وفي "مسلم" لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد فئام من أمتي الأوثان،

وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة، وهي الجماعة ولا شك أن الثنتين والسبعين هم الذين تفرقوا واختلفوا كما تفرق الذين من قبلهم.
ومن ذلك لما سألوه أن يجعل لهم ذات أنواط، قال: الله أكبر! قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل قبلكم رواه مالك والنسائي والترمذي وصححه.
وقال: لتركبن سَنَن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن" وقد تقدم مثله في البخاري قوله: لتأخذن أمتي مأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع".

فهذا كله وأشباهه خرج منه صلى الله عليه وسلم مخرج الخبر عن وقوعه والذم لمن يفعله، فعلم أن مشابهتها لليهود والنصارى وفارس والروم مذموم ذمه الله ورسوله، وهو المطلوب.
فإن قيل: إذا كان قد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتاب الله - جل وعز - أنه لا بد من وقوع المشابهة، فما فائدة النهي عن ذلك؟ قيل: قد دل الكتاب والسنة - أيضا - أنه لا تزال طائفة متمسكة بالحق الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، وأنها لا تجتمع على الخطأ، ففي النهي عن ذلك تكثير لهذه الطائفة المنصورة وتثبيتها وزيادة إيمانها، زادها الله شرفا وقوة ونصرا، وأظهر دينه، ونصره حيث كان، وعلى يد من كان، وخذل أعداءه، وكبتهم، وجعل الدائرة عليهم، إنه سميع الدعاء.
وأيضا لو فُرِضَ أن الناس لا يتركون هذه المشابهة المنكرة، لكان في العلم بها معرفة القبيح والإيمان بذلك، فإن نَفْس العلم والإيمان بما كرهه الله خير وإن لم يعمل به، بل فائدة العلم والإيمان أعظم من فائدة مجرد العمل الذي لم يقترن به علم، فإن الإنسان إذا عرف المعروف وأنكر المنكر كان خيرا من أن يكون ميت القلب لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا.
وإنكار القلب: هو الإيمان بأن هذا منكر، وكراهته لذلك، فإذا حصل ذلك كان في القلوب إيمان،

وأيضا فقد يستغفر الرجل من الذنب مع إصراره عليه، أو يأتي بحسنات تمحوه أو بعضه، وقد تقلل منه، وقد تضعف همته في طلبه إذا علم أنه منكر، ثم لو فرض أنا علمنا أن الناس لا يتركون المنكر، ولا يعترفون بأنه منكر، لم يكن ذلك مانعا من إبلاغ الرسالة وبيان العلم، بل ذلك لا يسقط وجوب الإبلاغ ولا وجوب الأمر والنهي في إحدى الروايتين عن أحمد -رحمه الله - وقول كثير من أهل العلم، وهذا أمر عام في كل منكر أخبر الصادق بوقوعه.
وقد قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ فقد برأ -سبحانه- رسوله بأن يكون فيه شيء من المفرقين لدينهم، فمن كان متبعا له حقيقة، كان متبرئا كتبرئه، ومن كان موافقا لهم في شيء كان مخالفا للرسول بقدر موافقته لهم.
وما دل عليه الكتاب جاءت به سنة رسول الله وسنة خلفائه الراشدين التي أجمع الفقهاء عليها بمخالفتهم وترك التشبه بهم، ففي "الصحيحين" أنه قال: إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم فاقتضى أن جنس مخالفتهم أمر مقصود للشارع؛ لأن الفعل المأمور به إذا عبر عنه بلفظ مشتق من معنى أعم من ذلك الفعل، فلا بد أن يكون ما منه الاشتقاق أمرا مطلوبا، لا سيما إن ظهر

لنا أن المعنى المشتق منه معنى مناسب للحكمة، ولأن الأمر إذا تعلق باسم مفعول مشتق من معنى، كان المعنى علة للحكم، كما في قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ وفَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وعودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا العاني.
وأيضا إذا أمر بفعل كان نفس مصدره أمرا مطلوبا للآمر مقصودا، كما قال تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ ووَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا.
فإن نفس التقوى والإحسان والإيمان والعبادة أمور مطلوبة مقصودة، بل هي نفس المأمور به.
فلما قال: "خالفوهم" كان الأمر بمخالفتهم داخلا في العموم، وإن كان السبب الذي قاله لأجله هو الصبغ؛ لأن الفعل فيه عموم وإطلاق لفظي ومعنوي، فيجب الوفاء به، وخروجه على سبب يجب أن يكون داخلا فيه، ولا يمنع أن يكون غيره داخلا فيه، وإن قيل: إن اللفظ العام يقصر على سببه؛ لأن العموم هنا من جهة المعنى، ولا يقبل من التخصيص ما يقبله العموم اللفظي.
وأيضا عدول الأمر عن لفظ الفعل الخاص إلى لفظ أعم منه، كعدوله عن لفظ: أطعمه، إلى لفظ: أكرمه، وعن لفظ: فاصبغوا، إلى

لفظ: فخالفوهم، لا بد له من فائدة، وإلا فمطابقة اللفظ للمعنى أولى من إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاص، ولا فائدة هنا إلا تعليق القصد بذلك المعنى العام المشتمل على هذا الخاص، وهذا بين لمن تأمله.
وأيضا إذا أمر بفعل باسم دال على معنى عام مريدا به فعلا خاصا، كان ذلك يقتضي أنه قصد أولا ذلك العام، وأنه إنما قصد ذلك الخاص لحصوله بالعام.
ففي قولك: أكرم زيدا، طلبان: طلب للإكرام المطلق، وطلب لهذا الفعل الذي يحصل به المطلق، لأن حصول المعين مقتض لحصول المطلق، وهذا معنى صحيح إذا صادف فطنة وذكاء انتفع به في كثير من المواضع، وعلم به طريق البيان.
وأيضا فإنه رتب الحكم على الوصف بحرف الفاء، فيدل على أنه علة له من غير وجه، حيث قال: "إن اليهود لا يصبغون فخالفوهم" ولأنه لو لم يكن لقصد مخالفتهم تأثير في الأمر بالصبغ لم يكن لذكرهم فائدة، فنفس المخالفة لهم في الهدي مصلحة ومنفعة لعباد الله المؤمنين؛ لما فيه من المجانبة والمباينة التي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم، وإنما يظهر بعض المصلحة في ذلك لمن تنور قلبه، ونفس ما هم عليه من الهدى والخلق قد يكون فيه مضرة، فينهى عنه، ويؤمر بضده؛ لما فيه من المنفعة والكمال، وليس شيء من أمورهم إلا وهو إما مضر أو هو ناقص.
ولا يتصور أن يكون شيء من أمورهم كاملا قط، فإذا المخالفة لهم فيها لنا منفعة ومصلحة لنا في كل أمورهم حتى ما هم عليه من إتقان بعض أمور دنياهم فقد يكون مضرا بأمر الآخرة أو بما هو أهم منه من أمر الدنيا.
وبالجملة: فالكفر بمنزلة المرض الذي في القلب وأشد، ومتى كان

القلب مريضا لم يصح شيء من الأعضاء صحة مطلقة، وإنما الصلاح: أن لا تشابه مريض القلب في شيء من أموره وإن خفي عليك مرض ذلك العضو، لكن يكفيك أن فساد الأصل لا بد أن يؤثر في الفرع، ومن انتبه لهذا قد يعلم بعض الحكمة التي أنزلها الله، فإن من في قلبه مرض قد يرتاب في الأمر بنفس المخالفة لعدم استبانته لفائدته، أو يتوهم أن هذا من جنس أمر الملوك والرؤساء القاصدين للعلو في الأرض، ولعمري إن النبوة غاية الملك الذي يؤتيه الله من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ولكن ملك هو غاية صلاح من أطاعه من العباد في معاشهم ومعادهم.
وحقيقة الأمر أن جميع أعمال الكافر وأموره لا بد فيها من خلل يمنعها أن تتم منفعته بها، ولو فرض صلاح شيء من أموره على التمام لاستحق بذلك ثواب الآخرة، فالحمد لله على نعمة الإسلام التي هي أعظم النعم وأم كل خير كما يحب ربنا ويرضى، فظهر أن مخالفتهم أمر مشروع في الجملة؛ ولهذا كان الإمام أحمد وغيره يعللون الأمر بالصبغ بعلة المخالفة.
فإذا نهى عن التشبه بهم في بقاء بياض الشيب الذي ليس هو من فعلنا، فلأن ينهى عن إحداث التشبه بهم بطريق الأولى؛ ولهذا كان هذا التشبه بهم يكون محرما بخلاف الأول.

وفي الصحيحين: خالفوا المشركين ثم قال: أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى فأبدل الجملة الثانية من الأولى، أمر بالمخالفة عاما ثم خاصا، فقدمه عموما ثم خصوصا، كما يقال أكرم ضيفك أطعمه وحادثه.
وقال: خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم رواه أبو داود.
وقال: فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكلة السحر رواه مسلم.
فدل على أن الفصل بين العبادتين أمر مقصود، وقد صرح بذلك في قوله: لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون.
وإنما المقصود بإرسال الرسل: أن يظهر دين الله على الدين كله، فنفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة.
وكذا قال: لا تزال أمتي بخير -أو قال على الفطرة- ما لم

يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم رواه أحمد وابن ماجه.
وقوله: اصنعوا كل شيء غير النكاح فقالت اليهود: "ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه رواه مسلم.
وقد نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها، معللا بأنها تسجد لها الكفار حينئذ، وأنها تطلع بين قرني شيطان.
ففيه تنبيه على أن كل ما يفعله المشركون من العبادات ونحوها مما يكون كفرا، أو معصية بالنية ينهى المؤمنون عن ظاهره، وإن لم يقصدوا به قصد المشركين؛ سدا للذريعة؛ وحسما للمادة.
ومن هذا الباب أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى إلى عود أو عمود جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولم يصمد له صمدا.

ونهى عن الصلاة إلى ما عبد من دون الله في الجملة، وإن لم يقصد العابد ذلك.
ونهى عن السجود لله بين يدي الرجل، وإن لم يقصد الساجد ذلك؛ لما فيه من مشابهة السجود لغير الله، فقطعت الشريعة المشابهة في الجهات والأوقات، وكما لا يصلي إلى القبلة التي يصلون إليها لا يصلي إلى ما يصلون له.
وقال صلى الله عليه وسلم: ائتموا بأئمتكم إن صلى قائما، فصلوا قياما، وإن صلى قاعدا، فصلوا قعودا، إن كدتم آنفا تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم قال ذلك لما صلى قاعدا وصلوا خلفه قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا، ثم قال ذلك بعد فراغه، فأمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة، وعلل ذلك بأنه يشبه فعل فارس والروم بعظمائهم.
ومعلوم أن المأموم إنما ينوي أن يقوم لله لا للإمام، وهذا تشديد عظيم في النهي عن القيام للرجل القاعد، ونهي أيضا عما يشبه ذلك وإن لم يقصد به ذلك.
فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرد الصورة غاية؟ وأيضا انتساب الرجل إلى المهاجرين أو الأنصار انتساب حسن محمود عند الله وعند رسوله، ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط، كالانتساب إلى القبائل والأمصار، ولا من المكروه أو المحرم، كالانتساب إلى ما يفضي إلى بدعة أو معصية أخرى، ثم مع هذا لما ادعى كل من الطائفتين: يا للمهاجرين ويا للأنصار منتصرا بحزبه على الآخر، أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وقال: ما هذا؟

أدعوى الجاهلية؟ سماها دعوى الجاهلية، حتى قيل له: إن الداعي بها إنما هما غلامان، لم يصدر ذلك من الجماعة، فأمر بمنع الظالم وإعانة المظلوم؛ ليبين أن المحذور إنما هو تعصب الرجل لطائفته مطلقا فعل أهل الجاهلية، فأما نصرها بالحق فحسن إذا كان من غير عدوان؛ ولهذا قال: خيركم المدافع عن عشريته ما لم يأثم رواه أبو داود.
وقال أربع في أمتي من أمر الجاهلية: لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة فاقتضى أن كل ما كان من أمر الجاهلية مذموم في الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم، وكذا قوله تعالى: وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وإِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فدل ذلك على أن إضافة الأمر إلى الجاهلية يقتضي ذمه والنهي عنه، وذلك يقتضي المنع من أمر الجاهلية مطلقا، وهو المقصود في هذا الكتاب.
ومنه قوله: إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، وفخرها

بالآباء، مؤمن تقي، أو فاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن رواه أبو داود وغيره وهو صحيح.
وأيضا روى مسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليريق دمه.
فكل من أراد في الإسلام أن يعمل بشيء من سنن الجاهلية دخل في الحديث.
والسنة الجاهلية: كل عادة كانوا عليها.
قال تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ وقال صلى الله عليه وسلم: لتتبعن سنن من كان قبلكم.
وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء من سنن الجاهلية في أعيادهم وغيرها.
ولفظ الجاهلية قد يكون اسما للحال، وهو الغالب في الكتاب والسنة، وقد يكون اسما لذي الحال.

فمن الأول: قوله لأبي ذر: إنك امرؤ فيك جاهلية وقول عمر: إني نذرت في الجاهلية وقولهم: يا رسول الله! كنا في جاهلية وشر أي في حال جاهلية، أو طريقة أو عادة ونحوه، فإن لفظ "الجاهلية"، وإن كان في الأصل صفة، لكنه غلب عليه الاستعمال حتى صار اسما، ومعناه قريب من معنى المصدر.
وأما الثاني: فقولهم: طائفة جاهلية، وشاعر جاهلي، وذلك نسبة إلى الجهل الذي هو عدم العلم، أو عدم اتباع العلم، فإن من لم يعلم الحق فهو جاهل جهلا بسيطا، فإن اعتقد خلافه فهو جاهل جهلا مركبا، فإن قال خلاف الحق عالما بالحق أو غير عالم فهو جاهل أيضا، كما قال: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا وقول الشاعر من هذا الباب: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا وكذلك من عمل بخلاف الحق فهو جاهل - وإن علم أنه مخالف

للحق - كقوله سبحانه: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: كل من عمل سوءا فهو جاهل.
وسبب ذلك أن العلم الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفه من قول أو فعل، فمتى صدر خلافه فلا بد من غفلة القلب عنه، أو ضعفه بما يعارضه، وتلك أحوال تناقض حقيقة العلم، فيصير جهلا بهذا الاعتبار.
ومن هنا تعرف دخول الأعمال في مسمى الإيمان حقيقة لا مجازا، وإن لم يكن كل من ترك شيئا من الأعمال كافرا ولا خارجا عن أصل مسمى الإيمان، وكذلك اسم العقل ونحوه من الأسماء؛ ولهذا يسمي الله -سبحانه- أصحاب هذه الأحوال: موتى، وعميا، وصما، وبكما، وضالين، وجاهلين، وأنهم لا يعقلون، ولا يسمعون.
إذا ثبت ذلك، فالناس كانوا قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال، إنما أحدثه لهم جهال، وإنما يفعله جاهل، وكذلك كل ما يخالف ما جاءت به المرسلون من يهودية أو نصرانية فهي جاهلية، وتلك كانت الجاهلية العامة.
وأما بعد مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم فالجاهلية المطلقة قد تكون في مصر دون مصر، كما هي في دار الكفار، وقد تكون في شخص دون شخص، كالرجل قبل أن يسلم، فإنه في جاهلية وإن كان في دار الإسلام.

فأما في زمان مطلق فلا جاهلية بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرون على الحق إلى قيام الساعة.
والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين، وفي كثير من الأشخاص المسلمين، كما قال صلى الله عليه وسلم: أربع في أمتي من أمر الجاهلية وقال لأبي ذر: إنك امرؤ فيك جاهلية فالرجل -مع فضله وعلمه- قد يكون في بعض الخصال المسماة بجاهلية ويهودية ونصرانية، ولا يوجب ذلك كفره ولا فسقه، وكذا قوله: خصلتان هما بهم كفر فنفس الخصلتين كفر حيث كانتا من أعمال الكفار، وهما قائمتان بالناس، وليس كل من قام به شعبة من الكفر يصير كافرا الكفر المطلق، كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنا حتى يقوم به أصل الإيمان، وفرق بين الكفر المعرف باللام وبين المنكر في الإثبات، وفرق بين معنى الاسم المطلق إذا قيل: كافر أو مؤمن وبين المعنى المطلق للاسم في جميع موارده، كما قال: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض.

فقوله في هذا الحديث: "ومبتغ الإسلام سنة جاهلية" فيندرج في قوله ومبتغ سنة جاهلية كلُّ سنة جاهلية مطلقة أو مقيدة يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو صابئة أو وثنية أو مشركية أو مركبة من بعض هذه الملل الجاهلية، فإنها كلها مبتدعها ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان لفظ "الجاهلية" لا تقال غالبا إلا على حال العرب فإن المعنى واحد.
وأيضا فإنه نهى عن الصلاة في أماكن العذاب، كما كره على الصلاة في أرض بابل، وقال: نهاني حبي أن أصلي في أرض بابل والمقبرة رواه أبو داود وأحمد وزاد: "وأرض الخسف" ونحو ذلك.
وكره أحمد الصلاة في هذه الأمكنة اتباعا لعلي.
وقوله: نهاني حبي أن أصلي في أرض بابل؛ فإنها ملعونة يقتضي النهي عن كل أرض ملعونة.

ولذلك نهى عن الدخول في أرض الحجر إلا أن يكونوا باكين، ويوافق ذلك قوله تعالى عن مسجد الضرار: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا فإنه كان من أمكنة العذاب.
فأما أماكن الكفر والمعاصي التي لم يكن فيها عذاب إذا جعلت مكانا للإيمان والطاعة، فهو حسن كما أمر أهل الطائف أن يجعلوا المسجد مكان طواغيتهم، وكان موضع مسجده صلى الله عليه وسلم مقبرة للمشركين فجعله صلى الله عليه وسلم مسجدا بعد نبش القبور، فإذا كانت الشريعة قد جاءت بالنهي عن مشاركة الكفار في المكان الذي حل بهم فيه العذاب، فكيف بمشاركتهم في الأعمال التي يعملونها واستحقوا بها العذاب؟! بل المشاركة في العمل أقرب إلى اقتضاء العذاب من الدخول إلى الديار، فإن جميع ما يعملونه مما ليس هو من أعمال السابقين إما كفر، وإما معصية، وإما شعار كفر أو معصية، وإما مظنة للكفر والمعصية، وإما أن يخاف أن يجر إلى المعصية، وما أحسب أحدا ينازع في جميع هذا، ولئن خالف فيه فلا يمكنه أن ينازع في أن المخالفة فيه أقرب إلى المخالفة في الكفر والمعصية،

وأن حصول هذه المصلحة في الأعمال أقرب من حصولها في المكان.
ألا ترى أن متابعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في أعمالهم أنفع وأولى من متابعتهم في مساكنهم ورؤية آثارهم وقال: من تشبه بقوم فهو منهم وإسناده جيد احتج به أحمد وغيره.
فأقل أحواله: أن يقتضي تحريم التشبه بهم.
وأيضا لما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم عاشوراء قيل: إنه يوم يعظمه اليهود والنصارى فقال: إذا كان العام القابل -إن شاء الله- صمنا اليوم التاسع.
وقال: صوموا عاشوراء، وخالفوا اليهود، وصوموا قبله يوما أو بعده يوما رواه سعيد وأوله رواه مسلم إلى قوله: التاسع.
وقال: إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين رواه أحمد والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح على شرط

مسلم، وهو عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال.
والغلو: مجاوزة الحد، بأن يزاد الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق، وأمرنا أن نقول: "ولا تحمل علينا إصرا" ووضع عنا الآصار، ونهى صلى الله عليه وسلم عن الغلو في العبادات صوما وصلاة.
وقال له رجل: ائذن لي بالسياحة، فقال: إن سياحة أمتي: الجهاد في سبيل الله.
وفي خبر آخر "أن السياحة هي الصيام" أو "السائحون هم الصائمون" أو نحو ذلك، وهو نفس ما ذكره الله في قوله: السائحون.
فأما السياحة التي هي الخروج في البرية لغير مقصد معين، فليس

من عمل هذه الأمة.
قال الإمام أحمد: "ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فعل النبيين ولا الصالحين، مع أن جماعة من إخواننا قد ساحوا السياحة المنهي عنها، متأولين، أو غير عالمين بالنهي، وهي من الرهبانية المبتدعة، التي قيل فيها: لا رهبانية في الإسلام فمقتضى ذلك: مجانبة هدي من كان قبلنا، وأن المشارك لهم يخاف عليه أن يكون هالكا.
ونهانا عن مشابهة من كان قبلنا، بأنهم كانوا يفرقون في الحدود بين الأشراف والضعفاء، وأمر أن يسوى بين الناس في ذلك، وقال: إنما هلك بنو إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.
وأخبر أن ابنته التي هي أشرف النساء لو سرقت - وقد أعاذها الله من ذلك - لقطع يدها؛ ليبين أن وجوب العدل والتعميم في الحدود هو الواجب.

وأيضا فقد قال: إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك فعقب قوله عن "الذين قبلنا" بقوله: "ألا فلا" بالفاء التي تشعر بأن سبب نهينا عن ذلك لأجل أنهم فعلوه.
وذلك يقتضي أن أعمالهم دلالة وعلامة على أن الله ينهى عنها، وأنها علة مقتضية للنهي.
ونهيه عن اتخاذ القبور مساجد، مع لعنته لليهود والنصارى كثير متواتر حتى عند خروج نفسه الكريمة -بأبي هو وأمي- يوصي بذلك، وإن كان قد ابتلي كثير من هذه الأمة ببناء المساجد على القبور، وكلا الأمرين محرم، ملعون فاعله بالسنة المستفيضة.
وقد صح عنه أنه قال: كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع وهو عام يدخل فيه ما كانوا عليه من العبادات والعادات، مثل دعواهم: يا لفلان ويا لفلان، ومثل أعيادهم وغير ذلك من أمورهم.
ولا يدخل في ذلك ما كانوا عليه وأقره الله في الإسلام كالمناسك ودية المقتول، والقسامة ونحوه؛ لأن أمر الجاهلية معناه مفهوم منه ما كانوا عليه مما لم يقره الإسلام، فيدخل في ذلك ما كانوا عليه وإن لم ينه في الإسلام عنه بعينه.

وأيضا نهى عن التذكية بالسن والعظم، وقال: أما السن فعظم فقيل: لا يجوز التذكية بسائر العظام عملا بعموم العلة، وقيل: يجوز، وهما في مذهب أحمد وغيره، وأما الظفر فمدى الحبشة فنهى عن مشابهة الحبشة فيما يختصون به؛ لأن أظفارهم طويلة يذكون بها دون سائر الأمم، وأما العظم فيجوز أن يكون ذلك مثل نهيه عن تنجيسه بالدم، كما نهى عن الاستنجاء به؛ لكونه طعام الجن، ونهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة، وقال: فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة ورأى على ابن عمرو ثوبين معصفرين فقال: إن هذه من ثياب الكفار، فلا تلبسهما رواه مسلم.

فصول الكتاب · 32 فصل · 201 صفحة
الانتقال إلى صفحة
المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم
تأليف بدر الدين البعلي
الأولى، 1422 هـ
تقدّمك في الكتاب: فصل إيراد النصوص الدالة على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم بشيء من البيان — 6 من 32
فصول المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم · 201 صفحة
مقدمة الكتابمقدمة المحققوصف النسخة الخطيةترجمة المختصربداية الكلام على خطر التشبه وحرمتهفصل إيراد النصوص الدالة على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم بشيء من البيانفصل الكلام على إجماع العلماء على حرمة التشبه وخطرهفصل بيان حرمة التشبه بالشياطينفصل بيان الفرق المعتبر بين التشبه بالكفار والشياطين وبين التشبه بالأعراب والأعاجم مع ذكر النصوصفصل أنواع التشبه بالكفار وأقسام العبادات بالنسبة لدينهم ودين الإسلامفصل الكلام على التشبه بالكفار في أعيادهم ولغتهم مع إيراد النصوص والإجماعفصل الاعتبار في مسألة العيد من وجوهفصل ذكر الكلام في مشابهتهم فيما ليس من شرعنافصل الكلام على العيد ومعناه وأحواله عند الكفارفصل لا يجب على المسلم أن يعرف أعياد الكفار لمخالفتها بل يكفيه أن سببها من جهتهمفصل ردع المسلم التشبه بهم عند ذلكفصل حكم قبول المسلم الهدية من الكفار يوم عيدهم وإيراد النصوص على جوازهفصل الكلام على صيام أعياد الكفارفصل الكلام على الأعياد والمواسم المبتدعة وأنها من أشنع المنكراتفصل ذكر البيان لحال من حضر تلك الأعياد متأولا مجتهدافصل ذكر بعض الأمثلة على بدع قامت على نصوص باطلة وبيان بطلانهافصل قد يحدث في اليوم الفاضل مع العيد العملي المحدث العيد المكاني فيغلظ قبحافصل الأعياد المكانية وأقسامهافصل الكلام على سد ذرائع الشرك والنهي عن الصلاة على القبورفصل ذكر أقسام الدعاء والعبادة عند القبور وغيرها من الأماكنفصل أن اعتقاد استجابة الدعاء غير المشروع زمانا ومكانا كرامة الغرورفصل آداب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وحكم تكرارها لأهل المدينة وغيرهمفصل الأفعال المشروعة والممنوعة عند مقامات الأنبياء والصالحينفصل ذكر حرمة الإقسام على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهمفصل لا يشرع شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة مع ذكر النصوصفصل أصل دين الإسلام ألا تختص بقعة بقصد العبادة فيها إلا المساجد خاصةفصل افتراق الناس إلى ثلاثة فرق وأن سلف الأمة هم من أصاب الحق والخير
جارٍ التحميل