المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيمفصل بيان الفرق المعتبر بين التشبه بالكفار والشياطين وبين التشبه بالأعراب والأعاجم مع ذكر النصوص

فصل بيان الفرق المعتبر بين التشبه بالكفار والشياطين وبين التشبه بالأعراب والأعاجم مع ذكر النصوص

وليعلم أن [بين التشبه بالكفار والشياطين] وبين التشبه بالأعراب والأعاجم فرقا يجب اعتباره وإجمالا يحتاج إلى تفسير، وذلك أن نفس الكفر والتشيطن مذموم في حكم الله ورسوله وعباده المؤمنين ونفس الأعرابية والأعجمية ليست مذمومة في نفسها عند الله تعالى وعند رسوله وعند عباده المؤمنين، بل الأعراب منقسمون إلى أهل جفاء كما قال: الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا الآية.
وقال: وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا الآية: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا إلى قوله: وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا وإلى أهل إيمان وبر، قال تعالى: وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ الآية.
وقد كان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن وفد عليه ومن غيرهم من الأعراب من هو أفضل من كثير من القرويين، فهذا كتاب الله يحمد بعض الأعراب، ويذم بعضهم.
وقال تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ فعُلم أن المنافقين في الأعراب وذوي القربى.
وكذلك العجم، وهم من سوى العرب من الفرس والروم والترك

والبربر والحبشة وغيرهم ينقسمون إلى المؤمن والكافر والبر والفاجر كانقسام العرب.
قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب حديث صحيح.
وقال صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس! إن ربكم عز وجل واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ألا لا فضل لأسود على أحمر إلا بالتقوى، ألا هل بلَّغت؟ قالوا: نعم.
قال: ليبلغ الشاهد الغائب إسناده صحيح.
وأخبر أن آل بني فلان ليسوا -لمجرد النسب- أولياء له، وهم بطن قريب النسب، إنما وليه الله وصالح المؤمنين، خرجاه في الصحيحين ومثل ذلك كثير بين في الكتاب والسنة أن العبرة بالأسماء التي حمدها الله وذمها كالمؤمن والكافر والبر والفاجر والعالم والجاهل.
وقال: لو كان الدين بالثريا لذهب به رجل من فارس حتى يتناوله.

وروى الترمذي في قوله تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ أنهم من أبناء فارس إلى غير ذلك من آثار رويت في فضل أبناء فارس، ومصداق ذلك ما وجد في التابعين ومن بعدهم من أبناء فارس الأحرار والموالي مثل الحسن وابن سيرين وعكرمة، ومن بعدهم من المبرزين في الإيمان والدين والعلم ما لا يحصون كثرة على ما هو معروف، إذ الفضل الحقيقي هو اتباع ما بعث الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من الإيمان والعلم باطنا وظاهرا، فكل من كان فيه أكمل كان أفضل، فالفضل بالأسماء المحمودة في الكتاب والسنة، لا بمجرد كون الإنسان عربيا أو عجميا أو أبيض أو أسود أو قرويا أو بدويا، وإنما وجه النهي عن مشابهة الأعراب والأعاجم -مع ما ذكرناه من الفضل فيهم وعدم العبرة بالنسب والمكان- مبني على أصل، وهو أن الله -سبحانه- جعل سكنى القرى يقتضي من كمال الإنسان في العلم والدين ورقة القلوب ما لا يقتضيه سكنى البادية، كما أن البادية توجب من صلابة البدن والخَلْق ومتانة الكلام ما لا يكون في القرى، هذا هو الأصل، وإن جاز تخلف هذا المقتضي لمانع وكانت البادية أحيانا أنفع من القرى.
قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى وذلك لأن الرسل لهم الكمال في عامة الأمور حتى في النسب.

ثم لفظ "الأعراب" هو في الأصل اسم لبادية العرب، فإن كل أمة لها حاضرة وبادية، فبادية العرب: الأعراب، وقد يقال إن بادية الروم: الأرمن أو نحوهم، وبادية الفرس: الأكراد أو نحوهم، وبادية الترك: التتر، والتحقيق أن هذا -والله أعلم- هو الأصل وإن كان قد يقع فيه زيادة ونقصان.
[والتحقيق] أن سكان البوادي لهم حكم الأعراب، سواء دخلوا في لفظ الأعراب أم لم يدخلوا، فهذا الأصل يوجب أن يكون جنس الحاضرة أفضل من جنس البادية، وإن كان بعض أعيان البادية أفضل من أكثر الحاضرة مثلا، ويقتضي أن ما انفرد به عن جميع جنس الحاضرة أعني في زمن السلف من الصحابة والتابعين فهو ناقص عن فضل الحاضرة أو مكروه.
فإذا وقع التشبه بهم فيما ليس من فعل الحاضرة المهاجرين كان ذلك: إما مكروها، أو مفضيا إلى المكروه، وعلى هذا القول في العرب والعجم، فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة أن جنس العرب أفضل من جنس العجم عبرانيهم وسريانيهم ورومهم وفرسهم وغير ذلك، وأن قريشا أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل بني هاشم، فهو أفضل الخلق نفسا وأفضلهم نسبا، وليس فضل العرب ثم قريش ثم بني هاشم لمجرد كون رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، وبذلك ثبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أفضل نفسا ونسبا وإلا لزم الدَّور.

وذهبت فرقة من الناس إلى أن لا فضل لجنس العرب على جنس العجم، وهؤلاء يسمون الشعوبية؛ لانتصارهم للشعوب التي هي مغايرة للقبائل كما قيل: القبائل للعرب والشعوب للعجم.
ومن الناس من قد يفضل بعض أنواع العجم على العرب، والغالب أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عن نفاق، ولهذا جاء في الحديث حب العرب إيمان، وبغضهم نفاق مع أن الكلام في هذه المسائل لا يكاد يخلو عن هوى للنفس ونصيب للشيطان من الطرفين، وهو محرم في جميع المسائل، فإن الله أمر بالاعتصام، ونهى عن التفرق والاختلاف.
والدليل على فضل جنس العرب، ثم قريش، ثم بني هاشم: ما رواه الترمذي عن العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله! إن قريشا جلسوا، فتذاكروا أحسابهم بينهم، فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة من الأرض، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق الخلق، فجعلني في خير فرقهم، وخير الفريقين، ثم خير القبائل، فجعلني في خير قبيلة، ثم خير

البيوت، فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا، وخيرهم بيتا" وحسنه.
والكبوة: الكناسة، والكبا بالكسر والقصر.
ورواه بطريق آخر ورواه أحمد ولفظه: إن الله خلق الخلق، فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين، فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل، فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا، فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا فيحتمل أن المراد بالخلق الثقلان، أو هم جميع ما خلق في الأرض، وبنو آدم خيرهم، ولو قيل بعموم الخلق حتى يدخل فيه الملائكة فله وجه صحيح، ويحتمل أنه أراد بالخلق بني آدم، وبكل تقدير فالحديث صريح في تفضيل العرب على غيرهم، ولهذا الحديث شواهد تؤيده وتوضحه، مثل حديث مسلم إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ورواه أحمد والترمذي ولفظه: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم

إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة... إلخ.
فيقتضي أن إسماعيل وذريته صفوة ولد إبراهيم، وأنهم أفضل من ولد إسحاق، ومعلوم أن ولد إسحاق أفضل العجم لما فيهم من النبوة والكتاب، فإذا ثبت فضلهم على ولد إسحاق، لزم فضلهم على من سواهم، ثم إن الله تعالى خص العرب ولسانهم بأحكام تميزوا بها عن غيرهم فخص قريشا بما جعل فيهم من خلافة النبوة وغير ذلك، ثم خص بني هاشم بتحريم الصدقة واستحقاق قسط من الفيء إلى غير ذلك، فأعطى الله -سبحانه- كل درجة بحسبها، والله عليم حكيم، الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
وقال صلى الله عليه وسلم: حب أبي بكر وعمر من الإيمان، وبغضهما من الكفر،

وحب العرب من الإيمان، وبغضهم من الكفر وفي حديث سلمان ما يقوي هذا الحديث.
ولما وضع عمر الديوان كتب الناس على قدر أنسابهم، فبدأ بأقربهم فأقربهم إلى رسول الله، فلما انقضت العرب ذكر العجم، هكذا كان الديوان على عهد الخلفاء الراشدين وسائر الخلفاء بعدهم إلى أن تغير الأمر بعد.
وسبب هذا الفضل: ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم، وذلك لأن الفضل: إما بالعلم النافع، وإما بالعمل الصالح، والعلم مبدأه العقل، وهو قوة الفهم، وتمامه قوة المنطق الذي هو البيان والعبارة، والعرب أفهم وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة،

وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم، فهم أقرب للسخاء والحلم والشجاعة والوفاء وغير ذلك من الأخلاق المحمودة، لكن كانوا قبل الإسلام طبيعة قابلة للخير معطلة عن فعله، ليس عندهم علم منزل من السماء، ولا شريعة موروثة عن الأنبياء، ولا هم مشتغلون ببعض العلوم العقلية، إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب وما حفظوه من أنسابهم وأيامهم، وما احتاجوا إليه في دنياهم من الأنواء والنجوم أو من الحرب، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى الذي ما جعل الله ولا يجعل أمرا أجل منه ولا أعظم قدرا، وتلقوه عنه بعد مجاهدته الشديدة ومعالجته حتى نقلهم عن تلك العادات الجاهلية والظلمات الكفرية التي كانت قد أحالت قلوبهم عن فطرها، فزالت تلك الريون عن قلوبهم، واستنارت بهدى الله، فأخذوا ذلك الهدي بتلك الفطرة الجيدة، فاجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم والكمال الذي أنزله الله إليهم بمنزلة أرض جيدة في نفسها عطلت عن الحرث، فنبت فيها شوك وزغل وصارت مأوى الخنازير والسباع، فإذا طهرت عن المؤذي

من الشجر والدواب وازدُرِع فيها أفضل الحبوب والثمار، جاء فيها من الحرث ما لا يوصف مثله، وبالله المستعان.
فصار السابقون الأولون أفضل الخلق بعد الأنبياء، وصار أفضل الناس بعدهم من تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة من العرب والعجم، وصار الخارجون عن هذا الكمال قسمين: إما كافر من اليهود والنصارى الذين لم يقبلوا هدى الله، وإما غيرهم من العجم الذين لم يشركوهم فيما فطروا عليه، فجاءت الشريعة باتباع أولئك السابقين على الهدى الذي رضيه الله لهم، وبمخالفة من سواهم: إما لمعصيته، وإما لنقيصته، وإما لأنه مظنة النقيصة، فإذا نهت الشريعة عن مشابهة الأعاجم دخل في ذلك ما عليه الأعاجم الكفار قديما وحديثا، وما عليه الأعاجم المسلمون مما لم يكن السابقون الأولون عليه، كما يدخل في مسمى الجاهلية ما كان عليه أهل الجاهلية قبل الإسلام، وما عاد إليه كثير من العرب من الجاهلية التي كانوا عليها، ومن تشبه من العرب بالعجم لحقوا بهم، ولهذا كان الذين تناولوا العلم والإيمان من أبناء فارس إنما حصل ذلك بمتابعتهم للدين الحنيف بلوازمه من العربية وغيرها، ومن نقص من العرب إنما هو بتخليهم عن هذا، وإما بموافقتهم للعجم فيما السنة أن يخالفوا فيه.

وأيضا فإن الله أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل رسوله مبلغا عنه الكتاب والحكمة بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين به، فلم يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط هذا اللسان، وصارت معرفته من الدين إذ هو أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله وأقرب إلى إقامة شعار الدين، وأقرب إلى مشابهة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في جميع أمورهم، وقد أمر العلماء بالخطاب العربي، وكرهوا مداومة غيره لغير حاجة، واللسان تقارنه أمور أخرى من الأخلاق والعلوم، فإن العادة لها تأثير عظيم فيما يحبه الله ورسوله أو فيما يكرهه، فلهذا جاءت الشريعة بلزوم طريقة السابقين في أقوالهم وأعمالهم وكراهة الخروج عنها إلى غيرها لا لحاجة؛ لما يفضي إليه من فوت الفضائل التي جعلها الله للسابقين الأولين.
ولهذا لما عَلِمَ من وفقه الله من أبناء فارس وغيرهم هذا الأمر أخذ يجاهد نفسه في تحقيق المشابهة بالسابقين، فصار أولئك من أفضل التابعين بإحسان، وصار كثير منهم أئمة لكثير من غيرهم، وصاروا يفضلون من رأوه أقرب إلى متابعة السابقين.
فالأمة مجمعة على فضل طريقة العرب السابقين وأن الفاضل من تبعهم، وهو المطلوب، والذي يجب على المسلم إذا نظر إلى الفضائل أو تكلم فيها أن يسلك سبيل العاقل الذي غرضه أن يعرف الخير ويتحراه جهده، ليس

غرضه الفخر على أحد، ولا الغمط من أحد كما قال: إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد فمن استطال بحق فقد افتخر، وإن كان بغير حق فقد بغى، فلا يحل لا هذا ولا هذا، فإن كان الرجل من الطائفة الفاضلة فلا يكون حظه استشعار فضل نفسه والنظر إلى ذلك، فإنه مخطئ، لأن فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص، فرب حبشي أفضل عند الله من جمهور قريش، وإن كان من الطائفة الأخرى، فيعلم أن تصديقه للرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ومحبة ما أحبه الله، والتشبه بمن فضله الله، والقيام بالدين الحق يوجب له أن يكون أفضل من جمهور الطائفة الأخرى وهذا هو الفضل الحقيقي.

جارٍ التحميل