أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل ذكر حرمة الإقسام على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم

لو أقسم على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم لنهي عن ذلك، كما لا يقسم بمخلوق مطلقا، وهذا القسم منهي عنه، غير منعقد باتفاق ولم يتنازعوا إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فإن فيه قولين في مذهب أحمد وبعض أصحابه - كابن عقيل - طرد الخلاف في سائر الأنبياء، والذي عليه الجمهور - كمالك والشافعي وأبي حنيفة - أنه لا تنعقد اليمين بمخلوق البتة، ولا يقسم به، وهذا هو الصواب.
والإقسام على الله بنبيه صلى الله عليه وسلم مبني على هذا الأصل، ففيه هذا النزاع.
وقد نقل عن أحمد في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في "منسك المروزي" ما يناسب قوله بانعقاد اليمين به، لكن الصحيح أنه لا تنعقد اليمين به، فكذلك هذا.
وأما غيره فما علمت فيه نزاعا، واتفقوا على أنه - سبحانه - يسأل، ويقسم عليه بأسمائه وصفاته كما يقسم على غيره بذلك كالأدعية المعروفة في السنن اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، أنت الله المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام.
وأما إذا

قال: أسألك بمعاقد العز من عرشك، ففيه نزاع نقل عن أبي حنيفة كراهته، فلا يجوز أن يقول: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر؛ لأنه لا حق للمخلوق على الخالق.
أما معاقد العز من عرشك، فقيل: هو سؤال بمخلوق، وقيل: بل هو سؤال بالخالق؛ فلذلك تنازعوا فيه.
وقد نازع في هذا بعض الناس، وقالوا في حديث أبي سعيد: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا... الحديث وقال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ على قراءة الخفض كما يقال: سألتك بالله وبالرحم.
وفي "الصحيح" أن عمر قال "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا".
وفي "النسائي" و"الترمذي" حديث الأعمى الذي جاء إليه، فقال: "ادع الله لي أن يرد بصري، فقال: توضأ فصل ركعتين ثم قل: اللهم إني

أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد! يا نبي الله! إني أتوجه بك إلى ربك في حاجتي لتقضيها، اللهم فشفعه في" فدعا الله فرد عليه بصره.
والجواب عن هذا أن يقال: أولا: لا ريب أن الله - تعالى - جعل على نفسه حقا لعباده المؤمنين، كما قال: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل - وهو رديفه -: "يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده"؟.
قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: "حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا.
أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: "حقهم عليه أن لا يعذبهم".
فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق، واتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعده الصادق، وتنازعوا هل يوجب الله بنفسه على نفسه ويحرم بنفسه على نفسه؟ على قولين.
وأما الإيجاب عليه بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية، وهو

قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول.
وأهل السنة متفقون على أنه خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئا، بل كتب على نفسه الرحمة، وحرم على نفسه الظلم، لا أن العبد يستحق على الله شيئا كما يكون للمخلوق على المخلوق، بل الله هو المنعم المتفضل على العباد بكل خير، هو الخالق لهم والمرسل إليهم والميسر لهم الإيمان والعمل الصالح.
وإذا كان كذلك لم تكن الوسيلة إلا بما مَنَّ به من فضله وإحسانه، والحق الذي لعباده هو من فضله، وليس من باب المعاوضة، ولا من باب ما أوجبه غيره عليه وإذا سئل بما جعله هو سببا للمطلوب من الأعمال الصالحة التي وعد أصحابها بكرامته، ومن أدعية عباده الصالحين، وشفاعة ذوي الوجاهة عنده، فهذا سؤال وتسبب بما جعله هو سببا.
وأما إذا سئل بشيء ليس سببا للمطلوب، فإما أن يكون إقساما عليه به، فلا يقسم على الله بمخلوق، وإما أن يكون سؤالا بما لا يقتضي المطلوب، فيكون عديم الفائدة، فالأنبياء والمؤمنون لهم حق على الله بوعده الصادق أن ينعمهم ولا يعذبهم، وهم وجهاء عنده يقبل شفاعتهم ودعاءهم ما لا يقبله لغيرهم، فإذا قال الداعي: أسألك بحق فلان وفلان لم يدع له، وهو لم يسأله باتباعه لذلك الشخص ومحبته وطاعته بل بنفس ذاته وما جعله له ربه من الكرامة، لم يكن قد سأله بسبب يوجب المطلوب،

وحينئذ فيقال: أما التوسل، والتوجه إلى الله وسؤاله بالأعمال الصالحة التي أمر بها كدعاء الثلاثة الذين آووا إلى الغار وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم، فهذا مما لا نزاع فيه، بل هو من الوسيلة التي أمر الله بها في قوله: <> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ فإن ابتعاء الوسيلة: هو طلب ما يتوسل به أي: يتوصل ويتقرب به، سواء كان على وجه العبادة، أو كان على وجه السؤال له والاستعاذة به؛ رغبة إليه في جلب المنافع ودفع المضار.
ولفظ الدعاء في القرآن يتناول هذا وهذا، كما قال: فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فأمر بالاستجابة له والإيمان به، قال بعضهم: "فليستجيبوا لي إذا دعوتهم، وليؤمنوا بي أني أجيب دعوتهم" وبهذين الشيئين تحصل إجابة الدعوة بكمال الطاعة لألوهيته وبصحة الإيمان بربوبيته، فمن استجاب لربه بامتثال أمره واجتناب نهيه، حصل مقصوده من الدعاء، فمن دعاه موقنا أنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه أجابه ولو كان مشركا فاسقا، كما قال: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا لكن هؤلاء الذين يستجاب لهم؛ لإقرارهم بربوبيته، وأنه يجيب دعاء المضطر إذا لم يكونوا مخلصين له الدين في عبادته ولا مطيعين له ولرسله كان ما يعطيهم بدعائهم متاعا في الحياة الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق.

وقد ذكر أن بعض النصارى حاصروا المسلمين، فنفد ماؤهم، فاستسقوا من المسلمين، وقالوا: ننصرف عنكم، فلم يسقوهم، فرفعوا أيديهم وسألوا الله، فأمطرت عليهم، فكاد بعض المسلمين أن يفتتن، فقام فيهم رجل من المسلمين، وقال: اللهم إنك تكفلت برزق كل دابة، وقد أجبت دعاء هؤلاء الكفار؛ لأنهم مضطرون لا لأنك تحبهم فنريد أن ترينا آية تثبت الإيمان في قلوب عبادك، فأرسل الله عليهم ريحا فأهلكتهم أو نحو هذا.
ومن هذا من يدعو دعاء يعتدي فيه، فيجاب، فما كل من دعا فأجيب يكون ذلك دليلا على أن عمله صالح، بل ذلك بمنزلة من يمدهم بالمال والبنين، فلا يظن أنه يسارع في الخيرات بل لا يشعرون.
قال تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ والمقصود أن دعاء الله قد يكون دعاء عبادة يثاب العبد عليه في الآخرة، وقد يكون دعاء مسألة تقضى به حاجته، ثم قد يثاب، وقد لا يحصل له إلا تلك الحاجة، وقد يكون سببا لضرر دينه، فالوسيلة التي أمر الله بها تعم الوسيلة في عبادته وفي مسألته.
فالتوسل بالأعمال الصالحة، وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم ليس من باب الإقسام بمخلوق، وكذلك استشفاع الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة كما كانوا في الدنيا يطلبون منه أن يدعو لهم، وقول عمر: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل

بعم نبينا" معناه: نتوسل بدعائه وشفاعته وسؤاله، ونحن نتوسل إليك بدعاء عمه وسؤاله وشفاعته، ليس المراد أنا نقسم عليك به، أو ما يجري هذا المجرى مما يفعل بعد موته وفي مغيبه، كما يقول بعض الناس: أسألك بجاه فلان عندك؛ لأنه لو كان كذلك لكان توسلهم به أولى من عمه، ولم يعدلوا إلى العباس مع علمهم أن السؤال به أعظم من العباس، فعلم أن التوسل هو ما يفعله الأحياء دون الأموات، وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم، وكذلك حديث الأعمى الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه، فيدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع وسأل، فعلمه أن يسأل الله قبول شفاعته، ولهذا قال: "اللهم فشفعه في" فلفظ التوسل فيه إجمال غَلِط فيه من لم يفهم مقصود الصحابة.
يراد به التسبب به لكونه داعيا وشافعا، أو لكون الداعي محبا له مطيعا لأمره مقتديا به، فيكون التسبب: إما بمحبة السائل له واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته.
ويراد به الإقسام به، والتوسل بذاته لمجرد الإقسام به على الله، فهذا الثاني هو الذي كرهوه، ونهوا عنه.
وكذلك لفظ السؤال [بشيء] قد يراد به المعنى الأول، وقد يراد الثاني.
ومن الأول: حديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، فدعوا الله بصالح الأعمال، إذ هي أعظم

ما يتوسل به العبد إلى الله؛ لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله، فهؤلاء دعوه بعبادته وفعل ما أمر به.
ومن هذا ما يذكر عن الفضيل أنه أصابه عسر البول فقال: "بحبي إياك إلا ما فرجت عني" ففرج عنه وكذلك دعاء المرأة المهاجرة التي أحيا الله ابنها لما قالت: "اللهم إني آمنت بك وبرسولك، وهاجرت في سبيلك" وسألت الله أن يحيي ولدها فسؤال الله والتوسل إليه بامتثال أمره واجتناب نهيه وفعل ما يحبه من العبودية والطاعة له هو من جنس فعل ذلك رجاء لرحمة الله وخوفا من عذابه وسؤاله بأسمائه وصفاته كقوله: "أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان، أنت الله الأحد الصمد" ونحو ذلك يكون من باب التسبب، فإن كونه المحمود المنان الصمد يقتضي منته على عباده وإحسانه الذي يحمد عليه، وتوحيده في صمديته، فيكون هو السيد المقصود الذي يصمد الناس إليه في حوائجهم، وكل ما سواه مفتقر إليه، وقد يتضمن ذلك معنى الإقسام عليه بأسمائه.
وأما قوله: أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، ففيه ضعف، لكن بتقدير ثبوته، هو من هذا الباب، فإن حق السائلين عليه: أن يجيبهم، وحق المطيعين: أن يثيبهم، فالسؤال له والطاعة سبب لحصول إثابته وإجابته، ولو قدر أنه قسم لكان قسما بما هو من

صفاته، لأن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله، فصار هذا كقوله صلى الله عليه وسلم: أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك... الحديث فالاستعاذة لا تصح بمخلوق، كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة، وذلك مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق، كقوله: أعوذ بكلمات الله التامات.
وأما قول الناس: أسألك بالله والرحم، وقراءة من قرأ تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ بالكسر فهو من باب التسبب بها؛ فإن الرحم توجب الصلة، فسؤال السائل بها توسل بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما، ليس من باب الإقسام، ولا من باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب كالتوسل بدعاء الأنبياء، فالتوسل بالأنبياء والصالحين يكون بأمرين: إما بطاعتهم واتباعهم، وإما بدعائهم وشفاعتهم، فمجرد ذاتهم من غير طاعة منه لهم ولا شفاعة منهم له، فلا تنفعه وإن عظم جاه أحدهم عند الله، فلا بد من ذلك، إما سؤال المسئول، وإما التسبب بمحبة اتباعه خالصا لله تعالى لا لهوى ولا لحظ نفس، بل لله وحده لا شريك له.

فصول الكتاب · 32 فصل · 201 صفحة
المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم
تأليف بدر الدين البعلي
الأولى، 1422 هـ
تقدّمك في الكتاب: فصل ذكر حرمة الإقسام على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم — 29 من 32
فصول المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم · 201 صفحة
مقدمة الكتابمقدمة المحققوصف النسخة الخطيةترجمة المختصربداية الكلام على خطر التشبه وحرمتهفصل إيراد النصوص الدالة على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم بشيء من البيانفصل الكلام على إجماع العلماء على حرمة التشبه وخطرهفصل بيان حرمة التشبه بالشياطينفصل بيان الفرق المعتبر بين التشبه بالكفار والشياطين وبين التشبه بالأعراب والأعاجم مع ذكر النصوصفصل أنواع التشبه بالكفار وأقسام العبادات بالنسبة لدينهم ودين الإسلامفصل الكلام على التشبه بالكفار في أعيادهم ولغتهم مع إيراد النصوص والإجماعفصل الاعتبار في مسألة العيد من وجوهفصل ذكر الكلام في مشابهتهم فيما ليس من شرعنافصل الكلام على العيد ومعناه وأحواله عند الكفارفصل لا يجب على المسلم أن يعرف أعياد الكفار لمخالفتها بل يكفيه أن سببها من جهتهمفصل ردع المسلم التشبه بهم عند ذلكفصل حكم قبول المسلم الهدية من الكفار يوم عيدهم وإيراد النصوص على جوازهفصل الكلام على صيام أعياد الكفارفصل الكلام على الأعياد والمواسم المبتدعة وأنها من أشنع المنكراتفصل ذكر البيان لحال من حضر تلك الأعياد متأولا مجتهدافصل ذكر بعض الأمثلة على بدع قامت على نصوص باطلة وبيان بطلانهافصل قد يحدث في اليوم الفاضل مع العيد العملي المحدث العيد المكاني فيغلظ قبحافصل الأعياد المكانية وأقسامهافصل الكلام على سد ذرائع الشرك والنهي عن الصلاة على القبورفصل ذكر أقسام الدعاء والعبادة عند القبور وغيرها من الأماكنفصل أن اعتقاد استجابة الدعاء غير المشروع زمانا ومكانا كرامة الغرورفصل آداب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وحكم تكرارها لأهل المدينة وغيرهمفصل الأفعال المشروعة والممنوعة عند مقامات الأنبياء والصالحينفصل ذكر حرمة الإقسام على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهمفصل لا يشرع شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة مع ذكر النصوصفصل أصل دين الإسلام ألا تختص بقعة بقصد العبادة فيها إلا المساجد خاصةفصل افتراق الناس إلى ثلاثة فرق وأن سلف الأمة هم من أصاب الحق والخير
جارٍ التحميل