المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيمفصل الأفعال المشروعة والممنوعة عند مقامات الأنبياء والصالحين

فصل الأفعال المشروعة والممنوعة عند مقامات الأنبياء والصالحين

أما زيارة مقامات الأنبياء والصالحين - وهي الأمكنة التي أقاموا فيها، لكنهم لم يتخذوها مساجد - فالذي بلغني عن العلماء قولان: أحدهما: النهي عن ذلك.
والثاني: أنه لا بأس باليسير من ذلك، كما نقل عن ابن عمر أنه كان يتحرى قصد المواضع التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان النبي سلكها اتفاقا، لا قصدا.
قال سندي: سألنا أبا عبد الله عن الرجل يأتي هذه المشاهد، ويذهب إليها ترى ذلك؟ فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته حتى يتخذه مصلى وعلى ما كان يفعله ابن عمر يتتبع مواضع النبي صلى الله عليه وسلم وأثره فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد؛ إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جدا.
فقد فصل أبو عبد الله بين ما يتخذ عيدا وبين ما يفعل نادرا قليلا، وهذا فيه جمع بين الآثار.
وروي عن عمر أنه رأى الناس ابتدروا المسجد فقال: "ما هذا"؟.
قالوا: مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: "هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من عرضت له منكم الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له فليمض" فكره عمر اتخاذ مصلى النبي صلى الله عليه وسلم عيدا.

وقال محمد بن وضاح: "إن عمر أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم خوف الفتنة على الناس".
وقال محمد بن وضاح: كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار بالمدينة ما عدا قباء وأحدا، ودخل الثوري بيت المقدس، وصلى فيه، ولم يتبع تلك الآثار فهؤلاء كرهوها مطلقا؛ لحديث عمر هذا.
وما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة، والصواب معهم، فإن المتابعة تكون بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا قصد العبادة في موضع كالمساجد والمشاعر كان قصده متابعة له، أما إذا فعل فعلا اتفاقا من غير قصد وتحري، فإذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له، فإن الأعمال بالنيات.
واستحب آخرون من العلماء إتيانها، وذكر طائفة من أصحابنا وغيرهم استحباب زيارة هذه المواضع، وعدوا منها مواضع.
وأما أحمد فرخص فيما جاء به الأثر، إلا إذا اتخذ عيدا، وجمع بين الآثار مثل حديث عتبان الذي راح إليه الرسول وجعل في بيته موضعا اتخذه مسجدا، لكن عتبان كان قصده بناء المسجد، فأحب أن يكون الرسول هو الذي يخطه له، بخلاف ما إذا صلى الرسول في موضع من

غير قصد اتخاذه مسجدا، فاتخذه أحد مسجدا لا لحاجة إليه، بل لكونه صلى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما الأمكنة التي قصدها رسول الله للدعاء عندها والصلاة، فقصدها سنة، اقتداء به صلى الله عليه وسلم كتحريه الصلاة عند الاصطوانة موضع المصحف.
وقد روى بعض الفقهاء أن أعرابيا أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتلا قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الآية، وأنشد: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه وطاب من طيبهن القاع والأكم وأنه استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب أحمد والشافعي مثل ذلك.

وهذه الحكاية لا يثبت بها حكم شرعي، لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان سنة لكان السابقون إليه أسبق وبه أعلم.

جارٍ التحميل