كتاب الطلاق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الإِسْنَوي
- الكتاب
- الهداية إلى أوهام الكفاية
- المؤلف
- عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 772هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمي، مطبوع بخاتمة (كفاية النبيه) لابن الرفعةسنة النشر: 2009
- عدد الأجزاء
- 1 (هو الجزء الـ 20 من مطبوعة كفاية النبيه) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قوله: وفي طلاق السكران قولان.
ثم قال: ومنهم من خص القولين في ما له كالنكاح، أما ما عليه، كالضمان، والإقرار، فهو نافذ لا محالة تغليظًا عليه.
وعلى هذا فلو كان التصرف له من وجه، وعليه من وجه، كالبيع، والإجارة، فيحكم بنفوذه تغليبًا لطرف التغليظ.
وفي التهذيب: أنه يصح الإجارة ولا يصح بيعه، لأنه يجمع ما له وعليه، فغلب ما له، وكذلك لا يصح نكاحه ولا إنكاحه.
انتهى كلامه.
وما نقله عن التهذيب تفريعًا على صحة ما عليه دون ما له من صحة الإجارة دون البيع- غلط نشأ عن تحريف، فإن صاحب التهذيب قال ما نصه: فعلى هذا يصح إقراره، ولا يصح بيعه، لأنه يجمع ما له وعليه، فيغلب جانب ما له وكذلك لا يصح نكاحه ولا إنكاحه.
هذا لفظ التهذيب فتحرف الإقرار بالإيجاز ثم عبر هو عنه بالإجازة.
قوله: الرابع: إذا جرى لسانه بكلمة الطلاق ولم يرفع صوته بقدر ما يسمع، ففي التتمة: أن الكرخي حكى أن المزني نقل فيه قولين:
أحدهما: وقوع الطلاق، لأنا نوقع الطلاق بالكناية مع النية، فعند اللفظ أولى.
والثاني: المنع، لأنه ليس بكلام، ولهذا يشترط في قراءة الصلاة أن يسمع نفسه.
انتهى كلامه.
وما نقله عن التتمة من حكاية الكرخي للقولين عن المزني غلط، فإن صاحب التتمة إنما حكاه عن الزجاجي، ذكر ذلك قبيل الفصل الرابع، وهكذا نقله عنه الرافعي أيضًا والنووي في الروضة، وصحح من زوائده القول الثاني وهو ظاهر.
قوله: والنية المؤثرة في الكناية بالاتفاق أن تقترن بجميع اللفظ من قوله ((أنت)) إلى
آخر القاف من طالق، كما صرح به المتولي في باب النية في الصلاة، فإن اقترنت بأوله ثم عزبت في أثنائه، فالمذهب الوقوع.
ولو خلا أوله- وهو ((أنت)) - عن النية، ثم نوى في أثنائه عند قوله: ((طالق))، ففي الوقوع وجهان.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن تعبيره بطالق غلط في الموضعين، بل الصواب التعبير ببائن أو نحوه، فإن الكلام في الكنايات، وقد عبر في التتمة بالبائن كما ذكرناه لا بما نقله عنه، وهو طالق.
الثاني: أن ما نقله عن التتمة من الاتفاق لم يتعرض له بالكلية وإن كان صحيحًا.
الأمر الثالث: أن تمثيله اقترانًا بالأثناء بما إذا خلا عنها ((أنت)) وقارنت طالقًا- وقع في التتمة هناك.
وفي الرافعي هنا فقلدهما المصنف فيه وهو غلط، لأن اللفظ الذي تردد الأصحاب في أن النية هل يشترط اقترانها بجميعه، أم يكفي اقترانها ببعضه؟ إنما هو لفظ الكناية فقط، لأن المقصود من النية تفسير إرادة الطلاق الذي يحتمله ويحتمل غيره، والمفتقر إلى التفسير لما فيه من الاحتمال إنما هو صيغة الكناية دون ما معها، فتقدم النية عليها لا يفيد قطعًا وإن كان متصلًا بـ ((أنت)) أو غيرها مما قبله، وقد صرح بهذا الذي ذكرته: البندنيجي والماوردي وصاحب الشامل وغيرهم، إلا أن المصنف في المطلب قد أثبت وجهين في المسألة، وأيد الاكتفاء عند ((أنت)) بما إذا وقع ((أنت)) في زمن الطهر و ((طالق)) في زن الحيض، فإن ابن سريج قال: يكون الطلاق سببًا ويحصل لها قراء واحد.
قوله: وهل الحرام من الصرائح، أو من الكنايات؟ فيه خلاف.
ثم قال: وعد الحرام من الكنايات على قولنا ليس بصريح محله: إذا قلنا: إن لفظ ((الحرام)) غير صريح في إيجاب الكفارة.
أما إذا قلنا: إنه صريح، فقد حكى الحناطي وجهًا: أنه لا يكون طلاقًا، وهو قضية الضابط المذكور في النهاية وغيرها: أن اللفظ إذا كان صريحًا في باب ووجد نفاذًا في موضوعه فلا سبيل إلى رده عن العمل فيما هو صريح فيه، ويستحيل أن يكون صريحًا
نافذًا في أصله ووضعه، ويكون كناية منوية في وجه آخر، وهو ما جزم به في المهذب تفريعًا على هذا القول عند الكلام فيه.
والمذهب: أنه يكون طلاقًا.
قال في الذخائر: لأنه إنما يكون صريحًا في إيجاب الكفارة عند عدم النية، فأما مع وجود النية فلا يكون صريحًا في الكفارة.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن المهذب والذخائر غلط، أما المهذب: فإنه جزم بأن الزوج إذا نوى به الطلاق وقع، ولم يتعرض للتخريج الذي نقله عنه المصنف بالكلية، فإنه قال: فصل: إذا قال لامرأته: أنت علي حرام ونوى به الطلاق فهو طلاق.
هذا لفظه، ولم يتعرض فيما إذا نوى لغير ذلك.
ثم قال بعد ذلك في الكلام على إيجاب الكفارة بها: وإن قال: أنت علي حرم ولم ينو شيئًا ففيه قولان.
أحدهما: تجب عليه الكفارة، فعلى هذا يكون هذا اللفظ صريحًا في إيجاب الكفارة، لأن كل كفارة وجبت بالكناية مع النية كان لوجوبها صريح ككفارة الظهار.
والثاني: لا تجب، فعلى هذا لا يكون هذا اللفظ صريحًا في شيء، لأن ما كان كناية في جنس لا يكون صريحًا في ذلك الجنس، هذا لفظه.
وكأن هذا هو سبب الوهم ولا ذكر لذلك في تهذيب البغوي أيضًا حتى يقال: هو الذي ذكره المصنف ولكن تحرف بالمهذب.
وأما النقل المتقدم عن صاحب الذخائر فإنه ليس له ذكر فيها، فإن المسالة مذكورة في الكتاب المذكور في ثلاثة مواضع: أحدها هذا، والثاني في الإيلاء، والثالث في الظهار، ولم أر ما قاله المصنف في شيء من المواضع الثلاث.
قوله: وإشارة الأخرس بوقوع الطلاق معتبرة، ثم إن كانت مفهمة للطلاق فيكتفي بها، وإن لم ينو، كذا قاله في التهذيب، وقسم الإمام وغيره الإشارة إلى صريحة تغني عن النية، وهي التي فيهم منها الطلاق المخصوصون بالفطنة والذكاء، وصوابه وهون المذكور في النهاية ونقله عنه الرافعي- أيضًا- أن يقول: إلى صريحة مغنية عن النية، وهي التي يفهم منها الطلاق كما واقف عليها، وإلى كناية مفتقرة إلى النية، وهي التي يفهم منها الطلاق المخصوصون بالفطنة.
انتهى.
قوله: وإذا أضاف الطلاق إلى جزء منها وقع بطريق السراية.
وقيل: من باب التعبير بالجزء عن الكل، وله فوائد.
ثم قال: وقد يضاف إلى فوائده ما إذا ضمن إحضار جزء من إنسان شائع أو غير شائع لا تبقى الحياة بدونه، فإن قلنا: إنه بطريق السراية، لم يصح الضمان، وإن قلنا: بطريق التعبير بالبعض عن الكل، لم يصح، لكن لو قيل، لكن لو قيل به للزم أن يكون الصحيح صحة الضمان، وقد حكينا أن الراجح خلافه.
انتهى.
وتعبيره في آخر كلامه بقوله: أن يكون الصحيح صحة الضمان وهم، وصوابه عدم صحة الضمان، فإنه مقتضى التفريع، وأيضًا فإن الصحيح هناك هو الصحة، وحينئذ فلزوم خلافها باطل.
قوله: ولو قال: حياتك طالق، ففي النهاية أن يقع.
وفي التهذيب: أنه إن أراد الروح وقع، وإن أراد المعنى القائم بالحي لم يقع.
انتهى كلامه.
وما نقله عن التهذيب من أنه لا يقع إذا أراد المعنى القائم بالحي ليس مذكورًا فيه، وإنا عبر في التهذيب بقوله: إن أراد به الروح طلقت واقتصر عليه، فنقله عنه الرافعي.
ثم قال- أعني: الرافعي-: وهذا فيه إشعار بأنه إن أراد المعنى القائم بالحي لا تطلق كسائر المعاني، وبه قطع أبو الفرج الزاز، ويشبه أن يكون هو الأصح.
هذا كلامه ثم إنا نقول: إن كلام البغوي يشعر بأنه لا يقع عند الإطلاق أيضًا، فلا وجه لاقتصاره على نقل عدم الوقوع في قسم واحد.
قوله: وفي فتاوى القفال: أنه لو قال لامرأته: يا بنتي، وقعت الفرقة بينهما عند احتمال اللبس.
انتهى كلامه.
وتعبيره باللبس تحريف لا معنى له، وصوابه وهو المذكور في الفتاوى المذكورة إنما هو السن، أي يحتمل ما قاله من كونه بنتًا له، والمصنف- رحمه الله- لم يظفر بهذه الفتاوى، وإنما اعتمد فيها على نقل الرافعي، والرافعي قد ذكره على الصواب.
قوله: ولو قال: امرأتي هذه محرمة علي لا تحل لي أبدًا، نقل الرافعي عن جده: أنها لا تطلق، لأن التحريم قد يكون بغير الطلاق، وقد يظن ما لا يحرم محرمًا.
وقيل: يحكم عليه بالبينونة.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كون الرافعي نقل ذلك عن جد نفسه قد وقع له مثله- أيضًا- في غير هذه المسألة، وهو غلط عجيب، وإنما نقل لذلك هو سريج الروياني عن جده: أبي
العباس، كذا نقله في باب أركان الطلاق بعد نحو خمسة أوراق من أوله، وسبب غلط المصنف في ذلك أن الرافعي ذكر هذه المسألة في أثناء مسائل كثيرة، ذكر في أولها أنها منقولة عن سريج المذكور، فوقف المصنف على المسألة غافلًا عما سبق في أول الفصل من عزوها إلى سريج، فظن أن المراد بقوله: قال جدي، أن الرافعي هو القائل ذلك يعني جد نفسه، فصرح به فوقع في الغلط، ثم إن جد الرافعي ليس معدودًا في أهل العلم بالكلية ولا معروفًا بشيء من ذلك إلا أن المصنف- رحمه الله- مع جلالة قدره وانفراده في زمانه- قليل الخبرة بالأصحاب، بل بالمصنفات أيضًا.
باب عدد الطلاق والاستثناء فيه
قوله: وإن قال: أنت طالق نصف طلقة، أو نصفي طلقة، طلقت طلقة ... إلى آخر ما ذكر.
أهمل- رحمه الله- من كلام التثنية مسألة فلم يذكرها، وهي ما إذا قال: أنت طالق نصفي طلقتين أعني: بالتثنية فيهما، وقد أجاب الشيخ فيها بوقوع طلقتين، وكذلك جزم به الرافعي أيضًا.
قوله: وإن قال: أنت طالق ثلاثًا إلا أن يشارك أبوك واحدة، فقال أبوها: شئت واحدة، لم تطلق كما لو قال: أنت طالق، إلا أن يدخل أبوك الدار فدخل.
وعلى هذا لو شاء اثنتين أو ثلاثًا لم يقع شيء أيضًا، لأنه شاء واحدة وزيادة.
وقيل: تقع اثنتان ويكون تقدير الكلام إلا أن يشاء أبوك واحدة، فلا تقع تلك الواحدة وتقع ما سواها، وهذا محكى في التتمة.
وقيل: تقع واحدة، ويكون تقدير الكلام: إلا أن يشاء أبوك واحدة، فلا تقع الثلاث وتقع الواحدة.
ومحل الخلاف عند الإطلاق، فلو قال: أردت المعنى الثاني أو الثالث، قبل.
ولو قال: أردت المعنى الأول وفرعنا على الوجه الثاني أو الثالث فهل يقبل منه حتى لا يقع شيء؟ فيه وجهان أظهرهما القبول.
انتهى كلامه.
وما اقتضاه كلامه من القبول جزمًا إذا قال: أردت المعنى الثاني مستقيم إذا فرعنا على الأول، وأما إذا فرعنا على الثالث، فادعى أنه أراد الثاني، فلا شك أن فيه نقصانًا في العدد، فيجري فيه الوجهان في عكسه.
قوله: في المسألة، ولو قال: أنت طالق واحدة إلا أن يشاء أبوك ثلاثًا، فإن شاء ثلاثًا، لم يقع شيء جوابًا على الأولى وهو الصحيح، وإن لم يشأ شيئًا أو شاء واحدة أو اثنتين، وقعت واحدة، كذا حكاه الرافعي ولم يتعرض للتفريع على ما عدا [القول]
الأول القول.
ويظهر أنا إذا فرعنا على [القول] الثالث أنها تطلق ثلاثًا، وعلى [القول] الثاني أن يكون الحكم مثل الأول.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا بحثًا، قد خالفه في شرح الوسيط، فقال: قياس الأوجه الثلاث هو عدم الطلاق.
باب الشرط في الطلاق
قوله: وإن قال: إن حضت حيضة فأنت طالق، لم تطلق حتى تحيض وتطهر، لأنه علقه بتمام الحيض، وهكذا علله الرافعي، وزاد عليه، فقال: وحينئذ فيقع سنيًا، فإن صح ما وقفت عليه من النسخ هكذا، ففيه نظر، لأن الطلاق إنما يقع بعد وجود الشرط أو معه، والشرط هنا وجود الحيضة بكمالها.
فلو وقع بطريق التبين لوقع قبل وجود شرطه، فلعل هذا من الناسخ، ومما يؤيد ذلك أنه قال من بعد: لو قال: كلما حضت حيضة فأنت طالق، طلقت ثلاثًا في انتهاء ثلاث حيض مستقبلة، وتكون الطلقات سنية، فلو كان الطلاق يقع بطريق التبين، لم تكن الطلقات سنية.
انتهى كلامه.
واعلم أن الذي ذكره الرافعي وتبعه عليه في الروضة فيقع سنيًا بسين مضمومة، أي: لا بدعيًا، وشكلها كشكل من عبر بقوله تبنيًا بلا فرق، فغفل المصنف عن هذا المعنى، وانصب ذهنه إلى المعنى الآخر ثم استشكله.
نهاية ما فيه أن يكون بعض النساخ قد نقطها بنقط التبين، ويالله العجب هل تعتبر نقط آحاد النساخ، وهذا الموضع لو وقع لآحاد المبتدئين لم يعذر، ومن الغريب أن المصنف قد كرر هذا المعنى بما نقله عن الرافعي بعد ذلك، وغفل عن أن يكون هو المراد أيضًا من تلك اللفظة، وأغرب منه أنه طال اعتقاده له حتى كتب حاشية بخطه قرر فليها هذا المعنى، وأجاب بجواب لا حاصل له، بل مردود الحكم، فإنه قال ما نصه: جوابه: أنه أراد أنا نتبين أنها طلقت في أول الطهر أو معه، لا أنها طلقت من وقت اللفظ، هذا لفظه، وما قاله من انتفاء إرادة اللفظ فهو المراد بلا شك، ثم إنه يقتضي أن كل شرط يقع مشروطه بطريق التبين، فليته أجاب بتقدير ثبوت المعنى الذي زعمه بأنها إذا طعنت في الطهر تبنيا وقوع الطلاق في الزمن الذي قبله، وهو آخر الحيض على خلاف ما قرره هو في الجواب، لأن المعلق عليه هو الحيضة، واشتراط الطعن في الطهر إنما هو لتحقق انقضاء الحيضة.
قوله: قال:- يعني: الشيخ- وإن كان له عبيد ونساء فقال: كلما طلقت امرأة فعبد حر، وإن طلقت امرأتين فعبدان حران، وإن طلقت ثلاثًا فثلاثة أعبد أحرار، وإن
طلقت أربعًا فأربعة أعبد أحرار، فطلق أربعة نسوة، عتق خمسة عشر عبدًا على ظاهر المذهب.
وقيل: عشرة.
وقيل: سبعة عشر، ثم قال: وما قاله- رحمه الله- إنما يجيء إذا كان المأتي به صيغة ((كلما)) في كل مرة، فإنها تقتضي التكرار وليس لغيرها هذا الوصف ... إلى آخره.
وما قاله من توقف هذا الحكم على الإتيان بـ ((كلما)) في كل مرة قد قاله أيضًا غيره وليس كذلك، بل إنما يشترط الإتيان بها في المرة الأولى والثانية فقط، ولا يشترط في الثالثة ولا في الرابعة، لعدم التكرار فيها وهذا واضح، وإذا اختبرته بالعمل اتضح لك.
قوله: ولو قال: أنت طالق في سلخ رمضان، ففيه أربعة أوجه:
أحدها: أنه يقع في آخر جزء من الشهر، وهذا ما أجاب به الشيخ أبو حامد، وهو المذكور في المهذب، والشامل ... إلى آخره.
وما نقله عن المهذب هنا غلط، فإن هذه المسألة التي حكى فيها الأوجه الأربعة، وهي مسألة الشيخ ليس لها ذكر فيه بالكلية، والتي فيه ما إذا قال في آخر الشهر، وقد جزم فيها بالوقوع في آخر جزء، وهذه المسألة أعني مسألة الآخر ليس فيها إلا ثلاثة أوجه: أصحها هذا.
والثاني يقع بأول النصف الأخير.
والثالث: بأول اليوم الأخير، وفي مسألة السلخ هذه الثلاثة، ووجه رابع كما ذكره المصنف: أنه يقع في أول الشهر، لأنه إذا مضى جزء فقد أخذ الشهر في الانسلاخ، ولا يصح أن يكون المراد التهذيب فتحرف بالمهذب، لأن المذكور في التهذيب في المسألتين هو الوقوع بأول اليوم الأخير.
قوله: وإن قال: كلما خرجت إلا بإذني فأنت طالق، فأي مرة خرجت بغير الإذن طلقت لأن ((كلما)) تقيد التكرار، فإذا أراد الخلاص من اليمين فليقل لها: أذنت لك أن تخرجي متى شئت.
انتهى كلامه.
وتعبيره في طريق الخلاص بقوله: متى سهو، وتوريط له لا تخليص، بل طريقه: أن يأتي بـ ((كلما))، لأنها للتكرار بخلاف ((متى)) و ((متى ما)) و ((أي وقت)) ونحوها، كذا ذكره الرافعي في كتاب الأيمان، وذكر نحوه أيضًا هاهنا ووافق عليه أيضًا المصنف، وقالوا: إن معناه التراخي.
باب الشك في الطلاق وطلاق المريض
قوله: وإذا طلق إحدى المرأتين بعينها فيجب عليه تبيينها، وإذا بين وجبت العدة من حين الطلاق، لأنه وقت وقوعه.
ثم قال ما نصه: وفي الذخائر حكاية وجه آخر عن الحاوي: أن الطلاق يقع من حين التبين، ونقل عنه أنه ليس بشيء.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الذخائر من حكاية الوجه عن الماوردي، وأقره عليه ليس له ذكر في الحاوي في هذا الباب، بل فيه الجزم بأنها من حين الطلاق، إلا أن نقل المصنف عن الذخائر صحيح.
قوله: وإن قال: إن كان هذا الطائر غرابًا فامرأتي طالق، وإن لم يكن غرابًا فعبدي حر، فطار ولم يعرف، فيتوقف عن التصرف فيهما حتى يعلم، وعليه نفقتهما إلى البيان.
وفي الرافعي حكاية وجه: أن العبد يؤجره الحاكم، وينفق عليه من أجرته، فإن فضل شيء، حفظه إلى أن يتبين الحال.
وفي الذخائر حكاية الخلاف فيما إذا أراد السيد أن ينفق عليهن، وأراد الإمام أن يكتسبن، وينفقن على أنفسهن من كسبهن، فأحد الوجهين تغليب قول السيد، والثاني تغليب قول الإمام، وذكرنا الإماء، لأنه صور المسألة فيهن.
انتهى كلامه.
واقتصاره في التعبير عن الوجه الأول بقوله: إذا أراد السيد أن ينفق عليهن، تعبير عجيب ناقص موهم أن المراد أنه دعي إلى مجرد النفقة دون الاستخدام ولاسيما تقريبه كون الرقيق أمة، وليس كذلك، بل المراد أنه دعي إليهما معًا كما صرح به غيره، ثم إن الوجهين المشار إليهما قد حكاهما الماوردي أيضًا، ومثل بالإماء، ومنه أخذ صاحب الذخائر، ولاشك في أن العبيد كذلك.
قوله: إذا طلق امرأته في مرض الموت طلاقًا بائنًا، لم ترثه في أصح القولين.
ثم قال: ولو طلق إحدى زوجتيه على الإبهام، ثم عين في مرض الموت فهل
يكون فارًا؟ فيه وجهان ينبنيان على أن الطلاق يقع من حين التعيين، أو من حين اللفظ، كذا حكاه مجلي عن الحلية، وأبدى الرافعي ذلك احتمالًا للبوشنجي.
انتهى كلامه.
وما ذكره من حكاية الرافعي لذلك احتمالًا ليس كذلك، بل جزم به كسائر المنقولات، فقال: قال إسماعيل البوشنجي يخرج على أن التعيين إلى آخر ما ذكر، هذه عبارته وذكر مثله في الروضة، والمراد بالحلية هنا حلية الشاشي، فإن ذلك مذكور فيها في كتاب الفرائض.
فاعلمه.
باب الرجعة
قوله: وله أن يطلقها ويظاهر منها، ويولي منها، قبل: أن يراجعها، لأن الزوجية باقية.
وفي الجيلي حكاية وجه أنه لا تلحقها الطلقة الثانية، وعزاه إلى البسيط.
ووجه آخر: أنه لا يصح الظهار والإيلاء، وبناه على عدم وقوع الطلقة الثانية والثالثة، وعزاه إلى تعليق أسعد، وأن في البسيط إشارة إليه، وقد تتبعت مظانه فيه فلم أجده ولا الأول.
والله أعلم.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا النقل عن الجيلي قد حصل فيه إسقاط، فإن الجيلي حكى وجهًا: أن الرجعية لا تلحقها الطلقة الثانية ولا الثالثة.
ثم قال: وقال الشيخ أبو علي: تقع الثالثة دون الثانية، لأن الثانية لا تفيد في حقها شيئًا بخلاف الطلقة الثالثة، فإنها تفيد البينونة الكبرى، ذكره في البسيط هذه عبارته.
الأمر الثاني: أن هذا الخلاف الذي أنكره المصنف قد ذكر الشافعي في ((الأم)) ما يوافقه، فقال عقب الكلام فيما شهدوا لزوج بين الطلاق ما نصه: ولم أعلم مخالفًا في أن أحكام الله- عز وجل- في الطلاق والظهار والإيلاء لا تقع إلا على زوجة ثابتة النكاح، يحل للزوج جماعها، وما يحل للزوج من امرأته، إلا أنه يحرم الجماع في الإحرام والحيض، وما أشبه ذلك حتى ينقضي، هذا لفظه بحروفه، وقد صرح صاحب البيان بحكاية الخلاف في الإيلاء بخصوصه، فقال في
باب الإيلاء
: وقال المسعودي: هل يصح إيلاؤه من الرجعية؟ فيه وجهان.
هذه عبارته، وقد نبه ابن الصلاح وغيره كما تقدم إيضاحه في باب القراض على أن صاحب البيان متى نقل عن المسعودي، فمراده به الفوراني، وقد راجعت نسختين من الإبانة، فوجدت فيهما الجزم بصحة الإيلاء من الرجعية، وهو يبطل ما ادعوه إلا أن يكون الغلط قد وقع في بعض أجزائه الإبانة دون البعض، فيستقيم، وأما الظهار منها فقد حكى صاحب البحر في أثناء الباب وجهًا عن بعض الأصحاب: أن الظهار
من الرجعية لا يصح إلا بعد الرجعة، وهو قريب مما حكاه الجيلي.
واعلم أن القول ببطلان الإيلاء قوي، لأن الزوجة محرمة عليه، وإيلاؤه إلى البينونة، والأصل عدم وجود المقتضي لحلها وهو الرجعة، ومناط صحة الإيلاء وهو إيذاء الزوجة بحلفه على الامتناع منتف هنا، فتعين بطلانه بالكلية، أو يقف على الرجعة، وهكذا القول في الظهار أيضًا.
والمراد بأسعد المتقدم ذكره هو: أبو الفتح أسعد بن أبي نصر الميهني- بميم مكسورة بعدها ياء بنقطتين من تحت، ثم هاء مفتوحة، ثم نون- وقد أوضحت حاله في كتاب الطبقات إيضاحًا تامًا لم أسبق إليه، ولله الحمد.
قوله: وفي الذخائر: أن الشاشي حكى عن ابن أبي العباس، أي: ابن سريج وجهًا: أن الرجعة تحصل بالوطء والمباشرة بشهوة والقبلة، سواء نوى بذلك الرجعة أو لم ينو.
انتهى.
وقد راجعت كتاب الشاشي الذي ينقل عنه المصنفون وهو الحلية، فلم أر ذلك فيه بالكلية، ثم راجعت كتابه الأكبر، وهو المعتمد، فلم أره فيه أيضًا.
قوله: وفصل القفال فيما إذا سبق الرجل بدعوى الرجعة، فقال: إن كان قول المرأة: قد انقضت عدتي متراخيًا عن قول الرجل، فالحكم كما تقدم، وإن كان متصلًا به فهي المصدقة بيمينها، لأنا نجعل إقراره بالمراجعة في زمن العدة، كإنشاء الرجعة في الحال إلى آخره.
ثم قال: قلت: وما قاله القفال من أن الإقرار بالرجعة كالإنشاء قد يمنع منه، كما سيأتي انتهى.
وما نقله عن القفال خاصة في تنزيله منزلة الإنشاء، واقتضى كلامه إنكاره، قد نص عليه الشافعي في ((الأم)) في باب التحالف عند الكلام على التحالف في القراض، فقال: إن دعوى الرجعة في زمن العدة رجعة.
باب الإيلاء
قوله: تنبيه: لو اقتصر الشيخ على قوله: ((كل من صح طلاقه وهو قادر على الوطء صح إيلاؤه))، وترك لفظ الزوج كما فعل في
باب الظهار
، لكان أولى، لأن لفظ الزوج يخرج الرجعية إذا قلنا: إن الطلاق الرجعى يقطع الزوجية.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أولوية الحذف ذهول، فإن الشيخ احترز به عن القاضي، فإنه يطلق على المولى عند امتناعه من الفيئة، ومع ذلك لا يصح إيلاؤه.
قوله: وإن قال: والله لا أنيكك، أو لا أغيب ذكرى في فرجك، أو لا أفتضك وهي بكر فهو مول.
ثم قال: وفي المهذب تقييد النيك بالفرج، وحكاية الوجهين في مسألة الافتضاض من غير أن يقال بذكرى.
انتهى كلامه.
وما حكاه- رحمه الله- عن المهذب من كونه قيد النيك بالفرج غلط، فإنه جعله موليًا ولم يقيده بذكر ولا فرج، فقال:
فصل: وإن قال: والله لا أنيكك أو لا أغيب ذكري في فرجك أو لا أفتضك بذكر وهي بكر، فهو مول في الظاهر والباطن، لأنه صريح في الوطء في الفرج هذا لفظه وقد ظهر لك منه أن المقيد بالفرج إنما هو تغييب الذكر، والمقيد بالذكر إنما هو الافتضاض، وكلاهما واضح.
باب الظهار
قوله: والعود هو: أن يمسكها بعد الظهار زمانًا يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق، ثم قال ما نصه: وهذا هو الجديد، وفي القديم حكاية قول على ما حكاه الشيخ أبو حاتم القزويني: أن العود هو الوطء.
قال الإمام: وهو إن صح فهو حكم المرجوع عنه.
انتهى كلامه.
قال الإمام: وهو إن صح فهو حكم المرجوع عنه.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن القزويني غلط، سببه إسقاط يعلم من كلام الرافعي، فإن الرافعي قد قال في شرح الكبير ما نصه: فلتعلم قول الوجيز بالواو، لأن الشيخ أبا حاتم القزويني حكى عن القديم قولًا: أن العود هو العزم على الوطء، ونقل الإمام وغيره عن القديم: أن العود هو الوطء، هذا لفظه.
ومنه أخذ المصنف بلا شك، فسقط من العود إلى العود، إما لانتقال نظره أو لغلط في نسخته.
قوله: وإن بقي من اللعان الكلمة الخامسة فظاهر منها، ثم أتى بالكلمة، لم يصر عائدًا وهذا متفق عليه، لأنه والحالة هذه فارقتها بكلمة واحدة، فكان كما لو طلقها.
وفي الجيلي: أنه قد قيل: يطرد الخلاف فيه أيضًا وهو بعيد.
انتهى كلامه.
وهو يقتصر أنه لا خلاف في المسألة إلا هذا النقل الذي لا يعتمد وليس كذلك، فإن الفوراني في الإبانة قد حكى فيه هذا الخلاف الذي حكاه الجيلي.
قوله: وإن ظاهر منها ظهارًا مؤقتًا فأمسكها زمانًا يمكن فيه الطلاق، فقد قيل: يصير عائدًا، وقيل: لا يصير عائدًا إلا بالوطء، وهو الصحيح وظاهر النص، وعلى هذا هل يحصل العود عند الوطء أو بالوطء نتبين أنه صار عائدًا من وقت الإمساك؟ وجهان أشبههما في الرافعي الأول، وعلى ذلك ينبني حل الوطء.
فإن قلنا بالثاني كان الوطء حرامًا، كما لو قال لزوجته: إن وطئتك فأنت طالق قبله.
وإن قلنا بالأول كان له الوطء، لكن يجب عليه إذا غيب الحشفة أن ينزع، كما ذكرنا فيما إ ذا قال: إن وطئتك فأنت طالق.
قال الإمام وقد ذكرنا هناك وجهًا: أنه لا يحل الوطء ولا شك في خروجه هنا.
قلت: وفي ذلك نظر، لأن من قال به ممن صور المسألة بما إذا كانت اليمين
بالطلاق الثلاث، لأن الوطء يستعقب النزع [وهو حرام] ولا سبيل إلى حصوله في حالة الإباحة فيمنع من الابتداء لأجل ذلك.
وهنا أي: في الظهار يمكن النزع في حالة هي حلال له، بأن يعلق العتق عن كفارته بالجماع، أو ينجزه عقيب تغييب الحشفة فينتفي المحذور وهو بمثابة ما أبديته فيما إذا كانت اليمين بطلاق رجعي، أي: من قدرته على رجعتها عند تمام الإيلاج.
انتهى كلامه.
وما ذكره من تصوير القائلين بالتحريم في الطلاق البائن دون الرجعي، قد أشار إليه أيضًا في باب الإيلاء، وهو غلط قبيح وذهول عجيب، فإن الخلاف مصور في كتب الأصحاب بالطلاق البائن والرجعي معًا، حتى في الشرحين للرافعي والروضة للنووي ولهذا قال صاحب التنبيه: وإن كانت اليمين بالطلاق الثلاث طلقت ثلاثًا، وقيل: إن كانت اليمين بالطلاق لم يجامع، فأطلق تحريم الجماع بعد أن قدم التقييد بالثلاث لغرض آخر.
قوله: وإن أعتق نصف عبدين وهو معسر فقد قيل: يجزئه، لأن الأشقاص تنزل منزلة الأشخاص في الزكاة، كما إذا ملك نصف ثمانين شاة ونصفها الآخر لذمي، فإنه يلزمه ما يلزمه لو ملك أربعين شاة.
وقيل: لا يجزئ، لأنه مأمور بإعتاق رقبة، ونصفا رقبة ليسا برقبة.
وقيل: إن كان الباقي حرًا أجزأه لحصول الاستقلال بالتصرف، وإن كان رقيقًا لم يجزه، وهو الأظهر في الرافعي والروضة.
ثم قال: فإن قيل ما ذكرتم، أي في تعليل الأول موجود في الأضحية، وقد جزمتم بعدم الإجزاء.
قلنا: فرق الأصحاب بينهما بأن التشقيص عيب، ومطلق العيب يمنع الإجزاء في الأضحية ولا كذلك هنا، وهذا الفرق قد يمنع، فإن الأضحية- أيضًا- لا تمنع من الإجزاء فيها إلا ما ينقص اللحم.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من جزم الأصحاب في الأضحية بعدم الإجزاء ليس كذلك، فقد جزم الجرجاني في المعاياة بجوازه في الأضحية بعدم الإجزاء ليس كذلك، فقد جزم الجرجاني في المعاياة بجوازه في الأضحية مع حكايته للخلاف في الرقبة على عكس ما ذكره المصنف، ذكر ذلك في كتاب الزكاة، فقال: مسألة: لا يجوز إخراج نصفين من شاتين عن شاة في الزكاة في أصح الوجهين، ويجوز مثله في
الهدي والأضحية وكفارات الحج، والفرق أن المقصود منها اللحم، فكان الأشقاص فيها كالأشخاص، وفي الزكاة بخلافه.
وأما إخراج نصفي رقبتين في الكفارة فإن كان باقيهما حرًّا جاز، وإن كان الباقي رقيقًا فإنه يجوز أيضًا في أصح الوجهين.
هذا لفظه، ثم قد حكى المصنف الخلاف في إجزاء التضحية بذلك في كتاب الزكاة قبيل باب صدقة المواشي، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من أن نصفي رقبة ليس برقبة غلط في التعبير، بل هو رقبة بلا شك، والصواب أن يقول: نصف رقبتين.
قوله: وفي تعليق القاضي الحسين: أن الشافعي- رضي الله عنه- نص على إجزاء أنصاف الرقاب عن الكفارة، فقال: ولو أعتق رقبتين عن كفارتي ظهار أو ظهار وقتل أجزأه، ويقع نصف عن هذا ونصف عن ذاك، لأن الجملة إذا قوبلت بالجملة يتوزع آحادها على آحادها.
ثم قال: وقد حصل لك بما ذكرناه أن هذه المسألة التي وجد فيها النصف، لم يختلف أحد من أصحابنا في حصول الإجزاء فيها، وقد صرح بذلك ابن الصباغ.
وفي الرافعي: أن الإمام ذكر أن منهم من أثبت خلافًا فيها.
والذي رأيته في النهاية في هذا الموضع إجراء الخلاف فيما إذا أعتق نصف عبدين خالصين له عن كفارة واحدة، وجعله بمنزلة ما إذا أعتق نصفين من عبدين باقيهما حر دون ما عداه.
انتهى كلامه.
اعلم أن الرافعي قد صور مسألة النص بما إذا أعتق العبدين عن الكفارتين، وصرح المعتق بالتشقيص، فقال: عن كل كفارة نصفًا من هذا ونصفًا من هذا، وحكى فيها خلافًا عن النهاية والبسيط، وقد رأيت التصوير وحكاية الخلاف المذكورين في النهاية والبسيط مطابقًا لما نقله عنهما الرافعي، ولم يصرح المصنف بهذا التصوير، بل صور مسألة النص بما إذا أعتق العبدين عن الكفارتين، ولم يرد على ذلك، والرافعي لم يذكر هذه المسألة، وإنما ذكرها الإمام وجزم فيها بالصحة.
ثم قال: واختلف أصحابنا في كيفية الوقوع، فمنهم من قال: يقع عن كل كفارة عتق عبد، ومنهم من قال: يقع عن كل واحد نصفا العبدين.
ثم ضعف الثاني.
إذا علمت ذلك، فإن كان التصوير الذي ذكره المصنف للنص مثل التصوير الذي ذكره الرافعي له، فالخلاف الذي حكاه- أعني: الرافعي- عن الإمام صحيح، وإنكار
المصنف له غلط عجيب، فإن الإمام قد ذكره عقب الموضع الذي نقله عنه المصنف بأسطر، وذلك قبيل فصل أوله:
قال: ولو أعتقه على أن يجعل، وإن كان- أعني: التصوير- مغايرًا له كان نقله عن الرافعي حكاية الخلاف فيه غلطًا، كما قدمناه، على أن الرافعي قد حصل له أيضًا في المسألة غلط، نبهت عليه في كتاب المهمات.
قوله: والفرق أن الكفارة لها بدل، ولأجل هذا الفرق كان المسكن والخادم يباعان في الحج على المشهور، ولا يباعان هنا.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كون المشهور هو البيع في الحج غلط، سببه اشتباه الكلام عليه لمعنى يطول ذكره بل الأكثرون على عدم البيع، وقد صرح هو به في كتاب الحج وسبق ذكر لفظه هناك فراجعه.
باب اللعان
قوله: وإن انتفى عن ولدها وقال: وطئك فلان بشبهة، أي: وصدقه فلان وادعى الولد، عرض على القائف ولم يلاعن لنفيه، لأن له طريقًا آخر ينقطع به النسب وهو العرض على القائف وإلحاقه بفلان، وإنما يصار إلى نفي النسب باللعان إذا لم يكن للإسقاط طريق آخر، ألا ترى أن ولد الأمة لا ينتفي باللعان على الأصح، لإمكان نفيه بدعوى الاستبراء.
ثم قال: فإن ألحقه القائف بفلان لحقه، وإن ألحقه بالزوج فله إذ ذاك أن يلاعن.
انتهى كلامه.
وما ذكره آخرًا من لعان الزوج عند إلحاق القائف الولد به، قد جزم الرافعي بخلافه وعلله بأنه كان يمكن ألا يلحقه القائف به، واللعان إنما شرع حيث لا طريق سواه، نعم، جزم الروياني في البحر بما قاله المصنف، فكأنه أخذه منه، ولم يقف الرافعي، وإنما ذكرت هذه المسألة لئلا يظن من لا اطلاع له أن ما قاله سهو، لا قائل به.
قائل: فإذا بلغ الرجل إلى لفظ اللعنة أو المرأة للغضب، استحب للحاكم أن يقول: إنها أي اللفظة الخامسة موجبة للعذاب، أي: في الدنيا، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.
انتهى كلامه.
وما ذكره من تفسير العذاب بعذاب الدنيا غير مستقيم.
فإن المراد بالعذاب الدينوي إنما هو الحد، وذلك إنا يتصور من الزوج خاصة، فإنه إذا أتى بالكلمة الخامسة وجب الحد على المرأة، وأما الكلمة الخامسة من المرأة فلا توجب حدًا بل تسقطه، وحينئذ فلا يصح تفسير كلام الشيخ بالعذاب الدنيوي، لأنه جعل الخامسة من كلامهما موجبة لذلك، والصواب ما قاله الشيخ محيي الدين في تعليقته على التنبيه: أن المراد به إنما هو العذاب في الآخرة.
قوله: في حديث المعراج أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى نسوة معلقات بثديهن ... إلى أن قال: يأكل حرايبهم وينظر على عوراتهم، والحرائب جمع الحريبة وهو المال النفيس انتهى.
الثدي- بضم الثاء المثلثة كسر الدال وتشديد الياء- جمع ثدي- بفتح الثاء.
والحريبة بالحاء والراء المهملتين وبالياء بنقطتين من تحت بعدها باء موحدة، وقد فسره المصنف بما سبق.
قوله: وإن كانا ذميين لاعن بينهما في المواضع التي يعظمونها، فيلاعن بين اليهوديين في الكنيسة، وبين النصرانيين في البيعة، وبين المجوس في بيت النار.
انتهى.
والذي ذكره الجوهري أن الكنيسة والبيعة للنصارى، وأن الصلوات لليهود وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ [الحج:40]، ولم يتعرض في الكشاف في سورة الحج للكنيسة، وقال: إن البيعة لليهود، والصوات للنصارى، ونقل النووي في تهذيب الأسماء واللغات عن الجوهري: أن الكنيسة للنصارى، ولم يذكر البيعة.
قوله: وإن تلاعنا ثم قذفها أجنبي حد، أي: سواء كانت بتلك الزنية التي قذفها الزوج بها أو غيرها، لما روى الترمذي عن ابن عباس: أنه - صلى الله عليه وسلم - لاعن بين هلال وامرأته، وقضي ألا يدعى ولدها لأب، ولا ترمى ولا يرمي ولدها، فمن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد.
انتهى.
هذا الحديث رواه أبو داود ولم يروه الترمذي.
نعم، ذكر أن ابن عباس ممن روى اللعان من حيث هو، فإنه قال: وفي الباب عن ابن عباس، وسهل بن سعد الساعدي.
باب ما يلحق من النسب وما لا يلحق
قوله: ولو لم يحصل العلم بأن الولد ليس منه، بل غلب على ظنه ذلك، كما إذا أتت به بعد الوطء والاستبراء بستة أشهر أو أكثر إلى أربع سنين، فقد حكى الإمام في المسألة ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يباح له النفي.
والثاني: حكاه عن العراقيين أنه إن رأى بعد الاستبراء مخيلة الزنى التي تسلط على القذف أو تيقن الزنا جاز، بل وجب، وإن لم ير شيئًا فلا يجوز له.
والثالث: يجوز النفي، سواء وجدت مخيلة الزنى أو لم توجد، ولا يجب بحال لمكان التردد.
قال الرافعي: وكلام أصحابنا العراقيين يوافق الأول.
قلت كلام البندنيجي والمحاملي وابن الصباغ يوافق الثاني، وهو الذي حكاه الإمام عنهم.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه الأوجه متداخلة، فإن الثالث هو الأول بعينه، وقد صرح الإمام والرافعي بأن القائل بالأول يقول: يجوز ولا يجب، بل الأولى أن يشير على نفسه والإمام- رحمه الله- لم يحك الوجه هكذا، فإنه ذكرها في أوائل الباب، وقال فيها وجهان صريحان وفي كلام الأئمة ما يدل فحواه على ثلاثة، أحدها يجوز مطلقًا ولا يجب.
والثاني: قاله العراقيون إن لم ير مخيلة فلا يجب، بل لا يجوز، وإن رآها وجب، ثم قال مستدركًا على العراقيين ما نصه: وإيجاب النفي قد لا يتجه مع إمكان العلوق من الروح، وهذا هو المسلك الثالث.
هذه عبارته، فعلمنا أن الثالث الذي استخرجه من فحوى كلامهم: أنه إن لم ير مخيلة فلا يجوز، وإن رآها جاز، ولكن لا يجب كما يقوله العراقيون، ولا شك أن في كلام الإمام هنا غموضًا، فلذلك حصل هذا الوهم فيه للغزالي في البسيط، والرافعي في الشرحين الكبير والصغير، والنووي في الروضة
والمصنف.
نعم، تفطن في المطلب للتكرار، ولم يتفطن إلى الثالث الذي خفي استخراجه عن هؤلاء الئمة، ومن الله- تعالى- بمعرفته، وما أحسن قول القائل: اعرفوا الرجال بالحق ولا تعرفوا الحق بالرجال.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد وقع فيه نسبة الجواز إلى العراقيين، وهو غلط كما نبه عليه المصنف، إلا أن هذا الغلط سببه إسقاط واحدة وهي الثاني، ويدل عليه كلام الرافعي عقبه، كما أوضحته في المهمات فراجعه، إلا أن هذه اللفظة قد سقطت من النسخة التي هي بخط الرافعي، ولأجل ذلك إنما لما لخص الشرح الصغير منه وقع ذلك فيه أيضًا على جه لا يقبل التأويل، فإنه نسي محله وتصرف في العبارة.
قوله: ولو كان بين الولدين ستة أشهر فصاعدًا لم يلحقه أحدهما بإقراره بالآخر، لكن ينظر إن نفى الأول باللعان كان له نفي الثاني- أيضًا- باللعان، ولا ينتفي بدونه، لأنها وإن بانت باللعان كان احتمال وطئه لها بعد وضع الأول ممكنًا، فيجوز أن تكون قد علقت قبل اللعان، ويكون حائلًا حال حصول البينونة.
وفي المهذب: أن الثاني ينتفي بغير لعان، لأنها علقت به بعد زوال الفراش.
قال الرافعي: وليس هذا وجهًا آخر بل الأشبه أنه سهو، والتوجيه الذي ذكره ممنوع.
انتهى كلامه.
وما ذكره الرافعي واقتضى كلام المصنف الموافقة عليه، قد تابعه عله- أيضًا- في الروضة وهو غريب، فإن الذي ذكره في المهذب قد جزم به قبله شيخه القاضي أبو الطيب في التعليق وبسطه وأطال الاستدلال عليه، ذكره في أثناء أبواب اللعان في باب ما يكون قذفًا وما لا يكون بعد ورقتين من أوله، وقد بسطت ذلك في المهمات، فيراجع