كتاب الحدود
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الإِسْنَوي
- الكتاب
- الهداية إلى أوهام الكفاية
- المؤلف
- عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 772هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمي، مطبوع بخاتمة (كفاية النبيه) لابن الرفعةسنة النشر: 2009
- عدد الأجزاء
- 1 (هو الجزء الـ 20 من مطبوعة كفاية النبيه) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
باب حد الزنى
قوله: وقال الغزالي: إنه عبارة عن إيلاج فرج في فرج، أي: من غير حائل، محرم قطعًا، مشتهى طبعًا إذا انتفت عنه الشبهة.
قال الرافعي: وفي قوله: ((محرم قطعًا)) غنية عن قوله: ((إذا انتفت الشبهة عنه))، وفيه نظر، لأن المراد بكونه محرمًا قطعًا أن يكون لا خلاف فيه، وذلك قد يوجد مع وجود الشبهة، كما إذا وطئ الجارية المشتركة بينه وبين غيره وأخته المملوكة.
انتهى كلامه.
وهذا النقل المذكور عن الرافعي سهو، وكذلك ما ترتب عليه من البحث الذي باحثه فيه المصنف، فإن الرافعي إنما ذكر العكس، فقال: في قوله: ((إذا انتفت عنه الشبهة)) غنية عن قوله: ((محرم قطعًا)).
باب حد القذف
قوله: وإن وطئ بشبهة لا توجب الحد، كمن وطئ في نكاح بلا ولي ولا شهود، فقذفه قاذف، ففي حده وجهان.
انتهى.
وما ذكره من عدم الوجوب على من وطئ في نكاح بلا ولي ولا شهود سهو، تبع فيه ظاهر عبارة التنبيه في باب حد الزنى، والمنقول فيه عندنا وجوب الحد، وإنما لا يجب عند انتفاء أحدهما خاصة، فأبو حنيفة يجوزه بلا ولي، ومالك بلا شهود.
قوله: واعلم أن الرافعي عد قوله يا لوطي من كنايات القذف، وكذلك القاضي أبو الطيب والشيخ في المهذب.
وقال ابن الصباغ: فيه نظر، لأنه يستعمل في الرمي بالفاحشة، فلا ينبغي أن يقبل قوله: إني أردت به أني على دينهم، بل يكون قذفًا، وقد حكاه صاحب الكافي وجهًا مع جزمه بأنه عند الإطلاق يكون كقوله: يا زاني على أن في بعض النسخ بدل قوله يا لوطي يا لائط، والظاهر أنها الصحيحة، ولذلك لم يتعرض النووي للكلام عليها.
انتهى كلامه.
وما استدل به- رحمه الله- على تصحيح هذه النسخة من أن النووي لم يتعرض لها غلط عجيب، فقد تعض لذلك، واستدرك على الشيخ، وصوب أنه كناية، فقال: ما نصه: والصواب أن قوله للرجل والمرأة: يا لوطي كناية، هذا لفظه في التصحيح، وتصويبه غريب، فإن في الروضة من زياداته أيضًا في أول كتاب اللعان: أن الصواب الجزم بأنه صريح على عكس ما في التصحيح هنا.
واعلم أن هذا النقل المذكور عن الكافي صحيح، والمراد كافي الخوارزمي ذكره في باب حد القذف، لكنه خالفه في أبواب اللعان، فتفطن له.
تنبيه: ذكر في الباب ألفاظًا، منها:
حمنة بنت جحش- سبقت في الحيض.
ومنها: مسطح بن أثاثة- وهو بميم مكسورة وسين ساكنة وطاء مفتوحة وحاء مهملات.
وأثاثة: بهمزة مضمومة وثائين مثلثتين بينهما ألف.
باب حد قاطع الطريق
قوله: فإن مات قبل أن يقدر عليه سقط انحتام القتل والصلب، وقطع الرجل.
وقيل: يسقط قطع اليد، وصححه الرافعي.
ثم قال: وقيل: لا يسقط، أي: بنفس التوبة، لأن القطع ليس من أحكام المحاربة، بل هو من أحكام المحاربة، بل هو من أحكام أخذ المال على وجه يتعذر الاحتراز منه، ولذلك اعتبرنا فيه أخذ النصاب، والحرز كالسرقة، وهذا قول أبي إسحاق، واختاره الشيخ أبو حامد، كما قاله البندنيجي وتبعه النووي.
انتهى كلامه.
والذي صححه النووي في الروضة والمنهاج وتصحيح التنبيه، وغيرهما السقوط كما صححه الرافعي وهذا الخلاف ينبني على أن قطع اليد والحالة هذه، هل هو مما يختص بالمحاربة؟ فيه خلاف، والأصح كما قال الرافعي: نعم، على خلاف ما جزم به المصنف في التعليل، فاعلمه.
باب حد الشرب
قوله: والمنصوص أنه لا يجوز ضرب الشارب بالسياط، بل بالأيدي والنعال ونحوهما، فإن ضربه بالسوط فمات، فقد قيل: يضمن بقدر ما زاد على ألم النعال.
وقيل: يضمن جميع الدية.
ثم قال: وقد حكى المارودي، والقاضي أبو الطيب والبندنيجي وجهًا بدل الأول: أنه يضمن نصف الدية، لأنه مات من مضمون وغير مضمون، وحكاه الرافعي في كتاب ((موجبات الضمان)) عن حكاية ابن المرزبان وغيره، وهذا ما اختاره النووي، وقال الإمام: إنه الذي ذهب إليه أهل التحقيق، وفي الحاوي في آخر الفصل أنه الظاهر من مذهبه.
انتهى كلامه.
وهذا النقل المذكور هنا عن النووي والإمام غلط، فإن الذي صححه في الروضة وتصحيح التنبيه وغيرهما إنما هو الوجه الثاني، وهو ضمان كل الدية، والمسألة في الروضة محلها بعد هذا الباب في كتاب موجبات الضمان، وأما الإمام فقال في أوائل هذا الباب- يعني: حد الخمر-: ولو جلد الإمام الشارب أربعين سوطًا فمات، ففي الضمان قولان.
ثم قال ما نصه: فإن أوجبناه، فالذي ذهب إليه أهل التحقيق: أنا نوجب عليه الضمان بكماله.
باب التعزير
قوله:- يعني الشيخ- بهذه الأمثلة: إن التعزير يجب في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة.
انتهى كلامه.
وقد علم منه أنه إن كان في المعصية حد أو كفارة، فلا تعزير فيها، لكنه يستنثى منه الجماع في نهار رمضان، فإنه يجب فيه التعزير مع الكفارة بالإجماع، كذا رأيته في ((شرح السنة)) للبغوي في الكلام على حديث الأعرابي الذي جامع في نهار رمضان، وعبر بقوله: أجمعت عليه الأمة وجزم به أيضًا ابن يونس صاحب ((التعجيز)) في شرح له، ورأيت للرافعي في شرح مسند الإمام الشافعي في الكلام على الحديث المذكور ما يقتضيه أيضًا، فإنه قال: واستدل بعضهم بهذا الحديث على أنه يجوز للإمام ترك التعزير إذا رآه، ووهم المصنف فذكر في كتاب الصيام ما حاصله أن التعزير لا يجب، وقد نبهت هناك على غلطه تنبيهًا مختصرًا، وأحلت إيضاحه على المذكور في هذا الباب، ومما يستثنى- أيضًا- جماع الزوجة حائضًا، وقلنا بوجوب الكفارة، فإنه يوجب- أيضًا- التعزير بلا خلاف، كما صرح به بعض الأصحاب، وقد ذكر الشيخ عز الدين في ((القواعد الكبرى)) مسألة لابد من استثنائها أيضًا، فقال: ولو رفعت صغائر الأولياء إلى الأئمة والحكام، لم يجز تعزيرهم عليها، بل تقال عثرتهم وتستر زلتهم، قال: وقد جهل أكثر الناس فزعموا أن الولاية تسقط بالصغيرة، ذكر ذلك في أوائل الفصل المعقود لبيان التسميع في العبادات، وهو نحو ثلث الكتاب، فإن قيل: يستثنى أيضًا يمين الغموس، فإن فيها الكفارة والتعزير، كما جزم به في ((المهذب))، وكذلك قتل المسلم إذا لم نوجب القود، كما إذا قتل الوالد ولده أو الحر العبد، فإن فيه التعزير، وإن كان فيه كفارة، كما نص عليه الشافعي في ((الأم))، وصرح به عنه ابن الصباغ في ((الشامل)).
وغيره.
قلنا: أما الأول فالجواب عنه ما قاله الشيخ تقي الدين بن الصلاح في فتاويه، والشيخ عز الدين في ((القواعد)) أن في يمين الغموس جهتين، إحداهما الكذب، والأخرى انتهاكه للاسم المعظم، حيث أكد به الكذب، فالتعزير للكذب والكفارة للانتهاك.
وأما الثاني: وهو القتل، فالجواب عنه أن الكفارة في المسألة المذكورة في مقابلة تفويت النفس المؤمنة، وليست في مقابلة معصية، حيث أقدم على القتل بدليل إيجابها في قتل الخطأ، وإذا لم يكن في مقابلة المعصية، فيشرع التعزير زجرًا للإقدام عليها.
قوله: ويجوز التعزير بالحبس.
ثم قال: ومدة الحبس إذا رآه هل تتقدر؟ قال أبو عبد الله الزبيري من أصحابنا: نعم تتقدر بشهر للاستبراء والكشف، وبستة أشهر للتأديب والتقويم، وغيره لم يقدرها.
انتهى كلامه.
وما ذكره- رحمه الله- من أن غير الزبيري لم يقدرها ليس كذل، فإن الشافعي قد صرح بتقديرها بما دون السنة، فقال في ((الأم)) في باب من لا قصاص بينهم لاختلاف الدين ما نصه: قال الشافعي: وإذا قتل المؤمن الكافر عزر، ولا يبلغ في تعزيره في قتل ولا غيره حدًا، ولا يبلغ بحبسه سنة، ولكن حبس يتنكر به وهو ضرب من التعزير، هذا لفظه بحروفه، ومن ((الأم)) نقلته، وهي فائدة جليلة، وحكمها متجه منقاس، فإن الشارع جعل تغريب السنة واجبًا في حد الزنى، والحبس في معناه وأشد منه، فوجب أن يكون التعزير به ناقصًا عنه على قياس سائر التعازير، وعذر المصنف وغيره من الأصحاب ممن تنشط فيطالع ((الأم)) في عدم وقوفهم على هذا النص كونه مذكورًا في غير مظنته، وقد ذكر المصنف في باب قطع الطريق أنه إذا وقع قبل أن يأخذ المال، عزر بالحبس أو بغيره.
ثم قال: وفي تقدير الحبس وجهان:
أحدهما: لا، بل يعتبر فيه ظهور التوب.
والثاني: نعم، لأنه قد أقيم في الحرابة مقام الحد، وعلى هذا فقال الزبيري: يتقدر بستة أشهر كيلا تزيد على تغريب الزنى في حق العبد.
وقال ابن سريجة: يقدر بسنة.
قوله: ويجوز للإمام النفي في التعزير، كما قاله الماوردي، وأن ظاهر مذهب الشافعي- رضي الله عنه- أن مدته مقدرة بما دون السنة ولو بيوم، كي لا يصير مساويًا للتغريب، وكذا صرح به في ((الإشراف)) عن قول الشافعي، وقد أشار الإمام إلى تضعيف هذا القول في ((الغياثي)) وإن لم يحكه، بأن التغريب بعض الحد، فلو غرب في التعزير مدة سنة لم نكن قد بلغنا به الحد.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن ((الإشراف)) و ((الغياثي)) غلط، فإنهما لم يذكرا ذلك في النفي،
وإنما ذكراه في المسألة التي قبلها وهي الحبس، فإن الهروي في ((الإشراف)).
قال: مسألة التعزير ليس بوجب، بل للإمام فعله، إن رأى الصلاح في الضرب ضرب، ولا يبلغه مقدار الحد، وإن رأى الصلاح في الحبس، ولا يبلغه سنة، فإن كان مثله يتعظ إذا وعظ اقتصر عليه.
وهذا قول الشافعي في جميع أنواعه، هذا لفظه، وهو قريب من أواخر الكتاب.
وأما إمام الحرمين في ((الغياثي))، فإنه قال في الباب الثامن فيما يناط بالأئمة بعد نحو كراس من أوله ما نصه: وليس الحبس ثابتًا في حد حتى يحط التقصير عنه، ويسوغ للقاضي أن يحبس في درهم أمدًا بعيدًا إلى اتفاق القضاء أو الإبراء وقد منع بعض الفقهاء تبليغ مدة الحبس في العزير سنة نظرًا إلى مدة التغريب في حد الزنى، وهذا فاسد عندي لما قدمناه ذكره، وليس التغريب حدًا كاملًا فينقص عنه تعزير، وإنما هو جزء من حد، فيتفطن لذلك الناظر.
هذا لفظه بحروفه وقد نقلته من نسخته صحيحة كتب عليها الشيخ ((تقي الدين بن الصلاح)) أنها بخط تلميذ المصنف الشيخ ((عبد الجبار الخواري البيهقي))، وقد ظهر لك مما نقلناه غلط المصنف من المسألة الأولى إلى الثانية، وما قاله الإمام في ((الغياثي)) قد تقدم جوابه في المسألة السابقة.
وإنما قال ما قال لعدم علمه بمن قال.
باب أدب السلطان
قوله: وجعل الأمر شورى بعده بين اثنين فصاعدًا إلى عدد محصور كالاستخلاف، إلا أن المستخلف غير متعين، فيتشاورون ويتفقون على أحدهم، جعل عمر- رضي الله عنه- الأمر شورى في ستة، فقال: هذا الأمر إلى علي وبإزائه الزبير، وإلى عثمان وبإزائه عبد الرحمن بن عوف، وإلى طلحة وبإزائه أبو عبيدة بن الجراح، فلما جلسوا للشورى بعد موت عمر، قال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: جعلت أمري إلى علي، وقال طلحة: جعلت أمري إلى عثمان، وقال أبو عبيدة: جعلت أمري إلى عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: أيكم يبرأ من هذا الأمر ويجعله إليه؟ فلم يجبه أحد، فقال عبد الرحمن: أتجعلوها إلى وأخرج منها نفسي، والله شهيد؟ فقالا: نعم، فقال: قد فعلت، ثم بعد ذلك بايع عثمان.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن أبا عبيدة من أهل الشورى وقع في تعليقة القاضي الحسين، فقلده فيه المصنف، وهو غلط عجيب، فإن أبا عبيدة قد مات قبل ذلك في خلافة عمر سنة ثماني عشرة في طاعون عمواس، وهي قرية بالشام بين الرملة وبيت المقدس ودفن بغور نيسان، ولهذا قال عمر: لو كان أبو عبيدة حيًا ما عدلت بها عنه، وقد ذكر البخاري القصة، وذكر سعد بن أبي وقاص عوضًا عن أبي عبيدة، وكان سعد أحد العشرة حيًا أيضًا، إلا أن عمر لم يدخله فيهم، لكونه ابن عمه.