الهداية إلى أوهام الكفايةصفحات 374-413
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 374-413
عن هذه الطبعة
عَلَم
الإِسْنَوي
الكتاب
الهداية إلى أوهام الكفاية
المؤلف
عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 772هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمي، مطبوع بخاتمة (كفاية النبيه) لابن الرفعةسنة النشر: 2009
عدد الأجزاء
1 (هو الجزء الـ 20 من مطبوعة كفاية النبيه) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

القاضي: العتيق الذي تغير لا يدخل فيه، لأنه معيب، وليس كل عتيق متغيرًا.
هذا لفظه.
قوله: أما إذا لم يكن فيه- أي في المخيض- ماء بل مخض اللبن لا غير جاز السلم فيه إذا وصفه بالحموضة، قاله الرافعي.
وفي ((الحاوي)): أن السلم في اللبن الحامض لا يجوز.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ظاهر كلامه يقتضي أن الرافعي يقول باشتراك وصفه بالحموضة، وليس كذلك، بل إنما ذكر أن وصف اللبن به لا يضر، فقال: وحينئذ فوصفه بالحموضة لا يضر، لأن الحموضة مقصورة فيه.
هذا لفظه.
الثاني: ما نقله عن ((الحاوي)) يقتضي أنه في المسألة بحالها، وأنه وجه مخالف لما يقول الرافعي، وهو غلط، فإن ما قاله الماوردي في اللبن- من حيث قد صرح الرافعي قبل هذا بقليل- بموافقة ما قاله فيه، وجزم به فقال: بل لو أسلم في اللبن الحامض لم يجز، لأن الحموضة عيب.
هذا لفظ الرافعي.
قوله: وعليه يدل نص الشافعي فيما إذا أصدقها ملء هذه الجرة، خلا أنه لا يجوز، لأنها قد تنكسر، والسلم الحال هل يلحق بالبيع أو بالسلم المؤجل؟ فيه وجهان، اختيار الشيخ أبي حامد منهما: أنه كالمؤجل.
انتهى.
وهذا الكلام معكوس، والصواب: أن يقدم لفظ ((وعليه يدل)) على لفظ: ((كالمؤجل))، وهو المذكور في ((الرافعي)).
قوله: وفي ((الحاوي)): أنه لو أسلم إليه في جارية بصفة، فأتاه بها على تلك الصفة وهي زوجته- لم يلزمه قبولها، لأنه لو قبلها بطل نكاحه، وكذلك المرأة إذا أسلمت في عبد.
ثم قال: فإن قيل: ما ذكره من عدم وجوب قبول الزوج والزوجة، ليس لما يلحقه من الضرر بفسخ النكاح، بل لأن الزواج عيب، والمسلم فيه لا يجب قبوله معيبا.
قلت: لما كان القبض يرفع النكاح قدر عدمه وإن كان عيبًا ... إلى آخره.
وهذا التكلف الذي قاله في تصوير المسألة لا حاجة إليه، بل يتصور بما إذا شرط أنه ذو زوجة، أو أنها ذات زوج، فإنه يصح السلم كما نقله الرافعي عن الصيمري، وأقره، غير أن ابن الرفعة لم يستحضر هذا الحكم، ولهذا لم يتعرض له في ((الكفاية)) بالكلية.
تنبيه: قال: إذا أسلم في الرطب لم يقبل منه مشدخا، قال الشافعي: ولا محلقنا وهو

ما ذهب بعضها بأكل أو غيره.
اعلم أن ((المشدخ)) - بالخاء والشين المعجمتين، بينهما دال مهملة- هو البسر يغمر حتى يتكسر، مأخوذ من ((الشدخ)) وهو كسر الشيء الذي له جوف كالرأس، وهذا النوع هو المسمى في مصر بالمعمول.
وأما قوله: ولا محلقنًا، فقال الجوهري: المحلقن- بالحاء المهملة- والقاف المكسورة، والنون- هو البسر إذا ترطب الثلثان منه، واحدة: محلقنة.
قال: وكذلك: ((الحلقان)) و ((الحلقانة)) بالضم.
إذا علمت ذلك فالتفسير المذكور في الكتاب لا يوافق هذه اللفظة.

باب القرض

قوله: وقد روي عن كل من ابن مسعود وابن عباس وأبي الدراء أنه قال: ((لأن أقرض مرتين أحب إلى من أن أتصدق مرة)).
وروى البزار عن ابن مسعود أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((قرض مرتين يعدل صدقة مرة))، وإنما كان القرض خيرًا من الصدقة، لأنه لا يأخذه إلا محتاج إليه، بخلاف الصدقة.
انتهى.
وهذا الحكم الذي استدل عليه، وهو تفصيل القرض على الصدقة- لم يتقدم له ذكر، بل تقدم ما يقتضي عكسه، فإن الحديث والآثار التي ذكرها تدل على أن الصدقة من حيث هي أفضل من القرض، على خلاف ما استنبطه منها.
قوله: وهذا إذا كان المقرض عينا، أما إذا كان دينا مثل أن يقول: أقرضتك عشر دراهم صفتها كذا، وقبل، فإن عين في المجلس صح، وإن عين بعد مفارقة المجلس.
قال في ((المهذب)): إن لم يطل الفصل جاز، وإن طال لم يجز حتى يعيد لفظ القرض.
انتهى كلامه.
اعلم أن اشتراط التعيين لا يستلزم اشتراط القبض كما أوضحوه في الكلام على الاستبدال عما في الذمة، وفي كتاب الصلح، وصاحب ((المهذب)) لم يذكر التعيين، وإنما شرط القبض، فقال: وإن قال أقرضتك ألفا، وقبل، وتفرقا، ثم دفع إليه ألفا-: فإن شرط لم يطل الفصل جاز، لأن الظاهر أنه قصد الإيجاب، وإن طال الفصل لم يجز حتى يعيد لفظ ((القرض))، لأنه لا يمكن البناء على العقد مع طول الفصل.
هذا لفظه.
على أن المسألة فيها نظر، وقد نقلها صاحب ((البحر))، ثم عزاها بعد ذلك إلى ((المهذب)).
قوله: ومما يندرج في كلام الشيخ قرض منفعة دار بعينها، لأنه لا يجوز السلم فيها، وقد صرح بذلك القاضي حسين في كتاب الغصب، ومن جوز نظرًا إلى جواز البيع قد يجوز ذلك.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره بحثا معناه: أن من جوز السلم نظرًا إلى جواز البيع- يعني الإجارة- قد يجوز قرضها، وحاصل ما ذكره الجزم بالمنع، وليس فيه إلا ما ذكره

بحثا.
إذا علمت ذلك فقد جزم بعد ذلك- بدون ورقة- بعكسه، فقال: إن القبض في المنافع المقرضة يكون بقبض العين المستوفى منها، وهو يقتضي جواز قرض المنافع.
قوله: قال الأصحاب: ويصير الحال مؤجلًا فيما إذا أوصى من له الحق ألا يطالب به إلا بعد شهر مثلًا كما حكاه المتولي، وسمعت من بعض مشايخنا أنه يتأجل بالنذر أيضًا.
انتهى كلامه.
ومقتضاه: أنه لم يقف على نقل في هذه المسألة، وهو غريب، فقد ذكرها- أيضًا- المتولي عقب هذه المسألة التي نقلها هو عنه من غير فصل بينهما، فقال في الباب الخامس من أبواب البيع: الثامن: إذا كان له حق حل أجله، فقال: إن شفى الله مريضي، أو: رجع غائبي- فلله علي ألا أطالبه شهرًا- فالحكم فيه كالحكم فيما لو نذر عيادة المرضى وتشييع الجنائز.
هذا كلام المتولي، وقد ذكرها- أيضًا- الروياني في ((البحر)) في كتاب البيع، قبل باب بيع اللحم بالحيوان بنحو ورقة، فقال: إن فيه وجهين كالوجهين فيما إذا نذر تشييع الجنازة.
وهذا الكلام يقتضي أن الراجع من الوجهين هو الوجوب، لأنه الراجح في تشييع الجنائز وأنظاره.
وما نقله المصنف عن ((التتمة)) قد جزم به الرافعي في باب الفساد من جهة النهي، إلا أنه لم يصرح بكونه يصير مؤجلًا، بل بوجوب الإمهال، قال المصنف في ((المطلب)): وإنما تنفذ الوصية بعدم المطالبة إلى مدة بشرط أن يخرج فيه الدين من الثلث، لأنهم قالوا: إن البيع بثمن مؤجل يحسب كله من الثلث إذا لم يحل منه شيء قبل موت الموصي، لأنه منع الورثة من التصرف فيه فكان كإخراجه عن ملكهم، وهذا مثله.
ثم قال: وأنا أقول: إذا قلنا: إن الملك ينتقل في المبيع في زمان الخيار، ويجوز إلحاق الزيادة بالعقد- كان ذلك صورة أخرى، لأن الدين كان حالًا وقد تأجل.
قال: بل هذه بالذكر أولى، لأن ما كان حالا تأجل، وما عداها قد يقال: إن الدين باق بصفته، وإنما يمنع من طلبه مانع كالإعسار.
ذكر ذلك في آخر الباب الثالث من أبواب البيع.
وهذا الاحتمال الذي أبداه ابن الرفعة من كونه حالًا امتنعت المطالبة به لعارض، بحث ظاهر، وله فوائد: منها: إذا عجله المدين قبل المدة لغرض البراءة، فهل يجبر رب الدين جزمًا- أي: على أحد الأمرين، وهما القبول والبراءة- كسائر الديون الحالة، لاسيما أن هذه

المدة لم تقع برضا المدين، أم يتخرج على الخلاف في الدين المؤجل؟ ومنها: الحنث إذا حلف: لا مال له، وقلنا بالتفصيل بين الحال والمؤجل.
ومنها: إذا أفلس المدين فهل لصاحبه المطالبة به؟ إن قلنا: إنه من باب التأجيل، فيأتي فيه الخلاف في حلول المؤجل بالإفلاس، وإن قلنا: إنه حال منع المطالبة به مانع، فالمتجه عدم المطالبة لقيام المانع، ويحتمل خلافه، لما فيه من الضرر، ويحتمل التخريج على المؤجل، لأن الواجب بالنذر لا يزيد على الواجب الأصلي، ويحتمل التخريج على المؤجل، لأن الواجب بالنذر لا يزيد على الواجب الأصلي، ويحتمل التفصيل بين أن يقول: لله علي ألا أستوفيه إلا بعد كذا وكذا ونحو ذلك، فلا يحل، أو يقول: لله علي تأجيله.
وهذا كله إذا كان الناذر والمديون حيين، فإن كان المديون ميتًا فلا شك أن المسارعة إلى براءة ذمته واجبة إذا حلف وفاءً، وحينئذ فلا يؤثر النذر حتى لو رضي الوارث ورب الدين معا بالتأخير لم يجز، لما ذكرنا، وأيضًا: فلأن قصد الناذر التبرع برفق المديون، وقد زال ذلك بموته.
وإن كان الناذر ميتًا فالمتجه بقاء المدة، سواء كان وارثه رشيدًا أم محجورًا عليه، لأن من ورث مالا ورثه بحقوقه التي عليه والتي له، ويحتمل التفصيل السابق، وهو الفرق بين أن يلتزم التأجيل أو عدم مطالبته هو، ومن تفاريع المسألة إخراج الزكاة عن ذلك المال، فنقول: للنذر حالان: أحدهما: أن يكون بعد تمام الحول فلا إشكال في وجوب إخراج قدر الزكاة، غير أنه هل يستثنى ذلك القدر من وجوب الإنظار، لأن الملك فيه لغيره، بناء على الصحيح، وهو أن الفقراء شركاء رب المال، أو يجب الإنظار فيه- أيضًا- وهو المتجه لكونه قادرًا على تمام نذره بجواز الإخراج من غيره، كما قلنا به فيما إذا رهن مالا زكويًا وحال عليه الحول، بل الإخراج من غيره عند القدرة هاهنا أولى، لأن الرهن سابق على الوجوب، بخلاف النذر.
الحال الثاني: أن يكون قبل تمام الحول، ففي إلحاقه بما بعد الحول احتمال، لأن النذر في هذه الحالة يصرف منه قبل تعلق نصيب الفقراء، وقياس مسألة الرهن وجوب الإخراج من غيره عند القدرة ومنه عند عدمها.
وهذه الأمور التي ذكرناها خلاف موضوع الكتاب، واللائق بذلك إنما هو كتابنا ((المهمات)).
قوله: وأما جواز أخذ البدل عن عين القرض إذا كان المقترض في يد المستقرض، ففي ((الشامل)): أنه لا يجوز أن يأخذ عوضه، لأنه قد زال ملكه عن العين، أي: إذا قلنا: إنه يملك بالقبض.

قال: أما إذا قلنا: إنه لا يملك إلا بالتصرف فقد قال بعض أصحابنا: لا يجوز أخذ بدله للمقرض، فإنه وإن كان ملكه باقيًا إلا أنه قد ضعف بتسليط المستقرض.
هذا آخر كلامه.
وفي ((الرافعي)) ما يفهم حكاية هذا عن ((الشامل)) فيما إذا أورده أخذ العوض عن البدل الثابت في الذمة، وكلامه لا يقتضي إلا ما ذكرناه، فليتأمل.
انتهى كلام ابن الرفعة.
رحمه الله.
وما نقله عن ((الشامل))، واعترض على الرافعي بسببه في حكايته عنه- غلط، سببه إسقاط بعض كلام ((الشامل))، فإنه قال ما نصه: هذا- أي جواز الاستبدال- محله إذا كان العوض قد استقر في ذمته، فأما إذا كان المقترض في يده فإنه لا يجوز أن يأخذ عوضه، لأنه قد زال ملكه عن العين ولم يستقر في ذمته، لأنه يعرض أن يرجع في العي، فأما إذا قلنا: إنه لا يملك إلا بالتصرف، فقال بعض أصحابنا: لا يجوز.
هذا لفظه بحروفه، ثم ذكر التعليل الذي نقله عنه المصنف، فاقتصر ابن الرفعة على قوله: ((لأنه قد زال ملكه عن العين))، وذهل عما بعده، وكأنه أولًا اقتصر عليه، ظانًا أنه لا حاجة إلى ما بعده، ثم بعد ذلك رآه مع كلام الرافعي لا يجتمع، فاعترض.

باب الرهن

قوله: وإن تشاحا، أي: تمانعا، فيمن يكون تحت يده، وكان الرهن مشروطًا في بيعٍ- كما نبه عليه الإمام والرافعي في الباب الثالث من كتاب البيع- سلمه الحاكم إلى عدل، لأنه العدل.
ثم قال: أما إذا وقع التشاحح فيمن يقبض الرهن غير المشروط ابتداء، فالذي يظهر: أنه لا يسلم إلى العدل إلا برضا الراهن، لأن له الامتناع من أصل الإقباض.
انتهى كلامه.
وما ذكره في الفرق بين الرهن المشروط وبين غيره من لزوم الإقباض وعدم لزومه صريحٌ في وجوب الإقباض في الرهن المشروط، وهو سهو، فإن الوفاء به لا يلزم، وله الامتناع فيه كما في غير المشروط، إلا أنه يجوز للبائع الفسخ لعدم الوفاء كما قرروه في بابه.
وأما كلام الرافعي الذي استند إليه فليس فيه دلالة لما قاله، فإنه لم يصرح بالإخبار ولا أشار إليه، بل قال: وهل يجب التعرض لكونه المرهون عند المرتهن أو عند عدل؟ فيه وجهان، أظهرهما: لا، بل إن اتفقا على يدي المرتهن أو يدي عدل فذاك، وإلا جعله الحاكم في يدي عدل.
هذا لفظه، وهو صحيح لا ينافي القول به في صورة أخرى، فإنه لم يخصص هذا الحكم بهذا الفرع.
نعم، كلام الشيخ محمول على الرهن المشروط كما ذكر المصنف، ولكن في الاستمرار بعد القبض، ولكن في الاستمرار بعد القبض، ولفظ الشيخ مشعر به أو صريح فيه، فتأمله.
قوله: وأيضًا: فإن المرتهن ينحصر حقه في عين المرهون، حتى لا يتمكن من إجبار الراهن على الدفع من غيره- كما صرح به الإمام قبل باب الرهن والحميل بخمس عشرة ورقة- وإن كان قادرًا على تحصيله من غيره.
ثم قال بعده: وإذا كان كذلك فقد خالفنا هذا المقتضى بإيجابنا بيع غير المرهون في وفاء دين الرهن.
انتهى كلامه.

ودعواه أن الإمام ذكر أ، المرتهن ينحصر حقه في المرهون ... إلى آخره، صريح في أن المرتهن لا شيء له في غيره، وهذا لم يذكره الإمام، بل القول به باطل قطعًا، فإن الدين باق في الذمة، ولا يسقط بتلف المرهون، والذي قاله هناك ما نصه: ولو قال للقاضي- يعني الراهن-: أريد أن أؤدي حقه من ثمن الرهن، فليس للمرتهن أن يلزم الراهن تحصيل الدين من جهة أخرى، ولا فرق بين أن يكون قادرًا على وفاء الدين من جهة أخرى وبين أن يكون عاجزًا.
هذا كلامه، ذكر ذلك في أثناء فصل أوله: ((قال: ولو كان الشرط للعدل))، ولم يذكر فيه انحصار الحق ولا ما يقتضي انحصاره، بل حاصله تقديم الوفاء من هذا على الوفاء من غيره، على أن الشيخ عز الدين قد استشكله- أيضًا- لما فيه من تأخير الحق الواجب على الفور، وهذا الإشكال إنما يأتي أن لو كانت صورة المسألة أن يكون مالكًا لحبس الحق الواجب، وليس في كلام الإمام ما يتناوله ولا ما يشير إليه، وإنما يدل على أنه لا يلزم بيع عين أخرى إذا كانت في ملكه.
قوله: ولا فرق بين أن يرهن نصيبه من جملة الدار، أو من بيت منها والباقي مشترك.
ثم قال: وإذا صححنا الرهن، ووقع البيت في نصيب الشريك- قال الغزالي: احتمل أن يقال: هو تلف، واحتمل أن يقال: الراهن ضامن، والتفويت منسوب إليه.
انتهى كلامه.
وهذان الاحتمالان للإمام، وقد نقلهما الرافعي عنه، وإنما الغزالي ناقل على عادته.
قوله: والأكثرون على منع وطء المرهونة بغير الإذن، سواء كانت ممن تحبل أم لا.
ثم قال: وإذا قلنا به فلا يجوز له استخدامها بنفسه، خوفًا من وطئها.
انتهى.
اعلم أن المصنف قد جزم في باب العارية بأن استعارة جارية الغير للخدمة لا يستلزم الخلوة المحرمة، قال: ولهذا جزم الإمام بعدم التحرم إذا استخدامها بغير خلوة.
انتهى.
والذي قاله ظاهر، وحينئذ فالجواز في المرهونة بطريق الأولى، لأنها ملكه.
ثم إن المصنف- أيضًا- قد صحح هناك جواز إعارتها للاستخدام المذكور إذا كانت لا تشتهي، لكونها صغيرة أو شوهاء، وهو هاهنا أولى، لما سبق.
قوله: التفريع: إن قلنا بنفوذ إعتاق الراهن مطلقًا فعليه قيمته يوم الإعتاق، صرح به الأصحاب،

وكان يتجه أن يتخرج على الخلاف في وقت النفوذ، وإليه أشار ابن يونس بقوله: على الصحيح.
انتهى كلامه.
وهذا الاحتمال الذي ذكره غير صحيح كما نبه عليه بخطه على حاشية الكتاب، قال: لأن الخلاف في وقت النفوذ إنما هو إذا قلنا بالتفرقة بين الموسر والمعسر، لا بقول النفوذ مطلقًا في حالة اليسار والإعسار، هذه عبارته.
قوله: ولو جنى على عبد آخر للمرتهن، نظر: إن لم يكن مرهونًا ... إلى آخره.
وتعبيره بـ ((المرتهن)) سهو، وصوابه: الراهن.

باب التفليس

قوله: ولأن في الحجر مصلحة الغرماء، فإنه قد يخص بعضهم بالوفاء فيتضرر الباقون، وقد يتصرف فيه فيضيع حق الجميع، ومن هذه العلة يستنبط أن المال لو كان مرهونًا امتنع الحجر، اللهم إلا أن يكون فيه رقيق ونقول بنفوذ عتق الراهن، وهذا ما ظهر لي فقهًا، ولم أقف عليه منقولًا.
انتهى كلامه.
وما ذكره من امتناع الحجر قد ذكر بعد ذلك في الكلام على النفقة على المفلس ما يخالفه، وسأذكر لفظه، وسأذكر لفظه.
ثم إن ما قاله إنما يأتي إذا قلنا: من شرط الحجر أن يكون له مال، فإن قلنا: لا يشترط حجر عليه قطعًا، لأن غاية الموجود أن يكون تعلق حق الغير به ألحقه بالمعدوم، واشتراط المال قد توقف فيه الرافعي في أول الباب فقال: يجوز أن يقال: لا حاجة إليه، بل مجرد الدين يكفي لجواز الحجر، منعًا له من التصرفات فيما عساه يحدث له باصطياد واتهاب، فإن كان كذلك فليفسر المفلس بالذي ليس له مال يفي بديونه، لينظم من لا مال له أصلًا ومن له مال قاصر.
هذا كلام الرافعي، ولم ينقل خلافه.
قوله: ولو أقر بعين أو دين وجب قبل الحجر قبل إقراره في الأصح، فإن لم يقبل إقراره ففضلت العين بعد فك الحجر فهل تسلم إلى المقر له؟ فيه قولان في كتاب الإقرار من ((النهاية)) و ((تعليق)) القاضي الحسين.
ثم قال: وعلى قياس هذا يتجه أن يجيئا في الغرم- أيضًا- وفي الدين.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي أنه لم يقف على نقل في هذه المسألة، وقد صرح بها الغزالي في كتاب الإقرار من ((البسيط))، وحكى فيها الخلاف الذي حاول تخريجه، إلا أنه ذكر ذلك في الدين خاصةً، فقال ما نصه: وإن أقر بدين معاملة لم يثبت للمقر له مضاربة الغرماء أصلًا، ويؤاخذ به بعد انفكاك الحجر، وذكر الإمام في ذلك بعد انفكاك الحجر خلافًا، وزيفه، ولم يذكره في كتاب التفليس.
هذا لفظ ((البسيط)) بحروفه.
قوله: واعلم أن وقت القسمة حين يجاز بيع الأموال وحيازة أثمانها إن رضي الغرماء بالتأخير إلى ذلك الوقت، أو لم يمكن قسمة ما يتحصل أول فأول، أما إذا

أمكن وامتنع الغرماء من التأخير، أطلق القاضي أبو الطيب والمحاملي والإمام وغيرهم القول بإجابتهم.
وفي ((الحاوي)): أنهم لا يجابون، لاحتمال أن يظهر غريم لم يطلع عليه، وهذا ما قال الرافعي: إنه الظاهر.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الرافعي من أنه إذا أمكن قسمة المتحصل أولًا فأولًا، لا يقسم وإن طلب الغرماء التعجيل- غلط لا يوافق كلام الرافعي لا حكما ولا تعليلا، فقد قال الرافعي ما نصه: وما يقبضه الحاكم من أثمان أمواله على التدريج: إن كان يسهل قسمته عليهم فالأولى ألا يؤخر، وإن كان يعسر لقلته وكثرة الديون فله أن يؤخر ليجتمع، فإن أبوا التأخير ففي ((النهاية)) إطلاق القول بأن يجيبهم، والظاهر خلافه.
هذا كلام الرافعي.
قوله: ولأنه إذا لم يكن ذا مال وجبت نفقته على كافة المسلمين، فوجب إذا كان له مال أن يقدم بالإنفاق منه بطريق الأولى.
انتهى كلامه.
وما قاله منقوض بالمرهون والعبد الجاني، فإن مالكهما لا ينفق عليه منهما، وقد صرح الإمام هنا أنه إذا لم يكن للمفلس سوى المرهون لا ينفق عليه منه.
قوله: واعلم أن ما ذكرناه- أي من النفقة عليه وعلى عياله- ظاهر فيما إذا كان بعض ماله لم يتعلق به حق لمعين، أما إذا تعلق بجميع ماله حق معين، إما بسبب الحجر، أو بغيره، أو بهما كالأعيان المبيعة التي لم تقبض أثمانها، والرهون والرقاب التي تعلقت بها أروش الجنايات- ففي ((النهاية)): أنه إذا لم يكن له سوى المرهون لا ينفق عليه وعلى عياله منه.
وغير المرهون لم أقف فيه على نقل، والقياس: أن يحلق بالمرهون في ذلك، ويؤيده قول جمهور أصحابنا في مؤنة تجهيز الميت ودفنه: إنها لا تخرج.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما قاله صريح في الحجر عليه إذا كان ماله مرهونًا، وقد تقدم في أول الباب ما حاصله: أنه لا يحجر عليه، فراجعه.
الأمر الثاني: أن هذا النقل عن الإمام لو صح لكان صريحًا في نقل هذه المسألة المهمة، لكنه غير صحيح، ولم يصور الإمام المسألة في المفلس، بل ذكر مسألة مستقلة، فإنه قال: وكان لا يمتنع أن يلتحق المفلس- أي في نفقة الأقارب- بالفقير الذي لا مال له، ولكن أصحاب على ما ذكرناه، فليثق الطالب بما نقلناه.
ولو

كان عليه دين وقد رهن به مالًا لا يملك غيره، لا ينفق عليه ولا على أهله وأولاده منه، فإن المرهون خارج عن حكم تصرفه إلى الانفكاك، والأموال باقية على حق المحجور، ولكنه بالحجر محمول على أن يبتدر صرفها إلى دين.
هذا كلام الإمام، وحاصله: أنه حاول فرقا بين مسألتين مستقلتين، ولم يذكر أن هذا المرهون حجر عليه، والذي أوقع المصنف في الوهم أنه توهم أن قوله: ((ولو كان عليه)) عائد على المفلس، وغفل عن عادة الأصحاب في ترجمة المسائل بذلك، وكيف يتصور ألا يكون عليه دين حتى يأتي بهذه العبارة؟! قوله: بل يعطى في فصل الصيف كسوة الصيف: قميص، وسراويل ... إلى آخره.
أهمل العمامة، ولا خلاف في وجوبها.
قوله- في الكلام على إخراجه من الحبس إذا قامت بينة على إعساره-: ولا فرق في ذلك- على ما حكاه الإمام- بين أن تكون البينة معدلة، أم لا وقد شرع في طلب تزكيتها، لأن الحبس من بعض العقوبات.
انتهى كلامه.
وما حكاه عن الإمام من إخراجه بعد قيام البينة وقبل الاستزكاء- وهمٌ، فإن الذي قاله الإمام ما نصه: فإن وجد بينته أقامها كما سنذكر الوجه فيها، فإذا قامت وجرى البحث عن التعديل فلا يسوغ عندنا إدامة الحبس بعد ذلك، فإنه على الجملة من قبيل العقوبات، وقد يرى الوالي التعزير به وحده.
وقال أبو حنيفة: لا يصغي إلى البينة على الإعسار حتى يمضي أمد فيه، ثم اختلف قوله فيه، فقال: مرة.
لابد من مضي شهرين، وقال مرة: أربعين يومًا، أو خمسين يومًا، وقال مرة: أربعة أشهر.
هذا كلامه، وليس فيه أن يطلق بإقامة البينة قبل تعديلها، والذي أوقع المصنف في هذا الوهم تعبير الإمام بقوله: وجرى البحث عن التزكية، مع قوله: ولا يسوغ عندنا إدامة الحبس ... إلى آخره.
قال الإمام: قصد بذلك الرد على ما نقله بعد ذلك عن أبي حنيفة من امتناع قبول الشهادة إلا بعد مدة.
وأما التعبير بـ ((جريان البحث عن التزكية)) فيرد على المصنف، لأنه قد يقتضي أن البحث قد وجد وانقضى، والأصحاب يطلقونه لإرادة حصول التعديل، والعجب من المصنف فيما قاله، فإنه نسب إلى الإمام أمرًا مخالفًا لسائر الأبواب! وإذا كان يحبس ابتداء في دين بشاهدين لم يعدلا مدة يظهر للقاضي جرحهما أو تعديلهما، احتياطًا للحق وإن لم يثبت- فاستدامته مع ثبوت الدين قبل ثبوت الإعسار أولى.
قوله: وقد يقال على رأي الصيدلاني في حمل الشهادة بالإعسار على وقوف البينة

على التلف: إنه لا يشترط أن يكون الشاهد من أهل الخبرة، وقد يجاب بأنا وإن قدرنا ذلك فخلافه مظنون، فاعتبرنا أن يكون من أهل الخبرة ليتحقق الشرط على كل حال.
انتهى كلامه.
وهذا الاحتمال الذي ذكره خطأ فاحش، لأنه لا يسوغ بالإجماع الشهادة على الإعسار برؤية تلف ماله الظاهر من غير أن يعلم حاله في الباطن، والمصنف- رحمه الله- نظر إلى المال المعروف له، وذهل عن احتمال غيره، ولهذا أجاب بما أجاب من أن عدم المشاهدة مظنون- أيضًا- فاعتبرت الخبرة، وهو عجيب! وقد صرح الرافعي بالمسألة على الصواب، فقال: وإن شهدوا على إعساره قبلت بشرط الخبرة الباطنة.
قال الصيدلاني: ويحمل قولهم: إنه معسر، على أنهم وقفوا على تلف المال.
هذه عبارته.
قوله: لو كاتب المشتري المبيع امتنع على البائع الرجوع، وإن أجره لم يمتنع، كذا قال الرافعي وغيره، وهو في الإجارة جواب على جواز بيع المستأجر، وإلا فهو كالمرهون كما صرح به المتولي.
ثم قال بعد ذلك: ويشهد لما ذكره المتولي في الإجارة: أن الإمام حكى عن شيخه أن الطلاق إذا وقع قبل الدخول، والصداق مستأجر- أنه لا يرجع إلى عينه إذا منعنا بيع المستأجر، واختاره.
وكذلك قال الأصحاب فيما إذا وقع التحالف والعين المبيعة مستأجرة.
انتهى كلامه.
وما ذكره- رحمه الله- عجيب، فإن التفصيل الذي استدركه على الرافعي قد ذكره الرافعي فقال: وإن أجره فلا رجوع إن لم نجوز بيع المستأجر، وإن جوزناه: فإن شاء أخذه مسلوب المنفعة لحق المستأجر، وإلا ضارب بالثمن.
هذا لفظ الرافعي، وكأنه سقط في النسخة التي وقف عليها شيء، وبالجملة فهو يدل على المعهود من حسن تفقهه.
قوله: فرع: لو كان المبيع أرضًا، وقد بنى فيها المشتري وغرس، ثم أفلس ... إلى آخره.
ثم قال في آخر الفرع: وفي ((النهاية)) ما يجتمع منه أربعة أقوال فيه: أحدها: أن بائع الأرض فاقد عين ماله، فلا يرجع بحال.
والثاني: أن الأرض والبناء والغراس يباعان معا كما يفعل في الثوب المصبوغ.
والثالث: أنه يرجع في الأرض، ويتخير بين ثلاثة أشياء كما في حق المستعير.

والرابع: أنه إن كانت قيمة الأرض أكثر فهو واحد، وإن كانت قيمة البناء أكثر فهو فاقد، وأن الحكم فيما لو وهب لولده أرضا كذلك.
قال الرافعي: وأنت إذا تأملت هذا الكلام، بعد وقوفك على المذهب المعتمد، وتصفحك عن كتب علمائنا، ورأيت ما بينهما من المخالفة الصريحة- قضيت العجب منه، وقلت: ليت شعري من أين أخذت هذه الأقوال! انتهى كلامه.
واعلم أن نقله لإنكار الرافعي وسكوته عليه دليل على موافقته للرافعي في الإنكار، وأنه لم يظفر بالأقوال التي نقلها الإمام، وليس كذلك، بل الأقوال ثابتة، وقد تفطن في ((المطلب)) إلى الصواب، فقال: أما القول الثالث والرابع فلا إشكال فيهما، وقد حكاهما الرافعي.
قال: وأما الأول فقد نقله القاضي حسين في ((تعليقه))، فإنه نقل قولا في منع رجوع الواهب بعد الغراس أو البناء، وقال- أي القاضي-: إنه مثل قوله في المفلس إذا غرس وبنى: لا يرجع بائع الأرض فيها، فثبت القول بمنع الرجوع على الإطلاق.
ثم إن ابن الرفعة أيده وقواه بأن المشتري بنى في ملكه الذي لا خيار فيه، بخلاف الموهوب له والمستعير ومشتري الشقص.
وأما القول الثاني فقد حكاه ابن سريج كما مر، ونقله المحاملي وغيره.
وقد ذكر- أيضًا- في ((الكفاية))، ثم سلك في ((المطلب) مسلكا آخر في الجواب عن الإمام، فقال: إذا امتنع المفلس والغرماء من القلع، والبائع من بذلك القيمة وأرش النقص- جاءت الأقوال.
وكلام الرافعي مشتمل عليها، فتأمله، وحينئذ فلا اعتراض على الإمام إلا من جهة الإطلاق، فإذا حملنا كلامه على هذا اندفع الاعتراض منه.

باب الحجر

قوله: والمراد بالحجر في اصطلاح العلماء: المنع من التصرف.
انتهى كلامه.
وهذا التعريف ناقص، ولابد أن يقول: من التصرف في المال، لأن طلاق السفيه وخلعه صحيحان، فإن قيل: هذا القيد وإن حسن لإخراج طلاق السفيه، لكن يعكر من جهة أن طلاق الصبي والمجنون لا يصح، فلابد من إدخالهما- قلنا: إنما لم يصح طلاقهما، لسلب عبارتهما، وهو أمر زائد على معنى الحجر.
قوله: وهو- أي الحجر- نوعان: الأول: لحق الغير، وهو خمسة أضرب: حجر المفلس لحق الغرماء، وحجر الراهن لحق المرتهن، وحجر المريض لحق الورثة، وحجر العبد لحق السيد وكذا المكاتب، وحجر المرتد لحق المسلمين قلت: وينبغي أن يلحق بما ذكر حجر سادس: وهو الحجر على الورثة في التركة لحق الميت وحق الغرماء، وسابع: وهو الحجر على السيد في المكاتب لحقه، وكذا في العبد الجاني على قول.
انتهى كلامه.
أهمل- رحمه الله- ضروبًا كثيرة: أحدها: الحجر الغريب المذكور في البيع، وهو الحجر على المشتري في السلعة وجميع ماله إلى أن يحضر الثمن، وكذلك المستأجر.
الثاني: الحجر على الممتنع من إعطاء الدين وماله زائد، إذا التمسه الغرماء كما صححه الرافعي في بال الفلس.
الثالث: إذا فسخ المشتري بعيب كان له حبس المبيع إلى قبض الثمن، ويحجر على البائع- والحالة هذه- في بيعه كما نقله الرافعي في الكلام على حكم المبيع قبل القبض عن صاحب ((التتمة)).
الرابع: الحجر على المؤجر فيما استأجره على العمل فيه، وقد ذكره الرافعي في البيع في الكلام على حكم المبيع قبل القبض، في أثناء كلام أوله: قال: وبيع الميراث، فقال: ومنها: إذا استأجر صباغًا ليصبغ ثوبًا وسلمه إليه، فليس للمالك بيعه ما لم يصبغه، لأن له أن يحبسه إلى أن يعمل ما يستحق فيه العوض، وإذا صبغه فله بيعه

قبل الاسترداد إن وفي الأجرة، وإلا فلا، لأنه ليستحق حبسه إلى استيفائها.
هذا كلام الرافعي، ثم عدد- أيضًا- أمثلة أخرى ملحقة بذلك، والإلحاق واضح من التعليل، وقد ذكر في ((التتمة)) ما ذكره الرافعي، ثم ذكر شيئًا آخر يبغي معرفته، فقال في الباب السابع من أبواب البيع: الثالث عشر: إذا استأجر شهرًا ليرعى أغنامه، أو ليحفظ مالا له معينًا، ثم أراد أن يتصرف في ذلك المال- فالبيع صحيح، لأن حق الأجير لم يتعلق بذلك المال، فإن المستأجر لو أراد أن يستعمله في مثل ذلك العمل لكان جائزًا.
الخامس: الحجر على الغانم لمال من استرق وعليه دين، فإذا كان على حربي دين فاسترق وله مال، ثم غنم الذي أسره أو غيره ذلك المال- فإنه يحجر على حربي دين فاسترق وله مال، ثم غنم الذي أسره أو غيره ذلك المال- فإنه يحجر عليه فيه، مراعاة لأرباب الديون، كالحجر على الوارث في التركة، لأن الرق كالموت، وتوفى منه ديون العبد وإن زال ملكه عنه، كذا ذكر الرافعي في كتاب السير.
السادس: ذكره الجرجاني في ((الشافي))، وهو الحجر على المشتري في المبيع قبل القبض.
السابع: ذكره المحاملي، وهو الحجر على العبد المديون لحق الغرماء.
الثامن: نفقة الأمة المزوجة ملك للسيد، وليس له أن يتصرف فيها ببيع أو غيره حتى يعطي بدلها للأمة، لأن حقها متعلق بعينها، كذا ذكره الرافعي.
التاسع: إذا أعتق الشريك نصيبه، وقلنا: لا يسري إلا بدفع القيمة، فتصرف المالك بالبيع وغيره- ففي صحته وجوه، أصحها عند الجمهور- كما قال الرافعي-: أنه لا يصح، لأن صحته تؤدي إلى إبطال ما يثبت للمعتق من الولاء، والثاني: نعم، والثالث: يصح العتق دون غيره.
العاشر: إذا قال الشريكان للعبد المشترك: إذا متنا فأنت حر، فلا يعتق العبد ما لم يموتا جميعا- إما على الترتيب أو معًا، لأنهما علقا عتقه بموتهما، كذا ذكره الرافعي في أوائل التدبير، ثم قال: فإن ماتا معا ففي ((الكافي)) للروياني وجه: أن الحاصل عتق تدبير، لاتصاله بالموت، والظاهر: أنه عتق، لحصول الصفة لمعلق العتق بموته وموت غيره، والتدبير تعليق العتق بموت نفسه، وإن ماتا على الترتيب فعن أبي إسحاق: أنه لا تدبير- أيضًا- والظاهر: أنه إذا مات أحدهما يصير نصيب الباقي مدبرا، لتعلق العتق بموته، وكأنه قال: إذا مات شريكي فنصيبي منك مدبر، ونصيب الميت لا يكون مدبرًا وهو بين المدتين ملك للورثة، فلهم التصرف فيه، بما لا يزيل الملك كالاستخدام والإجارة، وليس لهم بيعة، لأنه صار مستحق العتق بموت الشريك

الآخر، وقيل: لهم بيعه، لأن أحد شرطي العتق لم يوجد.
الحادي عشر: الدار التي استحقت المعتدة بالحمل أو بالأقراء أن تعتد فيها لا يجوز بيعها، لأن حق المرأة متعلق بها، والمدة غير معلومة، بخلاف عدة الوفاة.
الثاني عشر: إذا اشترى دابة، فأنعلها، ثم اطلع على عيب بها، وكان قلع النعل يؤدي إلى التعييب، فردها المشتري وترك النعل للبائع- فإنه يجبر على قبوله، وليس للمشتري طلب قيمة النعل، ثم ترك النعل هل هو تمليك من المشتري للبائع لو سقط، أم إعراض، فيكون للمشتري؟ وجهان، أشبههما- كما قاله الرافعي- هو الثاني.
وإذا علمت ذلك فيمتنع بيعه على المشتري، لما تقدم في دار المعتدة.
الثالث عشر: إذا أعار أرضًا للدفن فإنه لا يرجع فيها قبل أن يبلى الميت، لما فيه من هتك حرمته بالنبش، ولو أراد بيع تلك البقعة لم يجز، لجهالة مدة البقاء.
الرابع عشر: إذا فعل الغاصب في المغصوب، ما يقتضي انتقاله إليه، كما لو خلطه بما لا يتميز، ونحو ذلك مما ذكروه في الغصب كالتعفين الساري للهلاك- فإنه يجب عليه البدل، ولا يمكن إيجابه عليه مع بقاء المغصوب في ملك المغصوب منه، لئلا يجتمع في ملكه البدل والمبدل، فتعين انتقاله إليه ولا يمكن أن يجوز للغاصب التصرف فيه، لأن المغصوب منه لم يرض بذمته فتعين الحجر عليه فيه.
الخامس عشر: إذا أوصى بعين تخرج من الثلث وباقي ماله غائب، فيحجر على الموصي له في الثلثين، لاحتمال التلف، والأصح: أنه لا ينفذ تصرفه في الثلث- أيضًا- وإن تيقنا أنه له، كما أن الوارث لا يتمكن من التصرف في الثلثين.
السادس عشر: الحرج على من اشترى عبدًا بشرط الإعتاق، فإنه لا يصح بيعه وإن كان بشرط الإعتاق على الأصح، لأن العتق مستحق عليه.
السابع عشر: الحجر على السيد في بيع أم الولد.
الثامن عشر: إذا أقام شاهدين على ملك سلعة، ولم يعدلا- فإن الحاكم يحول بينها وبين المدعى عليه على الصحيح وحينئذ فيمتنع عليه بيعها وهبتها وغير ذلك، كما ذكره الرافعي في الباب الثاني من أبواب الشهادات، وفي المنع قبل الحيلولة وجهان.
التاسع عشر: إذا اشترى عبدًا بثوب مثلًا، وشرطا الخيار لمالك العبد- فالملك فيه له، ويكون الملك في الثوب باقيا على من بذله، لئلا يجتمع الثمن والمثمن في ملك رجل واحد، وحينئذ لا يجوز لمالكه التصرف فيه قبل فسخ مالك العبد، لئلا يؤدي

إلى إبطال ما ثبت فيه من الخيار.
العشرون: إذا رهن جارية، ثم وطئها، فحبلت منه وهو معسر- فإن الاستيلاد لا ينفذ على الصحيح، فلو حل الحق وهي حامل لم يجز بيعها على الأصح، لأنها حامل بحر، وإذا ولدت لا تباع حتى يسقي الولد اللبأ ويجد مرضعة، خوفًا من أن يسافر بها المشتري فيهلك الولد، كذا قاله الرافعي، ول قيل بالبيع وإلزام الإقامة كما في الحرة وأمه كان متجهًا.
الحادي والعشرون: إذا أعطي الغاصب القيمة للحيلولة، ثم ظفر بالمغصوب فله حبسه إلى استرداد القيمة، كذا نقله الرافعي في باب الغصب عن نص الشافعي، ثم مال إلى خلافه، ويلزم من حبسه امتناع تصرف مالكه بطريق الأولى.
الثاني والعشرون: بدل العين الموصى بمنفعتها إذا أتلفت، حكمه حكم أصله.
الثالث والعشرون: أعطى لعبد قوته، ثم أراد عند الأكل إبداله- قال الروياني: ليس له ذلك، وقيده الماوردي بما إذا تضمن الإبدال تأخير الأكل.
الرابع والعشرون: إذا نذر إعتاق عبد بعينه فإنه لا يخرج عن ملكه إلا بالإعتاق، ومع ذلك لا يجوز له التصرف فيه، بخلاف ما إذا نذر الصدقة بدرهم بعينه، فإنه يزول ملكه عنه إلى الفقراء، ولو أوصى بإعتاقه أو بوقفه كان كالنذر.
الخامس والعشرون: إذا دخل عليه وقت الصلاة وعنده ما يتطهر به، فلا يصح بيعه ولا هبته على الصحيح، لحق الله- تعالى- وهكذا قياس السترة ونحوها كالذي يعتمد عليه العاجز عن القيام، والمصحف الذي يقرأ منه غير الحافظ.
السادس والعشرون: إذا وجبت الكفارة على الفور، وكان في ملكه ما يجب عليه التكفير به- فقياس ما سبق: امتناع تصرفه فيه، ولا يحضرني الآن نقله، ومن عليه دين لا يرجو وفاءه، أو وجبت عليه نفقة غيره- لا يحل له التصدق بما معه ولا هبته، ولكن لو فعل ففي نفوذه نظر.
قوله: ولابد عند الشراء بقصد التجارة لهما- على ما حكاه الماوردي- من أن يكون ما يشترى لا يسرع إليه الفساد، وأن يكون الربح حاصلًا منه في الغالب حالًا أو مآلًا، وأن يكون بالنقد دون النسيئة.
انتهى كلامه.
وهذا الشرط الثالث الذي نقله عن الماوردي، وهو ألا يكون بالنسيئة- قد صرح الغزالي بخلافه في كتاب الفرائض من ((الوسيط))، فقال: يجوز لولي اليتيم أن يشتري له شيئًا بالنسيئة إذا كان في شرائه مصلحة.

قوله: وفي ((التتمة)): أن الغلام أذا أنزل المني قبل الطعن في العاشرة لا يكون بلوغًا، وأن الإنبات في السنة التاسعة يجعل بلوغًا.
انتهى كلامه.
وما نقله عن صاحب ((التتمة)) هنا قد نقله عنه في ((المطلب)) - أيضًا- وهو صحيح بالنسبة إلى إنزال المني، وأما ما نقله عنه من أن الإنبات يكون بلوغًا في السنة التاسعة، فليس له ذكر في هذا الباب بالكلية، لا نفيًا ولا إثباتًا، وإنما حكى الخلاف المعروف فيه، ولم يقيده بسنة مخصوصة.
قوله: ثم المراد بالرشد في الدين: ألا يرتكب من المعاصي ما يخرجه عن حيز العدالة، وإن أتى بما يسقط المروءة: كالأكل في الأسواق ونحوه، كذا قاله ابن الصباغ وغيره، وهو بناء على المشهور من أن تعاطي هذه الأشياء ليس بمحرم، وسماعي من شيخ المشايخ قاضي القضاة تقي الدين أبي عبد الله محمد بن رزين: أنه سمع من بعض علماء الشام: أن تعاطي ما ترد به الشهادة من الأكل في الأسواق ونحوه، هل هو حرام أم لا؟ فيه ثلاث أوجه للأصحاب.
ثالثها: إن كان قد تحمل شهادة حرم عليه تعاطي ذلك، لأن فيه سعيًا في إبطال شهادته المتعلق بها حق الغير، وإلا فلا.
فعلى وجه التحريم: ينبغي أن يكون كسائر المحرمات.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه، وكذلك في أوائله حيث قال: وهو بناء على المشهور ... إلى آخره- يقتضي أن كل محرم يقدح هنا، وليس كذلك، بل القادح إنما هو المخرج عن العدالة كما صرح به هو في أول الكلام الذي نقلته عنه، وحينئذ فلا يلزم من كون هذا محرمًا أن يكون مما نحن فيه، لجواز أن يكون من الصغائر عند هذا القائل، وهو الظاهر.

باب الصلح

قوله: ولو قال: أبرئني من الدين، كان إقرارًا، وإن قال: أبرئني من المال، فكذلك على الأصح، وفي ((الإشراف)): أن ابن القاص حكى عن بعض أصحابنا: أنه ليس بإقرار، لأن الله تعالى قال: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب:69] وموسى - صلى الله عليه وسلم - لم يكن آدر، وتبرئته عن عيب الأدرة لم تقتض إثبات الأدرة.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الجزم في الدين والتردد في المال ذكره- أيضًا- في ((المطلب))، وهو باطل بلا شك، فإنهما على حد سواء إذا أراد بكل منهما الدين المدعى به، فيكون الوجه ثابتًا فيما، إلا أن ابن القاص تكلم على المثالين.
والأدر- بهمزة مفتوحة، بعدها ألف، ثم دال مفتوحة ثم راء مهملتين-: هو الذي انتفخت خصيته، والأدرة- بضم الهمزة، على وزن ((الحمرة)): هو انتفاخها، قاله الجوهري.
قوله: ولو أذن المدعى عليه المنكر لأجنبي في مصالحة المدعي، فهل يكفي ذلك في صحة الصلح، أم لابد من إقراره عند الوكيل بأن العين ملك للمدعي؟ فيه وجهان.
أصحهما في ((الحاوي)): أنه يكفي.
ثم قال: فعلى هذا يكفي الوكيل أن يقول: هو لك، وقد وكلني في مصالحتك.
وبه جزم القاضي أبو الطيب في ((تعليقه)).
وإن قلنا: لابد من إقراره فلابد أن يقول الوكيل: العين لك، وقد أقر بها المدعى عليه، ووكلني في مصالحتك.
وهذا ما ادعى ابن يونس أن كلام الشيخ محمول عليه، وهو الذي أورده ابن الصباغ والمحاملي.
انتهى ملخصًا.
فأما ما ذكره أولا على القول بأنه يكفي من أنه لابد أيضًا من اعتراف الوكيل بأنه للمدعي، وأن القاضي أبا الطيب قائل به- فإن القاضي وإن جزم بذلك إلا أنه لم يفرعه على القول بالاكتفاء بالمصالحة، فقال: فإن صالحه للمدعى عليه جاز الصلح إذا أقر للمدعي بالعين، وقال: إنه وكلني في مصالحتك.
هذا لفظ ((التعليقة))، فيجوز أن

يكون ذلك تفريعًا على اشتراط الإقرار.
وأما ما ذكره على القول باشتراط الإقرار من أن الوكيل لابد مع ذلك من اعترافه بأن العين للمدعي فمعلوم: أن الوكلاء لا يشترط فيهم ذلك.
وما ذكره عن ((الشامل)) من اشتراطه غلط، فإنه قال ما نصه: فإنه يقول للمدعي: إن المدعى عليه معترف لك في الباطن، وقد وكلني أن أصالح عنه.
هذه عبارته، ولم يشترط معه شيئًا آخر، وكذا ذكر ابن يونس، فقال نقلًا عن الشيخ: قال: وإن كان المدعى عينًا لم يجز حتى يقول: هو لك- أي: هو مقر لك في الباطن- وقد وكلني في مصالحتك، فعند ذلك يصح.
انتهى كلامه.
فهذا هو الذي حمل عليه كلام الشيخ، وليس فيه اشتراط اعتراف الوكيل مع الأمرين الأخيرين.
قوله: وما روى عن صاحب ((التلخيص)) من أنه جوز الصلح عن أرش الموضحة إذا علما قدره، وأنه منع صحة بيعه- فقد خالفه فيه المعظم.
وقالوا: إن كان الأرش مجهولًا كالحكومة التي لم تقدر بعد لم يصح الصلح عنه ولا بيعه.
وإن كان معلوم القدر والصفة: كالدراهم إذا ضبطت في الحكومة جاز الصلح عنها، وجاز بيعها ممن هي عليه.
وإن كان معلوم القدر دون الصفة، كالإبل الواجبة في الدية ففي جواز الاعتياض عنها بلفظ الصلح وبلفظ البيع وجهان.
انتهى كلامه.
وما قاله- رحمه الله- من نقل هذا التقسيم عن صاحب ((التخليص)) قلد فيه الرافعي، وهو لا ينطبق على ما نقله هو عنه، فإنه فرض المسألة في المصالحة عن أرش الموضحة إذا علم قدر أرشها، فكأنه صالحه على خمس من الإبل، وهو القسم الثالث من التقسيم المتقدم، فلا يجئ القسمان الأولان أصلًا.
قوله: واعلم أنه كما يجوز له أن يشرع الجناح إلى الشارع يجوز لمن له فيه داران متقابلتان أن يركب عليهما ساباطًا، ويجوز له أن يحفر فيه سردابًا ويبني عليه أزجا يمر عليه المارة، ويحكمه، صرح به العراقيون وغيرهم.
قال في ((بحر المذهب)): ويمثل هذا أجاب الأصحاب- يعني في السرداب- فيما إذا لم يكن الطريق نافذًا، وغلط من قال بخلافه.
انتهى كلامه.
وما نقله- رحمه الله- عن ((البحر)) قد غلط فيه عليه، فإن المذكور في ((البحر)) إنما هو ترجيح المنع، فإنه ذكر حكم الشارع في إخراج الجناح والساباط والسرداب،

ثم قال: فرع: لو كان زقاقا غير نافذ اختلف أصحابنا فيه: فقال بعضهم- وهو اختيار أبي حامد-: الحكم فيه كالحكم في الطريق النافذ، بدليل أنه يجوز لكل أحد دخول هذا الزقاق.
وقال هذا القائل: والشافعي لم ينص على هذه المسألة في ((الأم)).
ثم قال ما نصه: وقال بعض أصحابنا- وهو اختيار القاضي الطبري، رحمه الله-: ليس له ذلك، لأن ذلك مملوك لهم، ولا يجوز لأحد منهم الانفراد بهوائه، وهذا أقيس عندي.
هذا كلام ((البحر)) بحروفه، ولم يذكر فيه غير ذلك، ولم ينص في غير النافذ على السرداب بخصوصه، لكنه يؤخذ مما سبق في الشارع.
وذكر الروياني في ((الحلية)) أيضًا مثله، فقال- بعد ذكر الجناح والساباط في الشارع-: وكذلك لو حفر سردابًا من داره إلى دار أخرى له بحذائها في طريق شارع، وأحكم ذلك بالأزج- يجوز، لأنه لا فرق بين أن يرتفق بما تحتها، أو بما فوقها إذا لم يضر بالمارين، ولو أراد ذلك في طريق سكة غير نافذ فلا يجوز إلا بإذن أهل السكة في ظاهر المذهب، وهو اختيار القاضي الطبري وجماعة.
هذا لفظ ((الحلية)) - أيضًا- والموقع للمصنف في هذا الغلط هو الرافعي، فإنه نقله عن الروياني.
قوله: أما إذا قلنا بالقول القديم- أي: في وضع الجذوع على جدار الجار- فلا تجوز له المصالحة على عوض، لأن من وجب عليه حق لم يجز أن يعتاض عنه.
قلت: قد حكى الغزالي في كتاب الإجارة فيما إذا أسلمت امرأة، وليس هناك من يحسن الفاتحة إلا واحد، فجعل صداقها تعليمها الفاتحة- جاز على الأصح من الوجهين، مع أن ذلك واجب عليه، فيتجه أن يجئ مثل ذلك هنا.
انتهى كلامه.
والجواب عما قاله قد ذكره الإمام في كتاب الصداق، وهو أن الوجوب إذا لاقى الشخص يجب عليه بذلك الأجرة لغيره، وإن تعين الغير طريقًا، والوجوب هنا لم يلاق صاحب الجذوع، بل لاقى الجار أولًا، فلا يأخذ عنه عوضًا.

باب الحوالة

قوله: ومن السنة قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على ملئ فليتبع)).
ألف ((أتبع)) مضمومة، وتاؤه تسكن وتخفف، وتاء ((فليتبع)) مشددة انتهى كلامه.
وما ذكره جازمًا به من تشديد التاء في ((يتبع)) فإنه مقالة ضعيفة جدًا، قال النووي في ((شرح مسلم)): والصواب المعروف في كتب الحديث وغيرها: هو التخفيف.
قوله- رحمه الله-: ولا تفتقر إلى رضا المحال غيره، على المنصوص، أي: في ((المختصر)).
ثم قال: ومقابله: أنه لابد من رضاه، وقد رواه أبو العباس بن القاص عن نصه في ((الإملاء)).
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ادعاه من أن الشافعي نص في ((المختصر)) على ذلك سهو، فإنه لم ينص فيه على المسألة.
نعم نص في باب الطعام منه- أي: من ((المختصر)) - على أن الحوالة بيع، وحينئذ فيمكن أن يتفرع عليه عدم اشتراط رضا المحال عليه، وقد صرح المصنف في ((المطلب)) بذلك، وجعل المسألة مستنبطة من هذا النص، لا منصوصًا عليها.
الثاني: أن ما ادعاه من نسبة مقابله إلى ((الإملاء))، وأن ابن القاص نقل ذلك- ففي ((الرافعي)) عن المذكور- وهو: ابن القاص نسبته إلى ((الأم))، ولم ينسبه على ((الإملاء)).
قوله: وفي وجهٍ تجوز الحوالة بمال الكتابة ودين السلم، وعليهما.
ثم قال: وقد بناه الرافعي والماوردي في مسألة المسلم فيه على أنها استيفاء لا معاوضة، ويشبه أن يبني في مسألة الكتابة عليه أيضًا.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن ما ذكره في الكتابة من البناء لم يقف عليه منقولًا، لكن قد صرح القاضي الحسين في باب الكتابة من ((تعليقه)) بالبناء المذكور موافقًا لبحثه، فإنه ذكر أن السيد ليس له أن يحيل على المكاتب بمال الكتابة، ثم قال ما نصه: هذا إذا قلنا:

الحوالة معاوضة، فإن قلنا: إنهاء استيفاء الحق، فتجوز الحوالة بمال الكتابة، سواء أحال المكاتب السيد على رجل له عليه دين، أو أحال السيد رجلا على المكاتب.
هذا لفظه، ذكره بعد نصف الباب بقليل.
قوله: وقيل إذا قلنا: إنهاء استيفاء، جاز أن يحيل بالحال عن المؤجل، وبالمؤجل إلى شهر عن المؤجل إلى أكثر منه، وبالصحيح عن المكسر، وبالجيد عن الرديء، ولا يجوز العكس.
وفي ((الوسيط)) عكس هذا، فإنه قال: كل ما يمنع الاستيفاء، إلا بمعاونة تمتنع الحوالة فيه.
ولو كان لا يمنع الاستيفاء، بل يجب القبول، ولا يشترط رضا المستحق به: كتسليم الصحيح عن المكسر، والأجود عن الرديء، والحال عن المؤجل في بعض الأحوال- جازت الحوالة به وإن كان يفتقر إلى الرضا المجرد دون المعاوضة، ففيه وجهان، وهذا ما حكاه الإمام عن شيخه.
انتهى كلامه.
وما توهمه من أن كلام ((الوسيط)) على العكس من ذلك الوجه ليس كذلك، فإن حاصل ذلك الوجه: أن الدين المحال عليه إذا كان أجود صفة من المحال به، جازت الحوالة، وسببه- كما قال الرافعي-: أنه يجوز للمحيل إعطاؤه، فإذا أحال المؤجل مثلًا على الحال، فقد عجل.
وكلام الغزالي يوافق الوجه، فإنه ذكر ثلاثة أقسام: الأول: ما يتوقف على المعاوضة لاختلاف الجنس، ولا كلام فيه.
والثاني: ما لا يتوقف عليها، بل ولا على الرضا من المستحق كتسليم الصحيح عن المكسر، فتجوز الحوالة، فإذا لزمه مكسر فأحال بصحيح عنه جاز، وهو الذي جزم به الغزالي هو الوجه المتقدم.
وقد تقدم تعليله عن الرافعي.
والثالث: ما يتوقف على الرضا دون المعاوضة، كما لو لزمه صحيح، فأحال عنه بمكسر- ففيه وجهان.
هذا ما قاله الغزالي، وحاصله: أنه جزم بذلك الوجه، وذكر معه وجهين في حوالة الأجود على الأردأ ونحوه، وأما ما ادعاه من أن في ((الوسيط)) عكس ذلك الوجه حتى يحال بالجيد على الرديء مثلًا دون العكس، فلا ذكر له في ((الوسيط)) ولا في غيره.
قوله: وإذا قال لمن له عليه دين: أحلتك على فلان، فقبل، ثم اختلفا، فقال: أردت الوكالة، وقال المحتال: بل أردت الحوالة- فالصحيح، وبه قال المزني: أن القول قول المحيل.
ثم قال: فإن قلنا بقول المزني، فإن كان المحتال لم يقبض الحق بعد، لم يكن له

قبضه، فلو قبضه فهل يكون مضمونًا عليه؟ فيه وجهان.
قال الماوردي: مأخوذان من اختلاف أصحابنا في أن هذه وكالة فاسدة أو حوالة فاسدة؟ فإن قلنا: وكالة فاسدة، لم يضمن، وإلا ضمن.
وإن كان قد قبضه برئ المحال عليه.
وحكى الرافعي عن الإمام رواية وجهٍ ضعيف عن صاحب ((التقريب)) أنه لا يبرأ، والذي فهمته من كلام الإمام: ما حكيته عن الماوردي من قبل.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من مغايرة كلام الإمام لما نقله عنه الرافعي، وتنزيل ذلك على ما قاله الماوردي- غلط عجيب، بل الموجوج في ((النهاية)) كما نقل الرافعي، فإنه ذكر المسألة في أواخر الباب، وحكى عن صاحب ((التقريب)) خلافًا فيما إذا صدقه المحيل: هل يكون ذلك بمثابة حوالة فاسدة أم لا؟ ثم قال ما نصه: فإن قلنا: إن سبيله سبيل الحوالة الفاسدة، فإذا كان المحال عليه سلم المال إلى المحتال فهل يبرأ بالتسليم إليه عما عليه؟ فعلى وجهين ذكرهما، يعني صاحب ((التقريب)).
هذا لفظه بحروفه، والعجب كيف قال المصنف ما قال مستدركًا به على غيره لا سيما الرافعي.

باب الضمان

قوله: وهو ما روى الترمذي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((والزعيم غارم))، وقال: إنه حسن صحيح.
انتهى.
واعلم أن الموجود في نسخ ((الترمذي)) إنما هو تحسينه.
نعم، أخرجه ابن حبان في صحيحه.
قوله: وإذا ضمن العبد بإذن سيده، وفي يده شيء من أموال التجارة- تعلق به على الصحيح.
ثم قال: فرع: إذا قلنا يتعلق بمال التجارة، فهل يتعلق بما يكسبه بعد الضمان، أو به وبما في يده من الربح الحاصل من قبل، أو بهما وبرأس المال؟ فيه ثلاثة أوجه، أقيسها الثالث.
انتهى.
وتعبيره بقوله: بعد الضمان، سهو، بل صوابه المجزوم به في ((الرافعي)) وغيره: اعتبار الإذن لا الضمان، فإنه قد يتراخى عنه بأعوام.
قوله: فإن قيل: الحر لو قال: ضمنت لك ما لك على فلان في هذا المال، لم يصح- قلنا: لا نسلم أن الضمان في العين لا يصح، فإن القاضي ابن كج صححه كما ستقف عليه.
انتهى كلامه.
ولم يذكر المصنف عن ابن كج بعد ذلك في المسألة شيئًا بالكلية، ولا شك أن النقل عنه غلط، لأن المصنف لم يقف على كتابه، وإنما ينقل عنه بواسطة نقل الرافعي، ولم ينقل الرافعي ذلك عنه.
قوله فإن قيل: الحر لو قال: ضمنت لك ما لك على فلان في هذا المال، لم يصح- قلنا: لا نسلم أن الضمان في العين لا يصح، فإن القاضي ابن كج صححه كما ستقف عليه.
انتهى كلامه.
ولم يذكر المصنف عن ابن كج بعد ذلك في المسألة شيئًا بالكلية، ولا شك أن

النقل عنه غلط، لأن المصنف لم يقف على كتابه، وإنما ينقل عنه بواسطة نقل الرافعي، ولم ينقل الرافعي ذلك عنه.
قوله: ولا يصح الضمان حتى يعرف الضامن المضمون له دون المضمون عنه.
وقيل تشترط معرفتهما.
ثم قال: وقيل: لا تشترط معرفة واحد منهما، لأن عليا وأبا قتادة ضمنا دين من لم يعرفاه، كذا قاله الماوردي، مع أنه حكى في موضع آخر: أن المضمون عنه كان من أهل الصفة.
انتهى كلامه.
واعلم أن هذه اللفظ الذي نقله عن الماوردي لا اعتراض عليه فيه، لأنه إنما يصح الاعتراض أن لو أراد بقوله: دين من لم يعرفاه، هو المضمون عنه، ولم يصرح به فيما نقله عنه، بل المتبادر منها عند الإطلاق إنما هو المضمون له، لأن الدين له.
نعم، الماوردي عبر بقوله: ضمنا عمن لم يعرفاه ولا لمن يعرفاه.
هذا لفظه، والاعتراض عليه متوجد حينئذ، وكأن المصنف لما وقف عليه ظهر له الاعتراض، ولكن عبر بعبارة تدفعه، على أن الجواب عن الماوردي سهل، وهو أنهما كانا إذ ذاك غير عالمين، ثم ظهر بعد ذلك.
قوله التفريع: إن قلنا باشتراط معرفة المضمون عنه فلا خلاف في عدم اشتراط رضاه.
انتهى.
وما ذكره من نفي الخلاف ذكره إمام الحرمين ثم الرافعي والنووي، وليس كذلك، فقد نقل هو في ((المطلب)) عن ((تعليقه)) القاضي الحسين وجهًا: أنه يشترط، وأن أبا الحسن الجوري في ((شرح المختصر)) قد قال به أيضًا.
قوله- نقلًا عن الإمام-: ولا يشترط رضا المضمون له عند الأكثرين، لكن لا يلزمه قبوله ما يحضره الضامن إن كان بغير إذن المضمون عنه.
ثم قال: وإن كان بإذن المضمون عنه حيث لا يثبت له الرجوع ففي اللزوم وجهان.
والأشهر: انه ليس له الامتناع، وهما مبنيان على أن المؤدى يقع فداء أو موهوبا ممن عليه الدين؟ إن قلنا بالثاني لم يكن له الامتناع.
انتهى كلامه.
وهذا البناء الذي نقله عن الإمام قلد الرافعي في نقله عنه، وليس مطابقًا لما في

((النهاية))، فإنه قال فيها ما نصه: إذا قال لغيره: أد ديني، وقلنا: لا يثبت الرجوع إذا لم يقيد- ففي امتناع مستحق الدين عن القبول وجهان: أحدهما: ليس له الامتناع، وهو الأشهر، فإن المؤدي مستناب من جهة الآذن، وليس لمستحق الدين تخير في عين المؤدى.
والوجه الثاني: له الامتناع، فإنه إذا كان لا يملك الرجوع فالمدفوع إلى مستحق الدين يقع فداء أو موهوبًا: فإن كان فداء لم يلزمه القبول كما لو كان الأداء بغير إذنه، وإن كان المؤدى في حكم الموهوب ممن عليه فالهبة إنما يثبت الملك فيها بالقبض، ولمستحق الدين أن يقول: لست أجلب ملكًا لمن عليه الدين بيدي، ولا يلزمني ذلك.
هذا كلامه ومخالفته لما قاله الرافعي ظاهرة، ثم ذكر- أعني الإمام- بعده كلامًا آخر، فقال: وإذا لم يبعد إلزامه تحصل الملك للمؤدى عنه مع افتراض عوضه باشتراط الرجوع، لم يبعد إلزامه قبض ما يقدر موهوبًا في حق المديون، وهذه الزيادة- أيضًا- لا تحقق ما قاله المصنف، فإن غايته أنه ذكر بحثًا في اللزوم على القول بأن هبة، بعد أن جزم بعدمه تفريعًا عليه، وجعل مستند عدم اللزوم شيئًا آخر.
قوله: ثم محل الخلاف- أي في ضمان الثمن في مدة الخيار- إذا كان الخيار للمشتري وحده أو لهما، أما إذا كان للبائع وحده صح وجهًا واحدًا، صرح به المتولي.
انتهى كلامه.
واعلم أن هذا النقل مذكور في ((التتمة)) على ما نقله المصنف، لكن قد تقدم في البيع في الكلام على أقوال الملك في زمن الخيار: أن الثمن والمبيع لا يجتمعان في ملك شخص واحد، بل حيث قلنا: إن الملك في المبيع للمشتري، فالثمن للبائع، وإن قلنا: للبائع، فالثمن للمشتري، وإن قلنا: موقوف، فموقوف، وتقدم- أيضًا- أن هذه الأقوال الثلاثة جارية سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما، إلا أن الصحيح أنه إذا كان الخيار لأحدهما كان الملك له، وقيل: محل الخلاف إذا كان لهما، فإن كان لأحدهما فالملك له قطعا.
وعلى هذا: فإذا كان الخيار للبائع كان الملك في المبيع له: إما بلا خلاف، وإما على الصحيح، وحينئذ فلا ثمن على المشتري قطعًا، أو على الراجح، فضلًا عن كونه لازمًا، فكيف يتصور أن يقال فيه بصحة الضمان بلا خلاف مع حكاية الخلاف في عكسه؟! وبذلك يظهر أن هذه الطريقة قد انعكست على صاحب ((التتمة)).

قوله: وخرج ابن سريج قولًا بجواز تعليق الضمان، فعلى هذا: لو قال: إذا بعت عبدك لفلان بألف فأنا ضامن للثمن، فباعه منه بخمسمائة- فعند صاحب ((التقريب)): يكون ضامنًا لها، وعند ابن سريج: لا.
ثم قال: قلت: وقد حكى الإمام عن ابن سريج في أواخر هذا الباب: أن رجلًا لو ادعى أن فلانًا ضمن لي ألف درهم، وأقام شاهدين: شهد أحدهما أنه ضمن ألفا، والآخر أنه ضمن خمسمائة- فالألف لا تثبت، وهل تثبت الخمسمائة؟ فعلى قولين خرجهما ابن سريج، وكان يتجه أن يخرج مثلهما هاهنا.
انتهى كلامه.
وما حاوله- رحمه الله- من تخريج الأولى على هذا الخلاف سهو، فإن الحكم المذكور فيها- أعني في الأولى- مفرع على صحة التعليق، والمعلق عليه هو البيع بألف، ولم يوجد، فلذلك جزم ابن سريج بأنه لا يكون ضامنًا لشيء، وهذا المعنى غير موجود في مسألة الشهادة.
قوله: قال: وإن أحاله على من لا دين له عليه، أي: وصححناها- لم يرجع في الحال، لأنه لم يغرم شيئًا.
قال: حتى يدفع إليه المحال عليه، ثم يرجع على الضامن فيغرمه، ثم يرجع الضامن على المضمون عنه، لأنه حينئذ غرم بإذنه.
وهذا من الشيخ تفريع على أن هذه الحوالة لا تحصل براءة ذمة المحيل في الحال.
فإن قلنا بالبراءة لم يشترط دفع المحال عليه، بل يشترط رجوع المحال عليه على المحيل الذي هو الضامن.
انتهى كلامه.
واعلم أن الشيخ قد صحح في باب الحوالة: أن الحوالة على من لا دين عليه غير صحيحة، واقتضى كلامه أن إذا صححناها برئت ذمة المحيل كما نقله عنه المصنف هناك، وحينئذ فيصير تقريره هنا لكلام الشيخ مخالفًا للمذكور هناك من وجهين، وهما: جزمه بصحة الحوالة، وبعدم البراءة، ولنا عن هذا كله مندوحة، فإن الشيخ هنا لم يتعرض لصحة الحوالة ولا لبطلانها، والحكم الذي ذكره لا يتوقف على صحتها، لأن ما وقع إذن في أداء الدين، والإذن فيه كافٍ في استحقاق الرجوع إذا وقع الأداء، فيكون قد صحح هناك بطلانها، وفرع هنا على ما صححه هناك، وهذا أصوب من التقرير الذي ذكره المصنف، فإنه واضح جلي لا تناقض معه.
قوله: وإن غاب المكفول إلى موضع معلوم لم يطالب به حتى يمضي زمان يمكن

المضي فيه إليه والرجوع، فإذا مضت تلك المدة ولم يأت به حبسه الحاكم إلى أن يحضره أو يموت المكفول به، انتهى كلامه.
وما ذكره في آخره من تقييد غاية حبسه بالموت ليس كذلك بل الصواب ما قاله في ((المطلب)): إلى أن يتعذر إحضاره بموت أو جهل بموضعه أو إقامة عند من يمنعه.
واعلم أن الاقتصار على مدة الذهاب والإياب ذكره الأصحاب- أيضًا- وينبغي أن تعتبر مع ذلك مدة إقامة المسافرين، وهي ثلاثة أيام غير يوم الدخول والخروج، للاستراحة وتجهيز المكفول.

باب الشركة

قوله: والدليل على بطلان الشركة في غير النقدين من النقار والسبائك وغيرهما: القياس على القراض.
انتهى.
والنقار- بنون مكسورة وقاف- جمع ((نقرة)) بضم النون وسكون القاف، والنقرة: هي السبيكة، كذا قاله الجمهور، وحينئذ يكون شاملًا للذهب والفضة، ولهذا قال الشافعي في ((الأم)): ولو غصب نقرة من ذهب.
هذه عبارته، وإذا تقرر ما ذكرناه علمت منه- أيضًا- مرد توهمه المغايرة بين النقار والسبائك.
قوله: فرع: قال الرافعي: إذا جوزنا الشركة في المثليات، فإن استوت القيمتان كانا شريكين على السواء، وإن اختلفا، كما إذا كانا لأحدهما كر حنطة قيمته مائة، وللآخر كر قيمته خمسون- فهما، شريكان بالثلثين والثلث، كذا حكاه الرافعي.
ثم قال: وهذا مبني على قطع النظر في المثليات عن تساوي الأجزاء في القيمة، وإلا فليس هذا الكثير مثلًا لذلك القليل.
قلت: وهذا الكلام منه يدل على صحة عقد الشركة عليها، والذي شرطناه أولا من تساوي المثلين في الوصف يمنع ذلك، وقد صرح بحكاية المنع في هذه الصورة الروياني في ((البحر)) انتهى كلامه بحروفه.
وما ذكره من اشتراط التساوي في الوصف قد نقله عن الرافعي قبل ذلك أيضًا بقليل، إذا علمت ذلك فالذي ذكره المصنف من المنع في هذه الصورة، وأن اشتراط التساوي في الوصف مانع من الصحة حتى يتنافى كلام الرافعي- غريب، فإنهم إنما شرطوا التساوي في الأوصاف التي يحصل بها التمييز في مرأى العين حتى لا يمكن تمييز أحد المالين من الآخر، لا التساوي في القيمة، وقد صرح الرافعي بذلك فقال: وإذا جوزنا الشركة في المثليات وجب تساويهما جنسًا ووصفًا، فلا يكفي خلط حنطة حمراء ببيضاء، لإمكان التمييز وإن كان فيه عسر، وفي وجه: يكفي، لأنه يعد خلطًا.
هذا كلامه، واعلم أن الرافعي عبر بقوله: وإلا فليس هذا الكر مثلًا لذلك الكر، ولم يعبر بالقليل والكثير.

باب الوكالة

قوله: والوكالة في الشرع: إقامة الوكيل مقام الموكل في العمل المأذون فيه.
انتهى وهذا حد عجيب يلزم منه الدور، لأنه تعريف الشيء بما هو مأخوذ منه، والأولى في حد ذاته أن يقال: تفويض ما له فعله مما يقبل النيابة، إلى من يفعله في حال حياته.
وعدل في ((المطلب)) عما ذكره هنا، فقال: نيابة اختيارية في قول أو فعل ... إلى آخر ما قال.
قوله- في توكيل الصبي في حمل الهدية، وفي الإذن في الدخول-: قال الإمام: إن لم توجد قرينة ففي الاعتماد عليه وجهان ينبنيان على الوجهين في روايته.
ثم قال: وهذا ما حكاه الفقهاء، والذي حكاه الأصوليون: منع قبول روايته.
انتهى كلامه.
وما توهمه من المغايرة بين كلام الأصوليين والفقهاء بالنسبة إلى إثبات الخلاف ونفيه ليس كذلك، فإن الخلاف عند الأصوليين ثابت مشهور كالفقهاء، والفقهاء- أيضًا- قد صححوا المنع كالأصوليين، حتى صححه الرافعي والنووي لما حكياه في استقباله القبلة والمياه وغيرهما.
وقد ذكر المصنف هنا من الألفاظ المحتاجة إلى الشرح لفظ ((العرامة))، وهي بعين مفتوحة وراء مهملتين.
قوله- نقلًا عن: الشيخ-: من جاز تصرفه فيما توكل فيه جاز توكيله وجازت وكالته، ومن لا فلا، إلا كذا وكذا.
ثم قال: وقد استثنى مما ذكره الشيخ مسائل، منها: إذا قال لزوجته: إذا طلقتك فأنت طالق قبلة ثلاثًا، فإنه يمتنع عليه إيقاع الطلاق على رأيٍ، وله التوكيل في الطلاق، فإذا طلق الوكيل وقع على الأصح كما حكاه الجيلي، وأجاب عنه بعد ذلك بأن قال: يجوز أن يكون الشيخ اختار فيها وقوع الطلاق.
هذا لفظه.
وفيه أمران: أحدهما: أن جواز التوكيل والحالة هذه قد ذكره الرافعي في كتاب الطلاق جازمًا

به، ونقله عن الإمام وغيره، واقتصار المصنف على نقله عن الجيلي غريب، فإن عادته- وهو الذي ينبغي، أيضًا- ألا يقتصر على النقل عنه إلا في شيء لم يوجد لغيره، والظاهر أنه لم يستحضر ذلك في هذا الموضع، ولم يقف عليه لغيره.
الأمر الثاني: أن جوابه بقوله: يجوز أن يكون اختيار الشيخ هو الوقوع، أغرب من السؤال، فإن العادة- أيضًا- ألا تطلق هذه العبارة إلا في حكم لم يعلم اختيار قائله، والشيخ قد صرح بها في ((التنبيه))، وصح خلاف ما جوز أن يكون هو اختياره، مع أنه الكتاب المشروح ومحفوظ المصنف أيضًا.
قوله: مجيبًا عن بعض الصور التي أوردت على الشيخ-: وهذا خارج من كلامه، لأن ((ما)) في قوله: من جاز تصرفه فيما يوكل فيه، نكرة موصوفة، والكاف في ((يوكل)) مفتوحة، فيكون تقديره: في شيء يقبل النيابة.
انتهى.
وما ذكره من تكلف إخراج ((ما)) عن كونها موصولة إلى كونها نكرة موصوفة، يقتضي توقف الجواب عليه، وهو عجيب، فإن الموصولة كذلك أيضًا.
قوله: ثم جواز التوكيل في الفسوخ مصورًا بما إذا لم يكن حق الفسخ على الفور، أما إذا كان على الفور.
قال الرافعي: فالتأخير فيه بالتوكيل قد يكون تقصيرًا، وهذا ما ذكره المتولي جزمًا.
انتهى كلامه.
واعلم أن إذا اطلع على العيب وهو يأكل، أو في حمام أو ليل- فإنه لا يلزمه المبادرة ولا التلفظ بالفسخ، وإن كان الفسخ بالعيب على الفور، فإذا وكل فيه لم يكن تقصيرًا بلا نزاع، وإذا اجتمع المالك مثلًا أو القاضي، فلم يفسخ، بل وكل فيه- كان تقصيرًا، وعليه يحمل كلام ((التتمة))، فلما انقسم ذلك قسمين عبر الرافعي بقوله: ((قد يكون))، إذ لا يحسن إطلاق الجزم بأحدهما، هذا حاصل كلام الرافعي، وما فهمه من أن الرافعي متوقف، ممنوع، فإن الحمل على ذلك يعكر عليه الرافعي فيما ذكرناه في القسم الأول، وأيضًا: فإن المسألة في ((التتمة))، ويبعد عدم اطلاع الرافعي عليها، وأيضًا: فإن هذه الصيغة ليست صيغة توقف.
قوله: وما ذكره الجمهور والقاضي، بناء على الصحيح في أن الإبراء من المجهول لا يصح.

أما إذا قلنا: إنه يصح، فيحسن أن نجزم بالصحة، وعليه يتفرع ما إذا قال أبرئ فلانًا عن شيء من ديني، أو عما شئت من ديني- فيصح إبراؤه بشرط أن يبقي منه شيئًا.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من تفريع الصحة في هاتين المسألتين على القديم حتى يكون باطلًا على الجديد، سهو أوقعه فيه إلباس وقع في كلام الرافعي، فإنه قال: وقوله- يعني ((الوجيز)) -: يستدعي علم الموكل، يجوز إعلامه أيضًا، لأنا إذا صححنا الإبراء عن المجهول لا يعتبر علم الموكل أيضًا.
ثم ينظر في صيغة الإبراء: إن قال: أبرئ فلانًا عن ديني، أبرأه عن الكل، وإن قال: عن شيء منه، أبرأه عن قليل منه، وغن قال: عما شئت، أبرأه عما شاء، وأبقى شيئًا.
هذا كلامه، فقوله: ثم ينظر، استئناف كلام، ولذلك احترز في ((الروضة))، فذكره حكمًا مستقلًا بلفظ لا إلباس فيه، فتوهم ابن الرفعة أنه تفريع على ما قبله، فصرح به، وهو باطل.
أما في قوله: عما شئت، فواضح، فإن التخيير ليس من أقسام الجهالة قطعًا، ولهذا لو قال: بع بما تراه، أو: بع ما شئيت من عبيدي، ونحوه- صح.
وأما إذا قال: عن شيء منه، فلأن المجهول الذي يبطله هو الإبراء عن دينه، ولا يعلمه، لما في تصحيحه من الغرر الظاهر، ولفظ ((الشيء)) محمول على الأقل، فلا غرر فيه، وقد وافق في ((المطلب)) على ما قلناه في ((ما شئت))، وقال في لفظ ((الشيء))، إنه تفريع على الإبراء من المجهول، وأولى بالبطلان.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في المسألتين من كونه يصح إبراؤه بشرط أن يبقى شيئًا- صحيح في المسألة الثانية، وأما في الأولى فلا، بل لا يبرئه إلا عن أقل ما ينطلق عليه الاسم، أن اللفظ لا عموم فيه ولا تخيير، والاسم قد صدق بالأقل، فكيف يبرئه عن زيادة مع الشك في إرادته؟! وقد صرح صاحب ((التتمة)) بذلك، ونقله عنه في ((الروضة))، وقال: إنه واضح.
وكلام الرافعي المتقدم كالصريح فيه، ولهذا غاير بني المسألتين.
قوله: ثم ما ذكرناه من عدم اشتراط الفورية في الوكالة مفروض فيما إذا لم يعين زمان العمل الذي وكل فيه.

فإن تعين وخيف فواته كان القبول فيها على الفور.
وكذلك لو عرضها الحاكم عليه عند ثبوتها عنده صار قبولها على الفور، صرح به الماوردي، وتبعه الروياني.
انتهى.
أهمل صورة ثالثة ذكرها الروياني، وهي أن يوكله في إبراء نفسه.
قوله: ولا يجوز التوكيل في إثبات حد لله تعالى، لأنه يحتاط لإسقاطه، فالتوكيل في إثباته مناقض للمقصود.
ولأن الوكالة لو جازت في ذلك لكانت في الدعوى، والدعوى فيه غير مسموعة كما صرح به في ((البحر)).
انتهى كلامه.
واعلم أنه يستثنى من ذلك مسألة واحدة ذكرها الرافعي في كتاب اللعان وقذف الزوجات، وهي دعوى القاذف على المقذوف أنه زنى.
قوله: فرع: هل يجوز للوكيل البيع بالألف المأذون بالبيع بها مع من يرغب بزيادة؟ فيه وجهان في ((التتمة)) وغيرها، والذي يظهر: ترجيح المنع.
انتهى كلامه.
وظاهره أنه لم يقف فيه على ترجيح، فإن الرافعي لم يرجح في ((الكبير)) شيئًا، والراجح المنع كما ذكره المصنف بحثًا، فقد رجحه الرافعي في ((الشرح الصغير)) فقال: إنه الأشبه.
والنووي في ((زيادات الروضة)) فقال: إنه الأصح.
قوله: ولو دفع إليه آنفًا، وقال: اشتر بهذا الثمن عبدًا ولم يقل: بعينه، ولا: في الذمة- فوجهان.
أحدهما- وهو قول أبي علي الطبري في ((إفصاحه) -: أن مقتضاه الشراء بعينها [وقد تقدم حكمه والثاني: أنه يجوز أن يشتري بعينها] وفي الذمة، وينقد الألف، وهو ما اختاره في ((المرشد))، ورجحه الرافعي.
انتهى كلامه.
وما ذكره من حكاية وجهين مع الإشارة إلى الشراء بالألف، وأن الرافعي وصاحب ((المرشد)) صحيحًا وجه التخيير- غلط، فإنهما لم يذكرا هذه المسألة، والمنقول فيها: أنه يتعين الشراء بالعين على وفق ما نقله المصنف عن ((الإفصاح))، كذا صرح به الإمام في الكلام على ما إذا دفع إلى إنسان دراهم، وقال: اشتر لي بها طعامًا، ونقله المصنف عنه فيما إذا وكله في شراء شاة، فاشترى شاتين، وذكر معه الوهم الذي ذكره هاهنا، والمذكور في ((الرافعي)) و ((المرشد)): ما إذا وكل وسلم الألف، فإن الرافعي

قال: ولو سلمه إليه، وقال: اشتر كذا، ولم يقل: بعينه، ولا قال: في الذمة- فوجهان، أحدهما: أنه كما لو قال: اشتر بعينه، لأن قرينة التسليم تشعر به، وأظهرهما: أن الوكيل يتخير بين أن يشتري بعينه أو في الذمة، لأن على التقديرين يكون إتيانا لمأمور، ويجوز أن يكون غرضه من تسليمه إليه مجرد انصرافه إلى ثمن ذلك الشيء.
هذا كلام الرافعي، والعجب من فهم ابن الرفعة ذلك مع التعليل بقرينة التسليم! نعم، ذكر- أعني الرافعي- فيما إذا دفع دينارًا، وقال: اشتر به شاة- أنه يصح الشراء بعينه وفي الذمة، ثم ينقده.
وهذا التصوير كانه لم يقع عن قصد، وأما ابن عصرون فقال في ((المرشد)): وإن دفع إليه ألفا، وقال: اشتر عبدًا، ولم يقل: بعينها- فله أن يشتري بعينها، وله أن يشتري في الذمة وينقدها فيه، عملًا بمطلق الإذن.
هذا لفظه نقلته من النسخة التي كانت ملكًا للمصنف- أعني ابن الرفعة- وعليها خطه.
قوله: ولو استمهل البائع الوكيل في الرد بالعيب إلى أن يعلم موكله، لم يلزمه ذلك، فلو أجاب فهل يسقط حقه من الرد؟ فيه وجهان في ((المهذب))، والمختار منهما في ((المرشد)): عدم السقوط، وقد حكاهما الإمام عن العراقيين- أيضًا- فيما لو أبطل الوكيل حق رد نفسه بإلزام العقد، وصحح وجه السقوط، وهو الذي اختاره في ((المرشد)).
ثم قال عقبه من غير فاصل: وعلى هذا إذا حضر الموكل وأجاز العقد فلا كلام، وإن لم يرض به ففي ((التهذيب)): أن المبيع للوكيل، ولا يرد، لتأخيره مع الإمكان.
وقيل: له الرد، لأنه لم يرض بالعيب، وضعفه وهذا القول لم يحك البندنيجي والمتولي سواه، واختاره في ((المرشد))، وادعى الإمام أنه متفق عليه، لأنه إذا لم يبطل حق الموكل بإبطال الوكيل فبالتأخير أولى.
ثم هذا إذا توافق البائع والمشتري والموكل على أن العقد وقع للموكل بالنية أو بالتصريح بالسفارة.
انتهى كلامه.
وهذا الذي قاله- رحمه الله- غلط يحتاج في فهمه إلى فكر وخلو بال وتطويل، فنقول لا شك أنه فرض ذلك فيما إذا توافقوا على أن العقد وقع للموكل كما ذكره في آخر المسألة، وحينئذ فالتفريع المشار إليه بقوله: وعلى هذا ... إلى آخره، قد تقدمه

مسألتان: المسألة الأولى: إذا استمهل البائع، والثانية: إذا رضي الوكيل بالعيب وألزم العقد: فإن كان ذلك التفريع عائدًا على المسألة الثانية- وهو المتبادر من كلامه- فهو باطل، لأنه لا خلاف والحالة هذه أن البيع للموكل، وأن له الرد على البائع، وتعود السلعة إليه، ولا تعود إلى الوكيل، وقد صرح الرافعي بذلك- أعني بعدم الخلاف فيه- ونقل القول به عن البغوي بخصوصه، وأيضًا: فتعليله الذي نقله عن الإمام يمنع تصوير المسألة بذلك بالضرورة، فراجعه.
وإن كان التفريع المذكور راجعًا إلى المسألة الأولى، وهي مسألة الاستمهال، لكونها المسألة الأصلية، والثانية كالتذييل عليها- فلا يكون التفريع عليها الذي قاله كله صحيحًا، بل المستقيم منه ما نقله عن ((التهذيب)) خاصة، وقد نقله عنه الرافعي، ثم استشكله، فقال: ولو أخر كما [إذا] التمس البائع، فحضر الموكل، ولم يرضه- قال في ((التهذيب)): المبيع للوكيل، ولا رد، لتأخيره مع الإمكان، وقيل: له الرد، لأنه لم يرض بالعيب، قال: وهو ضعيف، ولك أن تقول ... إلى آخره.
وهذا الذي قاله الرافعي مطابق لكلام المصنف إن أراد ما قلناه، لكن هذا التفريع إنما هو على القول ببطلان خيار الوكيل عند الاستمهال بلا شك، فكان ينبغي أن يصرح به فيقول: فإن أبطلنا، أو ما في معناه، فإنه قد ت قدم منه ذكر وجهين، لاسيما وقد نقل ترجيح عدم البطلان واقتصر عليه، فكيف يصح أن يقول: وعلى هذا، مشيرًا إلى البطلان؟! فإن ذلك لا يصح مع عدم الرجحان، فضلًا عما إذا كان مع رجحان الصحة.
وعلى كل حال فما نقله عن ((التهذيب)) ثابت فيه، لكنه لا يصح الإبراء إلا بالإضمار المذكور، وأما ما بعده- وهو قوله: وهذا القول لم يحك البندنيجي ... إلى آخره، فغلط، وذلك لأنه لا يمكن حمله على الإشارة إلى الوجه الأول الذي اختاره صاحب ((التهذيب)) من أن الموكل إذا لم يرض بالبيع فيرتد على الوكيل، لأن الإمام والمتولي وغيرهما من الجماعة الذين نقل عنهم هذا القول قائلون بالعكس، وهو جواز الرد على البائع، فتأمله، فبطل العود بسببه لذلك الوجه، والتعليل الواقع في كلام الإمام يوضحه، هذا مع أمور أخرى.

منها: أنه يلزم منه أن يكون كلام البغوي هو المشهور المعروف في المسألة، والأمر بالعكس كما دل عليه كلام الرافعي.
ومنها: أن قوله قبله: وعلى هذا، إنما يستقيم إذا ذكر قبله وبعده خلافه، ولم يذكره، ولا يمكن- أيضًا- حمله على الإشارة إلى الوجه الثاني الذي ضعفه البغوي، وهو القائل بأن الكيل يرد على البائع إذا رد الموكل عليه، لما قلناه من أن التعليل الذي علل به ناقلًا له عن الإمام، تعليلٌ لجواز رد الموكل على البائع، لا لجواز رد الوكيل عليه، ولأن المذكورين- أيضًا- لم يقولوا بذلك، بل قالوا بخلافه على اختلاف بينهم لا ضرورة لنا إلى الإطالة بذكره.
وقد ظهر لي سبب الغلط في كلام المصنف، وهو أن المشهور- كما تقدم- جواز رد الموكل على البائع، فتوهم المصنف: أن الوجه الذي ضعفه البغوي- وهو القائل بأن له الرد- يعود إلى الموكل، فأشار إليه، فقال ما حاصله أنه المعروف، والذي ضعفه البغوي إنما هو الجواز من الوكيل، وما قلته من السبب هو الموقع له بلا شك، وقد أتعبت نفسي يومًا وليلة كاملين في تحقيق هذا الموضع، ثم في تقريره، ثم في ذكر سببه.
قوله: وإن قال: اشتر بهذا الدينار شاة، فاشترى شاتين- كانا للموكل، لما روي ((انه - صلى الله عليه وسلم - دفع إلى عروة البارقي دينارًا ليبتاع به شاة، فاشترى به شاتين، فلقيه رجل، فسامومه في إحداهما، فباعها بدينار، ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه شاة ودينار، وحدثه الحديث، فقال: بارك الله لك في صفقة يمينك))، فكان بعد ذلك يخرج إلى كناسة الكوفة، فيربح الربح العظيم، وكان من أكثر أهل الكوفة مالًا.
وقيل: للوكيل شاة بنصف دينار، والأخرى للموكل، والحديث قد قيل: إنه مرسل، كما حكيناه عند بيع الفضولي، فلا حجة فيه، وإن صح- كما ذكر عبد الحق- أن البخاري خرج عن شبيب بن غرقدة قال: سمعت الحي يتحدثون عن عروة ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاه دينارًا ...)) وذكر الحديث، ففيه ما يستدل به لهذا القول.
انتهى كلامه.
وما توهمه من أن رواية البخاري هنا متصلة محتج بها، ليس كذلك، فإن قول الراوي: سمعت الحي يتحدثون، هو عين الإرسال الذي أشار إليه من قال: إنه مرسل، لأن عدالة الراوي شرط، ولم تحصل تسميته حتى تعرف عدالته، كذا صرح به البيهقي

وغيره، وقد تفطن في ((شرح الوسيط)) للصواب، فقال عقبه ما نصه: وهذه وإن أخرجها البخاري فهي منقطعة، فلا حجة فيها عند الشافعي.
هذا لفظه، وإنما أخرجه البخاري، لأن فيه قطعة متصلة.
قوله: فرع: لو ادعى البائع على الوكيل علمه برضا الموكل بالعيب، فحلف ورد، ثم حضر الموكل، وصدق البائع- بان بطلان الرد كما حكى ابن سريج، وعن القاضي الحسين خلافه كما حكاه المتولي، والذي رأيته في ((تعليقه)): أن الموكل إذا حضر وقال: كنت قد رضيت به، لا يحتاج إلى بيع جديد.
انتهى.
واعلم أن هذا النقل عن ((التتمة)) ليس كما قاله، وكأنه قلد فيه الرافعي، فإنه نقل عنها ذهاب القاضي إلى نفوذ الفسخ، وعبارة ((التتمة)): حكى القاضي.
وحكاية المذهب لا تستلزم ذهاب الحاكي إليه.
قوله: وإن وكله في البيع في سوق، فباع في غيرها- جاز.
وقيل: لا.
ثم قال: وقال في ((رفع التمويه)): محل القول الثاني إذا لم يقدر له الثمن، فإن قدره فباع به جاز وجهًا واحدًا.
انتهى كلامه.
واقتصاره على نقل ذلك عمن ذكره عجيب، فإن المسألة مجزوم بها في ((زيادات الروضة))، نقلا عن صاحب ((الشامل)) و ((التتمة)).
قوله: ولو اختلفا في التصرف فالمصدق الموكل، وفي قولٍ: الوكيل، وكلام الماوردي يدل على جريان القولين قبل العزل وبعده.
ثم قال: وقد حكى الرافعي أن قول الوكيل بعد العزل لا يقبل وجهًا واحدًا، وأن محل الخلاف قبله.
انتهى كلامه.
وما عزاه إلى الرافعي من دعوى عدم الخلاف لم يذكره، فإنه قال: نظر: إن جرى هذا الخلاف بعد انعزال الوكيل لم يقبل قوله إلا ببينة، لأنه غير مالك للتصرف حينئذ، وإن وقع قبله فقولان.
هذه عبارته، وحاصلها: أنه ساكت عن ذكر الخلاف، ولا يلزم منه نفيه، فإن المصنفين كثيرًا ما يطلعون على الخلاف ولا يذكرون: إما لقصد الاختصار، أو لضعف المدرك، فكيف ينسب إلى الرافعي أنه وقع في الخلل، وهو دعوى عدم الخلاف فيما الخلاف ثابت فيه بمجرد سكوته عن الخلاف؟! قوله: وقال- يعني القاضي- في كتاب الحجر: ظاهر المذهب أن الإغماء لا

يقتضي العزل.
وحكاه غيره وجهًا، وهو الأظهر عند الإمام، ولذلك صححه في ((الوسيط))، لكنه احتج له بأن المغمى عليه لا يلتحق بمن يولى عليه، والمعتبر في الانعزال: التحاق الوكيل أو الموكل بمن يولى عليه.
وهذا منه يدل على أن مراده إذا لم تطل مدته بحيث يولى عليه.
انتهى كلامه.
وما نقله عن ((الوسيط)) من التعليل بالعلة المذكورة التي تقتضي تخصيص الحكم بقصر المدة غلط، فإن هذه العلة لم يذكرها الغزالي في ((وسيطه)، بل صحح أنه لا ينعزل مطلقًا، على خلاف ما في ((الوجيز))، ولم يتعرض لتعليلٍ، وقد وقع في كلام الرافعي هنا ما يوهم ذلك، وكأنه السبب فيما وقع للمصنف، ولم يصحح في ((البسيط)) شيئًا.
قوله- نقلًا عن الشيخ-: وإن تعدى الوكيل انفسخت الوكالة.
ثم قال ما نصه: وهذا ما قال الإمام: إنه المذهب، كا هو قضية كلام الشيخ.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن الإمام غلط، فإن الذي عزاه في ((النهاية)) إلى المذهب إنما هو عدم الانعزال، فإنه قال: فرع: إذا أسلم الرجل عينا إلى وكيله، ووكله ببيعها، فتعدى الوكيل في العين، وصار ضامنًا بعدوانه- فالمذهب: أنه لا ينعزل عن البيع، وأبعد بعض أصحابنا فقضى بانعزاله، قياسًا على انعزال المودع، فإنه لا يعود أمينًا وإن ترك العدوان، مع اطراد الأمر بالحفظ على الأزمان.
هذا لفظ الإمام.

فصول الكتاب · 16 فصل · 599 صفحة
جارٍ التحميل