الهداية إلى أوهام الكفايةصفحات 133-172
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 133-172
عن هذه الطبعة
عَلَم
الإِسْنَوي
الكتاب
الهداية إلى أوهام الكفاية
المؤلف
عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 772هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمي، مطبوع بخاتمة (كفاية النبيه) لابن الرفعةسنة النشر: 2009
عدد الأجزاء
1 (هو الجزء الـ 20 من مطبوعة كفاية النبيه) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يمينه فالمستحب عنده: أن تكون الأولى عقب الأولى كما يفعله غالب الناس، وإن كان محاذيًا له فهو بالخيار بين الأمرين، كذا جزم به في هذا الباب من ((تعليقه)) فقال: فأما المأموم: فإن كان على يمين الإمام، فإذا سلم الإمام عن يمينه سلم، وينوي الخروج من الصلاة والرد على الإمام والسلام على من عن يمينه من الملائكة ومسلمي الجن والإنس، وإذا سلم عن يساره لم تجب نية الخروج من الصلاة، وإنما ينوي السلام على من على يساره، ومن على يسار الإمام المستحب له ألا يسلم إذا سلم الإمام عن يمينه حتى يسلم عن يساره، ليمكنه الرد عليه إذا سلم عن يمينه، ومن خلف الإمام يستوي في حقه اليمين واليسار: فإن شاء سلم إذا سلم الإمام عن اليمين، وإن شاء سلم إذا سلم الإمام عن اليسار، وإنما ينوي الرد عليه إذا سلم عين اليمين، أن التيامن مستحب في كل شيء هذا لفظه، وهو كما ذكرته لك، وهو يراعي الرد على الإمام بالأولى، فلهذا قال: إن من على اليمين يسلم الأولى عقب الأولى ويرد بها وإن كان غير مواجه للإمام، وحاصله أن الأمرين عنده على السواء، أي: فعل الأولى عقب الأولى وعقب الثانية، بدليل المحاذي، وإنما يترجح أحدهما إذا كان فيه الرد على الإمام بالأولى.
نعم، قد صحح النووي في ((التحقيق)) ما نقله المصنف عن القاضي.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن بعضهم من استحباب رد الإمام على من على يساره، تفريعًا على طريقة المتولي- هو الموافق للقواعد ولكلامهم، ودعواه أن الجمهور على أنه لا فرق حتى يقتصر الإمام- أيضًا- على الحاضرين ولا ينوي الرد، ممنوع، والمطالبة قائمة بقائله أو ناقله، ويدل على فساده أنه ادعاه في المأمومين- أيضًا- فقال: إن المأموم لا يرد على الإمام على طريق الجمهور، وعلى الطريق الأخرى: يرد عليه بالثانية إن كان على يمينه، وبالأولى إن كان على يساره، مع أن الرافعي جازم بهذا الكلام، بل قد ذكر المصنف عقب هذا الكلام ما يعكر عليه فقال: وإن كان خلف الإمام، قال في ((الأم)): هو كما لو كان على يسار الإمام، فإن نوى السلام على إمامه في الأولى، وإلا نواه في الثانية.
ومن أصحابنا من قال: هو بالخيار: إن شاء رد على الإمام عن يمينه، وإن شاء رد عليه عن يساره.
هذا كلامه، وهو جازم بأنه يرد، والمأموم المحاذي قسم من أقسام المأمومين.
قوله: قال الأصحاب: وينبغي للإمام بعد فراغه من الدعاء ألا يثبت مكانه، بل يثب، لأنه جاء في الحديث: ((إذا لم يقم إمامكم فانخسوه))، وهذا يدل على أن الجميع

محبوسون إلى أن يقوم الإمام.
ثم إذا وثب أقبل على الناس بوجهه، واختلف أئمتنا في أنه من أي قطر يميل: فمنهم من يقول: يفتل يده اليسرى ويجلس على الجانب الأيمن من المحراب، ومنهم من يقول- وهو القفال-: يفتل يده اليمنى ويجلس على الجانب الأيسر.
وقال الإمام إذا لم يصح في هذا نقل فلست أرى في ذلك إلا التخيير، ثم ينصرف في أي جهة شاء.
واستحباب قيامه عقب الدعاء، محله إذا لم يكن ثم نسوة، فإن كان فيستحب له أن يجلس، كيما يخرجن.
انتهى كلامه.
وحاصله: أن الإمام يستحب له إذا لم يكن ثم نسوة أن يمكث بعد السلام للدعاء، فإذا فرغ منه وثب قائمًا، ثم جلس، ويستقبل الناس، على الخلاف في كيفية الاستقبال.
وهذا المجموع على هذا الترتيب لم يقل به أحد، ولا معنى له- أيضًا- وقد قال النووي في ((شرح المهذب)): قال الشافعي والأصحاب- رحمهم الله-: يستحب للإمام إذا سلم أن يقوم من مصلاه عقب سلامه إذا لم يكن خلفه نساء.
هكذا قاله الشافعي في ((المختصر))، واتفق عليه الأصحاب، وعللوه بعلتين: إحداهما: لئلا يشك هو أو من خلفه هل سلم أم لا.
والثانية: لئلا يدخل غريب فيظنه بعد في الصلاة فيقتدي به.
أما إذا كان خلفه نساء فيستحب أن يثبت بعد سلامه، ويثبت الرجال قدرًا يسيرًا يذكرون الله- تعالى- حتى ينصرف النساء، ويستحب لهن أن ينصرفن عقب سلامه.
هذا كلامه.
هذا كلامه، فذكر أن الانتقال عن مكانه عقب السلام، على خلاف ما ذكره المصنف من كونه عقب الدعاء، ولم يتعرض هنا للدعاء إلا فيما إذا كان معه نسوة، إلا أنه- أعني النووي- ذكر قبل ذلك أنه يستحب الذكر والدعاء عقب الصلاة لكل مصل، وهو معارض لما ذكرناه عنه.
ثم قال بعده: فرع: إذا أراد أن ينفتل في المحراب، ويقبل على الناس بالذكر والدعاء وغيرهما- قال البغوي: فالأفضل أن ينفتل عن يمينه.
قال وفي كيفيته وجهان: أصحهما: يدخل في يساره في المحراب ويمينه إلى الناس، ويجلس على يسار المحراب.
والثاني: يدخل يمينه في المحراب ويساره إلى الناس، ويجلس على يمين المحراب.
وقال الإمام: إن لم يصح في هذا تعبد فلست أري فيه إلا التخيير.
هذا كلامه، وقد

ذكر الماوردي كلامًا هو أقرب إلى جميع ما سبق، فقال: إذا فرغ الإمام من صلاته: فإن كان من صلى خلفه رجالًا لا امرأة وثب ساعة سلم، ليعلم الناس فراغه من الصلاة، ولئلا يسهو فيصلي، وإن كان معه رجال ونساء ثبت قليلًا، لينصرف النساء، فإذا انصرفن وثب، فإذا الإمام: فإن كانت صلاة لا ينتفل بعده كالصبح والعصر استقبل القبلة ودعا، وإن كانت صلاة ينتفل بعدها كالظهر فيختار له أن ينتفل في منزله، ويستحب للمأموم ألا يتقدم إمامه، ويخرج معه أو بعده.
هذا كلامه، وهو حسن جامع لجميع ما سبق، إلا أنه يوهم اختصاص الذكر والدعاء بالصبح والعصر، وليس كذلك.
قوله: في التشهد الأول: ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده في أصح القولين.
ثم قال: ولا يصلى في الآخر، لأن مبناه على التخفيف، روى ابن عباس ((أنه- عليه الصلاة والسلام- كان يجلس في الركعتين كأنه يجلس على الرضف حتى يقول)) رواه أبو داود، والرضف: الحجارة المحماة.
انتهى كلامه.
وهذا الحديث ليس كما قال المصنف من كونه من رواية ابن عباس، بل الذي في ((أبي داود)) وغيره إنما هو روايته عن ابن مسعود.
و ((الرضف)): بالضاد المعجمة الساكنة وبالفاء.
قوله: وهل يقرا السورة في الركعتين الأخيرتين؟ فيه قولان: أحدهما.
لا.
قال: وهذا ما نقله البويطي عن الشافعي والمزني- كما قال أبو الطيب- وقاله في القديم.
انتهى لفظه بحروفه.
والمفهوم منه أن البويطي نقله- أيضًا- عن المزني، وليس كذلك، بل المراد- وهو الذي قاله أبو الطيب-: أن البويطي والمزني نقلاه عن الشافعي.
قوله: وقد روى الدارقطني بسنده عن أنس بن مالك قال: ((ما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا))، وقد رأيت في كلام بعض الشراح أن مسلمًا خرج هذا الخبر، وبعضهم نسبه إلى رواية الإمام أحمد في ((مسنده)).
انتهى.
فأما نسبة هذا الحديث إلى ((مسند)) أحمد فصحيحه، وأما إلى مسلم فلا.
نعم، الحديث صحيح صححه الحاكم والبيهقي وغيرهما.
قوله: ((قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرًا يدعو على أحياء من سليم على رعل وذكوان وعصية)) رواه أبو داود.
انتهى.
رعل: براء مهملة مكسورة وعين ساكنة مهملة- أيضًا- بعدها لام، وذكوان: بذال معجمة مفتوحة بعدها كاف ساكنة، وعصية: بعين وصاد مهملتين، أصله مصغر ((عصا)).

قوله: وإن نزلت بالمسلمين نازلة قنتوا في جميع الفرائض، وفي قول: لا يجوز.
ثم قال ما نصه: أما إذا لم تنزل نازلة فمفهوم كلام الشيخ: أنه لا يجوز، وهذا ما حكاه الإمام عن شيخه، والغزالي في ((الوسيط)) عن المراوزة، ولم يحك في ((المهذب)) غيره، وعليه نص في ((الأم))، وقال في ((الإملاء)): إن شاء قنت، وإن شاء ترك.
حكاه البندنيجي، وهو يقتضي أنه غير مستحب ولا مكروه، قال الرافعي: وهو قضية كلام أكثر الأئمة، ومنهم من يشعر إيراده باستحبابه في جميع الصلوات، قال في ((الروضة)): والأصح استحبابه.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن ما حكاه عن ((الوسيط)) من النقل عن المروازة غلط، فإنه لا ذكر له في هذه المسألة، وإنا نقل مقابلة عن العراقيين، ثم عبر عن هذا بقوله: وقيل.
وقد بين في ((البسيط)) قائله وأنه الشيخ أبو محمد.
الثاني: أن ما حكاه عن ((المهذب)) من عدم الجواز ليس كذلك- أيضًا- فإنه قال: وأما رفع اليد في القنوت فالذي يقتضيه المذهب: أنه لا يرفع.
ثم قال: وأما غير الصبح من الفرائض فلا يقنت فيه من غير حاجة، وإن نزلت بالمسلمين نازلة قنتوا.
هذا لفظه، فقوله: فلا يقنت، يحتمل نفي الاستحباب ونفي الجواز على السواء، ويدل عليه: أنه ذكر مثل ذلك في الرفع كما تقدم، والمراد عدم الاستحباب قطعًا، فتلخص أنه لم يثبت التحريم عن أحد ممن نقل عنه سوى الشيخ أبي محمد.
الأمر الثالث: أن ما نقله- رحمه الله- عن الرافعي من أن قضية كلام الأكثرين: أن القنوت في غير النازلة لا يستحب ولا يكره- لغط عجيب، بل في ((الرافعي)): أن قضية كلامهم: أنه لا يجوز، وكذلك- أيضًا- ما نقله عن النووي من تصحيح استحبابه في الحالة التي يتكلم فيها- وهي حالة عدم النازلة- غلط أيضًا، فإنه إنما خالف الرافعي فصحح طريقة القائل بأن الخلاف في استحبابه، وحينئذ فيكون الأصح عنده: أنه إن نزلت نازلة استحب القنوت، وإلا فلا يستحب، لأن الصحيح عنده من الخلاف في أصل القنوت هو هذا التفصيل، والصحيح: أن ذلك الخلاف في الاستحباب، فيلزم ما قلناه.
وقد لخص النووي كلام الرافعي، فراجعه يتضح لك ما ذكرته، والعجب هنا من المصنف، فإنه غير كلام الرافعي والنووي تغييرًا فاحشًا، وإن كان في اختصار النووي استدراك نبهت عليه في ((المهمات)).

باب فروض الصلاة

قوله: وكلام القاضي أبي الطيب يقتضي عدهما شرطين- يعني النية والتكبير- لأنه قال: في الصلاة الرباعية خمس وأربعون خصلة، ثمان منها قبل الدخول وهي: الطهارة عن الحدث، وطهارة البدن والثوب والبقعة التي يصلي عليها من النجس، وسترة العورة، والعلم بدخول الوقت، واستقبال القبلة، والنية، والتكبير.
ولم أر لغيره من أصحابنا خلافًا في أن التكبير ليس بشرط.
انتهى كلامه.
واعلم أن الخلاف في كون التكبير شرطًا أم ركنًا ثابت، صرح به الروياني في ((البحر)) فقال: فرع: التكبير عندنا من الصلاة، نص عليه في ((الأم))، وقال بعض أصحابنا: بالفراغ منه يدخل فيها.
وهذا غير صحيح، بل يجب أن يدخل في الصلاة بأول التكبير.
هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن القاضي أبا الطيب قد ذكر المسألة بعد خمس أوراق من أول باب صفة الصلاة من ((تعليقه))، وصرح بأن التكبير من الصلاة فقال: مسألة: عندنا: أن تكبيرة الإحرام من الصلاة، وبه قال الكافة.
وقال أبو حنيفة: ليست من الصلاة.
هذا لفظه، ثم قال: واحتج من نصره بأشياء، منها: أنا أجمعنا على أنه لو بقي من آخر التكبير حرف واحد لم يكن مصليًا في تلك الحالة.
قال: والجواب عنه: أنا نقول: لا يمتنع أن يكون حال التكبير غير مصل، ويكون التكبير من الصلاة.
انتهى كلامه.
وهذاتصريح بأنه من الصلاة، وما نقله عنه المصنف قد ذكره بعد ذلك بكراريس كبيرة في أول باب أقل ما يجزئ من عمل الصلاة، ولا منافاة بينهما، لأنه لما لم يدخل إلا بتمامة أطلق عليه أنه قبل الصلاة.
قوله: وقد قال الماوردي في كتاب الإيمان: إنها إنما تكون نية عند اقترانها بالفعل، فإن تجردت عن الفعل كانت قصدًا.
انتهى كلامه.
وما نقله هنا عن الماوردي قد نقل عنه في باب صفة الوضوء ما يخالفه فقال: والماوردي قال: إنها- يعني النية- قصد الشيء مقترنًا بفعله، فإن قصده وتراخى عنه

فهو عزم، كذا قاله في كتاب الأيمان.
هذا كلامه.
قوله: ونية الخروج من الصلاة، قيل: تجب، وقيل: لا تجب.
ثم قال ما نصه: التفريع: إن قلنا بالأول فلا يختلف المذهب في أنها ركن.
انتهى.
وما ذكره من عدم الاختلاف باطل، فقد رأيت في ((العمد)) للفوراني حكاية وجهين في أنها ركن أو شرط، وكذلك في ((الإبانة)) له- أيضًا- فقال في أول الباب الخامس في صفة أعمال الصلاة ما نصه: اختلف أصحابنا في السجدة الثانية والنية واستقبال القبلة ونية الخروج، هل هي من الأركان؟ فعلى وجهين.
هذه عبارته.
قوله: فإن أوجبناها لم نشترط تعيين الصلاة، لأنها قد تعينت بالشروع، وعلى الوجهين: لو عين في نيته صلاة غير التي هو فيها عمدًا بطلت صلاته، قال القاضي الحسين: لأنه أبطل ما هو فيه بنية الخروج عن غيره.
نعم، لو فعل ذلك سهوًا: فعلى الأول يسلم ثانيًا ويسجد للسهو، وعلى الثاني: لا.
وفي ((الرافعي)): أن القول بالبطلان عند التعمد مفرع على القول بالوجوب، أما إذا قلنا: لا يجب، فلا يضر الخطأ في التعيين.
انتهى كلامه.
وأوله وآخره يقتضي استغراب ما نقله عن الرافعي من كونه لا يضر الخطأ، أي: تعيين خلاف ما هو عليه إذا لم نوجب النية، وأنه منفرد بذلك، وهو عجيب، فإن الأكثرين قالوا بهذه المقالة، فقد رأيته في ((شرح التلخيص)) للقفال، و ((التهذيب)) للبغوي، ((العدة)) لأبي علي الطبري و ((البيان)) للعمراني.
نعم، صححه صاحب ((البحر))، فتبعه عليه، ومعظم الكتب لم تتعرض للمسألة: كـ ((النهاية)) و ((الحاوي)) و ((الشامل)) و ((التتمة)) و ((الاستذكار)) وكتب الفوراني والغزالي وابن عصرون.
واعلم أن ما ذكره من كونه إذا فعله ناسيًا يسجد للسهو ويسلم، لا شك أن محله إذا لم يطل الفصل، وقد رايته مصرحًا به في ((العدة)) للطبري و ((شرح التلخيص)) للقاضي الحسين، ورأيت في ((شرح التلخيص)) - أيضًا- لأبي عبد الله الختن- بالخاء المعجمة- أن الساهي لا يحتاج إلى السجود ولا لإعادة السلام، قال: لأنه فرض أتى به في موضعه، وإنما سها في نيته، فلم يضر كما لو اعتقد أن الثانية ثالثة.
قوله: وقد ذكر الجيلي أن الخلاف في وجوب النية في السلام ينبني على أنه من الصلاة أم لا؟ قال: وفيه قولان: فإن قلنا: إنه منها، أوجبناها، وإلا فلا، والذي رأيته فيما وقفت عليه: أنه من الصلاة عندنا، مع حكاية الخلاف في وجوب النية.
انتهى.
وهذا الخلاف الذي قد ذكر أنه لم يقف عليه قد ذكره صاحب ((الذخائر)).

قوله: وسننها أربع وثلاثون.
ثم قال: ووضع الأنف في السجود، لأن اسم ((السجود)) يصدق بدونه، وقد تقدم في وجوبه وجه.
انتهى.
واعلم أن المقابل للمشهور إنما هو قول لا وجه، كذا حكاه في ((البيان))، ونقله كذلك النووي في ((الروضة)) و ((شرح المهذب))، وكلام المصنف هناك مضطرب: فذكر أولًا ما يوهم أنه وجه، ثم صرح عقبه بأن صاحب ((الزوائد)) - يعني العمراني- حكاه قولًا.
قوله: وقد ذكر في ((المهذب)) سنة أخرى، وهي الاعتماد على الأرض عند القيام، ولم يعدها هنا، وإن كان قد ذكرها في الباب قبله، وكذا ذكر فيه ترتيل القراءة، ولم يعدها هاهنا لأنه لا يختص بالصلاة.
انتهى كلامه.
وهو موهم إيهامًا ظاهرًا أن الشيخ لم يذكر في الباب قبله زيادة على هاتين السنتين، مع أنه ذكر أمورًا فيه وفي غيره، منها: مد التكبير إلى أن يقوم، ومنها: تطويل السورة وتقصيرها، والالتفات في السلام، ومنها: السواك- كما ذكره في بابه- والأذان والإقامة، على أن الشيخ قد ذكر أمورًا أخرى، وتكلف المصنف في إدراجها بجعلها صفات لبعض ما صرح به الشيخ أو معطوفًة تقديرًا.
قوله: وإن كان المتروك ثلاث سجدات جعل سجدة من الأولى وسجدة من الثالثة وسجدة من الرابعة، ويأتي بركعتين، لأن الأولى تنجبر بسجدة من الثانية، ويبطل ما بقي منها، وتنجبر الثالثة بالسجدة التي في الرابعة، ويبطل ما أتى به بعدها، وحينئذ فتكمل له ركعتان، فتبقى عليه ركعتان، فيأتي بهما، ويستجد للسهو.
انتهى كلامه.
واعلم أنه يتصور ترك الأولى وغيرها: إما بسجوده فيها على كور عمامته، أو لنزول عصابته على وجهه، أو غير ذلك من فوات الشروط: كترك الطمأنينة.
إذا تقرر هذا، فالصواب أنه يلزمه ركعتان وسجدة، فإن أسوأ الأحوال: أن يكون المتروك هو السجدة الأولى من الركعة الأولى والسجدة الثانية من الركعة الثانية وواحدة من الرابعة، وإنما قتلنا: إنه الأسوأ، وذلك لأنا لم قدرنا أنه ترك السجدة الأولى من الركعة الأولى امتنع حسبان الجلوس الذي بعدها، لأنه ليس قبله سجدة، ولكن بعده سجدة محسوبة، فيبقى عليه من الركعة الأولى الجلوس بين السجدتين والسجدة الثانية.
ولما قدرنا أنه ترك السجدة الثانية من الركعة الثانية لم يمكن أن يتكمل بسجدتها الأولى الركعة الأولى، لفقدان الجلوس بين السجدتين قبلها.
نعم، بعدها جلوس محسوب،

فيحصل له من الركعتين ركعة إلا سجدة، فيكملها بسجدة من الثالثة، وحينئذ فتفسد الثالثة، لأن القيام إليها كان قبل كمال التي قبلها، ثم ترك واحدة من الرابعة، فتبقى عليه ركعتان وسجدة، فيسجد ثم يأتي بركعتين.
وهذا العمل كله واضح، وهو أمر عقلي لا شك فيه.
فإن قيل: إذا قدرنا- كما قلتم- أنه ترك السجدة الأولى فيلزم بطلان الجلوس الذي بعدها، وحينئذ فلا يكون المتروك ثلاث سجدات فقط- قلنا: هذا خيال فاسد، فإن المعدود تركه إنما هو المتروك حسًا، وأما المأتي به في الحس، ولكن يبطل شرعًا، لسلوك أسوأ التقادير- فلا يحسب في تصوير المسألة، إذ لو قلنا بهذا لكان يلزم في كل صورة، وحينئذ فيستحيل قولنا: ترك ثلاث سجدات فقط أو أربعًا، لأنا إذا جعلنا المتروك من الركعة الأولى هو السجدة الثانية- كما قاله الأصحاب- فيكون قيام الركعة الثانية وركوعها وغير ذلك مما عدا السجود باطلًا، وهكذا في الركعة الثالثة مع الرابعة، وحينئذ فلا يكون المتروك هو السجود فقط، بل أنواعًا أخرى من الأركان، وكذا ترك السجدة الواحدة لا يتصور- أيضًا- على هذا الخيال، وإنما ذكرت هذا الخيال الباطل، لأنه قد يختلج في صدر من لا حاصل له، وإلا فمن حق هذا السؤال ألا يدونه مصنف، ولا يورده منصف، وإيراده في الحقيقة مشعر بعدم فهم مورده لهذه القاعدة، ومن حقه أن يشرح المسألة على شيخ يفهمه إياها.
قوله: وإن كان أربع سجدات جعل سجدة من الأولى وسجدة من الثالثة وسجدة كذا من الرابعة، ويأتي بسجدة وركعتين، لأن الأولى تنجبر بسجدة من الثانية ويبطل باقيها، ومعه قيام الثالثة وركوعها والرفع منه، فيأتي بسجدتين تتم بهما، وتكون ثانية له، فتبقى عليه ركعتان.
انتهى كلامه بحروفه.
وهو غلط، فإنه قد ذكر- أولًا- أنه يلزمه سجدة وركعتان، ثم شرع في تعليله، فقرر فيه أنه يلزمه ركعتان وسجدتان، والصواب ما ذكره- أولًا- من وجوب سجدة واحدة مع الركعتين، لا ما ذكره ثانيًا من وجوب سجدتين، وهو واضح.
قوله: أما إذا تذكرها- يعني السنة- بعد فوات محلها، كما إذا تذكر أنه ترك رفع اليدين في تكبيرة الإحرام بعد فراغها.
انتهى كلامه.
لم يذكر- رحمه الله- جواب ((أما))، وأبقى السؤال بلا جواب، وكأنه أراد أن يقول: فلا يعود إليها، أو: فلا يأتي بها- وما كان في معناه- فنسيه.

باب صلاة التطوع

قوله: أفضل عبادات البدن الصلاة، ووجهه: قوله- عليه الصلاة السلام-: ((استقيموا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)) رواه أبو داود.
ورأيت في كلام بعضهم: ((استقيموا، ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)) انتهى كلامه.
وهذا اللفظ الذي أورده في معرض الاستغراب قد رواه ابن ماجه في ((سننه)) في كتاب الوضوء، والبيهقي فيه، وفي فضائل الصلاة، قبيل استقبال القبلة، روياه من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص، ومن حديث ثوبان، لكن في رواية ابن ماجه عن عبد الله: ((أن من خير أعمالكم))، أعني بإثبات ((من)) وكذلك في بعض روايات البيهقي، وإسناد رواية عبد الله فيه ضعف، وإسناد رواية ثوبان جيد، لكنه من رواية سالم بن أبي الجعد عن ثوبان، وقد قال أحمد بن حنبل: إن سالمًا لم يسمع من ثوبان.
وذكره مالك في ((الموطأ)) مرسلًا معضلًا، فقال: بلغني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال كذا وكذا.
إلا أنه أتى بـ ((لن)) عوضًا عن ((لا)) في ((يحافظ)).
واستقيموا، معناه: ألزموا طريق الاستقامة.
ولن تحصوا، أي: تطيقوا الاستقامة في جميع الأعمال، وقيل: لن تحصوا ما لكم في الاستقامة من الثواب العظيم.
قوله: ولأنه تلو الإيمان الذي هو أفضل القرب، وأشبه به، لاشتمالها على نطق باللسان وعمل بالجنان واعتقاد بالقلب.
انتهى.
وهذا التعبير غفلة عجيبة، فإن ((الجنان)) هو ((القلب))، والصواب أن يقول- كما قاله غيره-: وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان.
والمراد بالأركان: الأعضاء.
قوله: وأفضل التطوع ما شرع له الجماعة.
ثم قال: فإن قيل: قد روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)) رواه مسلم- فجوابه: أنه محمول على النوافل المطلقة، لقيام الإجماع على أن رواتب الفرض أفضل منها ... إلى آخره.

وما ادعاه من الإجماع غريب، ففي ((الرافعي)) عن أبي إسحاق المروزي: أن صلاة الليل أفضل من الرواتب.
وقال في ((الروضة)) و ((شرح المهذب)): إنه قوي: للحديث المذكور.
قوله: وفي الوتر وركعتي الفجر قولان، أصحهما: أن الوتر أفضل، لأن أبا حنيفة يقول بوجوبه، ولم يختلف أحد في عدم وجوب ركعتي الفجر.
انتهى.
وما ادعاه من عدم الاختلاف في ركعتي الفجر ليس كذلك، فقد ذهب الحسن البصري إلى وجوبهما، كذا نقله النووي في ((شرح المهذب)) عن القاضي عياض عنه.
قوله: ولأنها- يعني ركعتي الفجر- تبع لصلاة الصبح، والوتر تبع للعشاء، والصبح آكد من العشاء، لأنها الصلاة الوسطى عند الشافعي، فوجب أن يكون متبوعها أوكد من متبوع العشاء.
انتهى.
وتعبيره بـ ((المتبوع)) سهو في الموضعين، والصواب التعبير بـ ((التابع)) فيهما.
قوله: ويدل على عدم وجوب الوتر قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فلو كان الوتر واجبًا لم يكن فيها وسطى، لأن الستة لا وسط لها، كذا قاله الماوردي.
وقوله- عليه الصلاة والسلام-: ((كتب على ثلاث- ولم تكتب عليكم-: الضحى والأضحى، والوتر))، ولأنه- عليه الصلاة والسلام- كان يوتر على الراحلة كما ثبت في ((الصحيحين))، وروى مسلم أنه- عليه الصلاة والسلام- كان يسبح على الراحلة، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة.
فإن قيل: لا دلالة فيه، لأن الوتر كان واجبًا على النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا: أجاب ابن الصلاح بأن المراد: أن ما وجب على العموم لا يجوز أداؤه على الراحلة، والوتر ليس كذلك.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره أولًا عن الماوردي استدلال غلط، كما تقدم في الكلام على الصلاة الوسطى، وأما ما ذكره أخيرًا فذهول عن المنقول، فإنه- عليه الصلاة والسلام- إنما كان يصلي الوتر على الراحلة في السفر، والوتر لم يكن واجبًا عليه إلا في الحضر، كذا ذكره الحليمي في ((شعب الإيمان)) والشيخ عز الدين في ((القواعد))، والقرافي في ((شرح المحصول)) و ((شرح التنقيح)).
قوله في الحديث: ثم خرج ليلة في رمضان، فرأى الناس قزعًا في المسجد فمن واحد يصلي، ومن اثنين يصليان، ومن ثلاثة يصلون ... إلى آخره.
اعلم أن المشهور في الحديث: فرأى الناس أوزاعًا.
والأوزاع- بالزاي المعجمة-: هم المتفرقون، من قولهم: وزعه على الناس، أي: فرقه، والمصنف قد ذكره كما يراه،

فيجوز أن يكون بالقاف من ((القزع)) المقول على السحاب وعلى الشعر، وهو القطع المتفرقة.
وذكر قوله في الحديث- أيضًا-: من تعار من الليل ... إلى آخره.
تعار: بتاء مفتوحة بنقطتين من فوق، ثم عين مهملة، وبالراء المشددة.
يقال: تعار الرجل من الليل، إذا استيقظ من نومه مع صوت، قاله الجوهر.
ثم ذكر المصنف- أيضًا- نعيم بن هبان: فأما نعيم فبضم النون، وأما ((هبار)): فكتبه المصنف بالنون في آخره، وهو غلط، بل بالراء على كل حال، ثم اختلفوا فقيل: إنه بالهاء والباء الموحدة المشددة، وقيل: إنه بالهاء- أيضًا- ولكن بالميم المشددة، وقيل: إنه بالحاء المكسورة والميم المخففة.
قوله- فيما إذا جمع مصلي الوتر بين أكثر من ركعتين-: وقد تلخص من ذلك أن له أن يقتصر على تشهد واحد بلا خلاف، وهل تجوز الزيادة على التشهد الواحد؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا، والثاني: نعم، فيتشهد ما شاء، والثالث- وهو الأصح-: يجوز بتشهدين، ولا تجوز الزيادة عليهما.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من نفي الخلاف في الاقتصار على تشهد واحد ليس كذلك، بل فيه وجه مشهور مذكور حتى في ((الرافعي)): أنه لابد من تشهدين.
قوله: ثم المشروع من القنوت هنا هو ما ذكرناه في الصبح، لرواية أبي داود عن الحسين بن علي قال: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلمات أقولهن في قنوت الوتر ((اللهم، أهدني فيمن هديت ...)) إلى آخره.
والذي ذكرته عن المصنف من كون الراوي هو الحسين بالتصغير هو كذلك في خطه، وهو خطأ، فإن روايه إنما هو الحسن مكبرًا لا مصغرًا، كذا هو في كتب الحديث وغيرها، وقد وقع له نظير هذا بعينه- أي التباس الحسين بالحسن- في باب العدد، ويأتي هناك التنبيه عليه، إن شاء الله تعالى.
قوله: فإذا فرغ من القنوت فالمستحب أن يقول: ((سبحان الملك القدوس، رب الملائكة والروح))، لما روي في خبر أبي أنه- عليه الصلاة والسلام- كان يقول ذلك ثلاث مرات، ويطيل في آخره.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كونه يقول ذلك بعد القنوت ذكره صاحب ((البحر))، فقلده فيه المصنف، وهو سهو، فإن المنقول للأصحاب والوارد في الحديث إنما هو بعد الفراغ من الوتر.

قوله: روى مسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يا عبد الله، لا تكن مثل فلان كان يقول الليل فترك قيام الليل))، وروى البخاري ومسلم- أيضًا- عنه ... إلى آخره.
واعلم أن المصنف قد عبر بقوله: عن عبد الله بن عمر- أعني بغير واو- كما نقلناه عنه، فيقتضي أن يكون عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو غلط صريح، وإنما هـ عبد الله ابن عمرو بن العاص.

باب سجود التلاوة

قوله: وقيل: إنه لا يسن للمستمع السجود إلا إذا سجد القارئ، وقياس هذا: أن القارئ لو كان محدثًا أو صبيًا أو كافرًا لا يسجد، وقد حكاه في ((البيان)) وجهًا.
ولو كان القارئ في الصلاة والمستمع خارج الصلاة، وسجد القارئ- فإنه يستحب للمستمع أن يسجد معه على الأصح، وبه جزم القاضي الحسين، وفيه وجه عن رواية صاحب ((البيان)): أنه لا يسجد.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كون صاحب ((البيان)) قد حكاه وجهًا ليس كذلك، بل جزم به في المسألتين وجعله مذهبنا، فإنه جعل المسألتين معًا من الخلافيات بيننا وبين أبي حنيفة، وقد نقله عنه الرافعي على الصواب.
قوله: ولو وسجد إمامه، ولم يعلم المأموم بذلك حتى رفع الإمام رأسه من السجود- فلا يجوز له أن يسجد، كما لو جلس إمامه للتشهد الأول وقام ولم يعلم، أو قنت ولم يعلم.
ثم قال: نعم، لو أراد هذا أن ينوي مفارقته ليسجد ليس له ذلك، بخلاف ما لو نوى مفارقته ليأتي بالتشهد أو القنوت، والفرق: أنهما من أبعاض الصلاة، فتركهما يوجب نقصانًا في الصلاة، ولا كذلك سجود التلاوة.
ولو لم يسجد الإمام فلا يسجد المأموم، وفي ((الذخائر)) وجه: أنها لا تبطل.
قال بعضهم: وينبغي أن يخرج على الخلاف في المفارقة، وقد تقدم الفرق.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن سجدة التلاوة لا تلتحق بالتشهد ونحوه، للفرق المذكور- قد جزم في باب سجود السهو بخلافة نقلًا عن البغوي، ذكر ذلك في الكلام على قول الشيخ: ((وإن ترك فعلًا مسنونًا))، وستعرف لفظة هناك.
قوله: وهي أربع عشرة سجدة.
ثم قال: والدليل على هذه السجدات- ما عدا السجدة الأخيرة في ((الحج)) وسجدات المفصل- الإجماع، كما قال بعضهم.
وفي الأخير في ((الحج)) ما أسلفناه

من حديث عقبة بن عامر.
قال أبو إسحاق: وقد أدركنا الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين.
وإنما ذكر هذا، لأن حديث عقبة في رجاله ابن لهيعة ومشرح بن هاعان، ولا يحتج بحديثهما.
انتهى.
ودعوى الإجماع مردودة، فقد رأيت في ((تعليق)) القاضي الحسين ما نصه: وقال علي- رضي الله عنه-: ((عزائم السجود أربع: في ((الم تنزيل))، و ((حم)) السجدة، والنجم، وسورة ((اقرأ باسم ربك)).
هذا كلامه، ورأيت في ((الإنابة)) للفوراني مثله، أيضًا.
والمراد بـ ((أبي إسحاق)) هنا هو السبيعي، منسوب إلى جد له يقال [له]: السبيع، بسين مفتوحة مهملة، ثم باء موحدة مكسورة، بعدها ياء بنقطتين من تحت، ثم عين مهملة.
واقتصار المصنف على كنيته غريب.
تنبيه: ذكر المصنف ألفاظًا: منها: مشرح، وهو بميم مكسورة، وشين معجمة ساكنة، وراء مهملة مفتوحة، وحاء مهملة.
ومنها: هاعان: بهاء وعين مهملة.
ومنها في الحديث: تشزن الناس للسجود، أي: استعدوا- هو بتاء مفتوحة، ثم شين معجمة مفتوحة- أيضًا- بعدها زاي معجمة مشددة، ثم نون.
ومنها: أنه رأى نغاشيًا، فسجد لله.
والنغاشي، قيل: إنه ناقص الخلقة، وقيل: هو مختلط العقل.
انتهى.
والنغاشي: بنون مضمومة، ثم غين وشين معجمتين، وفي آخره ياء مشددة للنسب.
ويروى أيضًا بحذف الياء على وزن ((اللغات)) و ((الغراب)).
قال ابن الأثير بعد ذكره لهاتين الروايتين: هو القصير جدًا، الناقص الخلق، الضعيف الحركة.
والحديث رواه البيهقي بإسناد ضعيف ومرسل.
ومنها: أن عمر سجد عند فتح اليرموك، وعلي عند رؤية ذي الثديين قتيلًا بالنهروان.
أما ((اليرموك)) فبياء مفتوحة مثناة من تحت، وراء مهملة ساكنة، وبالكاف: اسم لموضع بالشام كانت فيه واقعة عظيمة بين المسلمين والروم، انتصر فيه المسلمون.
وأما ((الثدية)) فبالثاء المثلثة، تصغير ((الثدي)): وهو الذي يرتضع منه الطفل، ودخلت الثاء وإن كان مذكرًا كأنه أراد: قطعة من ثدي، وقيل: هو تصغير لـ ((الثندوة))،

بحذف النون، وهو رأس الثدي المسمى بالحلمة.
ويروى: ((ذو اليدية)) بالياء المثناة من تحت، تصغير ((اليد)).
ذكره جميعه ابن الأثير في ((النهاية))، وذكر المصنف الكلمة على أنها مثناة.
قوله: ومن سجد في غير الصلاة كبر للإحرام رافعًا يديه، ثم يكبر للسجود، ويكبر للرفع.
ثم قال: وفي قول الشيخ: للإحرام، دليل على أمرين: أحدهما: اشتراط النية، إذ لا إحرام بدونها، وهو مما لا خلاف فيه بين الأصحاب.
والثاني: أنه يكون في حال استقراره قبل هويه إلى السجود إما قائمًا أو جالسًا.
وكلامه من بعد يدل عليه، أيضًا.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ادعاه من عدم الخلاف في اشتراط النية ليس كذلك، ففي ((الوسيط)) عدم اشتراطها، وممن نقله عنه الرافعي، وقد حكاه الإمام- أيضًا- وجهًا، وصرح بحكايته- أيضًا- الرافعي في آخر المسألة، فقال في كلامه على لفظ ((الوجيز)) ما نصه: في أقل سجود التلاوة أربعة أوجه: أحدها: أن الأقل سجدة بواجباتها في صلب الصلاة لا غير.
والثاني: سجدة مع التحرم والتحلل والتشهد.
والثالث: مع التحرم والتحلل لا غير.
والرابع: مع التحرم لا غير.
وجعل- أي الغزالي- أولها أصحها، وهو متأيد بما حكى عن الشافعي أنه قال: وأقله سجدة بلا شروع ولا سلام.
هذه عبارته، وقد صرح المصنف وغيره بأن الساجد للتلاوة في الصلاة لا يحتاج إلى نية بالاتفاق، وذلك يزيد ما قلناه إيضاحًا.
الأمر الثاني: أن ما اقتضاه كلامه من إيجاب الإحرام قبل الهوي غير مستقيم، لأن السجدة نافلة، والنوافل لا يجب فيها ذلك.
قوله في المسألة: والتكبير في حال التحريم من تخريج ابن سريج، وقال الرافعي: إنه من تخريج أبي إسحاق.
انتهى.
وما نقله عن ابن سريج صحيح، فقد قال القاضي أبو الطيب في ((تعليقه)): إن ابن سريج خرج ذلك في الركوع، وإن أبا إسحاق خرجه في السجود.
وأما ما نقله عن الرافعي من كون التخريج المذكور لأبي إسحاق فغلط، ليس له في ((الرافعي)) ذكر بالكلية، وقد تقدم من كلام القاضي ما يدفعه أيضًا.

قوله: من سجد للتلاوة في الصلاة كبر للسجود وللرفع منه.
ثم قال: وعن أبي هريرة: أنه لا يكبر لهذا السجود ولا للرفع منه، حكاه عنه هكذا الشيخ أبو حامد وأبو الطيب وغيرهما، ورأيت فيما وقفت عليه من ((الحاوي)) أنه قال: يسجد من غير تكبير، ويرفع مكبرًا.
ورأيت في ((تعليق)) القاضي الحسين عنه: أنه لا يكبر لرفع الرأس منه، وسكت عن التكبير للسجود.
ثم قال بعد ذلك في الكلام على السجود في غير الصلاة ما نصه: ومذهب ابن أبي هريرة جار هنا- أيضًا- فلا يكبر للسجود ولا للرفع منه، صرح به أبو الطيب عنه.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن ((الحاوي)) عن ابن أبي هريرة ليس كذلك، بل فيه عنه عدم التكبير فيهما، موافقًا لما نقله عنه الشيخ أبو حامد وغيره، فقال: والوجه الثاني- وهو قول أبي علي بن أبي هريرة-: يسجد غير مكبر، ويرفع غير مكبر.
هذه عبارته.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن أبي الطيب- أيضًا- ليس الأمر فيه كذلك، فإنه لم يتعرض لخلاف بالكلية فيما إذا سجد في الصلاة، لا عن ابن أبي هريرة ولا عن غيره، وأما في خارج الصلاة فقال ما نصه: وقال ابن أبي هريرة: يسجد من غير تكبير لإحرام ولا لغيره.
هذا لفظه في ((تعليقته))، وهو الكتاب الذي ينقل عنه المصنف.

باب ما يفسد الصلاة

قوله: إذا أحدث في صلاته بطلت صلاته، لقوله- عليه الصلاة والسلام-: ((إذا فسا أحدكم في صلاته فلينصرف فليتوضأ، وليعد صلاته)) رواه أبو داود، وقال الترمذي: إنه حسن.
ولا فرق في ذلك بين أن يفعله قصدًا أو سهوًا.
ومن هنا يظهر لك أن ما يقع في بعض النسخ من تقييد البطلان بالحدث عامدًا لا صحة له.
ثم قال: وإن سبقه الحدث ففيه قولان ... إلى آخره.
وما ذكره من فساد التعبير بالعمد عجيب فاسد، فإن المعتمد للحدث قد يكون عالمًا بكونه في الصلاة، وقد يكون ساهيًا، وفي كلا الحالين تبطل صلاته بلا خلاف، وإنما القولان إذا سبقه الحدث، وكأنه يوهم أن تعمد الحدث مقابله وقسيمه سهو الصلاة، وليس كذلك.
وقوله في الحديث: ((فسا)) هو بفتح الفاء وبعدها سين مهملة ثم ألف، أي: أخرج الريح، تقول منه: فسا فسوًا، والاسم: الفساء، بالمد.
قوله: ويجب على المصلي إجابة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا تبطل بها الصلاة، وقيل: إنها لا تجب وتبطل الصلاة بها.
ثم قال: وألحق به أبو إسحاق إنذار الأعمى والصغير ونحوهما من الوقوع فيما يهلكه إذا لم يمكن الإنذار بغير الكلام، وهو الأصح في ((الحاوي)) واختيار جماعة، وقيل: إن ذلك لا يجب عليه، ولو فعله بطلت صلاته، كذا قاله في ((المهذب))، وغيره جزم بالوجوب وقال بالبطلان عند الإنذار، وفرق بين ذلك وبين إجابة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه قد لا يقع فيما يخاف عليه الهلاك، وجزم به البندينجي، وقال الرافعي: إنه الأصح عند الأكثرين.
انتهى كلامه.
وما نقله من حكاية خلاف في الوجوب غلط، وعزوه ذلك إلى ((المهذب)) غلط- أيضًا- فإن حاصل ما فيه إنما هو الجزم بالوجوب وحكاية الخلاف في البطلان، وقد صرح النووي في ((شرحه)) بذلك فقال: وجب الكلام بلا خلاف، وهل تبطل صلاته؟ فيه الوجهان.
هذه عبارته.

قوله: أما لو تنحنح لامتناع القراءة إلا به فلا خلاف في أنها لا تبطل.
انتهى.
أطلق المسألة، وصورتها في القراءة الواجبة، كما قاله في ((شرح المهذب)) و ((التحقيق))، وسكت عن حكم المستحبة، والقياس تخريجها على الخلاف في الجهر، والأصح فيه: أنه ليس بعذر.
قوله: وإن خطا ثلاث خطوات، أو ضرب ثلاث ضربات متواليات- بطلت صلاته، للإجماع على أن العمل الكثير يبطلها دون القليل، وليس لذلك ضابط، فرجع فيه إلى العرف، والعرف يعد الثلاث المتواليات كثيرة.
ثم قال: وما ذكره الشيخ من البطلان بالثلاثة هو طريقة الشيخ أبي حامد، ولم يخالف منطوقها أحد من الأصحاب.
نعم، مفهومها يقتضي أن الخطوة والخطوتين والضربة والضربتين لا تبطل، وبه صرح الشيخ في الباب بعده.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من الاتفاق على البطلان بالثلاثة ليس كذلك، فإن لنا وجهًا حكاه الرافعي والمصنف وغيرهما: أن الكثير ما يسع زمانه ركعة، والقليل: ما لا يسع، ولا شك أن الثلاثة تنقص عن الركعة، والذي أوقع المصنف فيما وقع فيه: أن الرافعي ادعى ذلك، وأخرج القائل بالركعة، فذهل عنه وادعى التعميم، فراجعه.
قوله: وإن أكل عامدًا بطلت صلاته، لأنه يعد معرضًا عن الصلاة، ومنهم من لاحظ فيه كونه فعلًا ففرق بين القليل والكثير، قال الرافعي: والمرجع فيه على هذا قلة وكثرةً إلى العرف.
وأفهم كلامه أن كلامهم عائد إلى قلة المأكول وكثرته، والذي يظهر على هذه الطريقة: أن يكون النظر إلى قلة الفعل والمضغ وكثرته.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الرافعي من أن كلامه يفهم أنه راجع إلى المأكول لا إلى الأكل غير صحيح، لأن الرافعي إنما فرضه في الأكل خاصة، وليس فيه ما يوهم اعتبار المأكول بالكلية، فراجع كلامه تجده كذلك.
ثم إن الرافعي قد نص على أن مجرد المضغ إذا كثر يبطل وإن لم يصل بسببه شيء إلى الجوف، لأنه فعل من الأفعال، فإذا كان الرافعي يبطل بالفعل الكثير عند عدم وصول شيء إلى الجوف بالكلية، فبطريق الأولى مع حصول شيء.
قوله: ولا يدخل فيها وقد حضر العشاء ونفسه تتوق إليه، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا قرب العشاء وقد حضرت الصلاة فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب)) رواه البخاري ومسلم.
انتهى كلامه.
والتقييد بقوله: ((قبل أن تصلوا صلاة المغرب)) من تفردات مسلم، ولم يروه البخاري.

قوله: ولست أعرف خلافًا أن الساهي البارق ... إلى آخره.
يقال: برق البصر، يبرق، على وزن ((علم يعلم))، برقًا: إذا تحير، فهو بارق: أي متحير.
متحير.
وأما برق يبرق- كوزن ((خرج يخرج)) - فمعناه: تلألأ، والمصدر: البروق.
قوله: وإن سلم على المصلي فيستحب له الرد بالإشارة، وفي ((التتمة)): أن الأولى: ألا يرد حتى يفرغ.
وفي ((الذخائر)): أنه حكى عن الشافعي أن الرد بالإشارة في الصلاة مكروه.
ثم قال: ولا يجب الرد في هذه الحالة، ولا بعد السلام بحال، لأن السلام لم يكن مشروعًا، بل قد نص الشافعي على كراهة السلام على الخطيب، قال ابن الصباغ: والمصلي أولى بذلك، ويشهد لكراهة ذلك قوه- عليه الصلاة والسلام- ((غرار في الصلاة ولا تسليم)) أخرجه أبو داود.
قال أحمد بن حنبل: معنى ذلك فيما أرى: لا تسلم ولا يسلم عليك.
وقيل غيره.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من نفي الخلاف في وجوب الرد غريب، فقد حكى الرافعي في كتاب السير وجهًا: أنه يجب الرد في الصلاة بالإشارة، ووجهًا آخر: أنه يجب الرد بعد السلام باللفظ.
واعلم أن الحديث الذي ذكر المصنف رواه البيهقي بهذا اللفظ، ورواية أبي داود: ((في صلاة))، أعني بتنكير ((الصلاة)).
والغرار- بكسر الغين المعجمة وتكرير الراء المهملة-: هو النقصان.
وقد اختلف العلماء في ضبط قوله: ((ولا تسليم)): فروى منصوبًا، ومجرورًا: فمن نصبه عطفه على ((غرار)) أي: لا غرار ولا تسليم في الصلاة، وهذا هو معنى ما نقله المصنف عن أحمد.
ومن جره عطفه على ((صلاة))، أي: لا غرار في صلاة ولا في تسليم، وبهذا جزم الخطابي، ويؤيده ما جاء في رواية البيهقي: ((لا غرار في تسليم ولا صلاة))، والغرار في التسليم: أن يسلم عليك إنسان فترد عليه أنقص مما قال بأن، قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فتقول: عليكم السلام، قال: وللغرار في الصلاة تفسيران: أحدهما: ألا يتم ركوعها وسجودها ونحو ذلك.
والثاني: أن ينصرف وهو شاك: هل صلى ثلاثًا أو أربعًا مثلًا؟ قوله: وقول الشيخ: وإن بدره البصاق وهو في المسجد بصق في ثوبه، وحك بعضه ببعض- عام في المصلي وغيره.
انتهى.
والذي قاله ذهول، فإن الضمير في قوله: بدره، عام على المصلي، وكذلك

الضمائر التي قبله وبعده جميعها.
قوله: وإن كان في غير المسجد بصق على يساره أو تحت قدمه اليسرى، هذا الكلام ليس على التخيير، بل هو على حالين، ويدل عليه ما روى أبو داود عن طارق بن عبد الله المحاربي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا قام الرجل إلى الصلاة، أو: إذا صلى أحدكم- فلا يبزق أمامه ولا عن يساره، ولكن عن تلقاء يساره إن كان فارغًا، أو تحت قدمه اليسرى، ثم ليقل به)) وأخرجه الترمذي وقال: إنه حسن.
وعلى هذا يجب حمل كلام الشيخ، أيضًا.
انتهى كلامه.
وهذا الكلام الذي ذكره عجيب جدًا، فإن الحديث صريح في التخيير، إلا أنه شرط في البصق على اليسار فراغه، وهذا لا شك فيه.
وقول المصنف في الحديث: ((ولا عن يساره)) سبق قلم، وصوابه: عن يمينه.
والمحاربي: بالحاء والراء المهملتين وبالباء الموحدة.
قوله: ولو كان مروره من وراء السترة كره بلا خلاف كما أفهمه كلام الشيخ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لأن يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي)) أخرجه مسلم.
انتهى كلامه.
وهذا الحديث ليس في ((صحيح)) مسلم، بل الذي فيه إنما هو الحديث المشهور الذي ذكر فيه: ((أربعين خريفًا))، وكذلك في ((البخاري)) - أيضًا- نعم، روى ابن ماجه معناه من رواية أبي هريرة عنه - صلى الله عليه وسلم - ولفظه: ((لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يدي أخيه معترضًا في الصلاة، كان لأن يقيم مائة عام خير له من الخطوة التي خطا)) قال ابن حبان: حديث صحيح.

باب سجود السهو

قوله: وإن تكلم ناسيًا، أو سلم ناسيًا، أو قرأ في غير موضع القراءة- سجد للسهو.
ثم قال: الثاني: أنه لا فرق في القراءة بين أن تكون الفاتحة أو بعضها أو غير ذلك، وهو في الفاتحة متفق عليه إذا كان على وجه السهو، وفي غير الفاتحة وجهان في ((الحاوي)).
انتهى كلامه.
وما ذكره من الاتفاق غريب، فإن المسألة فيها وجهان مشهوران في ((الرافعي)) وغيره من الكتب المشهورة، حتى جعل النووي الخلاف قويا فإنه عبر في ((الروضة)) و ((المنهاج)) بلفظ ((الأصح))، وقد أشار المصنف بعد هذا إلى ذكر هذا الخلاف.
قوله: ومن هنا تؤخذ قاعدة قررها الأصحاب في الباب: أن ما لا يبطل الصلاة ارتكابه من المنهيات على وجه العمد لا يتقضي السجود سهوه.
ولم يستثن من ذلك إلا قراءة الفاتحة أو غيرها في غير المحل.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كونه لا يستثنى إلا هذه المسألة غريب، فإنه يستثنى من ذلك مسائل أخرى ذكرها الأصحاب مفرق: إحداها: القنوت قبل الركوع، فإن عمده لا يبطل الصلاة، مع أن سهوه يقتضي السجود على الأصح المنصوص، كما ذكره النووي في باب صفة الصلاة من ((زوائد الروضة)).
الثانية: إذا طول ركنًا قصيرًا ساهيا، وقلنا: لو تعمده لم يضر- فإنه يسجد على الصحيح، كما ذكره من ((زياداته)) - أيضًا- في هذا الباب.
الثالثة: إذا ترك التشهد الأول ناسيًا، وتذكره بعدما صار أقرب إلى القيام- فله أن يعود إليه، ثم إذا عاد سجد على ما صححه الرافعي في ((الشرح الصغير))، وتبعه النووي في ((المنهاج))، مع أنه لو تعمده لم تبطل صلاته، لأنه يجوز له أن يترك التشهد وينتصب.
الرابعة- استثناها ابن أبي الصيف في ((النكت)) - وهو القاصر إذا زاد ركعتين سهوًا، فإنه يسجد، مع أنه يجوز له زيادتهما.
وفي هذه بحث ذكرته في ((المهمات)).

قوله: وفي كلام الشيخ احتراز عن مذهب أبي عل بن خيران في أن من لم يكن خلف الإمام، لكن مقتديًا به في قدوة حكمية: كالطائفة الثانية في صلاة ذات الرقاع إذا خرجت إلى وجه العدو- فإنها إذا سهت في الركعة التي تأتي بها لا يحمل عنها عنده، وكذا المزحوم في الصلاة إذا سها فيما يأتي به- حيث تكون القدوة حكمية، كما ستعرفه- لا يتحمل عنه الإمام على رأي، والمنصوص: خلافه.
انتهى.
واعلم أن الإمام إذا قام إلى الثانية فيجوز للمقتدين به ألا يتموا الصلاة، وأن يذهبوا إلى مكان إخوانهم وجاه العدو وهم في الصلاة، فيقفون سكوتًا، وتجئ هذه الطائفة فتصلي مع الإمام ركعته الثانية، فإذا سلم ذهبت إلى وجه العدو ويقفون سكوتًا، وجاء الأولون إلى مكان الصلاة وأتموا لأنفسهم، وذهبوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى إلى مكان الصلاة وأتموا.
هذه هو أصح القولين، ورواه ابن عمر، وفي قول: لا يجوز ذلك.
ولم يذكر المصنف في صلاة الخوف خروج الفرقة الثانية إلى وجه العدو، فإنه لم يستوعب الكيفية كما استوعبها الرافعي، واقتصر في حكاية الخلاف على خروج الفرقة الأولى إلى وجه العدو ساكتة، وحينئذ فلم يذكر المصنف أن الطائفة الثانية تخرج إلى وجه العدو قبل الإتيان بالركعة حتى يفرع عليه، وبتقدير ذكره فإن إتيانها بالركعة على هذا التقدير إنما يكون بعد السلام، وحينئذ فلا يحمل مطلقًا، وكأنه أراد الطائفة الأولى فسبق القلم إلى الثانية، وأراد سهوها في مدة وقوفها ساكتة قبل إتيانها بالركعة، وعلى كل حال: لو لم يأت بقوله: إذا خرجت إلى وجه العدو، لاستقام.
وقد علمت مما ذكرناه هاهنا ما يرد عليه في ذلك الباب، وعدم استيفاء الكيفية المختلف فيها.
قوله: وإن سها إمامه تابعه في السجود، وقيل: لا تجب المتابعة على المسبوق مطلقًا.
ثم قال: وقيل: إن كان سهوه قبل اقتدائه فلا يتابعه فيه، بخلاف ما إذا كان بعد اقتدائه، وقال الإمام: إنه الظاهر.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن الإمام غلط، فإن الإمام صحح أن السهو يتعدى حكمه إلى المسبوق، ثم فرع ما نقله عنه المصنف على الضعيف، وهو لا يتعدى، فراجعه.
قوله: وإن ترك- أي الإمام- فعلًا مسنونًا، واشتغل بفرض لم يخرج به من الصلاة، مثل: أن ترك التشهد الأول، أو: ترك سجود التلاوة حين قرأ آية سجدة

تابعه، ولم يشتغل بفعله، لأن متابعة الإمام واجبة فلا تترك لأجل سنة، فلو اشتغل بفعله بطلت صلاته إن لم ينو مفارقته، وإن نوى مفارقته جاز على الأصح، لأن هذه مفارقة بعذر، صرح به في ((التهذيب)).
انتهى كلامه.
وما جزم به من كون ذلك مفارقة بعذر قد ذكر ما يخالفه في باب سجود التلاوة، وفرق بينه وبين التشهد والقنوت بأنهما من الأبعاض، بخلاف هذا، وقد تقدم ذكر لفظه هناك، فراجعه.
قوله: في قول الشيخ: ((وإن لم يسجد حتى سلم الإمام ولم يطل الفصل سجد، وإن طال ففيه قولان، أصحهما: أنه لا يسجد)) -: إن ظاهر ما ذكره- يعني الشيخ- مفرع على أن محل السجود قبل السلام، وبذلك قيده الشارحون لكلامه.
ولا يظهر للتقييد معنى، فإنا إذا قلنا: إن محله بعد السلام، إذا كان السهو زيادة ولم يطل الزمان سجد في وقت السجود، وإن طال ففيه القولان، صرح بهما البندنيجي وغيره.
انتهى كلامه.
واعلم أن ما قاله من عدم فائدة التقييد كلام غريب، فإن لنا قولًا ثالثًا: أنه يجوز قبل السلام وبعده، والشارحون قد ذكروا هذا القول، ثم قيدوا كلام الشيخ بما سبق، للاحتراز عنه، فاعلم ذلك.

باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها

قوله: ولا يكره فيها ما له سبب: كصلاة الجنازة، وسجود التلاوة، وقضاء الفائتة، لما روى أنه- عليه الصلاة والسلام-: ((رأى قيس بن قهد يصلي ركعتين بعد الصبح، فقال: ما هاتان الركعتان يا قيس؟ فقال: ركعتا الفجر لم أكن صليتهما، فسكت ولم ينكر عليه)) انتهى كلامه.
والاستدلال الذي ذكره غير صحيح، لأن ركعتي الفجر بعد صلاة الصبح أداء لا قضاء على المعروف، وقد جاء في ((صحيح)) ابن حبان ما هو أصرح منه، وهو أنه صلاهما عقب سلام النبي - صلى الله عليه وسلم -. قوله: ولا عند الاستواء يوم الجمعة، لما روى أبو سعيد الخدري ((أنه- عليه الصلاة والسلام- نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة)) رواه أبو داود.
انتهى كلامه.
واعلم أن أبا داود لم يروه عن أبي سعيد كما اقتضاه كلام المصنف، بل رواه مرسلًا عن أبي قتادة، والراوي عن أبي سعيد إنما هو البيقهي في كتاب ((المعرفة))، والحديث ضعيف، قال البيهقي: في إسناده من لا يحتج به.
وقد ذكر المصنف في الباب ألفاظًا: منها في الحديث: ((حين تضيف الشمس إلى الغروب)) أي: تميل، هو بفتح التاء المثناة من فوق الضاد المعجمة أيضًا- ومنه: ((الضيف))، لما فيه من الإمالة إليك.
ومنها: عمرو بن عبسة، هو بعين مهملة مفتوحة، وباء موحدة مفتوحة- أيضًا- ثم سين مهملة، بعدها هاء.
ومنها: قال: ((الصلاة محضورة)) هو بالضاد المعجمة، أي: تحضرها الملائكة.
ومنها: ((تسجر بجهنم)) هو بسين مهملة ساكنة وبالجيم، أي تحمى ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ﴾ [التكوير:6].
ومنها: قيس بن قهد، هو بقاف مفتوحة وهاء ساكنة، وهو في اللغة: الأبيض الأكدر.

باب صلاة الجماعة

قوله: الجماعة سنة في الصلوات الخمس، لما روى أبو هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعًا وعشرين درجة)) أخرجه مسلم.
وعن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)) أخرجه البخاري ومسلم.
ووجه الدلالة منهما على السنة: أن لفظ ((أفضل)) موضوعه فيما لأحدهما مزية فيما يشاركه فيه.
ثم قال: وقيل: إن الجماعة فرض على الكفاية.
وقد نص الشافعي عليه في كتاب الإمامة، والقائلون به يحملون الأدلة السالفة على ما إذا كان ثم عذر من مرض ونحوه، أو على صلاة النافلة.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما توهمه من أن صيغة ((أفضل)) المقتضية للمشاركة هاهنا في الفضلية، لكونها ((أفعل)) تفضيل المستلزمة لعدم الوجوب، قد وقعت هنا في الحديثين- سهو، فإنها لم توجد في الحديث الأول، بل الموجود فيه لفظ ((تزيد)) وإن كان المعنى واحدًا، ثم إن هذا التقرير تكلف لا حاجة إليه، فإن الحديث قد صرح بالاشتراك والزيادة.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في آخر كلامه من حمل التفضيل عمن حصل له عذر من مرض أو نحوه، قد ذكر بعد ذلك في آخر الكلام على الأعذار ما يخالفه، وأن المعذور المنفرد لا ينقص أجره، فقال: واعلم أن هذه الأعذار كما تنفي الحرج عن التارك تحصل له فضيلة الجماعة وإن صلى منفردًا، إذا كان قصده الجماعة لولا العذر، للأخبار الواردة في ذلك، قاله الروياني في ((تلخيصه))، ويشهد له ما رواه أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من توضأ، فأحسن وضوءه، ثم راح فوجد الناس قد صلوا- أعطاه الله عز وجل مثل أجر من صلاها وحضرها، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئًا)) ز أخرجه النسائي هذا كلامه.
وما نقله ثانيًا من حصول الثواب نقله- أيضًا- في ((البحر)) عن القفال، وارتضاه

وجزم به- أيضًا- الغزالي في ((الخلاصة))، وهو الصواب، ففي صحيح البخاري: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له من العمل ما كان يعمله صحيحًا مقيمًا))، وخالف في ((شرح المهذب)) فقال: وهذه الأعذار مرخصة للترك، وأما فضيلة الجماعة فلا تحصل له بلا شك وإن تركها لعذر.
هذا كلامه، وهو مردود بما سبق نقلًا واستدلالًا، وقد ذكر الرافعي في ((باب صفة الصلاة)) في فصل القيام: أن من صلى قاعدًا لمرض تحصل له فضيلة القيام.
وقال في ((شرح مسلم)): إنه لا لاف فيه، وهو يقوي الحصول في مسألتنا، إلا أن بينهما فرقًا ظاهرًا، وهو أنه قد أتى عن القيام ببدل، بخلاف الجماعة، لكن الرافعي علله بقوله: لأنه معذور.
وتبعه عليه في ((الروضة)).
قوله: واختار أبو ثور وابن المنذر وابن خزيمة أن الجماعة فرض عين، والمعروف خلافه، إذ لو كانت كذلك لكانت شرطًا فيها كالجمعة.
انتهى.
وهذا الكلام صريح في أن ابن خزيمة لا يقول بالشرطية، وليس كذلك، فقد نقل الإمام عنه أنها شرط للصحة.
قوله- في التفريع على أن الجماعة فرض-: والمسافرون لا يتعرضون لهذا الفرض بلا شك كما قاله الإمام.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام من القطع بعدم الوجوب وارتضاه، قد ارتضاه- أيضًا- النووي في ((التحقيق)) فقال: والجماعة في حق المسافرين سنة قطعًا، وهذا الذي قاله الإمام وتابعه عليه من تابعه غريب ومردود، فإن الشافعي- رضي الله عنه- قد نص في ((الأم)) على وجوبها عليهم كما تجب على غيرهم، فإنه استدل على وجوب الجماعة من القرآن والحديث.
ثم قال بعد ذلك ما نصه: فأشبه ما وصفت من الكتاب والسنة ألا يحل ترك أن يصلي كل مكتوبة في جماعة، حتى لا يخلو جماعة مقيمون ولا مسافرون من أن تصلي فيهم جماعة.
هذا لفظ الشافعي بحروفه، ومن ((الأم)) نقلته.
قوله- أيضًا-: وفي الحديث: ((إلا عجوزًا في منقلبها))، قال: والمنقل: الخف، وقيل: المندل، وهو بكسر الميم كما قاله الهروي، وقال الجوهري: بالفتح.
انتهى.
وهو بنون ساكنة بعدها قاف، قال الأزهري: يقال للخف: المندل والمنقل، بكسر الميم فيهما.
وقال ابن مالك في ((المثلث)): المنقل- بالكسر والفتح- هو الخف مطلقًا، وبالضم: الخف المصطلح عليه.
وذكر الجوهري ما حاصله: أن النقل- بلا

ميم، ولكن بنون تفتح وتكسر، وبقاف ساكنة، هو الخف الخلق والنعل الخلق، وكذلك ((المنقل)) بفتح الميم والقاف.
وإذا علمت ما ذكرناه علمت أن كلام المصنف مشتمل على تخليط وانعكاس، وأنكر النووي في ((التهذيب)) تفسير ((المنقل)) بالخف الخلق، قال: بل هو الخف مطلقًا عند اللغويين.
قال: والتقييد بـ ((الخلق)) قاله الإمام وغيره من الفقهاء.
والذي أنكره عجيب، لما سبق عن الجوهري وغيره.
قوله: ويعذر في ترك الجماعة بالمطر.
ثم قال: والوحل، لأنه أشد من المطر في الأذى، وحكى المراوزة وجهًا آخر: أنه بمجرده ليس بعذر ما لم ينضم إليه المط، وعليه ينطبق قول الغزالي في ((الوسيط)): والمطر مع الوحل عذر فيها.
ومثل ذلك قاله القاضي الحسين في الجمعة، وعلى هذا: فالفرق بينه وبين المطر: أن الوحل له أمد ينتظر، ولا كذلك المطر.
انتهى كلامه.
والذي حكاه عن الغزالي والقاضي وجه آخر خلاف الوجه الذي حكاه أولًا، وليس هو منطبقًا عليه كما توهمه المصنف، فإن مدلوله: أن المطر وحده ليس عذرًا، بل لابد من ضم الوحل إليه، وهو عكس ما حكاه عن المراوزة، وإذا لم يكف المطر وحده فالوحل بطريق الأولى، وحينئذ فلابد منهما معًا، وقد صرح بنقله عنه هكذا في باب الجمعة فقال: وظاهر كلام الشيخ: أنه لا يشترط مع ذلك الوحل، وقد اشترطه القاضي الحسين وقال لو وجد أحدهما لم يجز الترك.
قوله- في الأعذار-: والريح الباردة في الليلة المظلمة، لما روى البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: ((أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، فقال- عليه الصلاة والسلام-: ألا صلوا في الرحال)).
انتهى كلامه.
وتركيب هذا الحديث باللفظ الذي ذكره المصنف تركيب عجيب غير مفهم، أو تركيب مفهم ما ليس بصحيح، وبالجملة فالمصنف قد أخطأ في لفظ الحديث، ولفظه في ((الصحيحين)): عن ابن عمر: أنه أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر أن يقول: ((ألا صلوا في الرحال)).
قوله: قال- يعني الشيخ-: ومن أحرم مع الإمام، أي: في غير الجمعة، ثم أخرج نفسه من الجماعة لعذر، وأتم منفردًا- جاز، وإن كان بغير عذر ففيه قولان أصحهما: أنه يجوز.
ثم قال في آخر المسالة ما نصه: والانتقال من الجماعة إلى الانفراد لا يجوز ولو

كان في الركعة الثانية.
انتهى كلامه.
واعلم أن ما قاله من عدم تخريج الجمعة على القولين وجزم به، ليس الأمر فيه كما قاله، بل الحكم أنها مخرجة عليهما حتى يكون الصحيح فيها الجواز- أيضًا- كذا جزم به الرافعي في كتاب الجمعة، وتبعه عليه- أيضًا- النووي وقال في ((شرح المهذب)): إنه لا خلاف فيه.
ولا شك أن المصنف لم يقف على كلامهما، لكونه في باب آخر، فإنه لو وقف عليه لكان أقل المراتب أن يحكي ما جزم به وجهًا في المسألة إن لم يجزم به كما جزما، أو لم يصححه، ولم يقف- أيضًا- في المسألة على نقل، وإلا لكان يعزوه إلى قائله، فإن عادته أن يعزو ما هو أوضح منه.
قوله: ولو كان بعض المأمومين يؤثر التطويل دون بعض، قال الجيلي: راعى الأكثر، ويحتمل أن يقصر مطلقًا.
قلت: وهو الذي يدل عليه الخبر، قال- عليه الصلاة والسلام-: ((إني لأدخل في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه)) أخرجه البخاري.
انتهى.
وما ذكره من نقل الترك احتمالًا عن الجيلي فقط، وتقويته بالحديث- مؤذن بعدم اطلاعه في المسالة على نقل، وهو غريب، فقد صرح بالمسالة جماعات، منهم البغوي فقال: وإن رضي بعضهم دون بعض فليخفف، مراعاة لحق الضعيف، قال النووي في ((شرح المهذب)): فإن جهل حالهم، أو كان فيهم من يؤثر التطويل، وفيهم من لا يؤثره- لم يطول، اتفق عليه أصحابنا.
هذا لفظه، ثم استدل بالحديث الذي استدل به المصنف، وكلام الرافعي وغيره كالصريح فيه، وفي ((فتاوي)) ابن الصلاح: أنهم لو آثروا التطويل إلا واحدًا أو اثنين، لمرض ونحوه- فإن كان ذلك مرة ونحوها خفف، وإن كثر حضوره طول مراعاة لحق الراضين، قال النووي في ((شرح المهذب)): وهذا التفصيل الذي قاله حسن متعين.
قوله: واحترز الشيخ بقوله: في الأذكار، عن التخفيف في القراءة، فإنه غير مستحب، بل المستحب فيها ما تقدم، وهو: في الصبح والظهر من طوال المفصل، وفي العصر والعشاء من أوساطه، كما قال القاضي الحسين.
انتهى كلامه.
واعلم أن اختيار الشيخ- رحمه الله-: أنه لا فرق في التخفيف بين القراءة والأذكار، فقد صرح بذلك في ((المهذب)) فقال: في القراءة والأذكار.
هذه عبارته، وحينئذ فيكون اقتصاره هنا على الذكر لأجل أنه صادق على القراءة، ولهذا قال الجيلي في ((شرحه)) لقول الشيخ ((في الأذكار)): كالقراءة.
وقال الشيخ تاج الدين

الفركاح: إن قوله: في الأذكار، ناقص عن كلام ((المهذب)).
قال: والصواب: التخفيف في الجميع.
وما ذكره هؤلاء هو المعروف من نص إمام المذهب ونص أصحابه، ولهذا قال النووي في ((شرح المهذب)): قال الشافعي والأصحاب: يستحب للإمام أن يخفف القراءة والأذكار بحيث لا يقتصر على الأقل، ولا يستوفي الأكمل المستحب للمنفرد من طوال المفصل وأوساطه وأذكار الركوع.
هذا كلامه، وهو الحق الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة، فإن السبب في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف)) هو التطويل في القراءة، فيكون مرادًا بالإجماع، وأنكر على معاذ- أيضًا- بسبب ذلك، وحكى الدرامي وجهين في المنفردة: هل الأفضل له التطويل أم لا؟ قوله: وإذا أحس الإمام بداخل وهو راكع استحب له أن ينتظره في أصح القولين، ويكره في الآخر.
ثم قال: جاء أبو بكر- رضي الله عنه- مسرعًا والنبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة، فأحرم في طرف المسجد، ثم انتقل إلى قرب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما انصرف قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((زادك الله حرصًا! ولا تعد)).
انتهى.
وهذا الذي جاء هو أبو بكرة- بتاء التأنيث في آخره- واسمه: نفيع- بنون مضمومة بعدها فاء- وهو ابن الحارث، وسياتي أيضًا الكلام عليه في الشهادات، والذي رأيته في كلام المصنف بإسقاط التاء، وكأنه توهم أنه أبو بكر الصديق، رضي الله عنه.
قوله: في المسألة-: وألحق العراقيون الانتظار في التشهد الأخير بالانتظار في الركوع، لأجل إدراك فضيلة الجماعة، وعلى قياس طريقة الفوراني والغزالي التي سنذكرها، من أنه لا يدرك فضيلة الجماعة دون ركعة: أنه لا ينتظره فيه، وأعرض الرافعي عن ملاحظة هذا الأصل وقال: القياس: أن يكون الانتظار فيه كالانتظار في القيام.
والأوجه ما ذكرناه.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن الرافعي من عدم ملاحظة هذا الأصل غلط عجيب، فإن الرافعي إنما ألحقه بالقيام بعد التفريع على الأصل المذكور، فقال: وقياس قول من يقول: إنه لا يدرك فضيلة الجماعة إلا بإدراك ركعة مع الإمام: أن يكون حكم الانتظار هاهنا حكمه في القيام ونحوه.
هذه عبارته.
نعم، قد يقال للرافعي: متى راعينا هذا الأصل فلا يجوز في التشهد وإن جوزنا في القيام، لأنه في القيام يحصل له فضيلة الجماعة، بخلاف التشهد، ولعل هذا المعنى هو الذي كان في نفس المصنف، ولكن

التبس عليه حالة التصنيف.
قوله: ولو صلى الشافعي خلف الحنفي فثلاثة أوجه: أحدها: يصح مطلقًا، سواء قرأ الفاتحة أم لا، وهو الذي نص عليه الشافعي، وعلى هذا: فلو ترك فعلًا فوجهان، والفرق: فحش المخالفة في الأفعال.
والوجه الثاني: لا يصح مطلقًا، لأنه وإن أتى بها لا يعتقد وجوبها، وهو اختيار الشيخ أبي حامد والقاضي الحسين.
والثالث: إن أتى بها صح، وإلا فلا.
انتهى ملخصًا.
وما حكاه عن القاضي الحسين والشيخ أبي حامد من البطلان مطلقًا، غلطٌ، بل مذهبهما الثالث، فاعلمه.
قوله: الموسوس إذا كان يردد القراءة، فركع الإمام قبل أن يفرغ- يجب عليه أن يتمها، قاله القاضي، ويظهر أن يكون كالمختلف بغير عذر.
انتهى كلامه.
وما ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه، قد صرح به النووي في ((شرح المهذب)).

باب صفة الأئمة

قوله: وصاحب البيت أحق من غيره.
ثم قال: وسلك الماوردي طريقًا آخر فقال: إذا كان صاحب الدار مثل الحاضرين عنده فهو أولى، وإن كانوا أقرأ منه فلا حق له في الإمامة، وليس لهم أن يجمعوا إلا بإذنه، فإن أذن لأحدهم فهو أحق بإمامتهم، وإن لم يأذن صلوا فرادى.
انتهى كلامه.
وما نقله عن ((الحاوي)) من أنه لا حق له إذا كانوا أقرأ منه غلط عجيب، فإن الماوردي فرض المسألة فيما إذا كان المالك أميًا فقال: إن صاحب الدار إن كان أميًا اعتبرت حالتهم: فإن كانوا مثله فهو أحق بإمامتهم، وإن كانوا أقرأ فلا حق له ... إلى آخره.
هذا كلامه.
وهو كلام صحيح، وأما إذا كان قارئًا، وكانوا أقرأ منه- فإن الحق له بلا خلاف، على خلاف ما اقتضاه كلامه.
قوله: وفي ((الرافعي)) حكاية وجه: أن الصبي القارئ أولى من البالغ الذي ليس بقارئ، والخبر يشهد له.
انتهى كلامه.
وما نقله هنا عن الرافعي ليس له ذكر في ((شرحه الكبير)) ولا في ((الصغير)) ولا في ((المحرر)).
قوله- فيما رواه البخاري عن عمرو بن سلمة-: وكان العرب تلوم بإسلامها، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق.
انتهى.
تقول: تلوم زيد عمرًا- بتشديد الواو-: إذا انتظره، وهو في الحديث مضارع حذف منه إحدى التاءين وأصله: تتلوم، أي: تنتظر كما في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر:4] أي: تتنزل.
قوله: وفي صلاة القارئ خلف الأمي، وهو الذي لا يحفظ الفاتحة- قولان: الجديد: عدم الصحة.
ثم قال: وحكى ابن يونس طريقة أخرى منزلة للنصين على حالين: فحيث قال لا تصح، أراد: إذا كان يقدر على إصلاح لسانه، وحيث قال: تجوز، أراد: إذا كان لا يقدر

على ذلك.
وهذه الطريقة لم أرها كذلك، بل الإمام والبغوي جعلا محل الخلاف إذا كان لا يقدر.
ثم قال: وفي اقتداء القارئ خلف الأخرس والأرت والألثغ قولان- أيضًا- ... إلى آخره.
انتهى.
والطريقة المنقولة عن ابن يونس طريقة ثابتة فيه، إلا أن نقلها في الأمي غلط فاسد- أيضًا- من جهة المعنى، وإنما هي في الأرت والألثغ ونحوهما، وقد ذكرها ابن يونس عقب ذكرها ولاءً، إلا أنه لم يصرح بالمقصود، والتصوير يقتضيه.
ثم إن كلام ابن الرفعة يشعر بأن المشهور تعميم الخلاف، مع أن التعميم هو الغريب، ولهذا لم يحكه الرافعي بالكلية، بل جزم بالتفصيل، وكذلك النووي في ((شرح المهذب)).
قوله: وهل تجوز صلاة الجمعة خلف من يصلي الظهر؟ فيه ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كانت الظهر مقصورة جاز، وإن كانت تامة فلا.
قلت: ويظهر أن يقال: إن تم العدد به فلا يصح مطلقًا، وإن تم دونه فهو محل الخلاف، ويؤيده تصريحهم به في المحدث.
انتهى ملخصًا.
وهذا الذي ذكره بحثًا هو حاصل ما ذكره النووي في باب صلاة الجماعة من ((شرح المهذب))، والرافعي في كتبه في باب الجمعة، ولهذا عبر في ((المنهاج)) بقوله: والمسافر في الأظهر إذا تم العدد بغيره، أي: تصح الجمعة خلفه.

باب موقف الإمام والمأموم

قوله: ولو كان المأموم أطول من الإمام، وساواه في العقب، ورجلهما سواء صحت صلاته على الصحيح، وبه جزم في ((التتمة))، لأن ابن عباس صلى بعلقمة والأسود أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، وعبد الله كان قصيرًا.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن عبد الله هذا هو ابن عباس غلط، بل هو ابن مسعود، وقد ذكره على الصواب صاحب ((البيان)) وغيره، ثم إن ابن مسعود مشهور بالقصر، وبأن علقمة والأسود مختصان بصحبته.
قوله- نقلًا عن الشيخ-: وإن حضر ومع الإمام واحد عن يمينه أحرم عن يساره، ثم يتقدم الإمام، أو يتأخر المأمومان، وقيل: إذا أمكن الإمام التقدم- أيضًائ- فالأفضل تقدمه دون تأخر المأمومين، لأنه ينظر ما يتقدم إليه، ولأنه فعل واحد، والذي نقله الرافعي عن الأكثرين هو ما قاله الشيخ.
انتهى.
والذي قاله عجيب، فإن الذي نقله الرافعي عن الأكثرين: أن تأخرهما أولى من تقدمه، على عكس هذا الوجه، وهذه المقالة لم يذكرها الشيخ بالكلية، بل حاصل كلامه التخيير، ولا خلاف فيه.
قله: ولنوضح ذلك بالمثال، فنقول: إذا وقف الإمام في الإيوان مثلًا، ووقف شخص في آخر الإيوان من جهة يمين الإمام أو يساره، ووقف إل جانب هذا الشخص شخص في الصحن بحيث اتصل جانبه بجانبه- صحت صلاة من في الايوان ومن في الصحن، فإذا وقف واقف عن يمين الواقف في الصحن، أو يساره في الصحن- أيضًا- فإن لم يكن بينهما فرجة صح، وإن كان بينهما فرجة فعلى الخلاف السابق.
ولو وقف في آخر الإيوان من وراء الإمام شخص، ووقف أخر وراءه في الصحن، وبينه وبينه ثلاثة أذرع فما دونها- صحت صلاة من الإيوان وهذا الواقف في الصحن على الأصح.
وإذا وقف واقف عن يسار هذا الواقف في الصحن أو يمينه أو خلفه، كان حكمه في اشتراط الاتصال وعدمه كما لو وقف عن يمين الإمام أو يساره

أو خلفه في ساحة مملوكة.
انتهى كلامه.
وما ذكره في الواقف على يمين الواقف في الصحن أو يساره، من أنه يجئ فيه اعتبار الفرجة وعدمها كالواقف في بناء آخر- سهو، بل حكمه معه حكم الواقف على يمين الإمام أو يساره في مكان واحد، حتى يشترط ألا يزيد على ثلاثمائة ذراع، لأنهما- أيضًا- في مكان واحد، وهذا واضح جلي، وقد أشار إليه الرافعي وغيره، فقال: أعني الرافعي-: وإذا وجد هذا الشرط، وكان في بناء المأموم بيت عن اليمين أو الشمال- اعتبر الاتصال بتواصل المناكب، كما سبق.
هذا كلامه، وذكر مثله النووي في ((شرح المهذب))، وهو يدل على أنه إذا لم يكن فيه بيت، بأن كان ساحة واحدة أو صحنًا- كما فرضه المصنف- لا يشترط فيه الاتصال، ولعل هذا هو الذي أوقع المصنف في الوهم.

باب صلاة المسافر

قوله: والميل الهاشمي منسوب إلى ((هاشم)) بن عبد مناف جد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه الذي قدر أميال البادية وبردها.
انتهى كلامه.
وما ذكره من نسبة ذلك إلى ((هاشم)) جد النبي - صلى الله عليه وسلم - غلط سبقه الرافعي إليه، بل هو منسوب إلي ((بني هاشم))، فإنه فعلوا ذلك حين أفضت إليهم الخلافة، وكان لبني أمية أميال هي أكبر من هذه، كل خمسة منها ستة من الهاشمية، ولهذا قدرها الشافعي في القديم بأربعين ميلًا، فخالفوهم قطعًا لآثارهم بالكلية.
وقد نبه ابن الصلاح في ((مشكل الوسيط)) على ذلك فقال- مشيرًا إلى الرافعي-: وأخطأ بعض الشارحين لـ ((الوجيز))، فأفحش، فزعم أن ذلك نسبة إلى ((هاشم)) جد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكأنه لم يدر أن النسبة إلى ((بني هاشم)): هاشمي.
هذا كلامه، وقد ذكره النووي في ((لغات التنبيه)) و ((شرح المهذب)) على الصواب، فليت أن المصنف قلده في ذلك على عادته في نقل اللغات! قوله: واحترز بقوله: ((الظهر والعصر والعشاء))، عن المغرب والصبح، فإنه لا قصر فيهما بإجماع أهل العلم، كما قاله ابن المنذر ... إلى آخره.
واعلم أن دعوى الإجماع ممنوعة، فقد ذهب ابن عباس إلى جواز قصر الصبح إلى ركعة، لكن بشرط الخف- أيضًا- وهو وجه عندنا قال به محمد بن نصر المروزي من متقدمي الأصحاب، كذا رايته في ((الطبقات)) للعبادي.
قوله: وقال المتولي: من سافر من بلد عليها سور فلابد أن يخرج من السور، وإن كان على بابها نهر فيعبر النهر، وإن كان حولها رباض ومنازل متفرقة فحتى يفارقها، ونسب الرافعي ذلك لبعض تعاليق المروروذيين.
انتهى.
وما ذكره المصنف في اشتراط قطع المنازل المتفرقة من حكاية الرافعي ذلك عن بعض التعاليق، غلط، إنما حكاه عنه في المنازل المتلاصقة، فاعلمه.
والرباض: جمع ((ربض)) - بالضاد المعجمة- كجمل وجمال، وهو ما حوالي البلد من الأبنية.

قوله: فإن المحققين من علماء الشريعة لا يقيمون لمذهب أهل الظاهر وزنا، كذا قاله الإمام، وفيه نظر، فإن القاضي الحسين نقل عن الشافعي أنه قال في الكتابة: وإني لا أمتنع عن كتابة عبد جمع القوة والأمانة، وإنما أستحبه، للخروج من الخلاف، فإن داود يوجب كتابة من جمع القوة على الاكتساب والأمانة من العبيد.
وداود من أهل الظاهر، فقد أقام الشافعي لخلافه وزنا، واستحب كتابة من ذكره لأجل خلافه.
انتهى كلامه.
وما نقله- رحمه الله- عن الشافعي من استحباب الخروج عن خلاف داود قد ذكره القاضي الحسين في هذا الباب، إلا أنه غلط فاحش، فإن للشافعي- رحمه الله- مات في مصر آخر ليلة من رجب سنة أربع ومائتين، وأما داود فإنه ولد بالكوفة سنة اثنتين ومائتين.
ونشأ ببغداد وتوفي بها سنة تسعين- بتاء ثم سين- وأخذ العلم عن أصحاب الشافعي، وصنف كتابين في فضائل الشافعي، كذا قاله جماعة منهم النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)).
قوله- نقلًا عن الشيخ-: فإذا بلغ سفره ثلاثة أيام كان القصر أفضل من الإتمام، ويستثنى من كلام الشيخ مسألتان: إحداهما: الملاح الذي أهله وماله معه، لأن أحمد يمنع من القصر الثاني من عادته السفر دائمًا.
انتهى ملخصًا.
ويستثنى- مع ما ذكره- صور أخرى: إحداها: إذا وجد من نفسه كراهة القصر، فالقصر له أفضل، بل يكره له الإتمام إلى أن تزول تلك الكراهة.
وكذلك القول في جميع الرخص، كذا ذكره الرافعي، وقد ذكر المصنف هذه المسألة قبل ذلك، ويوهم كلامه أنها من محل الخلاف، وهو باطل، فاجتنب ذلك.
ومنها: كل موضع جرى فيه خلاف في جواز القصر، وهو كثير، وتعليلهم يرشد إليه، فاقتصاره على هذا الفرد عجيب، وذكر المحب الطبري شارح ((التنبيه)) نوعًا ثالثًا، وهو خطأ أوضحته في ((شرح المنهاج)).
قوله- فيما إذا قام في بلد لقضاء حاجة، ولم ينو الإقامة-: إنك إذا جمعت ما قيل من الخلاف واختصرت قلت: في ذلك ثمانية عشرة قولًا ووجهًا، أحدها ... كذا إلى أن قال: والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر: من حاجته غير قتال يقصر أربعة أيام، ومن حاجته قتال يقصر سبعة عشر يومًا، أو ثمانية عشر يومًا، أو تسعة عشر يومًا، أو عشرين يومًا، أو أبدًا، والثامن عشر: يقصر ... إلى آخره.

وهذا الكلام فيه نقص، وصوابه أن يقول: والسابع عشر، بعد قوله: والسادس، فإنه حكى في الكلام الذي بعده خمسة أوجه لا أربعة، ويدل عليه أنه افتتح بعد هذا بالثامن عشر لا بالسابع عشر.
قوله: فرع: إذا صلى الظهر، ثم العصر، وتذكر أنه ترك سجدة من الظهر- بطل هو والعصر كما تقدم، ولو تذكر أنها من العصر بطل الجمع، وأعاد العصر في وقتها، ولو جهل أنها من الظهر أو العصر أعاد كل صلاة في وقتها، أخذًا بالاحتياط، وهذا فيما إذا طال الفصل، فلو قرب أعاد الصلاتين جمعًا، قاله الرافعي.
انتهى.
وما نقله هنا عن الرافعي وهم، ليس في ((الرافعي)) ولا يصح- أيضًا- بل يعيد الجاهل المذكور كل صلاة في الوقت، سواء طال الفصل أم لا، وهو واضح.
نعم، ذكر الرافعي ذلك فيما إذا تيقن أن المتروك من الثانية، فنقله المصنف إلى هذه المسألة سهوًا.
قوله: وإن أراد الجمع في وقت الثانية فيشترط أن ينوي في وقت الأولى كون التأخير لأجل الجمع.
ثم قال: وحكى الإمام عن شيخه وعن الصيدلاني في آخر الباب: أنه لو لم ينو عصى بالتأخير.
قال الإمام: وفيه شيء، فإنا إذا لم نشترط نية الجمع عند إقامة الصلاة فلا يبعد أن يقال: نفس الشرع يسوغ التأخير، ويصير الوقت مشتركًا.
انتهى كلامه.
وتعبيره في آخر كلامه بقوله: نفس الشرع، لا معنى له، والصواب- وهو المذكور في ((النهاية)) - التعبير بالسفر عوضًا عن الشرع، وحينئذ فيكون ((نفس)) ساكن الفاء لا مفتوحها، فاعلمه.
قوله: وهل يجوز الجمع بعذر الثلج إذا لم يبل الثوب؟ فيه وجهان.
ثم قال: وأبداهما القاضي الحسين في ((تعليقه)) احتمالين لنفسه فيما إذا كان يبل الثواب، ووجه المنع بأن السنة وردت في المطر.
انتهى كلامه.
وحكاية الوجهين في حالة ابتلال الثوب غلط لم يذكره القاضي الحسين، بل ولا غيره- أيضًا- على خلاف ما وقع في ((الرافعي)) كما أوضحته في ((المهمات)).
نعم، أطلق القاضي الوجهين وتعليله بهذا، دفعا لمن اعتبر مطلق المشقة، وقد علل بذلك من صرح بأن محل الوجهين فيما إذا لم يذب كما أوضحته هناك.
قوله: سؤال شرط الجمع: أن تقع الصلاتان في وقت إحداهما بلا خلاف،

والجديد: أن وقت المغرب بمقدار ما يتوضأ ويستر العورة ويؤذن ويصلي خمس ركعات، وقضية هذا: أن يكون للشافعي قول أنه لا يجوز الجمع بين المغرب والعشاء في وقت المغرب في الحضر بعذر المطر، لأنه لا يقع منها في وقت المغرب إلا ركعتان، مع أن الأصحاب مطبقون على جوازه، وتكلف بعضهم جوابًا، ويظهر أن يقال في جوابه: إن الثانية كالجزء من الأولى، بدليل وجوب المولاة، وله أن يستديم المغرب إلى مغيب الشفق، فلذلك جاز الجمع، وإن كان وقت الأولى يخرج في أثناء الصلاة الثانية.
انتهى كلامه.
والسؤال المذكور قد أورده في باب مواقيت الصلاة على جمعها- أيضًا- بالسفر، وتقدم أن جوابه واضح جدًا، وأن الجواب الذي ارتضاه باطل، فراجعه.
ثم إن دعوى عدم الخلاف في اشتراط وقوع الصلاتين في وقت إحداهما ليس كذلك، فقد سبق هناك عن القاضي الحسين: أنه خالف، وارتضى المصنف مقالته، وأيضًا: فدعوى الاتفاق على جواز هذا الجمع باطل، فقد حكى الماوردي والفوراني أنه لا يجوز الجمع تقديمًا به، أي: بالمطر كما ذكرته في ((المهمات)).
ثم إنه أهمل الإقامة، وهي معتفرة بالاتفاق.
قوله: وإذا نوى الجمع، ثم نوى تركه في أثناء الأولى، ثم نوى الجمع ثانيًا- قال في ((الروضة)) حكاية عن الدراكي: إن فيه قولين: انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن التعبير بالدراكي- أعني بالكاف- وقع هكذا بخط المصنف وفي باقي النسخ، وصوابه: الدرامي- بالميم- فإنه المذكور في ((الروضة))، وكذلك رأيته في ((الاستذكار)) له، أعني للدرامي.
الثاني: أن الدرامي قد عبر بقوله: ففيه القولان- أعني بـ ((أل)) وأشار إلى القولين في الاكتفاء بالنية في أثناء الصلاة، والصحيح منهما: الاكتفاء، وكذا عبر النووي في ((الروضة))، ولا يؤخذ ذلك من تعبير المصنف.
قوله: اعلم أنه قد وقع في الباب ألفاظ: منها: ليلة الهرير إحدى ليالي صفين: أما ((الهرير)): فبهاء مفتوحة، وراءين مهملتين، الأولى مكسورة، وبينها ياء بنقطتين من تحت، تقول العرب: هر فلان الحرب هريرًا، أي: كرهها.
كذا قاله الجوهري، فكانت سميت بذلك، لكراهتم الحرب في تلك الليلة لكثرة ما وقع فيها من القتل،

وقال النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)): كان بعضهم يهر على بعض، فلذلك سميت.
قال: وهي حرب وقعت بينه وبين الخوارج، وقيل: بينه وبين معاوية في صفين.
انتهى.
وأما ((صفين)): فبصاد مهملة مكسورة وفاء مشددة، وهو موضع بقرب الفرات معروف بين الرقة وبالس.
ذكره الجوهري في باب ((صفين))، وهو يدل على أن نونه عنده أصلية، لكن إعرابه بإعراب جمع المذكر السالم- على لغة- يدل على أن عينه ولامه فاءان، ونونه زائدة.
ومنها: صالح بن خوات، وسهل بن أبي حثمة: أما ((خوات)) فبحاء معجمة، وواو مشددة، وتاء مثناة، وهو في اللغة: الرجل الجرئ.
وأما ((حثمة)): فبحاء مهملة، وثاء مثلثة ساكنة، والحثمة: هي الأكمة الحمراء، وبها سميت المرأة: حثمة.
قاله الجوهري، قال: وتقول: حثمت، بمعنى ((أعطى)) وبمعنى ((دلك)).
ومنها: ضربه بالسيف حتى برد، هو بالباء الموحدة، والراء والدال المهملتين، ومعناه: مات.

باب ما يكره لبسه وما لا يكره

قوله: وفي الصحيح: أن عمر رأى حلًة سيراء ... إلى آخره.
ثم قال: والسيراء- بكسر السين المهملة، وفتح الياء المثناة من تحت، وبعدها راء مهملة، ثم ألف ممدودة-: هو الحرير الصلب، فمعناه: حلة حرير، والحلة: ثوبان: إزار، ورداء.
انتهى.
وتعبيره بـ ((الصلب)) تحريف، إنما هو: الصافي، أي: الخالص.
كذا نقله ابن الأثير، وتعبير المصنف عقبه بقوله: فمعناه: حلة حرير، يدل عليه: فإن معناه: جميعها لا بعضها.
وفسر بعضهم ((السيراء)) بالمصمت، وهو الخالص- أيضًا- فيجوز أن يكون أيضًا قد تحرف على المصنف منه.
قوله: وإلباس الصبي، فإنه لا يحرم عليه ذلك- يعني لبس الحرير- عند العراقيين، وقيل: يحرم.
ثم قال: وفي المسألة وجه ثالث: أنه يحرم عليه ذلك بعد سن التمييز، ولا يحرم قبله، وهو ما صححه الرافعي في ((الشرح)).
اعلم أن الرافعي لما حكى هذا الوجه لم يضبطه بالتمييز- كما نقله المصنف عنه- بل ضبطه بالسبع وغيرها، وتبعه عليه النووي في كتبه حتى قال في ((شرح المهذب)) ما نصه: وهكذا ضبطوه في حكاية هذا الوجه، ولو ضبط بالتمييز لكان حسنًا، لكن الشرع اعتبر السبع في الأمر بالصلاة وغيره.
هذا لفظه.
قوله: عن أبي عثمان النهدي.
هو بنون مفتوحة، ثم هاء ساكنة.
قوله وإن كان حريرًا مصمتًا ولكن هو كمد اللون.
انتهى.
المصمت- بميم مضمومة وصاد مهملة ساكنة-: هو الخالص، وأما ((كمد)): فبكاف مفتوحة، وميم مكسورة، وبالدال، مأخوذ من ((الكمدة)) - بضم الكاف وسكون الميم- وهو تغير اللون، تقول: أكمد القصار الثوب، إذا لم ينقه، قاله الجوهري.

فصول الكتاب · 16 فصل · 599 صفحة
جارٍ التحميل