الهداية إلى أوهام الكفايةصفحات 93-132
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 93-132
عن هذه الطبعة
عَلَم
الإِسْنَوي
الكتاب
الهداية إلى أوهام الكفاية
المؤلف
عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 772هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمي، مطبوع بخاتمة (كفاية النبيه) لابن الرفعةسنة النشر: 2009
عدد الأجزاء
1 (هو الجزء الـ 20 من مطبوعة كفاية النبيه) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قوله: والصلاة في اللغة: هي الدعاء، وفي الشرع: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، بشرائط.
سميت بذلك، لاشتمالها على الدعاء ... وقيل: سميت بذلك، لأن المصلى إذا قام بين يدي الله- تعالى- في الصلاة أصابه من خشيته ما يستقيم به اعوجاجه، مأخوذ من ((التصلية))، يقال: صليت العود، إذا لينته بالنار، فسهل تقويمه من الاعوجاج.
قال النووي: هذا فيه غباوة ظاهرة من قائله، لأن لام الكلمة في ((الصلاة)) واو، وفي ((صليت)) ياء، فكيف يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف؟! انتهى كلامه.
وهذا الذي قاله النووي، ونقله عنه المصنف، وارتضاه- كلام عجيب وغباوة ظاهرة، فإن المشدد تقلب فيه الواو ياء نحو: زكيت المال، وصليت الظهر.
والظاهر أن النووي توهم أنه مأخوذ من قولهم: صليت اللحم- بالتخفيف- صليًا، كرميت رميًا: إذا شويته، ذاهلًا عن كون ((التفعلة)) - كـ ((التزكية)) و ((التصلية)) - إنما هي مصدر للمعتل المشدد لا للمخفف، أو لم يحط بهذه القاعدة علمًا.
قوله: ويؤمر الصبي بالصلاة لسبع، ويضرب على تركها لعشر.
ثم قال: وما ذكره الشيخ من السن في الحالين هو المشهور، ولم يورد البندنيجي غيره، وقال القاضي أبو الطيب من أصحابنا، من قال: لا يتقدر بمدة، بل متى حصل تمييز أمرناه وضربنا.
ثم قال: وعلى الأول: هل يكون الأمر والضرب في أثناء السنة أو بعدها؟ فيه وجهان حكاهما الجيلي.
انتهى.
وما حكاه عن الجيلي ليس مطابقًا لما فيه، لا في الأمر بالنسبة إلى السابعة ولا في الضرب بالنسبة إلى العاشرة، فإنه قد قال: وهل يؤمر بذلك إذا دخل في السبع أو عند استكمال السبع؟ فيه وجهان، وكذا قوله: ((اضربوهم لعشر))، هل هو تحديد أم لا؟ فيه وجهان.
هذه عبارته، وحاصل الوجهين في الأمر: أنه هل يكون بابتداء السنة أو بانتهائها؟ وتعبير المصنف بـ ((الأثناء)) غير مطابق ولا منضبط، ولعله أراد التعبير بـ ((الابتداء)) فسبق القلم إلى ((الأثناء)).

وأما الخلاف في كون العشرة للتحديد أم لا فغير ما نقله عنه المصنف بالكلية، فإن المفهوم من مقابل التحديد إنما هو التقريب، وكونه للتحديد أو التقريب متجه، لأن الضرب سببه احتمال البلوغ، وفي كون سن إمكان البلوغ تحديدًا أو تقريبًا، خلافٌ مشهور.
قوله: قال- يعني الشيخ-: ومن امتنع من فعلها جاحدًا لوجوبها، أي: منكرًا لوجوبها، وهو غير معذور، بأن كان قد تقدم إسلامه وخالط المسلمين- كفر.
ثم قال بعد ذلك: أما من كان حديث عهد بالإسلام، وقد نشأ في بادية بعيدة- فيعرف أن الصلاة واجبة عليه، فإن أصر على الإنكار كان حكمه من نشأ في الإسلام.
انتهى كلامه.
وكان الصواب أن يقول: أو قد نشأ، بلفظ ((أو)).
واعلم أن ((الجحد)) في اللغة عبارة عن الإنكار بعد الاعتراف، وأما ((الإنكار)) فأعم، فقول المصنف: أي منكرًا ... إلى آخره، مجموعة تفسير لـ ((الجحد)) لا لفظ ((منكر)) فقط، فاعلمه.
قوله: ثم إذا ضربنا له، أي: لتارك الصلاة، مدة، فقتله فيها قاتل- قال صاحب ((البيان)): لم يأثم، ولا ضمان عليه كقاتل المرتد.
انتهى كلامه.
وما نقله عن صاحب ((البيان)) من عدم الإثم غلط، ففي ((البيان)) الجزم بعكسه، فإنه قال: تجب استتابته ثلاثًا، فقتله قاتل قبل الثلاث- أثم، ولا يجب ضمانه كالمرتد.
هذه عبارته.
ثم إنه لا يتأتي القول به، لما فيه من قطع المدة التي رأى الإمام ضربها له، ولما فيه من الافتيات عليه، فإن قتله موكول إليه، بل لو قتله بعد المدة أثم- أيضًا- للمعنى الثاني، إلا أن يكون إمامًا.

باب مواقيت الصلاة

قوله: والأصل في ذلك وغيره من مواقيت الخمس: ما روى ابن عباس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أمني جبريل عند باب البيت مرتين: فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم.
فلما كان الغد: صلى بي الظهر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إلى فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين)) رواه أبو داود، وأخرجه الترمذي وقال: حديث حسن.
انتهى.
واعلم أن الواقع في رواية أبي داود والترمذي إنما هو: ((عند البيت)) أعني بإسقاط لفظ ((الباب)) على خلاف ما ذكره.
والشراك- بشين معجمة مكسورة وراء مهملة-: أحد سيور النعل التي من فوقه.
قوله: نقلًا عن القاضي الحسين-: فإن قيل: يجوز الجمع بين المغرب والعشاء تقديمًا، ومن شرط صحة الجمع: أن يقع أداء الصلاتين في وقت إحداهما، وذلك يدل على أن أول قوت المغرب يمتد أكثر مما وصفتم- قلنا: لا نسلم أن من شرط صحة الجمع ما ذكرتم، بل من شرط صحته أن تؤدى إحدى الصلاتين في وقتها، ثم توجد الأخرى عقيبها.
قلت: وأيضًا: فالصلاتان في الجمع كالصلاة الواحدة، وقد تقدم أن المغرب تجوز استدامتها، فكذا ما جعل في معناها.
انتهى موضع الحاجة من كلامه ملخصًا.
والجواب الذي نقله عن القاضي وارتضاه جواب باطل، وممن نبه عليه النووي في ((شرح المهذب))، فإنه نظير من جمع بين الظهر والعصر في آخر وقت العصر بحيث وقعت الظهر قبل غروب الشمس، والعصر بعد الغروب، وهو لا يجوز.
وأما الجواب الذي ذكره هو من عند نفسه فمردود، لأن المد في سائر الصلوات

يجوز بلا كراهة- أيضًا- كما ذكره الرافعي، وحينئذ فيلزم جواز الجمع- أيضًا- في الصورة المتقدمة التي منعناها بلا كراهة- أيضًا- وهو باطل بالاتفاق، بل الجواب الصحيح: أن الوقت المذكور يسع الصلاتين بزيادة، خصوصًا إذا كانت الشرائط عند الوقت مجتمعة، فإن فرضنا ضيقه عنهما، لأجل اشتغاله بالأسباب- امتنع الجمع، لفوات شرطه: وهو وقوع الصلاتين في وقت إحداهما، كما يمتنع الجمع في غير المغرب- أيضًا- عند فوات هذا الشرط، وقد أورد نظير هذا في آخر صلاة المسافر على وجه أضعف مما ذكرناه هاهنا، فراجعه.
قوله: وقد اختاره- أي: اتساع وقت المغرب- ابن المنذر والزبيري وابن خزيمة والخطابي والبيهقي والغزالي في ((الإحياء)) والبغوي في ((التهذيب)).
وقال النووي وغيرهم: وهو الصواب.
وقال الرافعي: إن به الفتوى.
وكذا قال الروياني: به أفتى انتهى كلامه.
وهذا النقل الذي نقله عن الرافعي ليس الأمر فيه كذلك، فإن الرافعي إنما نقله عن طائفة معينة فقال: واختار طائفة من الأصحاب القول الأول ورجحوه، وعندهم أن المسألة مما يفتى فيها على القديم.
هذه عبارته.
قوله: وقد ذهب الشافعي وأصحابه إلى أن صلاة الصبح هي الوسطى، لأن الله تعالى قد بين فضلها في آية أخرى فقال: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:78].
قال المفسرون: تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، ولأنها بين صلاتين ليلتين وصلاتين نهاريتين وصلاتين تجمعان وتقصران، وهي لا تقصر ولا تجمع.
ثم قال في آخر الكلام: إنها العشاء، لأنها بين صلاتي ليل وصلاتين يجهر فيهما وصلاتين لا تقصران.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن ما استدل به من شهود ملائكة الليل والنهار فيها فإنه بعينه ثابت في العصر، كما دل عليه الحديث الصحيح المعروف: ((كيف تركتم عبادي؟ قالوا تركناهم يصلون وجئناهم يصلون)).
الثاني: أن ما استدل به للعشاء من كونها بين صلاتي ليل غير مستقيم، فإن صلاة الصبح من صلوات النهار، وقد ذكره هو قبل ذلك كذلك.
الثالث: أن تفسير ((الوسطى)) بمعنى: المتوسط بين شيئين أو أشياء، فاسدٌ، كما نبه

عليه شيخنا أبو حيان في ((تفسيره))، لأن ((وسطى)) تأنيث ((أوسط)) بمعنى ((الأفضل)) أو ((الأعدل)) ونحوه، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم:28]، أي: أعدلهم.
نعم، ((الوسط)) معناه: ((المتوسط))، ولكن مؤنثه: ((المتوسطة))، لا ((الوسطى)).
قوله: وإذا أخر الإحرام إلى أن بقي مقدار لا يسع الفرض حرم إن جعلنا الصلاة قضاء، وإن جعلناها أداء جاز عند العراقيين، واختار الإمام المنع، وجزم به في ((التهذيب)).
انتهى.
وما حكاه عن الإمام صحيح مذكور في هذا الباب، لكنه قد خالف ذلك في باب المستحاضة، فجزم بالجواز، فقال: الثانية: إذا وقع بعض الصلاة في الوقت وبعضه خارجه فالصلاة مقضية أو مؤداة؟ فيه خلاف: فإن قلنا: مؤداة، فيجوز في حال الاختيار تأخير الصلاة إلى هذا الحد، حتى لو لم يقع في الوقت إلا مقدار تكبيرة جاز، وكانت الصلاة مؤداة.
هذا لفظه.
قوله: فرع آخر: يجوز أن يعتمد على صياح الديك المجرب إصابته، كما قاله القاضي الحسين في ((تعليقه))، وتبعه في ((التتمة))، وعن ((فتاويه)) حكاية وجهين فيه.
انتهى كلامه.
وما نقله عن ((فتاوى)) القاضي من حكاية خلاف ليس كذلك، فإن الذي فيها إنما هو الجزم بالاعتماد.
قوله: والأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت، لقوله- عليه الصلاة والسلام-: ((أول الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الأخير عفو الله)).
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب ... وعن ابن مسعود قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أفضل؟ فقال: ((الصلاة لوقتها))، وفي رواية: ((الصلاة لأول وقتها)).
متفق عليه.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن ما نقله هنا عن الترمذي غلط منه عليه، فإن الترمذي لم يتكلم على الحديث بالكلية، بل رواه ولم يتعقبه بشيء.
وقال البيهقي: روي من طرق كلها ضعيفة.
وقال ابن القطان: إن فيه يعقوب بن الوليد المدني وهو كذاب.
الثاني: أن زيادة لفظ ((أول)) في صدر الحديث ليست في ((الترمذي))، ولا معنى لها أيضًا.

الثالث: أن هذا الاتفاق الذي ذكره في آخر كلامه محله الصلاة لوقتها، وأما الرواية التي هي موضع الحاجة، وذكر الاتفاق عقبها- فليست في ((الصحيحين)) ولا في أحدهما، بل ذكر النووي في ((الخلاصة)) أنها ضعيفة، إلا أن الأمر على خلاف ما ذكر النووي، سببه: ذهول من طريق إلى طريق، فإن الرواية المذكورة صحيحة رواها ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما))، وقال الحاكم، والبيهقي في ((الخلافيات)): إنها على شرط الشيخين.
وأما الحديث الأول الذي نقل عن الترمذي تحسينه فضعيف.
قوله: وقد أفهم قول الشيخ: إلا الظهر في الحر لمن يمضي إلى جماعة، فإنه يبرد بها- أمورًا.
ثم قال: الثاني: أنه لا فرق في ذلك بين البلاد الحارة والمتوسطة والباردة، وهو وجه حكاه الماوردي، والإمام حكاه عن شيخه في البلاد المعتدلة.
انتهى كلامه.
وما حكاه عن الماوردي من استحباب الإبراد في البلاد الباردة على وجه، ليس كذلك، فإن الذي حكاه عن بعضهم إنمنا هو اطراده في كل بلد شديد الحر، فقال: والثاني: أن ذلك وارد في كل البلاد إذا كان الحر فيها شديدًا.
هذه عبارته، فذهل عن آخر الكلام.
قوله: وذكر الغزالي والقاضي وغيرهما أن الذي يبرد يؤخر إلى أن يصير للحيطان ظل يمشي فيه.
ثم قال: والشيخ أبو علي في ((شرح التلخيص)) حده بأن يحصل ذلك ولا تخرج الصلاة بسبب ذلك عن نصف الوقت.
قلت: وهذا يظهر أن يكون تفريعًا منه على أن وقت الفضيلة لا يمتد إلى نصف الوقت، إذ لو كان كذلك لم يكن الإبراد مستثنى.
انتهى كلامه.
وهذا البحث الذي ذكره بحث فاسد، فإن التأخير إلى هذا الوقت في الإبراد مطلوب، وإذا قلنا بأن وقت الفضيلة يمتد إلى هذا الوقت لا نقول باستحباب التأخير إليه، بل التقديم مستحب بلا خلاف، فيصح ممن قال بأن الإبراد إلى نصف الوقت أن يقول بأن وقت الفضيلة يمتد إلى نصفه أيضًا.
ووجه استثناء الإبراد: أن التأخير إلى هذا الوقت فيه- أي في الإبراد- مطلوب، بخلاف غيره، وهذا واضح جلي.
قوله: وإن بلغ صبي، أو أسلم كافر، أو طهرت حائض أو نفساء، أو أفاق مجنون أو مغمى عليه، قبل طلوع الشمس بركعة- لزمهم الصبح، وإن كان بدون ركعة ففيه قولان.

ثم قال: ثم المعتبر من الركعة ماذا؟ المشهور: أنها المشتملة على أقل ما يجزئ، وهل يشترط فيها زمن الرفع من الركوع والسجود كما هو في إدراك الجمعة، أو يكتفي بإدراك القيام والقراءة والركوع فقط ما في إدراك المسبوق الركعة؟ هذا لم أر للأصحاب تصريحًا به، والقياس على الجمعة يقتضي إلحاق ما نحن فيه بها، وكلام الإمام الآتي يقتضى خلافه.
وعن الشيخ أبي محمد أن المعتبر ركعة من العقد والهوي من غير قيام وقراءة، نظرًا إلى ركعة المسبوق.
انتهى كلامه.
وما ذكره من احتمال الاكتفاء بإدراك القيام والقراءة والركوع دون ما بعده، وقياس ذلك على إدراك المسبوق الركعة- كلام عجيب، فإنه صريح في أن هذه الثلاثة وحدها كافية في إدراك المسبوق الركعة دون الإتيان بما بعدها من الرفع والسجود، وهذا واضح البطلان، فإنه لابد في إدراكه مما بعد هذه الثلاث، وأما هذه الثلاث فلا تشترط، بل الشرط فيها هو الركوع فقط، وأما القيام والقراءة فلا، ولهذا قاس الشيخ أبو محمد مقالته على ركعة المسبوق، فالتردد الصحيح إما هو بين الركعة الكاملة وبين مقالة الشيخ أبي محمد.
قوله: وإن كان ذلك- أي: زوال العذر- قبل الغروب لزمهم الظهر بالمقدار الذي يجب به العصر، وفي قولٍ: لابد من زيادة أربع ركعات، ليتصور الفراغ من واحدة والشروع في أخرى، وتلك الأربع في مقابلة الأولى، وقال أبو إسحاق في مقابلة صاحبة الوقت.
ويبنى على ذلك ما إذا زال العذر في آخر وقت العشاء، فإن جعلنا الأربع هناك في مقابلة الثانية فلابد منها- أيضًا- هاهنا، وإن جعلناها في مقابلة الأولى اكتفينا هنا بثلاث لأجل المغرب.
وقد حكي عن صاحب ((الإفصاح)): أنه يلزمه الظهر والعصر بإدراك مقدار أربع ركعات من وقت العصر، والمغرب والعشاء بمقدار ثلاث ركعات، وقياس ما سبق عن الشيخ أبي محمد من تعلق الإدراك بركعة المسبوق: أن نعتبر ركعتين فقط وإن كان مقيمًا، اعتبارًا بصلاة المسافر، وحينئذ فنعتبر على هذا القول ثلاثًا إن قلنا بالخمس، وركعتين وتكبيرة إن قلنا بالأربع مع التكبيرة، وركعتين فقط إن قلنا بالأربع فقط.
ثم قال: وإذا تأملت ما ذكرناه من قول ووجهن وولدته، وأردت أن تعرف ما قيل فيما تدرك به الصلاة عند زوال المانع في آخر وقتها من قول ووجه- قلت: في الصبح ثمان مقالات: تدرك بمقدار بعض تكبيرة بذلك ومقدار طهارة بتكبيرة، بذلك

وطهارة ركعة مسبوق، بذلك وطهارة ركعة تشتمل على أقل ما يجزئ، بذلك وطهارة، وفي الظهر هذا الخلاف إذا زال المانع في آخر وقته، وإن زال في آخر وقت العصر، ففيما تدرك به العصر هذا الخلاف، وفيه مع الظهر عشرون قولًا ووجهًا: الثمانية السالفة.
والتاسع: بإدراك ركعتين فقط، تركيبًا من طريقة الصيدلاني وصاحب ((الإفصاح)) كما سلف.
والعاشر: بذلك وقدر طهارة.
والحادي عشر: بإدراك أربع ركعات.
والثاني عشر: بذلك وطهارة.
والثالث عشر: بإدراك أربع ركعات وبعض تكبيرة.
والرابع عشر: بذلك وطهارة.
والخامس عشر: بإدراك أربع ركعات وتكبيرة.
والسادس عشر: بذلك وطهارة.
والسابع عشر: بإدراك خمس ركعات إحداها ركعة مسبوق.
والثامن عشر: بذلك وطهارة.
والتاسع عشر: بإدراك خمس ركعات مشتملة على أقل ما يجزئ.
والعشرون: بذلك وطهارة.
انتهى كلامه.
واعلم أن ما ذكره من كونه يتحصل في الظهر والعصر عشرون، ليس كذلك، بل يتحصل مما حكاه ثمانية وعشرون قولًا ووجهًا، وهي الثمانية المذكورة في الصلاة الواحدة، وكل منها- أي من الثمانية- مع أربع ركعات في قول صارت ستة عشر، وكل من الثمانية- أيضًا- مع ركعتين، وهو الذي مال إليه الإمام، اعتبارًا بصلاة المسافر- صارت أربعة وعشرين، ويجيء مما نقله عن ((الإفصاح)) مع ما مال إليه الإمام أربعة أخر: أحدها: ركعتان فقط، ثانيها: ركعتان وطهارة.
ثالثها: بأربع ركعات فقط، رابعها: بذلك وطهارة.
والحاصل أن التاسع في كلامه- وهو الركعتان فقط، تركيبًا من طريقة الصيدلاني وصاحب ((الإفصاح)) - يجيء منه عشرة أقوال، أهمل منها ثمانية وهي: بعض التكبيرة، والتكبيرة الكاملة، وركعة مسبوق، والركعة الكاملة، كل من هذه الأربعة مع الطهارة ودونها.
قوله: وفي المغرب وحدها ما سلف في الصبح وحده إن زال العذر في وقتها،

وإن زال في وقت العشاء ففيما تدرك به العشاء ما سلف فيما يدرك به العصر وحده، وفيها مع المغرب- على طريقة الشيخ- ما سلف في الظهر مع العصر، وعلى الطريقة المشهورة اثنتا عشرة مقالة: يدركهما بثلاث ركعات، بذلك وزمن طهارة, بثلاث ركعات وبعض تكبيرة، بذلك وطهارة بثلاثة ركعات وتكبيرة، بذلك وطهارة بأربع ركعات إحداها ركعة مسبوق، بذلك وطهارة بأربع ركعات متساوية، بذلك وطهارة، وبهذه يحصل فيما يدرك به المغرب والعشاء اثنان وثلاثون قولًا ووجهًا.
انتهى كلامه.
وما ذكره في المغرب مع العشاء من أنه يأتي فيها على الطريقة المشهورة اثنا عشر قولًا، سهو، فإنه إنما يأتي فيها عشرة أقوال، خاصة وقد عدها هو كذلك، فتأمل ما ذكره.
ثم إنه بنى على هذا السهو الذي وقع فجعل الجملة اثنين وثلاثين، وإنما هي- بمقتضى ما ذكره ثلاثون فقط.
ثم إنه في المغرب والعشاء يزداد على اثنين وثلاثين- بسبب قول صاحب ((الإفصاح)) - وجهان وهما: ثلاث ركعات بطهارة، وثلاث بلا طهارة.
وإن ركبته مع قول أبي إسحاق واحتمال الإمام زادت أربعة أخرى وهي: أربع ركعات بطهارة، وأربع بغير طهارة، وركعتان بطهارة، وركعتان بدونها.
لكن اعتبار الركعتين في المغرب والعشاء لا وجه له.
واعلم أن هذا النقل الذي ذكره عن صاحب ((الإفصاح)) في المسألة السابقة، ثم فرع عليه هنا وهناك ما فرع- ليس بنقل صحيح، بل المذكور فيه اعتبار أربع ركعات في المغرب والعشاء كما في الظهر والعصر، والحاصل اعتبار مقدار الثانية فقط.
ثم إنه حكاه قولًا، ولم يرتضه، ولم يرده، فإنه حكى قولين، فذكر الأول.
ثم قال: والثاني: أنه لا يكون مدركًا بأربع ركعات، فإذا أدرك أربع ركعات فقد كملت بنفسها، فجاز أن تكون الأخرى تابعة لها فأما أن يكون مدركًا للثانية- وهي لم تكمل بنفسها بالإدراك- فلا معنى له.
هذا لفظه، ومن ((الإفصاح)) نقلت، ولم يذكر غير ذلك مما يتعلق بما نحن فيه، وما ذكره حكمًا وتعليلًا هو عين ما ذكرته لك، وكأن هذا الناقل الذي نقل عنه المصنف قد اغتر بقوله: للثانية.
وقد استغربت لفظه قبل هذا فوجدته يريد بـ ((الثانية)) غير صاحبة الوقت، ولا يستقيم هنا غير ذلك.

باب الأذان

قوله: وحكى القاضي أبو الطيب والمروازة وجهًا: أن الإمامة أفضل منه، وقال القاضي أبو الطيب والغزالي: إنه الصحيح.
وكذا الرافعي، ورجحه الروياني- أيضًا- وحكاه عن نص الشافعي في كتاب الإمامة، وعلله بأن الإمامة أشق.
انتهى كلامه.
وما نقله هنا عن الروياني ليس كذلك، فإن الذي رجحه الروياني في ((البحر))، وحكاه عن نص الشافعي في كتاب الإمامة- هو وجه آخر ذكره المصنف بعد هذا، وهو أنه إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي أفضل، وإلا فالأذان، وأما ترجيح الإمامة مطلقًا فإنه لم يختره، بل قال: ومن أصحابنا ... إلى آخره.
قوله: وقد نص الشافعي في ((الأم)) على كراهة الإمامة فقال: أحب الأذان، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((غفر الله للمؤذنين))، وأكره الإمامة، للضمان وما على الإمام فيها.
انتهى كلامه.
وما نقله هنا عن الشافعي قلد في نقله النووي كما دل عليه كلامه قبل هذا، والنووي قلد فيه جماعة، وليس هذا النقل على وجهه، بل له تتمة دالة على خلاف ما يدل عليه هذا اللفظ لم يذكرها المصنف ولا الذين قلدهم في نقله، فإن الشافعي قد قال عقب هذا الكلام المنقول عنه من غير فصل ما نصله: وإذا انبغى أن يتقي ويؤدي ما عليه في الإمامة، فإن فعل رجوت أن يكون أحسن حالًا من غيره.
هذا لفظه، وهو يدل على عدم كراهة الإمامة في هذه الحالة، بل على استحبابها.
وقد نقل هذا النص على الصواب جماعة منهم صاحب ((الشامل)).
ثم قال بعد نقله: وهذا يدل على أنه إذا كان يقوم بحقوق الإمامة وما يجب فيها كانت أفضل.
وكذلك قال في ((البحر)): فيما ذكروه من لفظ الشافعي خلل، ولم يذكروا تمام الكلام، فإنه قال كذا وكذا ... ثم ذكر ما أسلفته.
قوله: والإقامة إحدى عشرة كلمة معروفة.
ثم قال: ووراءه أقوال عزيت إلى القديم: أحدها: أنها عشر كلمات، وذلك بألا يكرر لفظ الإقامة، والثاني: تسع كلمات، ما ذكرناه قبله غير أنه لا يكرر لفظ التكبير

في آخرها، ليكون قد رد الإقامة إلى شطر الأذان، والثالث: ثمان كلمات، ما ذكرناه غير أنه لا يكرر التكبير في الأول- أيضًا- وفي قولٍ اختاره ابن خزيمة من أصحابنا: أنه إن رجع في الأذان ثني الإقامة- أي: جميع ألفاظها- وإلا أفرادها.
انتهى كلامه.
وتعبيره في آخره بقوله: وإلا أفردها، مقتضاه: إفراد الجميع، وهو مقتضى كلام الرافعي و ((الروضة))، وليس كذلك، بل يثني في هذه الحالة لفظ التكبير في الأول والأخير، ولفظ الإقامة- أيضًا- فيجعلها أحد عشر، كذا نبه عليه في ((شرح المهذب)).
قوله: وقد ذكرنا أنه يجوز الأذان لكل صلاة ما دام وقت اختيارها باقيًا.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من عدم الجواز بعد ذلك عجيب مخالف لكلامهم، وكأنهم عبروا بالمشروعية اختيارًا، فتوهم المنع بعده.
قوله: ويستحب أن يرتل الأذان ويدرج الإقامة، لما روى أبو داود عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يا بلال، إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر))، وروي: ((وإذا أقمت فاحذم)).
قال أبو عبيد: الرواية بالحاء.
ويكره البغي وهو التطريب، وقيل: أن يرفع صوته حتى يجاوز المقدار.
انتهى.
يقال: حدر، إذا أسرع، وكذلك: حذم، بالحاء والذال المعجمة والميم في آخره.
والبغي: بباء موحدة مفتوحة بعدها غين معجمة ساكنة، وهي تطلق على المعاني المعروفة كالفساد والتكبر ونحوهما، وتطلق على ما ذكره المصنف.
قال الأزهري: البغي: هو أن يكون في رفع صوته يحكي كلام الجبابرة والمتكبرين.
وقال صاحب ((الحاوي)): البغي: تفخيم الكلام والتشادق فيه.
قوله: وعن ((البحر)): أنه يحرم الأذان على الجنب وإن كان يصح، والمذكور في ((تلخيص)) الروياني وغيره اختصاص ذلك بما إذا كان الأذان في المسجد.
انتهى كلامه.
والنقل المذكور عن ((البحر)) غلط، بل الذي فيه- أيضًا- إنما هو تقييده بالمسجد على وفق ما نقله المصنف عن ((التخليص)).
قوله: وقول الشيخ: ويستحب أن يؤذن على طهارة، يفهم كراهة أذان المتيمم، وإن استباح بتيممه الصلاة، لأنه على غير طهر عند الشافعي، ولا شك في أنه كالمتطهر بالماء.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من كون التيمم ليس بطهارة، وأن الشافعي قد قاله عجيب، بل الذي

نص عليه الشافعي، وكذا الأصحاب غير الإمام: أنه طهارة، وجاء به الحديث الصحيح كما سبق إيضاحه في أوائل الكتاب.
ولاشك أنه التبس عليه، فتوهم من كونه لا يرفع الحدث أنه ليس بطهارة، ثم إنه لا يلزم من كون الشيء مستحبًا أن يكون تركه مكروهًا.
قوله: وأن يؤذن على موضع عال، لأنه قد روي أن الذي رآه عبد الله بن زيد حين أذن طلع على جذم حائط أو على نشزٍ من الأرض.
انتهى.
الجذم- بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة-: هو الأصل، والنشز- بفتح الشين-: هو المرتفع، قال تعالى: ﴿فَانشُزُوا﴾ [المجادلة:11] أي: ارتفعوا.
وهذا الحديث رواه البيهقي بإسناد صحيح، إلا أنه لم يذكر ((النشر)).
قوله: ويستحب أن الذي يقيم هو الذي أذن، فإن أذن جماعة فالأول هو المستحق إن كان راتبًا، فإن لم يكن لم يستحق التقديم في أصح الوجهين في ((الوسيط)).
ثم قال: وحيث قلنا: يستحق شخص التقدم في الإقامة، فأقام غيره، أو أقام من لم يؤذن- ففي الاعتداد بإقامته وجهان حكاهما المسعودي: المشهور منهما- وهو الذي أورده-: الاعتداد، ومقابله: أنه لا يعتد به، تخريجًا من قولنا: إنه لا يجوز أن يخطب واحد يوم الجمعة ويصلي غيره.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن الأول- أيضًا- أولى إذا كانا معًا غير راتبين كما قاله الرافعي وغيره، وكلام المصنف أولًا وآخرًا يدفعه.
الأمر الثاني: أن هذا الخلاف الذي حكاه تخريجًا مما إذا خطب واحد وأم آخر إنما يستقيم في المسألة الثانية، وهو ما إذا أقام غير من لم يؤذن، فأما في المسألة الأولى، وهو ما إذا أذنا وقلنا باستحقاق واحد، فأقام غيره- فلا.
وقد صرح بالخلاف كما ذكرته صاحب ((البيان)) وصاحب ((التتمة)) وغيرهما.
وتعبيره بقوله: الاعتداد، بعد التعبير بقوله: أورده- وقع هكذا في النسخ، أي: بإسقاط الفاعل وهو المورد.
تنبيه: وقع هنا ذكر الصدائي، وهو منسوب إلى ((صداء))، بضم الصاد وتخفيف الدال المهملتين وبالمد، يصرف ولا يصرف، وهو حي من اليمن.
قوله: ثم ظاهر كلام الشيخ: أنه يلتفت في الحيعلة في الأذان والإقامة، وهو المشهور، وعليه العمل، وحكى الإمام أن بعض المصنفين ذكر مرة أن الالتفات غير

محبوب في الإقامة، قال: وهو غير صحيح، وفي ((التتمة)) و ((الرافعي)): أنه إن كان الجمع كثيرًا التفت يمينًا وشمالًا فيها، وإلا فلا.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن الرافعي ليس بصحيح، بل حاصل ما ذكره الجزم بالاستحباب فيما إذا كثروا، وتصحيحه- أيضًا- عند عدم الكثرة، فراجعه.
وأما ((التتمة)) ففيها التفصيل الذي ذكره المصنف، إلا أنه لم يعبر بكثرة الجمع، بل بكبر المسجد.
قوله: ويستحب أن يجعل المؤذن إصبعيه في صماخي أذنيه، لما روى البخاري ومسلم عن أبي جحيفة قال: رايت بلالًا يؤذن ويتبع فاه هاهنا وهاهنا، وإصبعاه في أذنيه)).
انتهى كلامه.
وهذه الزيادة التي ساق الحديث لأجلها- وهي جعل الإصبعين في الصماخين- لم يخرجها البخاري ومسلم: فأما مسلم فلم يذكرها بالكلية، وأما البخاري فإنه ذكر الحديث بدونها، ثم ذكرها بعد ذلك تعليقًا- أي: من غير رواية عن أحد- ولم يجزم بها- أيضًا- فقال: ويذكر عن بلال أنه جعل إصبعيه في أذنيه.
هذا لفظه.
نعم، رواها الترمذي وصححهما، ولفظه: عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: رأيت بلالًا يؤذن، ويدور، ويتبع فاه هاهنا وهاهنا، وإصبعيه في أذنيه ... إلى آخر الحديث.
ثم قال الترمذي: إنه حسن صحيح.
قوله: وقد أفهم كلام الشيخ أنه يقول عند الحيعلة: لا حول ولا قوة إلا بالله، مرة واحدة أو أربع مرات، والمذكور في ((تلخيص)) الروياني أنه يقول ذلك مرتين: مرة عند قول المؤذن: حي على الصلاة، ومرة عند قوله: حي على الفلاح، لأنه ظاهر السنة.
قال: ويحتمل خلاف ذلك.
انتهى كلامه.
وما ذكره عن الروياني في ((التخليص)) إن كان ثابتًا كما قاله فقد خالفه في ((الحلية))، فإنه نقل في المسألة وجهين، وصحح الأربع فقال: والاختيار: أن يقول في الأذان: لا حول ولا قولة إلا بالله، أربع مرات، وفي الإقامة مرتين في أصح الوجهين.
هذا لفظه، وذكر في ((البحر)) عن بعضهم أنه يقول مرتين، ولم يصرح برده ولا باختياره.
قوله: وتقيم المرأة ولا تؤذن، أي: لا يستحب لها الأذان، فلو خالفت وأذنت كره، كذا قاله في ((المهذب)) والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ في إمامة المرأة، وقال ابن

الصباغ هنا: إن الشافعي قال: إنه لا يكون مكروهًا.
وقال في رواية البويطي: يكون محمودًا.
انتهى.
واعلم أن الذي قاله الشافعي من عدم الكراهة إنما قاله عند عدم الرفع، وممن نقله عنه هكذا [النووي] في ((شرح المهذب))، والذي قاله الشيخ في ((المهذب)) إنما فرضه عند الرفع، فإنه قال: ويكره للمرأة أن تؤذن، لأنها في الأذان ترفع الصوت.
هذه عبارته قوله: في الحديث: بـ ((هوى من الليل)).
الهوي: القطعة، وهو بفتح الهاء وكسر الواو وتشديد الياء، وضم الهاء لغة.
قوله: ولو كان الجمع في وقت الثانية، وبدأ بالثانية- أذن لها وأقام، ثم أقام للأولي ولم يؤذن، وقال الماوردي: يؤذن للثانية، وهل يؤذن للأولى؟ فيه ثلاث أقوال، لأنه قد أبطل الجمع بتقديمها فصارت كالفائتة.
قال الإمام: ولا يعهد أن يوالي بين أذانين إلا في صورة واحدة على خلاف فيها، وهي ما إذا قضى فائتة قبل الوقت، فأذن لها على القول باستحبابه، فلما فرغ منها دخل الوقت، فأراد أن يصلي الحاضرة- فإنه يؤذن لها.
قلت: وعلى طريقة الماودري لا ينحصر في ذلك.
انتهى كلامه.
قد أهمل المصنف مسألة متفقًا عليها ذكرها في ((الروضة))، وهي إذا أخر المؤداة إلى آخر وقتها، فدخل الفرض الآخر عقب فعلها، فإنه يؤذن لهما قطعًا.

باب ستر العورة

قوله: فإن قيل: الستر لا يختص وجوبه بالصلاة، فوجب ألا يكون شرطًا فيها كالنظر إلى المحرمات- فجوابه: أنا لا نسلم أنه لا يختص بالصلاة: أما على قولنا: إنه لا يجب في الخلوة، فظاهر، وأما على قولنا: إنه يجب في الخلوة، فهو يجوز في حال دخول الخلاء وحلق العانة ونحو ذلك، وبه يظهر أنه يختص بالصلاة.
انتهى كلامه.
وهذا البحث الذي ذكره عجيب: فأما دعواه أن اختصاصها بالصلاة واضح إذا لم نوجب الستر في الخلوة فذهول عن وجوب الستر بين الناس، وأما دعواه الاختصاص- أيضًا- مع القول بإيجاب ذلك، فأغرب، فإن الوجوب كما هو ثابت في حال الصلاة فهو ثابت- أيضًا- في الخلوة عند عدم الحاجة وبين الناس مطلقًا، فأين الاختصاص؟! قوله: ويكفي المتخذ من الجلود والرقوق والخرق والورق المصنوع والمخلوف والليف، وما لا يلبس أصلًا كالماء الكدر والطين والتراب والدنان الضيقة الرأس والحفرة في الأرض، لأن ذلك يستر البشرة، وهو كذلك عند الأصحاب إلا الماوردي، فإنه قال: إذا قلنا بوجوب الستر في الخلوة، فهل يجوز أن ينزل في ماء النهر والعين بغير مئزر؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لأن الماء يقوم مقام التراب في ستر عورته.
والثاني: لا، لما روي أنه- عليه الصلاة والسلام- نهى أن ينزل بغير مئزر، وقال ((إن للماء لسكانا)).
وتعليل الوجه الأول يؤذن بأن محل الخلاف إذا كان الماء كدرًا.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ادعاه من اتفاق الأصحاب على ذلك، وأنه لم يخالف إلا الماوردي في الماء الكدر- عجيب، فقد ذرك الروياني في ((البحر)) وجهين- أيضًا- وكذلك الشاشي في ((الحلية))، وزاد على ذلك فصحح بطلان الصلاة.
ونقل في ((البحر)) - أيضًا- عن ابن أبي أحمد- يعني ابن القاص- أن الماء لا يكفي ولو كان

ساترًا للبشرة، ذكره في شروط الصلاة، ونقل الرافعي عن القفال أنه لا يكفي، وهو أجل من الماوردي وأقدم منه.
ثم إن المصنف قد نقل بعد هذا بنحو ورقة عن القاضي الحسين حكاية وجهين فيه وفي الطين- أيضًا- وهذا يدل على قدم الخلاف.
الأمر الثاني: أن كلام الماوردي صريح في أن الممتنع إنما هو النزول في النهر ونحوه لأجل سكانه، وليس فيه تعرض للماء من حيث هو، كمن أخذ ماء وجعله في إجانة وفسقية ونحوهما.
و ((المصنوع)) في كلام المصنف هو بالصاد المهملة والنون، وأشار به إلى الورق الذي يكتب فيه، وأشار بـ ((المخلوق)) إلى ورق الشجر.
قوله: تنبيه: قول الشيخ: وهو شرط في صحة الصلاة، يفهم أنه شرط مطلق، وقوله من بعد: فإن لم يجد صلى عريانًا، ولا إعادة عليه- يدل على أنه شرط عند القدرة، أما مع العدم فلا.
نعم، إذا قلنا: يصلي عاريًا ويعيد، كان شرطًا مطلقًا.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخره من دعوى الشرطية على القول بوجوب الإعادة غلط، فإن القول بوجوب الإعادة لا يخرجها عن كونها صحيحة، فكيف تكون السترة في هذه الحالة شرطًا في الصحة؟! قوله: وقد اختار هذا ابن بنت أبي أحمد، أي: ابن القاص.
انتهى.
اعلم أن لفظ ((البنت)) هنا غلط، فإن المذكور اسمه أحمد، ويكنى أبوه به، فيقال له: ابن أبي أحمد، كذا ذكره الأصحاب، وأوضحته في كتاب ((الطبقات)).
قوله: وروي: أن جابرًا صلى في داره ورداؤه على المشجب.
اعلم أن ((المشجب)) - بميم مكسورة وشين معجمة ساكنة، بعدها جيم مفتوحة ثم باء موحدة- هو الخشبة التي تعلق عليها الثياب، قال الجوهري.
قوله: وأورد بعضهم على الشيخ سؤالًا، وأجاب عنه فقال: قوله: إن المستحب أن يصلى الرجل في ثوبين قميص ورداء، يفهم أن الثوبين ليس بشرط، فأي فائدة لقوله بعد ذلك: فإن اقتصر على ستر العورة جاز؟! وأجاب بقوله ... إلى آخر ما ذكره وما ادعاه من الإفهام عجيب لا أدري ما سببه، ونتبرع فنقول: بينهما واسطة، ولهذا أن الإمام أحمد لا يوجب الثوبين، ولا يجوز الاقتصار على سائر العورة، بل يوجب وضع شيء على العاتق ولو حبلًا.
قوله: فإن وجد ما يكفي إحدى السوئتين ستر القبل، وقيل: الدبر، وعلى هذا: الخنثى المشكل يتخير، وفي المسألة وجه ثالث: أنه يتخير بين القبل والدبر.

ثم قال: وقيل: إن ستر القبل في حق الرجل أولى، والدبر في المرأة أولى، حكاه القاضي وصاحب ((الروضة)).
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن المذكور في ((الروضة)) إنما هو عكس هذا الوجه، وقد صرح به هكذا القاضي الحسين في كتاب التيمم، فقال: إن كان الواجد امرأة سترت القبل، وإن كان رجلًا ستر به الدبر، لأن دبر الرجل وفرج المرأة أكبر في الغلظ في أعين الناظرين من الفرج الآخر.
هذا كلامه، وذكر مثله- أيضًا- في أثناء شروط الصلاة، ثم إنه أيضًا اختاره.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في الخنثى يقتضي أنه يتخير بين القبل والدبر، تفريعًا على أنه يتعين الدبر في حق غيره، وهذا ظاهر الفساد، بل الصواب تفريعه على الأول، وحينئذ ينحصر التخيير في القبلين، وهكذا ذكره الرافعي، وجعل محل التخيير إذا لم يجد إلا ساتر أحد القبلين خاصة، فإن وجد ما يسترهما تعين عليه ذلك، وهو واضح، وقد القول فيه في الكتاب المسمى ((إيضاح المشكل من أحكام الخنثى المشكل)) قوله: وأطلق أبو مجالد البصري، وهو من متأخري الأصحاب ... إلى أخره.
صوابه: أبو مخلد، بسكون الخاء المعجمة وفتح اللام.

باب طهارة البدن والثوب وموضع الصلاة

قوله: وإن أصاب أسفل الخف نجاسة، فمسحه على الأرض بحيث أزال عين النجاسة، وصلى- ففيه قولان، الجديد: أنه لا يجزئه.
ثم قال: وقد أفهم كلام الشيخ أمورًا، أحدها: أن الخف لا يطهر على القول الأول، والأصحاب مطبقون عليه، وهو نظير قوله: إن المحل بعد الاستنجاء بالحجر نجس وإن جازت الصلاة قبل غسله.
انتهى كلامه بحروفه.
ودعواه إطباق الأصحاب على عدم الطهارة باطلة، فقد رأيت للجرجاني في كتابه المسمى بـ ((الشافي)) فيه خلافًا فقال: فصل: ومنها: النجاسة تصيب أسفل الخف ولا يجب غسلها بالماء، لما فيه من لحوق المشقة وعموم البلوي، ولكنه يدلكها بالأرض، فإذا أزال عينها طهر على أحد القولين، للحاجة، وقيل: لا يطهر بالدلك قولًا واحدًا، ولكنه يعفى عن أثرها بعد الدلك على أحد القولين، للحاجة، وهو الأصح، ولا يعفى عنه على القول الآخر حتى يغسل بالماء كالثوب النجس.
هذا لفظه بحروفه.
قوله: قال- يعني الشيخ-: وإن صلى وفي ثوبه دم البراغيث، أو اليسير من سائر الدماء أو سلس البول أو دم الاستحاضة- جازت صلاته، لأن ذلك يتعذر الاحتراز منه.
ثم قال: وقد أفهم كلام الشيخ أمورًا، أحدها: أن البدن ليس كالثوب في العفو عما ذكره، وهذا وإن أمكن توجيهه بما سنذكره عن القاضي في الفرق بين دم البراغيث وغيره، لكن المنقول: أن البدن في ذلك كالثوب إذا صادفه ذلك ابتداء.
انتهى كلامه.
وحاصله: أنه ليس في المذهب مقالة موافقة لما أفهمه كلام الشيخ من عدم العفو في البدن، وليس كذلك، فقد حكاه الجرجاني في ((التحرير)) وجهًا- أي: في الدم- وفرق بأن تكرر الغسل في الثوب يبليه، فعفي عنه فيه، بخلاف البدن.
قوله: الثاني: أن دم القمل والبق والبعوض والزنابير، ونحو ذلك مما ليس له نفس

سائلة- لا يلتحق بدم البراغيث، وهي تلتحق به بلا شك، وكذا ونيم الذباب وبول الخفاش.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من نفي الخلاف في ونيم الذباب- وهو روثه- ليس كذلك، ففيه وجه: أنه لا يلتحق بدم البراغيث، حكاه النووي في ((التحقيق)) وغيره.
قوله: الثالث: ما أفهمه كلام الشيخ أنه لا يلتحق بدم الاستحاضة دم القروح السيالة التي يدوم مثلها وتنزف الدماء، والتي لا تدوم.
وفي الثاني خلاف حكاه الرافعي في أنه هل يلتحق بدم البراغيث فيعفى عن القليل منه، وفي الكثير وجهان، أو يلتحق بدم الأجنبي [كذا] فلا يعفى عنه مع الكثرة ومع القلة؟ وجهان.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: وفي الثاني خلاف، ظاهر في أن الرافعي لم يحكه في الأول، وهو الذي يدوم، وليس كذلك، وقد حكى الرافعي فيه وجهين أحدهما- وهو ما نقله عن قضية كلام الأكثرين، وصححه النووي-: أنه كالبثرات، والثاني: أنه كدم الاستحاضة، قال: وهو الأولى.
قوله: ولا خلاف في العفو عن قليل دم البراغيث إلا إذا حصل ذلك بفعله، كما إذا قتل قملة أو برغوثًا ونحو ذلك، في ثوبه أو بدنه- ففي العفو عنه وجهان مشبهان بما إذا فتح الصائم فاه قصدًا غبار الطريق.
ثم قال: ومثلهما جارٍ فيما لو صلى على ثوب فيه دم براغيث، أو لبس ثوبًا فيه دم براغيث.
انتهى.
وتعبيره بقوله: أو لبس، غير صحيح، فإن الثوب المعفو عنه الذي ذكره هو وغيره هو الثوب الملبوس بلا نزاع، وإنما صوابه أن يقول: أو حمل في كمه، فإن المتولي قد نقل المسألة هكذا، ونقلها عنه في ((شرح المهذب)) - أيضًا-: لأن البسط والحمل مستغنى عنه، ولهذا صحح النووي في ((التحقيق)) عدم العفو في المسألتين جميعًا.
قوله: وقضية إطلاق الشيخ العفو عن القليل من دم الكلب والخنزير، وبعض المتأخرين استثناه وقال: إنه نص على استثنائه الأئمة، لما خص به من التغليظ.
انتهى كلامه.
وهو يشعر بأنه لم يقف على نقل في ذلك، والاستثناء المذكور قد رأيته مجزومًا به في كتاب ((المقصود)) للشيخ نصر المقدسي، وفي ((البيان)) للعمراني، ونقله النووي في ((شرح المهذب)) عن ((البيان))، وذكر مثله في ((التحقيق)) وقال: إنه لم ير لغير العمراني تصريحًا بموافقته ولا مخالفته.

قوله: الثالث: أن ((سلس البول)) و ((دم الاستحاضة))، معطوف على ((اليسير من سائر الدماء))، لأنه أقرب مذكور، وهو يفهم عدم العفو عما كثر من ذلك، وليس الأمر كما أفهمه كلامه في سلسل البول ودم الاستحاضة، بل العفو شامل للقليل منه والكثير، وحينئذ يتعين أن يكون معطوفًا على قوله: ((دم البراغيث)).
انتهى كلامه.
وما ذكره من كونه معطوفًا على ((اليسير)) ... إلى آخره، يقتضي عكس ما يحاوله من إفهام العفو عن القليل دون الكثير في سلسل البول والاستحاضة، ويصير دالًا على العفو مطلقًا- كما هو الصواب- ويظهر ذلك بما إذا قدرته في موضع ((اليسير))، لأن هذا هو شأن المعطوف، بل الصواب- على هذا التقدير الذي يريده- أن يقول: إنه معطوف على ((سائر)).
وهو الذي ذكره النووي في ((لغات التنبيه)) جازمًا به فقال: ((وسلس البول)) و ((الاستحاضة)) مجروران عطفًا على ((سائر)).
هذا كلامه، وهو غلط، لأن الحكم بخلافه، فيتعين عطفه على ((دم البراغيث))، لاسيما أنه واضح فصيح.
قوله: قال الإمام: لأنه صح أنه- عليه الصلاة والسلام- نهى عن الصلاة في سبعة مواطن: المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريقة وبطن الوادي، والحمام، وظهر الكعبة، وأعطان الإبل.
وقد أخرج هذا الخبر بمعناه الترمذي، ولكن في بعض رجاله مقال.
انتهى.
اعلم أن هذا الخبر المذكور قد اشتمل على ((بطن الوادي))، مع أنه لم يقع في رواية الترمذي، بل ولا يعرف عن غيره- أيضًا- والذي ذكره هو وغيره عوضًا عنه: ((المقبرة)).
قوله: وإن اشتبه عليه ثوب طاهر وثوب نجس اجتهد، وصلى فيما غلب على ظنه طهارته، ولا يجب عليه عندنا إعادة الاجتهاد لصلاة أخرى، وقال القاضي الحسين والمتولي: إنه يجب عليه أن يعيد الاجتهاد ثانيًا، وهو الذي صححه الرافعي والنووي.
انتهى.
وهذا الكلام الذي نقله عن الرافعي والنووي غلط: أما الرافعي فلم يذكر المسألة في كتبه بالكلية، وأما النووي فذكرها في ((شرح المهذب)) و ((التحقيق))، وصحح عدم وجوب الإعادة، وعبر بـ ((الأصح))، ولم يذكر في غير ذلك ما يخالفه.
قوله: اعلم أن المصنف قد ذكر في هذا الباب ألفاظًا: منها: في حديث البخاري عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ركع في قبل البيت ركعتين، وقال: ((هذه القبلة)).
انتهى.

قبل بضم القاف والباء، ويجوز إسكان الباء، واختلفوا في معناه: فقيل: مقابلها، وقيل: ما استقبلك منها، أي: بوجهها، ويؤيده رواية ابن عمر في ((الصحيحين)) في هذا الحديث: ((فصلى ركعتين في وجه الكعبة)).
ومنها: الكنيسة- بفتح الكاف وكسر النون المخففة وبالسين المهملة- هي الأعواد المرتفعة على المحمل، المعدة لأن يوضع عليها السترة التي تستر الراكب وتقي من الحر والبرد، يقال: كنس الظبي يكنس- كضرب يضرب- إذا دخل في كناسه، وهو موضعه من الشجر.
ومنها: الصبي العرم: هو بعين مهملة مفتوحة وراء مكسورة، قال الجوهري: صبي عارم، أي: شرس الخلق، يعني سيء الأخلاق كثير الخلاف، ومراد الفقهاء: من لا تركن النفس إلى إخباره.
ومنها: عتبة بن غزوان الصحابي باني البصرة، فأما ((عتبة)) فبعين مهملة مضمومة بعدها تاء مثناة ساكنة، وأما ((غزوان)) فبغين معجمة مفتوحة وزاي معجمة ساكنة.
قوله: وقد اقتضى كلام الشيخ وجوب الاستقبال في أمور، منها: صلاة الجنازة في الحضر والسفر، لأنها فرض كفاية، وعليه نص في ((الأم))، ومنه يؤخذ أنه لا يجوز فعلها على الراحلة، إذ لو جاز لم يشترط فيها الاستقبال، وهو الصحيح، والغزالي وجهه بأن معظم أركانها القيام، ومقتضاه: أنه لو تمكن من القيام عليها أنه يجوز، وقد قال الإمام: الظاهر أنه يجوز، وإن قال في الفريضة: إنه لا يجوز مطلقًا.
انتهى.
واعلم أن المعروف في حكاية النص المذكور في الجنازة إنما هو في منع فعلها على الراحلة، كذا حكاه الرافعي وغيره في كتاب التيمم، وحكاه المصنف- أيضًا- هنالك كذلك، ثم علله الرافعي وغيره بما ذكره من كون معظم أركانها هو القيام، ثم استنبطوا من ذلك جواز فعلها عليها قائمًا إذا تمكن منه، وقياسه: تجويز المشي- أيضًا- إلى القبلة وإلى غير القبلة، وأما الذي ذكره من كون النص في الاستقبال حتى يلزم امتناع فعلها على الراحلة فعلى العكس، ويقتضى- أيضًا منع الأداء قائمًا، وليس كذلك.
واعلم أنه قد وقع هنا في ((شرح المهذب)) تصحيح امتناع المشي، وفي ثبوت ما قاله نظر، والغالب أنه وهم، ويدل عليه أنه لما صححه قال: كما تقدم في التيمم.
وليس له ذكر هناك.
قوله: والمحكى عن نصه في ((الأم)): أنه لا يجوز فعل المنذورة على الراحلة

والأصحاب قالوا: هو جواب على أن النذر كواجب الشرع كما هو الصحيح، أما إذا قلنا: إنه كجائزه، فيجوز على الراحلة كما في النفل.
ثم قال: وفي ((الرافعي)) حكاية وجه آخر: أنه إن أوجبها بالأرض لا يصليها على الراحلة، وإن أوجبها وهو راكب أجزأه فعلها على الدابة.
انتهى.
وحكاية هذا الوجه غلط، وعزوه إلى الرافعي غلط- أيضًا- فإن الرافعي إنما نقله عن الكرخي من أصحاب أبي حنيفة، ولهذا قال: ولك أن تعلم المسألة بالحاء.
فتوهم المصنف أنه الكرخي الشافعي، ذاهلًا عما قاله الرافعي بعده، فأثبته وجهًا.
قوله: ومنها- أي: ومن الصلوات التي دل كلام الشيخ على أنه لا يجوز فعلها على الراحلة-: ركعتا الطواف، وذلك ظاهر إذا قلنا: إنهما فرض، أما إذا قلنا: إنهما: سنة، فقد قال الرافعي والمتولي والفوراني: إنه يجوز فعلهما على الراحلة.
والذي رأيته لغيرهم: أنه لا يجوز- أيضًا- لفقد السير حال الإتيان بهما مع كونه في البلد، والأصحاب متفقون على أنه لا يجوز للمسافر وهو في البلد أن ينتقل على الدابة في حال سكونه.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الذي ذكره في تقرير المنع من فقدان السير عجيب جدًا، فإن ركعتي الطواف لا يشترط فعلهما في مكة، بل يجوز فعلهما فيما شاء من الأمكنة أو الأزمنة، كما صرح به هو وغيره في كتاب الحج، فقول من قال: إنه لا يجوز وهو في البلد، صحيح، وذلك لفقدان السير، وقول الرافعي وغيره: إنه يجوز إذا كان مسافرًا، صحيح- أيضًا- فتخيله أن ذلك اختلاف، عجيب جدًا، وقد جزم في ((شرح المهذب)) بالجواز على القول بالنفلية مع اطلاعه وتتبعه للخلاف.
الأمر الثاني: أن ما ادعاه من عدم الخلاف في حال السكون عجيب- أيضًا- فقد ذكر هو قبل ذلك بدون الورقة ما يخالفه فقال: أما إذا لم يكن المقيم سائرًا فقد افهم كلام بعضهم أنه لا يجوز بلا خلاف على مذهب الإصطخري، وكلام الإمام كالصريح في أنه لا يشترط على هذا المذهب أن يكون سائرًا، كما لا يشترط ذلك في المسح على الخف يومًا وليلة في الحضر، وإن كان الترخص بالمسح شرع، إعانة للسائر على مقاصده.
قوله: قال بعضهم: إنما صحت صلاة الصف الطويل، لأنه لم يتعين الخارج منه عن السمت.
وإلى هذا يميل كلام ابن الصباغ، لأنه قال- بعد حكاية صحة صلاة

الصف الطويل-: وهذا لعمري يكون مع تقوس الصف، فأما مع الاستواء فلا تمكن المحاذاة، وإنما طريقه الظن، وإذا لم يتعين المخطئ فلا يجب على أحد القضاء.
قلت: وقول ابن الصباغ: وهذا لعمري يكون مع تقوس الصف، مؤذن بأن محل الكلام إذا كان بمكة، وإلا فلا معنى للتقوس.
انتهى.
وهذا الذي ذكره من أنه لا معنى للتقوس عجيب جدًا، وكلام ابن الصباغ على عمومه، فإن الصف الطويل الخارج عن مكة متى لم يتقوس، وإلا خرج بعضه عن المحاذاة قطعًا كما في مكة.
قوله: وقد قال الأصحاب: إنه إذا كان بمكة وبينه وبين الكعبة حائل خلقي كالجبال والتلال جاز له الاجتهاد عند فقد المخبر- كما سنذكره- وإن كان الحائل طارئًا كالبناء فهل يلزمه طلب اليقين، أو يجوز له الاجتهاد كما لو كان الحائل خلقيًا؟ فيه وجهان، قال في ((المهذب)) و ((التتمة)): إن ظاهر المذهب منهما: الثاني.
وهو المختار في ((التهذيب)) و ((المرشد))، وقال القاضي أبو الطيب: إنه أشبه بالصواب.
وقال الغزالي: إنه بعيد.
انتهى كلامه.
وما حكاه عن القاضي أبي الطيب من جواز الاجتهاد لمن هو بمكة- سواء كان الحائل خلقيًا أو حادثًا- قد نقل عنه بعد ذلك بدون صفحة عكسه، فقال: وقال أبو الطيب: إن من كان بمكة ففرضه طلب اليقين، سواء كان الحائل أصليًا أو طارئًا، ومن كان خارجًا عنها: فإن كان مكيًا ففرضه- أيضًا- طلب اليقين كيف كان الحائل، وإن كان غريبًا: فإن كان الحائل أصليًا ففرضه الاجتهاد، وإن كان حادثًا ففيه الوجهان.
هذه عبارته، وهو كما ذكرناه، أعني على عكس المتقدم، وقد راجعت كلام القاضي فوجدته موهمًا.
قوله: ولو انهدم البيت- والعياذ بالله تعالى- ولم يبق من جدرانه شيء شاخص، فالواجب: أن يستقبل جميع العرصة، فلو وقف بوسط العرصة واستقبل باقيها لم يصح، وعن ابن سريج أنه يصح، وهو خلاف النص، قال الإمام: ولا شك أن تخريج ابن سريج يجري فيما لو صلى على ظهر الكعبة.
وهذا منه دال على أن ابن سريج إنما نص على الجواز في العرصة، وكذا حكاه بعضهم، وصرح في ((التهذيب)) عنه بنفي الجواز على ظهر الكعبة، والفرق لائح، إذ لا شيء عند انهدامها يستقبل غير العرصة، فقام بعضها مقام كلها، كما قام بعض بناء البيت مقام كله، ومع بقائها لا يستقبل عرصتها، فلذلك امتنعت الصلاة على ظهرها من غير شاخص.
انتهى كلامه.

وهذا النقل المذكور عن ((التهذيب)) غلط، ففي التهذيب عن ابن سريج: أنه يجوز، فقال ما نصه: ولو صلى على ظهر الكعبة لا يجوز، إلا أن يكون بين يديه شيء من بناء الكعبة مثل مؤخرة الرحل، وقال ابن سريج: يجوز وإن لم يكن بين يديه شيء من بناء البيت إذا وقف بحيث يمكنه السجود، وبه قال أبو حنيفة: كما لو صلى على أبي قبيس.
هذا كلام البغوي، وهو صريح فيما قلناه، وقد نقله النووي في ((شرح المهذب)) على الصواب.
نعم، وقع في بعض نسخ ((الرافعي)) ذلك، فقال: وصرح في ((التهذيب)) بنفي الجواز عنه.
هذه عبارته، فتبعه عليها المصنف، فغلط، وفي بعضها: بنقل الجواز، وهذه هي الصواب، ولم يصرح البغوي بخلاف ابن سريج في الواقف في العرصة، فاعلمه، فإن النووي قد غلط في ((شرح المهذب)).
قوله: واعلم أنا حيث جوزنا الصلاة في الكعبة فصلاة النفل فيها أفضل منها خارجها، وكذا الفرض إن لم يرج جماعة، فإن رجاها فخارجها أفضل، قاله في ((الروضة))، وفيه نظر، لأن من قاعدة الشافعي: أنه إذا دار الأمر بين إدراك فضيلة وبين بطلان العبادة على اعتقاد غيره كان ترك الفضيلة إذا حصلت العبادة مجمعًا عليها أولى، دليله مما ستعرفه في القصر ونحوه.
انتهى كلامه.
وهذا السؤال قد ذكره النووي لما ذكر هذا الحكم، وأجاب عنه فقال في ((شرح المهذب)): فالجواب: أنه إنما يستحب الخروج من خلاف محترم، وهو الخلاف في مسألة اجتهادية، أما إذا كان الخلاف مخالفًا لسنة صحيحة كما في هذه المسألة فلا حرمة له، ولا يستحب الخروج منه، لأن صاحبه لم تبلغه هذه السنة، وإن بلغته فهو محجوج بها.
هذه عبارته.
قوله: والغزالي مال إلى أنه لا يشترط فيمن يقلده العدالة، لأنه قال: قلد مكلفًا مسلمًا عارفًا بأدلة القبلة، وهو ما ادعى في ((التتمة)) أنه المذهب.
وقول الغزالي: قلد مكلفًا مسلمًا، يدل على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة عنده، وفيه ما تقدم.
انتهى كلامه.
وما ذكره عن دلالة كلام الغزالي غلط، فإنه يدل على أنهم مخاطبون، لا على عكسه، فتأمله.
قوله: وإن تقين الخطأ لزمه الإعادة في أصح القولين، لأن ما لا يسقط بالنسيان من شرائط الصلاة لا يسقط بالخطأ كالطهارة.
ثم قال: والفرق بينه وبين الطهارة من الحدث والخبث: أنها أغلظ، بدليل أنه لو

توضأ بالإناءين، أو صلى في الثوبين اللذين وقع الاشتباه فيهما صلاتين باجتهادين- وجب عليه إعادتهما، ولو صلى إلى جهتين باجتهادين لم تجب الإعادة.
انتهى كلامه.
وما ذكره في الفرق من وجوب إعادتهما غلط، لأنه إذا اجتهد ثانيًا، وأداه اجتهاده إلى عكس ما أداه إليه الأول- فالمنصوص: أنه لا يستعمله بالكلية، بل يتيمم، ويجب قضاء الثانية خاصة، وقيل: لا يقضيها، وابن سريج قال: إنه يستعمله ويورده موارد الأول، ولا يعيد واحدة من الصلاتين.
قوله: ثم ظاهر كلام الشيخ أن المراد بيقين الخطأ خطأ العين إذا قلنا: إنها الفرض، أو خطأ الجهة إذا قلنا: إنها الفرض، وكلام الماوردي مصرح بأن محل الخلاف إذا أخطأ من جهة إلى جهة، أما إذا أخطأ من العين إلى الجهة فلا يضره ذلك، وحكاه عند حكايته للقولين في أن الفرض العين أو الجهة عن نصه في ((الأم)).
ولو ظهر له أنه انحرف عن الجهة يمينًا أو شمالًا والجهة واحدة بعد الفراغ من الصلاة فلا يضره ذلك، قاله في ((المهذب)) وغيره.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الماوري من خطأ العين إلى الجهة هو الخطأ في التيامن والتياسر بعينه، إذ العين لابد أن تكون في جهة، فالجهة في كلام الماوردي: إن كان المراد بها جهة أخرى خلاف الجهة التي فيها الكعبة فهو الخطأ من جهة إلى جهة، وهو المذكور قبله، وقد جعله مغايرًا له.
وإن كان المراد جهة الكعبة فهو التيامن والتياسر المذكور بعده، وقد جعله مغايرًا له- أيضًا- فثبت بطلان ما توهمه على كل تقدير، والمراد: الثاني، كما أشرنا إليه.

باب صفة الصلاة

قوله: ومحل النية القلب.
قيل: ولأجل ذلك سميت نية، لأنها تفعل بأنأي عضو في الجسد وهو القلب.
انتهى.
وهذا للفظ لم أقف على ضبطه.
قوله: قال أبو إسحاق المروزي: إنه لابد من وصف الصلاة بكونها فرضًا، لتتميز عن صلاة الصبي والصلاة المعادة في جماعة، وقد حكاه الإمام عن صاحب ((التخليص)) - أيضًا- وقال الرافعي: إنه الأظهر عند الأكثرين.
قال الرافعي عند الكلام على نية الوضوء: وهو يجري في سائر العبادات المفروضة.
والبندنيجي والماوردي وغيرهما قالوا: إنه لا يجري في الحج والعمرة والطهارة، لأنه لو غير ذلك إلى نفل لانعقد بالفرض دون النفل، قال بعضهم: ووجه أبي إسحاق يجري في صلاة الجنازة والمنذورة إن قلنا: يسلك به مسلك الواجب.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن ما نقله عن الإمام من كونه نسب هذا الوجه إلى صاحب ((التلخيص)) سهو، فإن الإمام لم يذكر ذلك، ولا ذكره- أيضًا- صاحب ((التلخيص)) لا في ((التلخيص)) ولا في ((المفتاح)).
الأمر الثاني: أن كلام المصنف صريح أو كالصريح في أن الرافعي أجرى الوجه المذكور في الطهارة، ولهذا استثناها من كلامه كما استثنى الحج والعمرة، وهو غلط، فإن الرافعي صرح بعكسه، فقال: والأولى ألا نجعل اعتبار النية في الوضوء على سبيل القربات، بل نعتبرها للتمييز، ولو كان الاعتبار على وجه القربة لما جاز الاقتصار على أداء الوضوء وحذف الفريضة، لأن الصحيح أنه يشترط التعرض للفرضية في الصلاة وسائر العبادات، وقد نصوا على أنه لو نوى أداء الوضوء كفاه، بل كان يلزم أن يجب التعرض للفريضة وإن نوى رفع الحدث أو الاستباحة.
هذا لفظ الرافعي.

الأمر الثالث: أن ما نقله عن بعضهم من جريانه في صلاة الجنازة، واقتضى كلامه استغرابه- هو المجزوم به في ((الرافعي)) في موضعه.
قوله: وقد اعترض الرافعي على اشتراط الفرضية فقال: إن عنى بالفريضة في هذا المقام كونها لازمة على المصلي بعينه وجب ألا ينوي الصبي الفريضة بلا خلاف، والأئمة لم يفرقوا بين الصبي والبالغ، بل أطلقوا الوجهين.
وإن عنى بها كون الصلاة من الصلوات اللازمة على أهل الكمال: فمن نوى الظهر أو العصر فقد تعرض لإحدى الصلوات اللازمة على أهل الكمال، وكونها ظهرًا أخص من كونها صلاة لازمة عليهم، والتعرض للأخص يغني عن التعرض للأعم.
وإن عنى بها شيئًا آخر فليلخصه أولًا، ثم يبحث عن لزومه.
قال: وبهذا كان التعرض للصلاة مغنيًا عن التعرض للفريضة ونحوها من الأوصاف.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الرافعي في آخر كلامه غلط، فإن الرافعي عبر بقوله: ولهذا كان التعرض للصلاة مغنيًا عن التعرض للعبادة.
هذه عبارته، وهو استدلال على أن الأخص يغني عن الأعم، فتوهم المصنف أن المراد استنتاج عدم اشتراط الفريضة، فأتى بها عوضًا عن العبادة، وعبر بقوله: وبهذا أغني، بالباء عوضًا عن اللام، وذهل عن تعبيره هو: بالصلاة، فإن الصلاة لا تغني عن الفريضة قطعًا.
قوله: وبعضهم ينسب إلى الشيخ أبي حامد وجوب التعرض للقضاء، ويسكت عن التعرض للأداء، وقد حكاه البندنيجي هكذا عن نص الشافعي في ((الأم))، ولم يحك غيره.
انتهى.
وما نقله عن البندنيجي من أن الشافعي نص عليه ليس كذلك، فقد راجعت كلام البندنيجي من النسخة التي كان المصنف ينقل منها، فلم أر فيه نسبة ذلك إلى الشافعي، بل لم ينقل عن الشافعي في هذه المسألة شيئًا بالكلية.
نعم، ذكر ما نسبه المصنف إلى الشيخ أبي حامد من وجوب نية القضاء، وسكت عن الأداء، وكلامه يقتضي عدم وجوب نيته، ونص الشافعي في ((الأم)) يدل على الاكتفاء بتعيين المكتوبة، وقد قنله عنه في ((المطلب)).
قوله: لأن فعل النفل المطلق قبل الصبح وقبل صلاة الفجر لا يجوز على وجه، وبعد صلاة الصبح لا يجوز بلا خلاف.
انتهى.
وما ادعاه من عدم الخلاف غريب، فإن الكراهة حيث تثبت في الأوقات المكروهة هل هي للتحريم أو للتنزيه؟ على وجهين مشهورين.

قوله: وقيل يجزئ: الأكبر الله، لأنه ينطلق عليه اسم التكبير، والذي اختاره القاضي أبو حامد وأبو علي الطبري والماوردي والإمام: أنه لا يجزئ، وقال البندنيجي: إنه المذهب.
ولم يحك القاضي الحسين غيره، لأن فيه تغيير ما ورد به الشرع من الترتيب، وقال في ((الشامل)): إن الشيخ أبا علي علله بأنه قدم النعت على المنعوت وهو لا يجوز، وأن بعض الأصحاب رد عليه ذلك وقال: هو جائز، كقوله: الخالق الله.
قال بعضهم: والتعليل والرد كلاهما فاسد، فإن ((الأكبر الله)) ليس بنعت ولا منعوت، وإنما هو مبتدأ وخبر، ولأن اسم ((الله)) معرفة و ((الأكبر)) نكرة، ولا تنعت معرفة بنكرة.
ثم قال: وهذا الخلاف هل يجري في ((الله أكبر))؟ فيه طريقان ... إلى آخره.
واعلم أن تعبيره بالشيخ أبي علي فيما نقله عن ((الشامل)) غلط، فإن المراد بهذا اللفظ إنما هو السنجي، وليس له ذكر هنا، وإنما المذكور هنا أبو علي الطبري، ولهذا عبر في ((الشامل)) بقوله: وقال أبو علي في ((الإفصاح)).
وهذا أقدم من الأول، وقد رأيت ما نقل عنه في تصنيفه المذكور، فتوهم المنصف أنهما واحد فصرح به، وتعبيره- أيضًا- في تتمة ما نقله في ((الشامل)) عن ((الإفصاح)) بقوله: وهو لا يجوز، ليس كذلك- أيضًا- بل إنما عبر بقوله: وذلك بعيد في العربية.
هذه عبارته في ((الإفصاح))، ومنه نقلت.
نعم، عبر في ((الشامل)) في النقل عنه بقوله: فلا يقدم، فتصرف فيه، وعبر بما نقلته عنه.
وما ذكره- أيضًا- من أن ((الأكبر)) نكرة ... إلى آخره غلط فاحش، وكأن هذا القائل ذكره في ((أكبر)) العاري عن لام التعريف، فالتبس على المصنف، وكلام المصنف في هذا كله عجيب ساقط سببه الكلام فيما لا يحسنه، أو نقله عمن هو بهذه الصفة.
قوله: ولا خلاف في أنه إذا قال: الله هو أكبر، أو: الله أكبار- أنه لا تنعقد صلاته، لأن ((أكبار)) جمع ((كبر)) وهو الطبل.
وهل يستحب أن يمد التكبير، أو يجذمه وهو قطع التطويل؟ فيه وجهان في ((التتمة)).
انتهى.
المراد باللفظ الأول: أن يأتي بهاء واحدة، ويمدها حتى تصير بمنزلة الضمير المنفصل.
والكبر- بكاف وباء موحدة، مفتوحتين- قال ابن الأثير: هو الطبل ذو الرأسين، وقيل: هو الذي له وجه واحد.
والجذم- بجيم وذال معجمة- هو القطع.

قوله- نقلًا عن الشيخ أبي حامد-: ويرفع يديه مع التكبير حذو منكبيه، فإذا انقضى التكبير حط يديه، لأن الرفع كان لأجله وقد زال.
ثم قال: وما ذكره الشيخ هو المحكي في ((تعليق)) البندنيجي عن نصه في ((الأم)).
وقيل: ينبغي أن يفرغ من رفع يديه مع فراغ التكبير، كما بدأ برفعهما معه، لأ الرفع لأجل التكبير، وهذا ما حكاه في ((المهذب))، وقال: إن سبق بيديه أثبتهما مرفوعتين حتى يفرغ من التكبير، نص عليه في ((الأم))، وعن أبي إسحاق وأبي علي: أنه يكون انتهاء الرفع مع انتهاء التكبير، وهو خلاف النص.
انتهى كلامه.
وحاصل هذا الكلام اشتماله على ثلاثة أوجه في زعم المصنف، وأن ما قاله الشيخ في ((التنبيه)) ونص عليه الشافعي مغاير للوجهين الأخيرين، وهو سهو، فإن الثاني هو عين الثالث، وهو واضح لا يحتاج إلى تأمل.
ولنا وجه: أنه يستحب انتهاء التكبير مع انتهاء الإرسال، فراجعت لأجل ذلك كتاب ((الإفصاح)) لأبي على الطبري و ((المهذب)) للشيخ، وكلام أبي إسحاق، لاحتمال أن يكون المصنف قد أراد هذا الوجه ولكن حصل له غلط في التعبير، فرأيت- أيضًا- مقالة الجميع متحدة على وفق ما نقله المصنف عنهم.
ثم إن كلام الشيخ في ((التنبيه)) لا ينافي ما ذكره في ((المهذب)) حتى يعده وجهًا آخر، بل الظاهر أنه هو، لاسيما أن دعوى اتفاق كلامه أولى من اختلافه، فآل الأمر إلى أن ما زعمه من أن المذكور ثلاثة أوجه في الحقيقة وجه واحد، فسبحان من لا يسهو! تنبيه: ذكر المصنف هنا ألفاظًا: منها: قبيصة بن هلب، فأما قبيصة: فبقاف مفتوحة ثم باء موحدة مكسورة بعدها ياء ثم صاد مهملة.
وهلب: بهاء مضمومة ولام ساكنة ثم باء موحدة.
ومنها: أن أبا طالب العشاري روى في ((الأفراد)) عن بعض الصحابة ... إلى آخره.
العشاري: بعين مهملة مضمومة ثم شين معجمة.
ومنها: الرسع: براء مضمومة ثم سين مهملة ساكنة وغين معجمة، وهو ما رق من المنكب واتصل بالذراع، ويقال فيه: الرصغ، بالصاد، قاله الجوهري.
قوله: وفي ((التتمة)) حكاية طريقة أخرى: أن كل سورة آخر آيها بالياء والترادف مثل البقرة غيرها فالبسملة منها آية كاملة، وكل سورة آخر آيها على نمط آخر مثل سورة ((اقتربت)) فالبسملة منها بعض آية، اعتبارًا لآخر الآيات.
انتهى.
والصواب المذكور في ((التتمة)) هو لفظ ((الرديف))، فتحرف على المصنف،

والرديف الواقع بعد الياء قد يكون نونا كما في آخر البقرة، وقد يكون طاء كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت:54].
قوله: وقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلًا يسرع في القراءة، فقال: ((هذا كهذ الشعر؟!)) أو قال: ((كهذا الأعراب)).
انتهى.
والهذ- بهاء مفتوحة وذال معجمة مشددة: شدة العجلة.
قوله: والمذهب الأول، يعني أن القراءة اليسيرة والذكر اليسير يقطعان الولاء إذا كان أجنبيين.
ثم قال: فإن قيل: نص الشافعي على أن تخلل الكلام اليسير بين الإيجاب والقبول في العقود لا يؤثر في قطع الولاء، فإنه قد نص على أنه إذا خالع زوجتيه، ثم ارتدتا، ثم قبلتا وعادتا إلى الإسلام- صح الخلع، فما الفرق؟! هذا لفظه.
وما ادعاه من دلالة النص على ما قاله عجيب، فإن الردة لا تستلزم القول، بل تحصل- أيضًا- بالفعل كإلقاء المصحف في القاذورات وغير ذلك، وليس في عبارة الشافعي أنهما ارتدتا لفظًا، وحينئذ فلا يصح مدعاه.
قوله: وكلام بعضهم يوهم أن في تكرار بعض الفاتحة عمدًا خلافًا في البطلان، وهذا لم أعثر عليه في شيء من كتب الأصحاب، بل الذي رأيته فيها عدم الإبطال وحكاية الخلاف في الإتيان بكلها، وقد تردد الشيخ أبو محمد في تكرار بعض الآية.
انتهى ملخصًا.
والذي أنكره لم يحك في ((البيان)) غيره فقال: إنه الذي يقتضيه القياس.
ولم يزد عليه.
وما نقله عن الشيخ أبي محمد- أيضًا- كاف في إثبات الخلاف، وقد عد الغزالي الحروف ركنًا من أركان الفاتحة، وهو يقتضي عد الآية من أركانها بطريق الأولى، ولنا خلاف مشهور في تكرار الركن القولي.
قوله: وفي وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة الجهرية قولان، أصحهما: نعم.
ثم قال بعد ذلك: أما إذا كان مأمومًا في صلاة سرية فإنه يقرأ الفاتحة قولًا واحدًا.
انتهى.
وما ادعاه من نفي الخلاف ليس كذلك، فقد حكى الرافعي وجهًا: أنه لا يجب عليه.
قوله: ويستحب أن يقرأ في العصر والعشاء من أوساط المفصل، ووجهه: أن

العصر هي الثانية من صلاتي جميع النهار، كما أن العشاء هي الثانية من صلاتي جميع الليل.
انتهى كلامه.
وما ذكره في العصر مخالف لمذهبنا، فإن مذهبنا أنها ثالثة، إذ النهار عندنا من الفجر.
قوله: فإن قيل: هذا يعارضه ما روي عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بطوال الطويلتين؟ قال: قلت: ما طوال الطويلتين؟ قال الأعراف.
أخرجه أبو داود والبخاري مختصرًا.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: طوال الطويلتين، غلط منه في الموضعين، وكيف يتصور أن يكون في السورتين الطويلتين سور طوال، بل صوابه- وهو المذكور في الحديث-: ((طولى)) على وزن ((فعلى)) بضم الأول، وهو ((أفعل)) تفضيل تأنيث ((الأطول)) من ((الطويلتين))، قال ابن أبي مليكة والطويلتان: الأعراف والمائدة.
قوله: ولو قدر على من يلقنه الفاتحة في الصلاة، قال القاضي الحسين في ((فتاويه)): لا يجب عليه ذلك، وله أن ينتقل إلى البدل.
انتهى كلامه.
وحاصله: أن القاضي يقول: لا يجب على المصلي أن يتلقن، وليس كذلك، فإن الذي دلت عليه عبارة القاضي إنما هو عدم وجوب تلقين الحافظ للمصلي، فقال ما نصه: مسألة: إذا كان لا يحسن الفاتحة، فشرع في الصلاة، فجاء رجل، فجعل يلقنه الفاتحة حرفًا حرفًا، فصلى- صحت صلاته، ولكن لا يلزم ذلك، فلو صلى بالبدل يجوز.
هذه عبارته، وعوده إلى الحافظ أسرع إلى الفهم وأقرب إلى مدلول اللفظ وإلى القياس، فكيف يتصور أن يقول قائل: لا تجب على المصلي القراءة إذا أجاب الحافظ إلى التلقين، مع أنه قادر على أداء الفرض بالفاتحة؟! وبالجملة فهو غير ما ذكره المصنف لو فرضنا صحة التزامه.
قوله: وإذا كان يحسن آية ففيه قولان: أحدهما: يقرؤها، ثم يضيف إليها من الذكر ما يتم به قدر الفاتحة.
والثاني: يكرر ذلك سبعًا.
واستدل ابن الصباغ للأول بما رواه أبو داود قال جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن فعلمني ما يجزئني في صلاتي، فقال: ((قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إليه إلا الله، والله أكبر))، قال: هذا لله، فما لي؟

قال: ((تقول: اللهم، اغفر لي، وارحمني، وارزقني، واهدني، وعافني))، قال: وفي هذا الذكر: ((الحمد لله))، ولا يتعذر عليه أن يقول: رب العالمين، ولم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بتكريرها.
قلت: وفي هذا الاستدلال نظر من وجهين، أحدهما: أن المأمور به في الخبر بعض آية، والنزاع إنما هو فيما إذا كان يحسن آية، وما دونها لا يجب عليه أن يأتي به، إذ لا إعجاز فيه.
انتهى كلامه.
وهذا الرد الذي ذكره ذهول عجيب وغفلة، فإن ابن الصباغ قد دفع هذا بقوله: ولا يتعذر عليه أن يقول: رب العالمين.
يعني أن من كان يحفظ هذا الذكر إذا لقنه لا يتعذر عليه حفظ باقي الآية بالضرورة، وهو: رب العالمين.
قوله: ثم اختلفوا، فقال البغوي: لا يشترط الترتيب بين البدل والأصل، وكيفما قرأ جاز.
وقال القاضي الحسين والمتولي والأئمة- كما قال الإمام-: إنه إن كان يحسنها من الفاتحة وجب الترتيب، فإن كانت أول الفاتحة أتى بها، ثم بالذكر، وإن كانت من آخرها أتى بالذكر ثم بها، وإن كانت في وسطها أتى بالذكر أولًا عما قبلها ثم بها، ثم بالذكر عن الباقي.
قلت: وعلى هذا لو كان يحسن الآية من غير الفاتحة ينبغي أن ينظر في عدد حروفها إذا قلنا باعتبار عدد الحروف، فإن وافقت آية من أول الفاتحة أو وسطها أو آخرها قدرناها بدلها، وأتى بالذكر بدلًا عما بقي، وإن لم تكن حروفها قدر حروف آية منها بل أقل فيظهر أن يتخير في تقديم الذكر وتأخيره، ويجوز أن يتعين تقديم الآية، لأنها أقرب إلى الأصل.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن البغوي من ذهابه إلى عدم وجوب الترتيب غلط، فإن البغوي حكاه وجهًا ضعيفًا، وصحح وجوب الترتيب فقال: وإن كان يحسن النصف الأول من الفاتحة فيقرؤه، ثم يأتي بالبدل عن النصف الثاني، وإن كان يحسن النصف الثاني فيأتي عن النصف الأول بالبدل، ثم يقرأ النصف الثاني مراعاة للترتيب، وقيل: لا يجب الترتيب بين البدل والأصل.
هذه عبارته في ((التهذيب)).
الأمر الثاني: أن ما ذكره في آخر كلامه بحثًا غير مستقيم، بل الصواب الجاري على القواعد أنه يتعين البداءة بقراءة الآية، لأنها أصل حقيقة بالنسبة إلى الذكر، والقاعدة: أن الأصل إذا لم يكف لا ينتقل إلى البدل إلا بعد إكمال ما قدر عليه من الأصل، بدليل القدرة على بعض الماء، وقدرة المضطر على لقمة من الحلال، فإنه لا

ينتقل إلى التراب والميتة إلا بعد استعمالهما.
قوله: وإذا انتقل إلى الذكر فهل يتعين أن يقول: سبحان الله، والحمد لله ... إلى آخره؟ فيه وجهان، أرجحهما عند الرافعي وغيره: أنه لا يتعين.
ثم قال ما نصه: وعلى هذا يشترط أن تكون حروف ما يأتي به من الذكر بقدر حروف الفاتحة، لأنه لا يمكن اعتبار قدر الآي إلا بذلك، وحكى الرافعي وجهًا: أنه لا يشترط وعلى هذا يأتي بسبعة أنوع من الذكر، ويقام كل نوع مقام آية، وهذا ما حكاه في ((التهذيب))، قال الرافعي: وهو أقرب تشبيهًا لمقاطع الأنواع مقام الآيات.
انتهى كلامه.
ومقتضاه: أن الرافعي رجح عدم اشتراط استيفاء الحروف، وأن الأنواع السبعة إنما تشترط إذا لم يشترط استيفاء الحروف، وليس كذلك، بل صحح الرافعي أنه لابد من استكمال حروف الفاتحة، ثم ذكر أن الأقرب اشتراط الأنواع السبعة مع ذلك- أيضًا- ويتضح ذلك كله بمراجعة كلام الرافعي.
ثم إن تعبيره في آخر كلامه بقوله: مقام الآيات، غير مستقيم، بل عبر الرافعي بقوله: بغاية الآيات، فكأنها تحرفت عليه.
قوله: وسلك الرافعي طريقًا آخر فقال: يشترط أن تكون حروف الأذكار معادلة بحروف الفاتحة، ويعد الحرف المشدد من الفاتحة بحرفين من الذكر، ولا يراعي في الذكر الترتيب، وهل يشترط أن تكون كلمات الذكر معادلة لعدد آيات الفاتحة؟ فيه وجهان.
انتهى كلامه.
وما حكاه عن الرافعي من الجزم باشتراط استكمال الحروف، وأن في الكلمات وجهين- غلط منه على الرافعي، وكذلك بقية الكلام- وهو الكلام المتعلق بالتشديدات- ليس له ذكر أيضًا في ((الرافعي)).
قوله: وفي الحديث: ((التكبير جزم))، ثم قال: وقال الرافعي: لفظ ((الإنحناء)) إشارة إلى أنه لو انخنس، وأخرج ركبتيه وهو ماثل منتصب- لم يكن ذلك ركوعًا.
انتهى.
قال ابن الأثير في ((غريب الحديث)): أراد بالجزم: أنه لا يمد ولا يعرب آخره، بل يسكن.
وأما الماثل فمعناه: الواقف، يقال: مثل بين يديه- بفتح المثلثة- مثولًا، فهو ماثل، ويقال- أيضًا-: مثل، إذا التصق بالأرض، وهو من الأضداد كما قاله الجوهري.
قوله: ويكره التطبيق، وهو أن يطبق يديه ويجعلهما بين ركبتيه، لأنه نهى عن ذلك

بعد أن كان يفعل- رواه أبي- وأنه يضرب فاعله بالأكف على الركب.
رواه البخاري.
انتهى.
واعلم أن هذا الحديث قد رواه البخاري ومسلم- أيضًا- عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: صليت إلى جنب أبي، فطبقت بين كفي، ثم وضعتهما بين فخذي، فنهاني أبي، وقال: كنا نفعله فنهينا عنه، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب.
وقوله في هذا الحديث: إلى جنب أبي، يعني: والدي، وهو سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص: مالك.
وقد صرح في ((المهذب)) بذلك فقال: ولا يطبق، لما روي عن مصعب بن سعد ابن أبي وقاص قال: صليت إلى جنب سعد بن مالك، فجعلت يدي بين ركبتي وبين فخذي وطبقتهما، فضرب بيدي وقال: اضرب بيدك على ركبتيك، وقال: يا بني، إنا كنا نفعل هذا، فأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب.
هذا كلام ((المهذب))، وإذا تأملت ما ذكرناه علمت أن المصنف توهم أن المراد بقوله: أبي، ليس هو: والدي، وأنه مضموم الأول، مصغر، وهو: أبي بن كعب، فصرح بما ذكره، وهو غلط.
ثم إنه خلط- أيضًا- في كيفية رواية الضرب، والصواب ما تقدم.
قوله: ورواية أبي حميد في وصف ركوعه: ((فيصهر ظهره غير مقنع رأسه ولا صافح بخده)).
انتهى.
يقال: صهر ظهره- بفتح الصاد المهملة وفتح الهاء المخففة- أي: ثناه وعطفه.
وأقنع رأسه، أي: رفعه، ومنه قوله تعالى: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم:43] وأما ((صافح)) فبصاد مهملة وبالفاء والحاء المهملة- أيضًا- ومعناه: أنه غير مبرز صفحة خده ولا مائل في أحد الشقين.
قوله في الركوع: وقال القاضي الحسين والماوردي: ومن العلماء من قال: ينبغي أن يقول ذلك خمسًا، ليقوله المأموم ثلاثًا.
وقد حكاه الروياني وجهًا لنا، ولم يذكر في ((الحلبة)) - كما قيل- غيره.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن الروياني ليس بصحيح، فإنه في ((البحر)) إنما حكى ذلك عن الثوري فقال: وحكى الطحاوي عن الثوري أنه قال: ينبغي أن يقول الإمام: سبحان ربي العظيم، خمسًا، حتى يدرك من خلفه ثلاثًا.
هذا لفظه، وأما في ((الحلية)) فإنه لم يذكر أن ذلك مستحب، بل ذكر أن الإمام لا تستحب له الزيادة على الخمس فقال: ولا يزيد الإمام على خمس تسبيحات، للتخفيف على المأمومين.
هذه عبارته.
قوله: ويرفع رأسه قائلًا: سمع الله لمن حمده، وعن ابن كج: أنه يبتدئ بقوله: سمع

الله لمن حمده، وهو راكع، ثم إذا انتهى أخذ في رفع الرأس واليدين، انتهى كلامه.
وحاصل ما ذكره أن ابن كج يقول بأنه لا يأخذ في رفع الرأس واليدين إلا بعد فراغ ((سمع الله لمن حمده))، وهو غلط، فإن المصنف- رحمه الله- لم ينقله من كتاب ابن كج، ولهذا قال: وعن ابن كج.
والرافعي- رحمه الله- قد وقف عليه، وهو من جملة المصنفات التي غالب نقل الرافعي منها، ولا نعلم وصول الكتاب إلى مصر، وقد عبر- أعني الرافعي- بقوله: لأن القاضي ابن كج ذكر أنه يبتدئ بقوله: سمع الله لمن حمده، وهو راكع، ثم إذا ابتدأ به أخذ في رفع الرأس واليدين.
هذه عبارته، ولا شك أن المصنف أخذه من الرافعي فتحرف عليه.
قوله: وأدنى السجود: أن يباشر بجبهته المصلى، لما روى مسلم وغيره عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا.
أي: لم يزل شكايتنا.
انتهى كلامه.
واعلم أن مسلمًا لم يتعرض لقوله: ((في جباهنا وأكفنا))، وإنما خرج أصل الحديث ولفظه عن خباب قال: أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشكونا إليه حر الرمضاء، فلم يشكنا.
قال زهير: قلت لأبي إسحاق: أفي الظهر؟ قال: نعم، قلت: أفي تعجيلها؟ قال نعم.
انتهى لفظ مسلم.
نعم، روى هذه الزيادة البيهقي بإسناد حسن- كما قاله النووي في ((الخلاصة)) - قال والحديث المذكور منسوخ، لأمره - صلى الله عليه وسلم - بالإبراد بالظهر.
قوله: وهذا التصوير مؤذن بصحة ما قاله بعض الشارحين لهذا الكتاب: أنه لا خلاف في أنه لا يجزئه أن يضع جبهته على الأرض ويمد [يديه] ورجليه، لأنه لا يسمى سجودًا، فإن السجود في اللغة: التطامن، ومنه قولهم للبعير إذا تطامن ليركبه راكبه: قد سجد.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة التي أشعر كلامه باستغرابها قد ذكرها الرافعي- رحمه الله- وجزم بها، واستدل بها لمسألة أخرى، وقال في ((شرح المهذب)): لا يجزئه بلا شك.
وقد ذكر المسألة في ((التتمة)) - أيضًا- ثم قال: إلا أن يكون به علة لا يمكنه السجود إلا هكذا.
قوله: وفي مباشرة المصلى بالكف قولان، أصحهما: أنه لا يجب، لأنه- عليه الصلاة والسلام- صلى في مسجد ابن عبد الأشهل وعليه كساء ملتحف به، يضع يديه عليه، يقيه برد الحصا.
رواه ابن ماجه.
انتهى.
وتعبيره بقوله: ابن عبد الأشهل، تحريف، وصوابه: بنى، وهي قبيلة من الأنصار معروفة.

قوله: وفي ((أبي داود)): ((كان إذا سجد لو مرت بهمة لنفذت))، وفيه عن ابن عباس: ((رأيت بياض إبطه وهو مجخ)) أي: مخو.
انتهى.
البهمة- بباء موحدة مفتوحة ثم هاء ساكنة-: هي الأنثى من صغار المعز، وتقع في نسخ الكتاب: بهيمة- بزيادة الياء- وهو تحريف.
والمجخي: بجيم ثم خاء مشددة.
والمخوى- بالخاء المعجمة- من ((التخوية))، وهو رفع اليد عن الجنب والبطن عن الفخذ.
قوله: فإن قال معه: اللهم، لك سجدت، وبك آمنت ... إلى آخره.
اعلم أن الشيخ قد ذكر قبل قوله: فإن قال معه ... إلى آخره- ويقول: سبحان ربي الأعلى، ثلاثًا، وذلك أدنى الكمال.
وقد أسقطه المصنف، وأدى إسقاطه إياه إلى اعتقاد أن الشيخ لم يذكره، وإلى عدم ذكر ما يعود عليه الضمير المذكور في لفظ ((معه)).
نعم، قد وقع التعرض لشيء من ذلك في الكلام على الركوع، لكنه لا يكون عذرًا في الإسقاط، للأمرين اللذين ذكرتهما، ولأنه لم يتعرض هناك لذكرها ثلاثًا، فهو سهو بلا شك.
قوله: ويجلس بين السجدتين مفترشًا.
ثم قال: وعن رواية أبي علي في ((الإفصاح)) حكاية قول آخر: أنه يجلس على صدور قدميه.
وروى البويطي عن الشافعي: أنه يجلس على عقبيه، وتكون صدور قدميه على الأرض، لأن العبادلة- وهم عبد الله بن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير- كانوا يفعلون ذلك بين السجدتين، وهذا هو الإقعاء، والمشهور من مذهب الشافعي: أن الإقعاء فيها مكروه.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره هاهنا في تفسير العبادلة قد خالفه في باب الديات فقال: ودية المرأة على النصف من دية الرجل، روي عن العبادلة: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، رضي الله عنهم.
هذه عبارته، فأسقط منهم ((عبد الله بن الزبير)) وجعلهم ثلاثة، والذي ذكره في الجنايات قلد فيه الرافعي، والرافعي قلد الزمخشري في ((المفصل))، فإنه ذكره كذلك في أوائله في الكلام على ((علم الغلبة)).
الأمر الثاني: أن إدخال ابن مسعود فيهم، خلاف المعروف، فإن المعروف عند العلماء أن العبادلة أربعة آباؤهم صحابيون، وهم: ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمرو ابن العاص.

قال النووي بعد تفسيره بهؤلاء الأربعة: إن ((صحاح)) الجوهري قد وقع فيها الإتيان بـ ((ابن مسعود))، عوضًا عن ((ابن [عمرو بن] العاص))، قال: وهو غلط نبهت عليه، لئلا يغتر به، كذا قاله في ((تهذيب الأسماء واللغات)) في ترجمة ابن الزبير، والذي قاله النووي غلط عجيب، فإن الجوهري قد ذكر ((ابن العاص)) ولم يذكر ((ابن مسعود)).
نعم، على الجوهري انتقاد من وجه آخر، وهو أنه أخرج ((ابن الزبير)) منهم وجعلهم ثلاثة فقط، فقال في آخر الكلام على لفظ ((عبد)) ما نصه: والعبادلة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص.
هذا لفظه.
قوله: ويقبض الخنصر والبنصر، ويرسل المسبحة، وفي الإبهام والوسطى ثلاثة أقوال: أشهرها: أنه يقبضهما- أيضًا- وعلى هذا فقيل: يضع الإبهام على وسطاه، وقيل: يضعهما بجنب الأصابع الثلاثة.
كذا حكاه القاضي الحسين في ((تعليقه)).
ثم قال: وقيل: إنه يقبضه كأنه عاد ثلاثة وخمسين في وجه، وفي وجه: كأنه عاد ثلاثة وعشرين، والأخيران هما المذكوران في غيره.
والقول الثاني: يقبض الوسطى ويرسل الإبهام مع المسبحة، قاله في ((الإملاء))، وعلى هذا: هل يضع السبابة على الإبهام كأنه عاد تسعة وعشرين، أو يرسلهما غير متراكبين؟ فيه وجهان.
والقول الثالث: أن يحلق الإبهام مع الوسطى، وعلى هذا: فيحلق برأسيهما، وقيل: يضع أنملة الوسطى بين عقدتى الإبهام.
وقد خرج الترمذي أحاديث تدل لكل منها، وهي تدل على أنه- عليه الصلاة والسلام- كان يفعل كذا مرة وكذا أخرى، ولأجله قال بعض الأصحاب- كما قال الروياني في ((تلخيصه)) -: إنه يتخير فيها، وهو المذكور في ((الشامل)) وغيره، كما قاله الرافعي، ومفهوم كلام الأكثرين: أن الخلاف في الأفضل.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن ما اقتضاه كلامه من حصول أربعة أوجه، تفريعًا على القول الأول، ودعوى أن الوجهين الأخيرين هما المذكوران في غير ((تعليق)) القاضي الحسين- غريب جدًا، فإن المستفاد من جميع ما ذكره وجهان لا غير، والأخيران تفسير للأول، والرافعي ممن صرح بذلك- أيضًا- فقال: وفي كيفية وضع الإبهام على هذا القول وجهان:

أحدهما: أنه يضعها على إصبعه الوسطى كأنه عاقد ثلاثة وعشرين.
وأظهرهما: أنه يضعها تحت المسبحة كأنه عاقد ثلاثة وخمسين.
هذه عبارته، وأما هذا الناقل عن القاضي الحسين فقد غلط فيه عليه، فإن عبارة القاضي: وماذا يفعل بالأصابع؟ فيه أقوال: أحدها: يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويرسل السبابة.
وماذا يفعل بالإبهام على هذا القول؟ وجهان: أحدهما: يضعها على وسطاه.
والثاني: على بطن الكف بجنب الثالثة.
وقيل: إنه يقبضها كأنه عاد ثلاثة وعشرين في وجه، وفي وجه: كأنه عاد ثلاثة وخمسين.
والقول الثاني: يقبض الخنصر والبنصر، ويرسل السبابة، ويحلق الإبهام والوسطى.
هذه عبارته، فقوله: وجهان، لم يذكر أنهما مع قبض الإبهام كما قاله المصنف، بل تعبيره بقوله: وقيل: إنه يقبضها، صريح في أن الوجهين الأولين مع بسطها، وحينئذ فيكون مع إرسال المسبحة وجهان، وهما المذكوران في كلام المصنف بعد ذلك، ومع ضمها وجهان- أيضًا- وهو واضح.
نعم، عبر القاضي بالأقوال، ولم يذكر إلا قولين.
الأمر الثاني: أن ما توهمه من التنافي بين ما نقله الإمام وما نقله عن الرافعي غريب- أيضًا- بل القائلون بأن الكل سنة قائلون بأن الخلاف في الأفضل منها، وقد صرح النووي في ((شرح المهذب)) بذلك، بل لا يمكن القول بخلافه، لأنهم إذا قالوا: الكل سنة، والخلاف ثابت عندهم وعند غيرهم- لم يبق للخلاف محل إلا بيان الأفضل، والرافعي لم يعبر بالتخيير كما عبر المصنف، فإنه لما ذكر الخلاف عبر بقوله: ثم قال ابن الصباغ وغيره: كيفما فعل من هذه الهيئات فقد أتى بالسنة.
هذه عبارته، ولو ذكر المصنف أن مفهوم كلام الأكثرين أن الخلاف في السنة لكان تصحيحه ممكنًا، وإلا فما ذكره غير منتظم بالكلية.
قوله: نقلًا عن الشيخ-: والواجب منه خمس كلمات، وهي: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
هذا ما رأيته فيما وقفت عليه من ((التهذيب))، وقد حكاه الإمام عن رواية الصيدلاني، وأن العراقيين ذكروه، غير أنهم

نقصوا كلمة واحدة، وهي: ((أشهد)) في المرة الثانية، وقال الرافعي: إن الذي حكاه العراقيون عن نص الشافعي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسوله، وتابعهم القاضي الروياني، وكذا صاحب ((التهذيب))، إلا أنه نقل: ((وأشهد أن محمدًا رسوله))، وأن الصيدلاني وابن كج تبعا العراقيين، إلا أنهما أسقطا لفظ ((وبركاته)).
انتهى ملخصًا.
وما ادعاه من أن الرافعي نقل ذلك عن هؤلاء بالضمير مع ((الرسول)) عوضًا عن الظاهر حتى يقال: وأن محمدًا رسوله، ولا يجب أن يقال: رسول الله- ليس كذلك، فإن المذكور في ((الشرحين)) عنهم إنما هو الظاهر مطابقًا لما نقله المصنف عنهم قبل ذلك.
نعم، وقع في ((الروضة)) في هذا الوهم، فكأن المصنف قلدها في النقل عن الرافعي.
واعلم أنه قد تلخص من مجموع ما ذكرناه امتناع الضمير عند الجمهور، وقد صرح النووي في ((شرح المهذب)) وغيره بذلك، لكن ينبغي أن يعلم أن الضمير قد ثبت مع زيادة ((العبد)) في التشهد الوارد في الصحيح من رواية ابن مسعود وأبي موسى، ولم يقع الظاهر إلا في رواية ابن عباس.
وقد اتفق العلماء على جواز التشهد بالروايات الثلاث كما قاله النووي في ((شرح مسلم)) في أول باب التشهد، فلزم من ذلك استثناء هذه الصورة، واختصاص محل الخلاف بما عداها، فتفطن له.
قوله: لما روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: أو لا أهدى إليك هدية؟! إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج علينا فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فيكف نصلي عليك؟ قال: ((قولوا: اللهم، صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)).
انتهى كلامه.
واعلم أن البخاري قد أخرج هذا الحديث في آخر باب قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:125]، ولفظه فيه: ألا أهدي إليك هدية سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟! فقلت: بلى، فأهدها لي، فقال: سألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإن الله علمنا كيف نسلم؟ قال: ((قولوا: اللهم، صل على محمد وعلى آلي محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد)).
هذا لفظ رواية البخاري، وفيه مغايرة من وجوه، منها: ذكر ((إبراهيم)) مع ((الآل)) في ((الصلاة))، وكذلك في ((البركة)).
قوله: قال الماوردي: والدعاء بأمر مباح، وقال بعض أصحابنا: المباح: أن يدعو بما يجوز أن يطلب من الله- تعالى- وأما ما يجوز أن يطلب من المخلوقين فلا يجوز، وإذا سأله بطلت صلاته.
كذا حكاه ابن يونس ومن بعده من الشارحين، ولم أره في مشاهير الكتب، بل الرافعي حكاه عن بعض أصحاب أبي حنيفة.
انتهى كلامه.
وإنكاره لذلك غريب، فقد حكاه الروياني في ((البحر)) والشاشي في ((الحلية)) والعمراني في ((البيان))، وذكر الرافعي في آخر كلامه قريبًا منه فقال: ويجوز أن يعلم بالواو- أيضًا- لأن الإمام حكى في ((النهاية)) عن شيخه أنه كان يتردد في مثل قوله: اللهم، ارزقني جارية حسناء، صفتها كذا، ويميل إلى المنع منه، وأنه يبطل الصلاة.
هذا لفظه، وكأنه مثال للوجه المتقدم.
قوله في حديث مسلم: ((كأنها أذناب خيل شمس)) ... وفي الحديث- أيضًا-: ((جزم السلام سنة)) قال الترمذي: حسن صحيح.
انتهى.
أما ((الشمس)): فبإعجام الشين الأولى وضمها وإهمال الثانية، جمع ((شموس))، تقول: شمس الفرس- بفتح الميم- شموسًا وشماسًا، أي: منع ظهره، فهو شموس- بالفتح- وبه شماس، ورجل شموس: صعب الخلق، والعامة تقوله بالصاد.
وأما ((الجزم)) فبالجيم والزاي المعجمة، وقد تقدم الكلام عليه في التكبير.
قلت: حديث ((جزم السلام)) يأتي بعد.
قوله: ثم نية السلام على الحاضرين في التسليمتين ثابتة في حق المنفرد، وأما الإمام فينوي ذلك في حق من على يمينه وشماله إذا تأخر سلامهم على سلامه، كما قال القاضي الحسين وغيره: إن المستحب ألا يسلم المأموم الأولى حتى يسلم الإمام الثانية، أما إذا سلم الأولى عقب سلام الأولى- كما قال في ((التتمة)): إنه المستحب- فكلام بعضهم يشير على أنه ينوي بالثانية الرد على من على يساره والسلام على الملائكة والجن، والجمهور على أنه لا فرق.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن القاضي الحسين من استحباب تأخر سلام المأموم عن تسليمتي الإمام محله في المأموم الذي هو على يسار إمامه خاصة، فإن كان على

فصول الكتاب · 16 فصل · 599 صفحة
جارٍ التحميل