كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الإِسْنَوي
- الكتاب
- الهداية إلى أوهام الكفاية
- المؤلف
- عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 772هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمي، مطبوع بخاتمة (كفاية النبيه) لابن الرفعةسنة النشر: 2009
- عدد الأجزاء
- 1 (هو الجزء الـ 20 من مطبوعة كفاية النبيه) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قوله: قال- يعني الشيخ-: وما لم يقم ملكه عليه كالدين الذي على المكاتب ... إلى آخره.
ثم قال: والجديد الصحيح: الوجوب فيه، أي: في الدين في الجملة، لكنه ينظر: فإن كان الدين حالًا على مليء مقر، ظاهرًا وباطنًا، باذلًا له- وجبت فيه الزكاة، وطولب بإخراجها بعد حولان الحول- كما قال الإمام وغيره- وحكى ابن التلمساني في ((شرحه)) لهذا الكتاب: أن الغزالي حكى وجهًا آخر: أنه لا تجب، وأنه صححه.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن الغزالي غلط، فإنه لم يحك في شيء من كتبه في الصورة المذكورة خلافًا، لا في الوجوب ولا في الإخراج، بل جزم فيها بالوجوب، وأشعر كلامه بالجزم بالإخراج- أيضًا- وسبب الوهم: أن الغزالي حكى وجهين في وجوب الإخراج عن الدين المؤجل على القول بالوجوب فيه، وصحح عدم الإخراج، فحصل الوهم منه إلى هذه المسألة، وهذا الخلاف الذي لا أصل له قد حكاه أيضًا المصنف في باب قسم الصدقات، وسيأتي التنبيه عليه- إن شاء الله تعالى- في موضعه.
قوله: الرابعة: الدين الزكوي لمن تجب عليه الزكاة لا يمنع وجوب الزكاة على المديون في مثله على الجديد، والقديم: أنه يمنع، واختلفوا في تعليله فقيل: لأن ملكه واهٍ، لأن صاحب الدين يمكنه انتزاعه من يده متى شاء إذا امتنع هو من الأداء، وقيل: لأن الإيجاب عليه يؤدي إلى إيجاب زكاتين في مال واحد، لأنها تجب على صاحب الحق، فلو ألزمنا المديون الزكاة- أيضًا- لصار المال الواحد سببًا لزكاتين على شخصين، فلو كان الدين لذمي، أو مكاتب، أو كان مما لا تجب فيه الزكاة- فلا تجب الزكاة على الأول، وتجب على الثاني.
ثم قال ما نصه: وقد اقتضى المعنيان الوجوب فيما إذا كان الدين مؤجلًا، وقلنا: لا زكاة في المؤجل، فإن قلنا: تجب الزكاة فيه، فيمتنع الوجوب، نظرًا للعلة الأولى،
وتجب، نظرًا للعلة الثانية، قاله القاضي الحسين.
انتهى كلامه.
وما ذكره آخرًا، وعزاه إلى القاضي- سهو، فإن صوابه العكس، وهو الوجوب على العلة الأولى، والمنع على الثانية، وذلك واضح، فتأمله.
قوله: ولو أكرى دارًا سنتين- مثلًا- بثمانين دينارًا حالة، كل سنة بأربعين، وكانت معينة أو في الذمة، وقبضها، وأقامت عنده حولًا كاملًا- فقد استقر ملكه على أربعين التي هي أجرة السنة الأولى، فتجب عليه زكاتها بلا خلاف.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الخلاف ليس بصحيح، فقد حكى هو بعد هذا بنحو ورقة عن ((التتمة)) وجهًا: أن الأجرة لا تملك إلا شيئًا فشيئًا، وحكاه- أيضًا- الرافعي عن ((النهاية))، إلا أن حكايته عنها غلط، أي: عن النهاية، كما أوضحته في ((المهمات))، وإذا لم تملك إلا شيئًا فشيئًا لزم انتفاء الزكاة قطعًا، لعدم الحول.
قوله- في المسألة-: وهل تجب زكاة باقي الأجرة وهو المقابل للسنة الثانية أم لا؟ فيه قولان، واختلفوا في القولين: فقيل: إنهما في أصل الوجوب، وقال الشيخ أبو حامد وشيعته والأكثرون: لا خلاف في الوجوب، وإنما القولان في الإخراج، أي: هل يجب عليه إخراج زكاة أجرة السنتين عند مضى السنة الأولى، أو الواجب عليه عند مضيها إخراج الزكاة عن حصتها من الأجرة، وهي نصف وثمن دينار، فإذا مضت السنة الأخرى أخرج زكاة أجرة السنة الثانية لسنتين؟ فيه قولان، أصحهما: الثاني.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره في آخر كلامه من إخراج نصف وثمن دينار، لأنها الواجب في حصة السنة الأولى من الأجرة- وهم، بل واجبها دينار، لأن قسط كل سنة أربعون، وقد ذكر بعد هذا بدون الورقة على الصواب، وأما النصف والثمن فحصة مثال آخر ذكره الرافعي، وهو أن يكريها أربع سنين بمائة دينار، فذهل فأخذ الحكم من كلام الرافعي، ونقله إلى المثال الذي مثل هو به، فحصل الغلط.
الأمر الثاني: أن ما ذكره- أيضًا- في آخر التفريع على القول الثاني الذي صححه هو وغيره: أن السنة الثانية إذا مضت فيخرج زكاة أجرتها لسنتين- فيه أيضًا أمور:
الأول: أنه يلزمه مع ذلك إخراج الزكاة ثانيًا عن الأربعين التي كان قد أخرج عنها في السنة الأولى، وهو لم يذكره بالكلية.
الثاني: أن ما قاله من كونه يجب عليه- أيضًا- عند انقضاء السنة الثانية أن يخرج
زكاة أجرتها لسنتين، لكونها قد أقامت عنده حولين، ولم يخرج عنها شيئًا بالكلية إنما يستقيم على أن الزكاة متعلقة بالذمة حتى يكون الأربعون كلها باقية على ملكه في مدة السنتين، أما على الصحيح- وهو قول الشركة- فهو صحيح في عام واحد وهو الأول، وأما العام الثاني فلا تجب عليه إلا زكاة تسعة وثلاثين، لأن الفقراء قد ملكوا منها دينارًا بتمام الحول الأول، ولم يخرجه، لعدم استقرار الملك، وحينئذٍ فليس على ملكه في مدة الحول الثاني إلا تسعة وثلاثون، وهذا الاستدراك ذكره المصنف بعد هذا في أثناء كلام آخر، ونبه عليه- أيضًا- الرافعي ناقلًا له عن غيره، وحذفه من ((الروضة)) ذهولًا فلم يذكره فيها بالكلية.
الثالث: أن هذا الكلام جميعه إنما يأتي إذا أعطى الزكاة من موضع آخر، وإلا ينقص الحساب، وقد نبه الرافعي والمصنف وغيرهما على ذلك، وحينئذٍ فيكون أول الحول الثاني في الأربعين بكمالها من حين إعطاء الزكاة، لا من أول السنة، لأن شركة الفقراء باقية إلى حين الإعطاء، وكلام المصنف ينفيه، وكذلك كلام الرافعي وغيره.
قوله: وكذا يجري الخلاف فيما إذا قبض مائة دينار عن مسلم في ذمته إلى سنتين، فحال الحول على الدنانير، وقلنا: ينفسخ العقد بانقطاع المسلم فيه.
ثم قال: التفريع: إن قلنا بطريقة أبي الطيب، وهو أن القولين في الوجوب لا في الإخراج- وجب عليه عند انقضاء الحول الأول إخراج دينار لا غير، فإذا مضى الحول الثاني نظر: فإن كان قد أخرج ما وجب عليه في السنة الأولى من عين المال وجب عليه إخراج زكاة تسعة وأربعين دينارًا، وإن أخرج من غيره وجب عليه زكاة الخمسين.
وإن قلنا بطريقة الشيخ أبي حامد، وهو أن القولين في الإخراج مع الجزم بالوجوب: فإن قلنا: يجب الإخراج، فيخرج عند تمام الحول الأول زكاة جملة الثمانين وهي ديناران، ثم إذا حال الحلول الثاني أخرج- أيضًا- دينارين إن كان قد أخرج من مال آخر، وإن أخرج منه فيخرج زكاة ثمانية وسبعين دينارًا ... إلى آخر ما ذكر.
وهذا الكلام الذي ذكره- رحمه الله- غلط، فإنه اختلط عليه مثال بمثال: فأوائله من تفريع مثال الأجرة السابق، وهو استئجار الدار سنتين بثمانين دينارًا، وآخره من تفريع المثال المذكور قريبًا في السلم، وهو ما إذا أسلم مائة دينار في شيء إلى سنتين.
قوله: وفي المال المغصوب والضال والدين على مماطلٍ إذا وصل المال إليه، قولان:
أحدهما: يزكيه للأحوال الماضية.
والثاني: لا زكاة في شيء منها.
وقال مالك: تجب زكاة السنة الأولى خاصة، لأن مذهبه: أن التمكن شرط للوجوب، ولانعقاد الحول الثاني، فإذا وجد الإمكان بعد أحوال فقد وجد شرط وجوب الزكاة للسنة الأولى، ولم يوجد شرط عقد الأحوال بعدها، كذا قاله صاحب ((البحر)) وغيره، قال الرافعي: وما ذكره مالك يقتضى أن يكون للشافعي قول مثله، لأن له قولًا: إن الإمكان من شرائط الوجوب كمذهب مالك.
قال ابن الرفعة: قلت: وقد ذال في ((البحر)): إن القاضي أبا على الزجاجي الطبري ذكر في ((زيادة المفتاح)) هذا قولًا لنا، وجعل في المسألة ثلاثة أقوال، وانفرد هو بهذا.
قلت: وما ذكره أبو علي إن كان نقلًا فلا اعتراض عليه، بل نستفيد منه أن للشافعي قولًا: أن الحول الثاني إنما يعقد عند التمكن من الأداء عن الأول كما قال به بعض الأصحاب، وإن كان تفقهًا- كما أبداه الرافعي- فلا وجه له، لأنا وإن قلنا: إن التمكن شرط للوجوب، فابتداء الحول الثاني من حين انقضاء الأول، لا من وقت التمكن- كما ستعرفه- وبهذا خالف مذهبنا مذهب مالك.
انتهى كلامه ابن الرفعة، رحمه الله.
وقد راجعت لفظ أبي علي الزجاجي في الكتاب المذكور فوجدته قد عبر بقوله: ففيها ثلاثة أقوال:
أحدها: لا زكاة عليه لما مضى، ويبتدئ الحول من يوم الوجود.
والثاني: عليه زكاة السنين كلها.
والثالث: لا تجب إلا لسنة واحدة.
هذه عبارته من غير زيادة عليها، ومن كتابه نقلت، وقد قال في خطبة الكتاب ما نصه: ولم أتجاوز فيه من منصوص الشافعي وتخريج صاحبيه- وهما المزني وابن سريج- على مذهبه إلى غير ذلك، إلا مسائل قليلة سميت قائلها.
هذه عبارته- أيضًا- في الخطبة، فثبت أن القول الثالث إما منصوص عليه أو من تخريج أحد الإمامين.
قوله: ومنها المال المرهون هل تجب فيه الزكاة؟ فيه طريقان حكاهما القاضي الحسين والمتولي عن الأصحاب:
إحداهما: تخريجه على القولين في المغصوب والضال، ولم يورد في ((الوجيز)) غير هذه الطريقة.
والثانية: القطع بالوجوب.
ثم قال ما نصه: وقد قال الرافعي عند الكلام في زكاة الفطر: إن هذا الخلاف لم نلقه إلا في حكاية الإمام والمصنف في ((الوسيط))، والذي أطلقه الجمهور هو الوجوب.
نعم، يجيء الخلاف في الوجوب من طريق آخر: وهو: أن الرهن لابد وأن يكون بدين، فيكون الخلاف في أن الدين هل يمنع وجوب الزكاة أم لا؟ والذي قاله الجمهور جواب على القول المشهور، وهو أنه لا يمنع.
قلت: وفيما قاله نظر من وجهين.
انتهى كلام ابن الرفعة بحروفه.
وما نقله عن الرافعي غير مطابق، فلنذكر كلامه في زكاة الفطر وفي هذا الموضع، فقال في زكاة الفطر: وتجب فطرة العبد المرهون.
ثم قال ما نصه: قال الإمام والمصنف في ((الوسيط)): هكذا أطلقوا القول في المرهون، ويحتمل أن يجري فيه الخلاف المذكور في زكاة المال المرهون، واعلم أن الخلاف في زكاة هذا المال وهو المرهون لم نلقه إلا في حكاية هذين الإمامين، والجمهور أطلقوا الوجوب هناك أيضًا.
هذا كلام الرافعي.
ثم قال: وأما المغصوب والضال ... إلى آخره، والذي نقله عنه المصنف غلط من وجهين:
أحدهما: في أن الغزالي لم ينقل الخلاف إلا في ((الوسيط))، فإن الرافعي لم يخصه به، بل حكاه الغزالي- أيضًا- في ((البسيط)) و ((الوجيز))، والغريب أن الرافعي حكاه عن ((الوجيز)) في الكلام على زكاة المال، فقال في الكلام على شروط الزكاة، وهو بعد باب الخلطة ما نصه: الثانية: لو رهن ماشية أو غيرها من أموال الزكاة فقد حكى الإمام والمصنف في ((الوسيط)) في وجوب الزكاة فيها عند تمام الحول وجهين، لامتناع التصرف، وعلى ذلك جرى هاهنا.
ثم قال: نعم، يجئ في وجوب الزكاة في المرهون الخلاف بجهة أخرى، وهو أن الرهن لابد وأن يكون بدين ... إلى آخره ما نقله عنه ابن الرفعة قبل ذلك، فتلخص أن ما نقله في الكتاب عن الرافعي من التخصيص بـ ((الوسيط)) عكس ما في ((الرافعي))، فإنه صرح بعدم التخصيص حيث نقله عن ((الوجيز)).
الوجه الثاني: أن قول الرافعي: نعم، يجئ الخلاف في الوجوب من طريق أخرى ... إلى آخره- لم يذكره الرافعي في زكاة الفطر كما نقله عنه ابن الرفعة، وإنما ذكره في زكاة المال، وقد ذكرت لك لفظه في الموضعين وكأن المصنف كان مستحضرًا لذلك من حيث الجملة، فنقله على غير وجهه، ونسبه إلى غير موضعه.
قوله: ولو رهن نصابا، وحال عليه الحول وهو معسر- ففي أخذ الزكاة منه خلاف.
ثم قال: نعم، إذا أخرجت الزكاة من المال، ثم أيسر الراهن: فهل يلزمه أن يرهن مقدار الزكاة، جبرًا للنقص الذي وقع في المرهون بأخذ الزكاة منه؟ قال الصيدلاني- وهو في ((تعليق)) القاضي الحسين منسوب إلى القفال-: الزكاة تتعلق بالذمة، فيجب ذلك، وإن قلنا: تتعلق بالعين، فوجهان، أصحهما عند القفال: المنع، وقال الإمام: إنهما ينبنيان على الوجهين فيما إذا ظهر ربح في مال القراض، وقلنا بأن العامل لا يملك شيئًا من الربح إلا بالقسمة، ورب المال قد أدى الزكاة من مال القراض، فيجعل كأن رب المال استرد طائفة من المال، أو يرجى به مجرى سائر المؤن؟ فإن قلنا: إن ذلك كالمؤن، فلا يمتنع ويجب الجبر، وإن قلنا: هو كاسترداد طائفة، فيتجه إيجابه.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام من البناء المذكور غلط، فإن الإمام نقله عن الصيدلاني، وزاد على ذلك فاستشكله، فإنه قال: قال الصيدلاني: إن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة، فيجب ذلك عليه، وإن قلنا: الزكاة تتعلق بالعين، ففي وجوب ذلك وجهان مبنيان على أن الزكاة إذا وجبت في مال القراض ... ثم ذكر البناء المتقدم، ثم إنه بعد استكمال البناء رد على الصيدلاني، فقال ما نصه: وما ذكره من الاحتمال متجه، ولكن في البناء نظر، من جهة أن نفقات عبيد القراض من الربح ونفقة المرهون واجبة على الراهن.
هذا لفظه، ثم ذكر بعد ذلك توجيه الاحتمال الذي أشار إليه.
قوله: ولو كان المال ماشية كأربعين من الغنم مثلًا فهل حق الفقراء شائع في كل واحد من العدد بقسطه، أو في واحد من العدد، أو أكثر لا بعينه؟ فيه وجهان في ((الزاوئد)) عن صاحب ((الفروع)) ذكرهما في ضمن مسألة ما إذا أفرز الزكاة وباع الباقي.
انتهى.
وهذان الوجهان اللذان اقتضى كلامه استغرابهما حتى عرفهما بما عرف، قد ذكرهما الرافعي بعد المسالة بنحو ورقة، في الكلام على بيع المال الزكوي قبل إخراج الزكاة منه، ولا شك أنه لم يطلع على ذلك في كلامه.
قوله- في المسألة-: فإن قلت: لعل القائل بالأول هو الصائر إلى جواز تضحية شخصين بشاتين يملك كل واحد منهما نصفهما على الإشاعة، وهو يطر في عتق نصفي عبدين في الكفارة، ومن قال بالثاني لعله القائل بعدم الإجزاء في المسألتين ...
إلى آخر ما ذكر.
وما قاله هاهنا من إثبات الخلاف في الأضحية قد نفاه في كتاب الظهار في الكلام على الكفارة، فقال: إنه لا خلاف في عدم الإجزاء، وسأذكر لفظه هناك- إن شاء الله تعالى- فراجعه.
قوله: والإنسان لا يجب له على نفسه شيء، وإذا امتنع الوجوب لذلك سقط، ولا ينتقل إلى الغير.
ثم قال: ويشهد لذلك أن من عليه قصاص لمورثه وغيره، إذا مات مورثه لا يثبت له قصاص على نفسه، لاستحالة أن يثبت للإنسان شيء على نفسه، ولما كان ذلك ممتنعًا سقط.
انتهى.
وما ذكره من سقوط القصاص لا شك فيه، وما ذكره من كونه لم يجب له فقد خالفه في أوائل الجنايات، فذكر ما حاصله: أنه يجب، ثم يسقط.
وسوف أذكر لفظه في موضعه- إن شاء الله تعالى- فراجعه.
والمسالة شبيهة بما إذا مات للمحرم قريب يملك صيدًا، والصحيح: أنه يدخل في مكله ثم يزول، وقيل: ينتقل إلى الأبعد، وقيل غير ذلك، والقياس طرد الوجهين هنا.
تنبيه: ذكر في الحديث لفظ ((الأوضاح)) بالضاد المعجمة والحاء المهملة، وهو الحلى المتخذ من الدراهم الصحاح: كالقلادة ونحوها، واحدها: وضحٌ، بفتح الضاد.
باب صدقة المواشي
قوله: لو علفت السائمة فيما دون الحول فهل يؤثر؟ فيه أوجه.
ثم قال بعد ذلك: قال الرافعي: والأوجه المذكورة هل هي مختصة بما إذا لم يقصد بالعلف قطع السوم وإن قصده ينقطع لا محالة، أو هي شاملة للحالين؟ في كلام الناقلين لبس في ذلك، ولعل الأقرب الأول، وكذا أورده صاحب ((العدة)) وغيره.
قلت: ويؤيد ذلك ... إلى آخر ما قاله.
وما نقله- رحمه الله- من تخصيص الخلاف بالحالة الأولى وأقره، ليس هو كذلك، فقد رأيت في ((الشافي)) للجرجاني التصريح بالخلاف فيما إذا علف على قصد القطع، فقال ما نصه: وإن علفها الحول أو بعضه، ولم ينو نقلها إلى العلف- فلا حكم له، وإن نواه انقطع حولها في أصح الوجهين.
هذا لفظه.
قوله: فإذا حال الحول فهل تجب الزكاة، أم لابد من التمكن؟ فيه قولان، أصحهما: الأول، ويعبر عنهما بأن التمكن شرط في الضمان أو شرط في الوجوب، وفائدتهما تظهر فيما إذا نقص النصاب بعد الحول وقبل التمكن، مثل أن كل المال خمسًا من الإبل، فتلفت واحدة: فعلى الأول سقط عنه خمس شاة.
وعلى الثاني: لا شيء عليه.
ثم قال ما نصه: والقولان متفقان على أنه مهما حصل التلف بآفة سماوية قبل التمكن فلا ضمان، وعلى أنه إذا أتلف المال قبله وجب، وفي ((الجيلي)) حكاية وجه في المسألة الأخيرة: أن ذلك يمنع الوجوب إذا قلنا: إن التمكن شرط فيه.
انتهى كلامه.
وهذا الكلام يقتضي الاتفاق في المسألتين، ويؤيده نقل خلاف في الثانية خاصة عن حكاية الجيلي وحده، وقد صرح النووي في ((شرح المهذب)) بذلك فقال: إنه لا خلاف فيهما، وكلامه في ((الروضة)) تبعًا للرافعي يوهمه- أيضًا- وليس كذلك، بل الخلاف ثابت في المسألتين، صرح به الإمام محمد بن يحيي في ((تعليقه)) في الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة، فإنه ذكر استناد الحنفية إلى عدم الوجوب عند التلف، وإلى
إيجابه عند الإتلاف، ثم أجاب عن ذلك فقال: قلنا: من الأصحاب من منع المسألة وقال: يجب الضمان عند التلف، تفريعًا على قول الوجوب قبل التمكن، وقد منع الشيخ أبو علي والغزالي- رحمه الله- مسألة الإتلاف، وقالا: لا ضمان فيها، تفريعًا على قولنا: إن الإمكان شرط الوجوب.
هذا لفظه بحروفه، وهذا كله معرف لمقدار الجيلي واطلاعه.
قوله: روي أن ساعيًا لعمر وهو سعد بن رستم قال له: إن هؤلاء يزعمون أنا نظلمهم فنعد عليهم السخلة ولا نأخذها منهم، فقال: اعتد عليهم بالسخلة يروح بها الراعي على يديه ولا تأخذها.
انتهى.
ذكر الماوردي أن هذا الساعي اسمه سفيان بن عبد الله الثقفي، وكان قد استعمله على الطائف.
قوله: وفي ((الحاوي)) أنه- عليه الصلاة والسلام- قال لراعيه: ((عد عليهم صغيرها وكبيرها)).
انتهى.
في ((الحاوي)): لساعيه- بالسين- وهو الصواب.
قوله- نقلًا عن الشيخ: والجذع من الضأن: ما لها ستة أشهر، والثنية من المعز: ما لها سنة.
ثم قال: وما ذكره الشيخ في بيان الجذعة هو الذي اختاره الروياني في ((الحلية)) كما قال الرافعي، وقد حكي عن ابن الأعرابي أنه قال: المتولد بين شاتين يجذع لستة أشهر إلى سبعة، وبين هرمين يجذع لثمانية، وقيل: هو ما أتى عليه ثمانية أشهر، وهو اختيار الروياني في ((الحلية)).
انتهى كلامه.
وما ذكره من نقل الرافعي عن ((حلية)) الروياني غلط من المصنف على الرافعي وعلى ((الحلية))، فقد رأيت في ((الحلية)) المذكورة اختيار ثمانية أشهر كما نقله عنه المصنف في آخر كلامه، وهو الذي نقله- أيضًا- الرافعي عنها.
نعم، ما اختاره الشيخ نقله الرافعي عنه- أي عن ((التنبيه)) - ثم إن الظاهر أنه ذهل عما نقله عنه قبله، وإلا كان من حقه أن ينبه على غلط الأول إن كان غلطًا.
نعم، وقع للنووي في ((شرح المهذب)) هذا الغلط بعينه، فكأنه سبب غلط المصنف، وهو الظاهر.
قوله: وفي خمس وعشرين بنت مخاض، وهي التي لها سنة ودخلت في الثانية، وسميت بذلك، لأن أمها قد آن لها أن تكون ماخضًا.
ثم قال: والماخض: اسم جنس لا واحد له من لفظه، والواحدة: خلفة.
انتهى.
وتعبيره بقوله: والماخض، تحريف، فصوابه: المخاض- بالخاء قبل الألف- فإن أهل اللغة قد نصوا على أنه كما يكون مصدرًا- وهو ألم الولادة- يطلق أيضً على الجمع وهي الحوامل المسماة بالخلفات، واحدها: خلفة، بخاء معجمة مفتوحة، ولام مكسورة.
قوله: والمولود من الإبل قبل انتهائه إلى السنة تختلف أسماؤه: فالذي قاله الماوردي: أنه يقال لولد الناقة إذا وضعته لدون وقته ناقص الخلق: خديج، وإن وضعته لوقته ناقص الخلق: مخدوج، وإن وضعته لوقته كامل الخلق قيل له هبع وربع، ثم فيصل، ثم سليل، ثم حاسر، فإذا تمت سنة قيل فيه ما ذكرناه، أي: ابن مخاض، وبنت مخاض.
انتهى كلامه.
اعلم أنه ينبغي الكلام على هذه الألفاظ أولًا فنقول:
أما ((خديج)) و ((مخدج)) كذا فبالخاء المعجمة، ثم الدال المهملة، ثم الجيم، مأخوذ من ((الخداج)) وهو النقصان، ومنه سميت: خديجة- رضي الله عنها- فإنها لم تستكمل مدة الحمل، بل وضعت لستة أشهر.
وأما ((هبع)) و ((ربع)) فبضم أولهما، والثاني منهما باء مفتوحة، بعدها عين مهملة، وقد فسر اللغويون هاتين اللفظتين- ومنهم الأزهري والجوهري- فقالوا: الربع: هو الذي ينتج في أول زمان النتاج وهو زمان الربيع، وجمعه: رباع- بكسر الراء- وأرباع، والهبع: هو الذي ينتج في آخر النتاج في زمان الصيف، وسمي بذلك- كما قاله الجوهري- من قولهم: هبع، إذا استعان بعنقه في مشيه، وذلك أن الربع أقوى منه، لكونه ولد قبله، فإذا سار الهبع معه احتاج- أي الهبع- إلى الاستعانة بعنقه، حتى لا ينقطع عنه.
قال: وهو في جميع السنة يسمى حوارًا، أي: بضم الحاء والراء المهملتين.
هذا كلامه.
وأما الفصيل فسمي بذلك، لأنه فصل من أمه
وأما الفصيل فسمي بذلك، لأنه فصل من أمه.
وأما ((سليل)) - بسين مهملة مفتوحة ولامين بينهما ياء مثناة من تحت- فهو ولد الناقة حالة وضعه قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى.
والحوار يطلق عليه إلى انفصاله عن أمه.
إذا علمت ذلك فاعلم أن ما نقله عن الماوردي من اشتراط نقصان الوقت والخلقة معًا في مسمى ((الخديج)) ليس كذلك، بل شرطه نقصان الوقت فقط، ولم يتعرض للذي اجتمع فيه النقصانان.
قوله: وقال القاضي الحسين: تسمى الأنثى من ولد الناقة حين وضعه: ربعة وهبعة، والذكر: ربعًا وهبعًا، إذا كان ربيعيًا.
ثم قال بعد ذلك: يسمى حوارًا، وقبل تمام السنة يسمى فصيلًا.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن التقييد بالربيعى راجع إلى الاسمين وهما ربع وهبع، أو إلى الأخير خاصة وهو هبع، ويقتضي- أيضًا- أن الاسمين يطلقان على كل مولود للناقة، وذلك كله غلط، ووجه الغلط يعلم مما سبق، وهذا الغلط متوجه على القاضي، وأما نقل المصنف عنه فإنه صحيح شاهدته في ((تعليقته)).
قوله: وقال البندنيجي: الفصيل اسمه من حين يفصل عن أمه إلى انتهاء سنة من عمره، ويقال له حوار.
انتهى كلامه.
ومراده بقوله: ويقال ... إلى آخره، وهو الذي رأيته في ((تعليق)) البندنيجي- أن الحوار يطلق على الفصيل- أيضًا- ولهذا عبر المصنف بقوله: ويقال- أعني بالواو- فاعلمه، فإنه يقع في بعض النسخ بالفاء الدالة على أن الحوار لا يطلق إلا بعد انقضاء السنة.
نعم، كلامه مشعر بأن اسم ((الحوار)) لا يطلق عليه قبل الفطام، وقد سبق خلافه.
قوله: وفي خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم تكن عنده أخرج ابن لبون، للحديث، وإذا أجزأ ابن اللبون أجزأ الحق والجذع عنها بطريق الأولى، وهو ما جزم به الأصحاب عند فقد ابن اللبون من ماله، وكذا معظمهم مع وجوده.
وحكى الماوردي- وتبعه الروياني- وجهًا ضعيفًا: أنه لا يجزئ، لأنه لا مدخل له في الزكاة.
انتهى كلامه.
وقد تلخص منه أن الماوردي والروياني وسائر الأصحاب جازمون بإجزاء الحق عند فقد ابن اللبون، وأن الوجه الضعيف إنما حكياه عند وجوده، والذي ذكره غلط، فإنه ليس في كلام الماوردي ما يشعر بذلك بالكلية، بل ولا ما يوهمه، بل مقتضاه التعميم، وكذلك في كلام غيرهما ممن حكى هذا الوده.
ثم إن التعليل الذي حكاه مرشد إليه- أيضًا- فلو تأمله لم يذكر ما ذكره، ولولا خشية الإطالة لذكرت لفظهما والموجب لغلط المصنف.
قوله: فإن كانت عنده وهي معيبة فكالعدم، وإن كانت كريمة فقيل: يجوز له الانتقال إلى ابن اللبون، وهو ما صدر به في ((الوسيط)) كلامه، ثم قال بعده- أي في ((الوسيط)) -: وقال القفال: يلزمه شراء بنت مخاض.
انتهى ملخصًا.
وحاصله: أن الغزالي في ((الوسيط)) قبل نقل عن القفال جواز إخراج ابن اللبون، وهو غلط، فإن الغزالي لم يذكر قبله شيئًا من الوجهين بالكلية، فضلًا عن الجواز، فإنه قال ما نصه: وإن كان في مال بنت مخاض كريمة فلا يطالب بها.
قال القفال: يلزمه شراء بنت مخاض، لأنها موجودة في ماله، وإنما تركت نظرًا له.
وقال غيره: يؤخذ ابن اللبون.
انتهى كلامه، ولا شك أنه يوهم أن الضمير في ((لا يطالب بها)) راجع إلى ((بنت المخاض))، وهو راجع إلى ((الكريمة)).
قوله: وإن اجتمع فرضان في نصاب كالمائتين من الإبل فيها أربع حقاقٍ أو خمس بنات لبون، لأنها أربع خمسينات وخمس أربعينات، فيجب إخراج الأغبط، فإن أخذ الساعي غيره أجزأ إن لم يكن بتقصير منه ولا من المالك، ولكن يجب التفاوت لا يجوز إخراجه من نقد البلد، وقيل: يجب أن يشتري به شقصًا إن أمكن.
ثم قال ما نصه: وإذا قلنا: يشتري الشقص، فهل يكون من جنس الأعلى أو الأدنى الذي أخرجه؟ فيه وجهان عند المراوزة، قال الإمام: والذي مال إليه الكافة هو الثاني.
هذا لفظه.
ثم حكى وجهًا ثالثًا: أنه مخير بينهما.
إذا علمت ذلك فالذي نقله عن الإمام من ترجيح الكافة للثاني- وهو الأدنى- غلط فاحش وذهول عجيب، فإن الإمام قد قال ما نصه: وقد اختلف أئمتنا، فقال بعضهم: ينبغي أن يكون ذلك الشقص من نوع المأخوذ حتى يتحد قبيله، ومنهم من قال: يتعين تحصيله من النوع المتروك، فإنه المأمور به، وظاهر ما ذكره الأصحاب في الوجهين: أنه يتعين نوع عند الكافة، والخلاف فيما يتعين، ولا يبعد عن القياس تخيير المالك بين الأمرين، وقد أشار إليه بعض المصنفين، وهو متجه، فتحصل إذن ثلاثة أوجه.
هذا كلام الإمام، وحاصله: أن المنقول عن الكافة نفي التخيير وانحصار الشراء في أحد النوعين، وأما تعيين أحدهما فلم ينقله عنهم، والذي أوهم المصنف ذكر عقب الوجه القائل بالأدنى.
قوله: فرع: لو كانت إبله أربعمائة فقد اجتمع فيها ثمان حقاق وعشر بنات لبون، فإن أخذ أربع حقاق وخمس بنات لبون جاز، وقال الإصطخري: لا يجوز إلا من نوع واحد وهو الحقاق أو بنات اللبون، فإن قيل: قد ذكرتم أن الساعي لا يأخذ إلا الأغبط على المذهب، ويلزم من ذلك أن يكون كل من الصنفين أغبط إذا جوزتم الأخذ من النوعين معًا وذلك لا يمكن، قال ابن الصباغ: يجوز أن يكون لهم حظ ومصلحة من اجتماع النوعين، قال الرافعي: وهذا يفيد معرفة شيء آخر، وهو: أن الغبطة غير
منحصرة في زيادة القيمة، لكن إذا كان التفاوت لا من جهة القيمة يتعذر إخراج الفضل وقدر التفاوت.
انتهى كلامه.
وهذا الاعتراض الذي أجاب عنه ابن الصباغ، وتوهم المصنف صحته- باطل من أصله لا يحتاج معه إلى الحمل المذكور، وإن كان الفقه الذي تضمنه صحيحًا، فقد يكون عنده أربع حقاق مما يؤمر بإخراجها هو خير من كل خمس يخرجها مما عنده من بنات اللبون، ويكون في بنات اللبون خمس هي خير من أكل أربع يخرجها مما بقي عنده من الحقاق، وذلك للتعدد الحاصل في أفراد الواجب، والعجب من توهم المصنف- والرافعي والنووي من قبله- صحة هذا الاعتراض، على أن اللفظ الذي نقله المصنف عن ((الشامل)) قد تبع عليه الرافعي، وهو لا ينافي الجواب الذي ذكرناه، إلا أنني راجعت الشامل فوجدت فيه زيادة تأبى ذلك، ويقتضي ما فهمه هو وغيره من عدم إرادته، ولو ذكروا تلك الزيادة لكان أصوب.
قوله: وجمع المسنة- كما قال البندنيجي-: مسنان ومسنات.
انتهى.
والذي ذكرته هو صورة ما ذكره المصنف وضبطه- أيضًا- وما ذكره في اللفظ الثاني صحيح، وحاصله: أنه جمع ((المسنة)) جمع سلامة بألف وتاء، وأما اللفظ الأول فتحريف، وصوابه: مسان- بفتح الميم وتشديد النون- على أنه جمع تكسير، ووزنه: مفاعل، ولكن أدغمت النون، وقد ذكر الجوهري هذا الجمع في موضعين من ((الصحاح)) في فصل الفاء من باب المعتل، وفي آخر فصل السين من باب النون.
قوله: وقال- أي البندنيجي-: يقال لما تلده البقرة حين يولد: عجل وعجول، فإذا استكمل سنة ودخل في الثانية قيل له: جذع، وللأنثى: جذعة، فإذا استكمل سنتين ودخل في الثالثة فهو: ثني، وثنية، فإذا استكمل أربعا ودخل في الخامسة فهو: سديس، والأنثى: سديسة، فإذا استكمل خمسًا ودخل في السادسة فهو: ضالع، وليس له اسم بعد ذلك إلا ضالع عام وضالع عامين.
انتهى كلامه.
وقد سقط في هذا الكلام تسمية ما استكمل ثلاثًا ودخل في الرابعة، ويقال للذكر منه: رباع، ويقال: رباعي- بضم الراء وتخفيف الياء- وللأنثى: رباعية، ذكره الجوهري وغيره، ومن الفقاء صاحب ((البحر)) وجماعة، والمصنف له عندنا في هذا الموضع وفي الذي قبله، فقد راجعت ((تعليق)) البندنيجي من النسخة التي كانت للمصنف، فوجدت الأمرين فيها على هذا الخلل لغلط الكاتب، إلا أن مثل المصنف من العلماء لا ينتهي في التقليد إلى هذا الحد، وقد أصلحت النسخة على الصواب،
لئلا يقع أحد- أيضًا- في هذا الغلط، وقد ذكر اللغويون أسماء مستوعبة للعشر سنين.
قوله: روى أبو القاسم البغوي في ((معجم الصحابة)) عن عبد الله بن معاوية الغاضري من غاضرة قيس- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا هو، وأعطى زكاة ماله طيبةً بها نفسه رافدة عليه كل عام، ولا يعطى الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة)).
انتهى.
الغاضري- بالغين والضاد المعجمتين، والراء المهملة- مأخوذ من ((الغضارة)) وهي الرفاهية، وقيدوه بـ ((غاضرة قيس))، لأن ذلك يوجد في قبائل من العرب، قاله الرشاطي في ((الأنساب))، وذكر الجوهري- أيضًا- نحوه.
وأما الهرمة: فهي العاجزة من كبر السن، وأما الدرنة: فبدال مهملة مفتوحة ثم راء مكسورة مهملتين، بعدهما نون مفتوحة، هي الجرباء، وأصل الدرن: الوسخ.
وأما الشرط: فبشين معجمة مفتوحة، ثم راء مهملة مفتوحة- أيضًا- ثم طاء مهملة، فهو رذالة المال، أي الردئ منه.
قوله: ولو كان ماله ثلاثين من الإبل نصفها صحاح ونصفها مراض، وقيمة كل صحيحة أربعة دنانير، وكل مريضة ديناران- قال في ((التهذيب)) وغيره: يجب عليه صحيحه قيمتها ثلاثة دنانير، نظرًا إلى نصف قيمة الصحيح ونصف قيمة المريض، قال الرافعي: ولك أن تقول: هلا كان هذا ملتفتًا إلى أن الزكاة هل تتقسط على الوقص أم لا؟ فإن انبسطت عليه فذاك، وإلا قسط المأخوذ على الخمس والعشرين.
قلت: لو خرج على هذا فما الذي يجعل الوقص منه؟ إن جعلناه من الصحاح أضررنا برب المال، وإن جعلناه من المراض أضررنا بالفقراء، فتعين أن يجعل منهما، وحينئذ لا تختلف النسبة على أن جعله منهما، وحينئذ لا تختلف النسبة على أن جعله منهما على السوية متعذر، لأن الخمس لا تنقسم.
انتهى كلامه.
والذي ذكره في تقرير الجواب الأول معكوس، بل الصواب أن جعله من الصحاح مضر بالفقراء، لأنا حينئذ نقوم الرديء ونعطيهم من نسبته، وجعله من المراض مضر بالمالك نافع للفقراء، لما ذكرناه، وهو واضح.
وأما الجواب الثاني- وهو التعذر- فعجيب، فإن تقويم المال جميعه ممكن مشروع، إلا أنه غير لازم على الخمسة، والخمسة سدس الثلاثين، فيعتبر نصف السدس من قيمة المراض ونصف السدس من
قيمة الصحاح، بل تقويم النصف من ذلك صحيح لا مانع منه ولا استحالة فيه- كما زعم- وكأنه سرى ذهنه إلى إخراجه فمنعه، لأن التشقيص في الواجب ممتنع.
قوله: وإن كان غنمه صغارًا أخذ منها صغيرة، لقول أبي بكر في حق مانعي الزكاة: ((والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلهم على منعه)) كما أخرجه البخاري ومسلم.
وجه الدلالة منه: أه أخبر عنهم أنهم كانوا يؤدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العناق، والعناق: الأنثى الصغيرة من أولاد الغنم.
انتهى كلامه.
وما ذكره نقلًا واستدلالًا باطل:
أما الأول: فلأن البخاري لم يرو موضع الحاجة- وهو العناق- وإنما لفظ روايته: ((لو منعوني عقالًا)).
نعم، رواه مسلم بلفظ ((العناق)).
وأما الثاني- وهو دعواه الإخبار بأداء العناق- فعجيب جدًا، فإنه لم يخبر عنهم بأدائه، وإنما ذكر المقابلة على تقدير الأداء، وأتى بلفظ ((لو)) المستعملة في المستحيل وامتناع الشيء لأجل امتناع غيره، فقال: لو كان كذا لكان كذا، ولا يدل ذلك على أدائه، بل ولا على جواز الأداء، كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:21] ونحو ذلك.
قوله: وروى أبو داود عن مسلم بن ثفنة عن شيخ يقال له سعر ... إلى آخره.
ثفنة: بثاء مثلثة مفتوحة، ثم فاء مكسورة بعدها نون، ثم تاء التأنيث.
وما ذكره أبو داود من كون مسلم هو ابن ثفنة قد تبع فيه وكيعا، والصواب: أنه مسلم بن شعبه، كذا ذكره جماعات منهم الإمام أحمد والنسائي والدارقطني، ووهموا وكيعا فيما ذكره، وأما سعر- فبسين مكسورة ثم عين ساكنة مهملتين بعدها راء، وهو سعر بن سوادة- ويقال: ابن ديسم- العامري، قال الدارقطني: له صحبة.
قوله: وروى أبو داود عن مسلم بن ثفنة عن شيخ يقال له سعر ... إلى آخره.
ثفنة: بثاء مثلثة مفتوحة، ثم فاء مكسورة بعدها نون، ثم تاء التأنيث.
وما ذكره أبو داود من كون مسلم هو ابن ثفنة قد تبع فيه وكيعا، والصواب: أنه مسلم بن شعبة، كذا ذكره جماعات منهم الإمام أحمد والنسائي والدارقطني، ووهموا وكيعا فيما ذكره، وأما سعر- فبسين مكسورة ثم عين ساكنة مهملتين بعدها راء، وهو سعر بن سوادة- ويقال: ابن ديسم- العامري، قال الدارقطني: له صحبة.
قوله: والبخاتي- بتشديد الياء وتخفيفها- والعراب نوعان للإبل، كما أن المهرية والأرحبية والمجيدية والعقيلية والقرملية أنواع لها.
انتهى.
اعلم أن البخاتي: إبل الترك وهي التي لها سنامان، وما عداها إبل العرب وهي المسماة بالعراب، وأنواعها- كما ذكره المصنف:
المهرية، بميم مفتوحة، وجمعها: مهاري منسوبة إلى مهرة بن حيدان، أبي قبيلة، قاله الجوهري.
والأرحبية: منسوبة إلى ((أرحب)) - بالحاء المهملة والباء الموحدة- قبيلة من همدان.
والمجيدية: إبل دون المهرية، منسوبة إلى ((مجيد)) - بضم الميم، وفتح الجيم- وهو اسم فحل.
والعقيلية- بعين مفتوحة وقاف- منسوبة إلى ((العقيلة))، وهي كريمة الإبل.
والقرملية: منسوبة إلى ((القرمل)) - بقاف مكسورة وراء ساكنة وميم مكسورة ثم لام- هو البختي السابق ذكره كما قاله الجوهري- وجمعه: قرامل.
إذا تقرر ذلك علمت أن البخاتي هي القرملية على خلاف ما اقتضاه كلام المصنف من المغايرة، وأن الأربعة الباقية نوعان للعراب، على خلاف ما دل عليه تعبيره- أيضًا- وكأنه رأي بعضهم عبر ببعضها، والبعض بالبعض الآخر، فتوهم التغاير فجمع بينهما.
قوله: ولا تؤخذ الربي ولا الماخض ولا فحل الغنم ولا الأكولة ولا حزرات المال، إلا أن يختار رب المال.
ثم قال: وما ذكره الشيخ من الأخذ في جميع الصور عند اختيار رب المال هو المشهور، إلا في فحل الغنم، فإن فيه إذا أخرجه ما تقدم في أخذ الذكر.
انتهى كلامه.
وحاصل كلامه: أن هذه الصورة التي قالها الشيخ لا تأتي على المذهب، وإنما تأتي على وجه ضعيف، لأن الصحيح منع أخذ الذكر عن الأنثى، وليس كما قاله، بل يتصور ذلك على المذهب في خمس من الإبل، فإن الشاة الواجبة فيها يجوز أن تكون ذكرا مع وجود الإناث كما هو المشهور، وحينئذ فإذا تبرع بإعطاء فحل غنمه جاز قبوله.
قوله: وفي ((الإبانة)): أن صاحب ((التقريب)) قال: إذا أعطى كريمة لا تجزئ، لظاهر خبر معاذ.
وفي ((النهاية)): أن صاحب ((التقريب)) حكاه عن غيره، وقال: إنه مزيف لا أصل له.
انتهى كلامه.
وهو كالصريح في أن المزيف لهذا القول هو الحاكي له وهو صاحب ((التقريب))،
وليس كذلك، بل المزيف له إنما هو الإمام، كذا هو في ((النهاية)) فاعلمه.
وقوله: وفي بعض الشروح: أن بعض الخراسانيين قال: إن اشتراط الاشتراك في الفحل مخصوص بما إذا اتحد النوع، وإن اختلف كالضأن والمعز فلا يضر اختلاف الفحل، للضرورة.
قلت: وحقيقة ذلك ترجع إلى أنا على الأول لا نثبت حكم الخلطة عند اختلاف نوع المال، إذ لا اشتراك في الفحل ولكن نثبتها عند اتحاده، وعلى الثاني نجوزها في الحالين، وهذا لم أره لغيره.
انتهى كلامه.
والذي أنكره- رحمه الله- لابد منه، وقد جزم به النووي في ((شرح المهذب)).
وزاد فقال: إنه لا خلاف فيه، للتعذر، فأشبه ما لو خلط أربعين من الذكور بأربعين من الإناث.
قوله: ولأجل ذلك قال الرافعي: إن اتحاد موضع الحلب لابد منه، أي: في الخلطة، وأفهم كلام النووي خلافًا فيه، لأنه قال:- أي: في ((اللغات)) -: والأصح اشتراط موضع الحلب.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي أنه لم يقف في المسألة على خلاف، وقد صرح الروياني بذلك في ((البحر)) فحكى فيه وجهين كما أفهمه كلام النووي، فاعلمه.
باب زكاة النبات
قوله: في الحديث عن عبد الله بن عمر-: ((فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلًا العشر، وفيما سقى بالسواني أو النضح نصف العشر)) رواه البخاري.
وعن جابر- أيضًا-: ((فيما سقت الأنهار والعيون العشر، وفيما سقى بالسواني نصف العشر)) أخرجه مسلم.
انتهى.
أما حديث البخاري فليس فيه لفظ ((الأنهار))، بل فيه عوضًا عنه لفظ ((العثري)) بعين مهملة مفتوحة، وثاء مثلثة مفتوحة- أيضًا- وقد تسكن، وصورته: أن تحفر حفيرة يجري فيها الماء من السيل إلى أصول الشجر، وتسمى الحفرة: عاثورًا، لأن المار يتعثر فيها إذا لم يشعر بها.
وليس فيه أيضًا لفظ ((السواني)) بل ((النضح)) خاصة، وسيأتي ضبط هذه اللفظة.
وأما حديث مسلم فليس فيه لفظ ((العيون))، بل فيه عوضًا عنه لفظ ((الغيم)) - بغين معجمة، وبالميم في آخره- أي: السحاب.
قوله: وكان فتح خيبر في سنة من الهجرة.
انتهى.
وما ذكره في تأريخ الفتح غلط، بل كان فتحها في السنة السابعة بلا خلاف، وقد ذكره هو على الصواب في باب قتال المشركين.
قوله: وقال في القديم: تجب الزكاة في الورس، لأن أبا بكر أمر أهل خفاش بذلك، وما ذكره الشيخ من جزم القديم بالوجوب ذكره البندنيجي- أيضًا- وقال غيرهما: إن الشافعي علق القول في القديم على صحة هذا الأثر، فقال: إن صح قلت به.
وقد صح، فيكون له فيه على القديم قولان.
انتهى.
وما ادعاه من صحة الأثر غلط، فقد نصت الحفاظ على ضعفه، ومنهم البيهقي.
ونقله عن النووي في ((شرح المهذب)) وغيره، وما ذكره من مجيء قولين على القول بصحته غلط- أيضًا- بل إنما يأتيان على القول بضعفه، وهو الذي ذكره غيره- أيضًا- فتأمل ذلك.
قوله: والورس: نبت أصفر يكون باليمن يصبغ به الثياب والحبر وغيرهما.
انتهى.
والحبر- بحاء مهملة مكسورة، وباء موحدة مفتةحة- جمع ((حبرة)): نوع من الثياب، وإذا علمت ذلك علمت أن ذكره من بعدها لا فائدة له، بل موهم، والظاهر أنه رأى في كلام بعضهم التعبير بـ ((الثياب)) وفي بعضها بـ ((الحبر))، فجمع بينهما.
نعم، قد يقع في القرآن الكريم عطف الخاص على العام، لمعنى لا يأتي هنا: كالاهتمام في قوله تعالى: ﴿وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة:98].
قوله: وتضم ثمرة العام الواحد بعضه إلى بعض في إجمال النصاب، وفي الزرع أربعة أقوال.
ثم قال بعد نحو ورقة: والقول الرابع: أن الاعتبار بالحصد، فإن وقع الحصادان في سنة- أي اثني عشر شهرًا- ضم أحدهما إلى الآخر، وإلا فلا.
قال الرافعي: وكلام الأكثرين مائل إلى ترجيح هذا القول.
انتهى كلامه.
وهذا الذي قاله الرافعي من ترجيح الأكثرين لهذا القول، وعزو المصنف ذلك لو ساكتًا عليه متوهمًا صحته- كلام باطل، فقد أمعنت النظر وتتبعت كلامهم، فلم أقف على ترجيحه لأحد بالكلية فضلًا عن الأكثرين، ولا شك أنه انقلب على الرافعي، فإن كثيرًا من الأصحاب قد صححوا اعتبار الزراعة في السنة، منهم: البندنيجي، وابن الصباغ، وصحح الروياني اعتبار الحصاد، ولكن في فصل واحد لا في سنة واحدة.
قوله: في المسألة-: ونص في ((الكبير)) على قول خامس، فقال: إن وقع البذران في سنة، ووقع الحصادان في سنة- فأحدهما مضموم إلى الثاني، قال الرافعي: ذلك إن وقع زرع الثاني وحصد الأول في سنة.
انتهى بحروفه.
وهو كلام عجيب، وأحسن أحواله أن يحمل على غلط وقع للنووي في ((الروضة)) عند حكايته لهذا القول، وهو اجتماع الزرعين والحصادين معًا في سنة واحدة، مع أن المذكور في ((الرافعي)): أنه يكفي أن يقع في السنة إما الزرعان وإما الحصادان، لا كلاهما معًا كما تحرف على النووي، وقد أوضحت المسألة في ((المهمات)).
قوله: ((والبعل)) في الحديث- بتسكين العين المهملة- قد تقدم شرحه، وهو ما يشرب بالعروق، وقيل: هو والعذق واحد، وهو ما سقت السماء، والمشهور
اختصاص هذا بالعذق، وأما البغل فهو ما تقدم.
و ((السواني)) جمع ((سانية))، وهي الناقة التي يسقى عليها.
انتهى كلامه.
وتعبيره بـ ((العذق)) - أعني بالقاف- تحريف، وإنما هو ((العذى)) بعين مهملة مكسورة ثم ذال معجمة ساكنة، ثم ياء بنقطتين من تحت، كذا قاله الجوهري وصاحب ((المحكم)) وغيرهما.
أما ((العذق)) بالقاف فمفتوح العين: اسم للنخلة ونحوها، وبمكسورها: اسم للقنو، وهو المسمى بالإسباطة، والذال- أيضًا- معجمة فيهما.
والسانية: بسين مهملة ونون، بعدها ياء بنقطتين من تحت، وقد فسرها المصنف.
قوله: ويجب إخراج الواجب من التمر يابسًا.
ثم قال: فلو أخرج من الرطب قدرًا يكون إذا جف قدر الواجب لم يجزئه، لأنه بدل والبدل لا يجوز في الزكاة من غير ضرورة، فعلى هذا: إن كان باقيًا رده الساعي إليه، وإن كان تالفًا رد قيمته على المذهب في ((المهذب)) وغيره، وقيل: يرد المثل.
وهذا الخلاف مبني على أن الرطب والعنب مثليان أو لا، وسيأتي الكلام فيه في الغصب.
انتهى كلامه.
ومقتضاه: رجحان الذهاب إلى أنهما متقومان، وقد ناقض ذلك في باب الغصب، وصرح بأن الأظهر أنهما مثليان، وستعرف لفظه هناك، إن شاء الله تعالى.
قوله: وإذا قطع الثمرة، للخوف على النخيل من العطش- أخذنا منه عشر الرطب، فإن أتلفه فالواجب عليه عشر قيمته بلا خلاف كما قاله القاضي الحسين.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عشر القيمة قد ذكر بعد هذا بنحو ورقتين عكسه، فأوجب قيمة العشر، ثم إنه كرر ذلك مرات، ولا شك أن عشر القيمة أكثر من قيمة العشر لأجل التشقيص، وقد أوضحت ذلك في كتاب الصداق، وذكرته أبسط من ذلك في العتق من ((المهمات))، فراجعه.
قوله: فثبت من ذلك أن كون الخارص يدع النخل لرب المال وأهله قدر ما يأكلون، ولا يدخله في الخرص- وجه للأصحاب.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من إثبات وجه مع إظهار العناية والتكلف عجيب، فقد نص عليه
الشافعي في ((البويطي))، وهو من أجل الكتب الجديدة، فقال: ويترك لرب الحائط قدر ما يأكل هو وأهله، لا يخرص عليه، هذا لفظه بحروفه، ومن ((البويطي)) نقلت.
قوله: وإن ادعى أن الثمرة، هلكت وأسند الهلاك إلى سبب ظاهر- كالنهب، والجراد، ونزول العسكر، والبرد- نظر: إن عرف وقوع ذلك وعموم أثره صدقه، ولا حاجة إلى اليمين، فإن اتهم في هلاك ثماره بذلك السبب حلف، وإن لم يعرف وقوعه فوجهان، أظهرهما- وعليه المعظم-: أنه يطالب بالبينة.
انتهى.
هذا الكلام ذكره الرافعي، فتبعه عليه المصنف، وفيه أمران:
أحدهما: أنه أهمل قسمًا متوسطًا ثالثًا، وهو ما إذا عرف وقوعه ولم يعرف عمومه، وقد ذكره الرافعي في آخر الوديعة، وقال: إنه يصدق بيمينه.
وذكره- أيضًا- المصنف.
الثاني: أن التحليف عند التهمة- لاحتمال عدم التلف به- كيف يستقيم مع فرض المسألة في عموم أثره؟! وقد ذكر هو وغيره في نظير هذا الموضع أنه إذا عرف العموم فلا تحليف، فينبغي حمل العموم هنا على الكثرة، لا كل نخلة من كل بستان.
قوله: في المسألة-: وإن اقتصر على دعوى الهلاك ولم يذكر السبب، فالمفهوم من كلام الأصحاب: قبوله مع اليمين.
انتهى.
وهذا التعبير ذكره- أيضًا- الرافعي، وهو يشعر بعدم الوقوف على نقل صريح في ذلك، وهو عجيب، فقد جزم كثيرون بذلك، ومنهم الرافعي في آخر الوديعة.
قوله: وإن ادعى أن الخارص غلط عليه، وبين المقدار: فإن كان قدرًا يحتمل مثله الغلط كخمسة أوسق في مائة، فهل يقبل؟ وجهان:
أحدهما: لا، لاحتمال أن النقصان وقع في الكيل، ولعله يفي إذا كيل ثانيًا، وصار كما لو اشترى حنطة مكايلة وباعها مكايلة، فانتقص بقدر ما يقع بين الكيلين- لا يرجع على الأول.
وأصحهما: نعم، لأن الكيل يقين والخرص تخمين، فالإحالة عليه أولى.
وإن كان ما ادعاه فاحشًا لا يجوز لأهل النظر الغلط بمثله فلا يحط عنه.
انتهى.
وما ذكره- رحمه الله- من حكاية الخلاف في الخمسة من المائة ونحو ذلك
غلط، بل يقبل بلا خلاف، كما جزم به الأصحاب، والوجهان محلهما فيما دون هذا المقدار مما يمكن وقوعه بين الكيلين، وسبب غلط المصنف: أنه نقل هذه المسائل من كلام الرافعي، فأسقط بعضه: إما غلطًا منه، أو من الأصل المنقول منه، فإنه قال- أعنى الرافعي-: وإن ادعى بعد الكيل أنه غلط، وبين القدر: فإن كان يحتمل الغلط في مثله كخمسة أوسق في مائة قبل هذا إذا كان المدعى فوق ما يقع بين الكيلين، فإن كان يسيرًا بقدر ما يقع بينهما فهل يحط عنه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لاحتمال أن النقص وقع في الكيل، ولو كيل ثانيًا وفي.
الثاني: يحط، لأن الكيل يقين والخرص تخمين، فالإحالة عليه أولى.
انتهى موضع الحاجة من كلامه، وإذا تأملته علمت أنه أسقط فيه جواب مسألة وصدر أخرى، وكان حقه أن يقول- مثلًا-: كخمسة أوسق في مائة، فإنه يقبل هذا إذا كان ... ثم يذكر ما ذكره الرافعي.
قوله: وهل الواجب في الأربعين- مثلًا- جزء من كل حيوان أو حيوان مبهم؟ فيه وجهان، ويتفرع عليهما ما إذا باع الجميع: فإن قلنا بالأول فيتخرج على تفريق الصفقة، وإن قلنا بالثاني فقال الصيدلاني: يبطل في الجميع قطعًا، لأن الواجب غير متعين.
قلت: والوجه: أن يقال: إن كان النصاب مختلفًا، كما إذا اشتمل على كبار وصغار- فالحكم: كما قال، وإن كان غير مختلف، للتساوي في الأسنان وتقارب الصفات-: فيكون في صحة البيع فيما عدا قدر الزكاة وجهان، فإن الماوردي قد ذكر هذا التفصيل بعينه في نظيره، وهو ما إذا قال: بعتك هذه الشياه إلا شاة.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره المصنف من موافقة الصيدلاني على الجزم بالبطلان عند الاختلاف ليس كذلك، فقد ذكر هو في كتاب البيع: أنه لو اختلط عبيده بعيد لغيره، فقال: بعتك عبدي من هؤلاء، والمشتري يراهم ولا يعرف عبده- قال في ((التتمة)): له حكم بيع الغائب.
وقال البغوي: عندي أنه باطل.
انتهى، فثبت الخلاف من غير تفصيل بين الاختلاف والتساوي.
تنبيه: وقع في الباب ألفاظ:
منها: الفث، وهو بفاء مفتوحة، بعدها ثاء مثلثة مشددة، وقد فسره الرافعي.
ومنها: الثمام- بثاء مثلثة مضمومة، بعدها ميم مفتوحة-: نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص، الواحدة: ثمامة، وبه سمى الرجل المعروف.
ومنها: الثفاء- بثاء مثلثة مضمومة، ثم فاء مشددة، بعدها ألف ممدودة-: اسم لحب الرشاد، واحده: ثفاءة.
ومنها: الجاورس- بالجيم، وبعد الألف واو، ثم راء وسين مهملتين-: هو الدخن، كما قاله الجوهري في الكلام على لفظ ((الدخن))، فاعلمه، ولما ذكره المصنف عبر عنه بـ ((الجاروس)) أي تقديم الراء على الواو، وصوابه ما ذكرناه، فتفطن له.
ومنها: بنو خفاش، هو بخاء معجمة مضمومة، وفاء مشددة، وشين معجمة، وضبطه بعضهم بكسر الخاء وتخفيف الفاء، وهو غلط، كما قاله النووي.
ومنها- في حديث أبي داود-: ((والوسق ستون مختومًا))، هو بخاء معجمة، ثم تاء مثناة من فوق، وفي آخره ميم، من ((الختم)) وهو استيفاء الشيء، أي: الكامل من الصيعان.
ومنها: الغرب للدلو الكبير، هو بغين معجمة مفتوحة، ثم راء مهملة ساكنة، ثم باء موحدة.
ومنها: الهلياث اسم لنوع من التمر، هو بهاء مكسورة، بعدها لام ساكنة، ثم ياء مثناة من تحت، وفي آخره ثاء مثلثة، ووقع في كلام المصنف بالعين عوضًا عن الهاء، وهو غلط، بل الصواب- وهو المذكور في شرح ((شرح المهذب)) وغيره- ما سبق ضبطه.
ومنها: سهل بن أبي حثمة، هو بحاء مهملة مفتوحة، ثم ثاء مثلثة ساكنة: اسم لامرأة، قال الجوهري: والحثمة: الأكمة الحمراء، قال: وبها سميت المرأة: حثمة.
باب زكاة الناض
قوله: قال أهل اللغة: الناض- بتشديد الضاد- ما كان نقدًا من الدراهم والدنانير خاصة، كذا حكاه النووي.
انتهى.
وتعبيره بقوله: خاصة، إن رجع إلى ((النقد)) أشعر بأن الدراهم والدنانير يطلقان على النقد وعلى غيره، وهو باطل.
وإن رجع إلى النوعين المذكورين أشعر بأن النقد يكون منهما ومن غيرهما، وهو- أيضًا- باطل.
وأما عزو ذلك إلى النووي فباطل، فإنه عبر بقوله: الناض- بتشديد الضاد-: هو الدراهم والدنانير خاصة.
هذه عبارته، وكلام المصنف يحتمل التأويل، إلا أن النووي لم يذكر النقد بالكلية.
قوله: وقد كان في الجاهلية دراهم مختلفة بغلية وطبرية وغيرهما، وغالب ما كانوا يتعاملون به من أنواع الدراهم في عصره- عليه الصلاة والسلام- والصدر الأول بعده نوعان: أحدهما: الطبرية، زنة كل درهم منها ثمانية دوانق، والآخر: البغلية، وهي منسوبة إلى ملك يقال له: رأس البغل، زنة كل درهم أربعة دوانق.
انتهى كلامه.
وما ذكره- رحمه الله- في زنة البغلية والطبرية سهو، وصوابه: العكس، وهو أن زنة البغلية ثمانية دوانق، والطبرية أربعة، هكذا ذكره الأصحاب وغيرهم هنا وفي كتاب الإقرار، وممن ذكره هنا الرافعي، وكذلك النووي في كتبه حتى ((لغات التنبيه))، والمصنف ينسخها غالبًا بلفظها في هذا الكتاب، وقد ذكره المصنف على الصواب في باب الإقرار.
قوله: وعامة الأصحاب على أن تحلية آلة الفرس حرام، وقالوا: إنه مقتضى نص الشافعي، وإنما قالوا ذلك، لأنه نص في ((البويطي)) و ((المختصر)) على أنه إذا كان له فضة مخلوطة على لجام فعليه إخراج الصدقة عنها، ومذهبه: أن الحلي المباح لا زكاة فيه، فدل على أن ذلك محرم.
انتهى كلامه.
وما ذكره غفلة عجيبة، لأن الزكاة كما تجب في المحرم تجب في المكروه- أيضًا-
فوجوب الزكاة فيه لا يدل على التحريم، لجواز أن يكون قائلًا بالكراهة.
قوله: نعم، ترددوا في اتخاذ سنة أو سنتين من الذهب لخاتم من الفضة، والأكثرون: أنه لا يجوز.
انتهى كلامه.
والتعبير بـ ((سنة)) و ((سنتين)) غلط حصل عن ذهول، وصوابه: سن وأسنان، شبهوا ما يمسك الفص بأسنان الحيوان.
قوله: وقضية التوجيه الثاني: جواز تمويه سقف البيوت وجدرانها بالذهب والفضة، ولم يختلف الأصحاب في منعه.
انتهى كلامه.
وما نقله من عدم اختلافهم ليس كذلك، فقد حكى الرافعي في ((الشرح الصغير)) فيه خلافًا، واقتضى كلامه تصحيح الجواز، فإنه قال هنا ما نصه: واستثنى في الكتاب عن التحريم شيئين، أحدهما: التمويه الذي لا يحصل منه شيء، وفيه وجهان قدمنا ذكرهما في الأواني، ويجريان في الخاتم والسقف والجدار وغيرها.
هذا لفظه.
قوله: ولا شك في تحريم التاج الذي لا يلبسه إلا عظماء الفرس على الرجال والنساء.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من الاتفاق مسلم في حق الرجال، وأما النساء ففي منعهن من لبسه نزاع ظاهر، حتى قال النووي في باب ما يجوز لبسه من ((شرح المهذب)):
الصواب: الجواز من غير ترديد، لعموم الحديث، ولدخوله في اسم الحلى.
تنبيه: وقع في الباب ألفاظ:
منها: النش: اسم لنصف الأوقية، هو بنون مفتوحة، وشين معجمة.
ومنها: ((المسكتان)): تثنية ((مسكة)) - بميم وسين مهملة مفتوحتين، بعدهما كاف- اسم للسوار الذي يلبسه النساء.
ومنها: الفتخات: جمع ((فتخة)) - بفاء وتاء مثناة مفتوحتين- اسم لنوع من الخواتم، كما أوضحه المصنف.
ومنها قبيعة السيف- بالباء الموحدة- وهو الذي على طرف قبضة السيف.
ومنها: تعبيره بقوله: والأواني من الذهب والفضة في حكم الشرع متبرة، أي: مكسرة هالكة، يقال تبره الله تتبيرًا، أي: أهلكه وكسره، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ [الأعراف:139].
باب زكاة المعدن والركاز
قوله: روى أبو داود أنه- عليه الصلاة والسلام- أقطع بلال بن الحارث المزني المعادن القبلية جلسيها وغوريها، وحيث يصلح للزرع من قدس.
اعلم أن بعض هذه الألفاظ قد تكلم عليه المصنف هنا، وبعضها يأتي الكلام عليه في باب الإحياء، ومما لم يضبطه:
الجلسي، وهو بجيم مفتوحة، ولام ساكنة، وسين مهملة، منسوب إلى ((جلس)) وهو نجد، يقال: جلس الرجل، إذا أتى نجدًا وسمى نجدًا، لارتفاعه.
والغوري- بالغين المعجمة المفتوحة- نسبة إلى الغور وهو المنخفض، عكس النجدي، والمراد به هنا: تهامة.
وأما ((قدس)) - فبقاف مضمومة، ودال ساكنة وسين مهملتين- اسم لجبل عظيم بناحية نجد، قاله الجوهري.
وقد ذكر ألفاظًا، منها: عتيدة، أي: حاضرة، قال تعالى: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق:23].
قوله: وهذا القول- أي القائل باشتراط الحول في زكاة المعدن- قال المزني: إنه أخبره به من يثق به، وإنه مومئ إليه في ((مختصر)) البويطي.
انتهى.
وهذا الكلام صريح في أن ناقل الإيماء هو البويطي أيضًا، لأنه عطفه على المقول، وليس كذلك، فإن البويطي لا ذكر له في ((المختصر))، وقد راجعت ((البويطي))، فوجدته قد ذكر الإيماء معبرًا عنه بقوله: قيل كذا وقيل كذا، ولم يتعرض لغير ذلك، والرافعي قد نقل جميع ذلك على وجه صحيح، ولا شك أن المصنف أخذه منه، فحصل في نقله تحريف.
قوله: وإنما اعتبرنا الحول في المعدن على قول، لأنه يحتاج في تحصيله وتمييزه إلى مدةٍ، بخلاف الركاز.
قلت: وهذا الفرق يقتضي التفرقة بين ما يجده بدرة أو في بطحاء كشفها الريح أو السيل، وبين ما يوقف على الطحن والتخليص، وجوابه: أن النظر إلى الأغلب.
انتهى.
والبدرة- بباء موحدة مفتوحة، ودال مهملة-: عشرة آلاف درهم كما قاله الجوهري وغيره، وإذا علمت ذلك عرفت أن مدلوله لا يكاد ينتظم مع ما قاله المصنف.
قوله: ولو كانت قيمة العرض في آخر الحول تزيد زكي الجميع بحول الأصل.
ثم قال: وقال الإمام: إن من يعتبر النصاب في جميع الحول كما في زكاة الأعيان قد لا يسلم وجوب الزكاة في الربح في آخر الحول، وقضية قياسه أن يقول: ظهور الربح في أثناء الحول بمثابة نضوضه.
انتهى كلامه.
زاد الإمام على هذا فقال: لابد منه.
ولما نقله الرافعي عنه ارتضاه وزاد عليه: أنه يقتضي إعلام ((الوجيز)) بالواو، وهذا الذي ذكره الإمام وتابعوه عليه عجيب، فإنه يبطل بالنتاج.
قوله: فإن كان نضوض الزيادة تحبس رأس المال بعد حولان الحول، ولم تزد قيمة العرض بعد الحول شيئا- فقد حكى الرافعي فيه وجهين:
أحدهما: أن الحكم كما لو كان النضوض في أثناء الحول حتى يزكى بحول الأصل.
وأظهرهما: أنه يستأنف للربح حولا.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الرافعي غلط عجيب، فإن الرافعي جزم بأنه يزكى بحول الأصل، ولم يحك خلافًا بالكلية، فضلًا عن تصحيح الاستئناف، بل زاد على ذلك فنقل عن الشيخ أبي علي أنه لا خلاف، وذكر مثله في ((الروضة)) - أيضًا- وسبب غلط المصنف: أنه أسقط نحو سطر من كلام الرافعي إما بانتقال نظره أو نظر الناسخ للأصل الذي وقف عليه، ويعرف ذلك بمراجعة الشرح.
قوله: وإن باع الأثمان بعضها ببعض للتجارة فقد قيل: ينقطع الحول.
ثم قال: وقيل: لا ينقطع، كما لو بادل عرضا للتجارة بعرض للتجارة، وهذا ما نسبه البندنيجي إلى الإصطخري، والماوردي إلى أبي العباس، والقاضي الحسين إلى
القديم، وصححه النووي.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن النووي سهو، فإن الذي صححه في ((الروضة)) و ((شرح المهذب)) و ((تصحيح التنبيه)): أنه ينقطع.
ولم يخالف ذلك في غيرها من كتبه، وأما النقل عن الباقين فصحيح.
قوله: ولو أذن السيد للعبد أن يستخرج من المعدن على أن ما يخرجه يكون ملكًا له، وفرعنا على أن العبد يملك بتمليك السيد- كان النيل للعبد كما حكاه ابن الصباغ وأبو الطيب، ولا زكاة عليه، وقد ادعى الإمام في أثناء قسم الصدقات أنا إذا حكمنا بأن العبد يملك بتمليك السيد، فقال له: ملكتك ما تحتطبه وتصطاده، أو: ما تتهبه، فوجد سبب من هذه الأسباب- لم يحصل الملك للعبد، فإن التمليك لا يحصل غلا من جهة السيد في ملك حاصل، وتمليك الأسباب لا يملك العبد ما يحصل بها.
انتهى كلامه.
وسياقه يشعر بأن كلام الإمام مخالف لما سبق، وليس كذلك، بل هما مسألتان، الثانية منهما: فيهما تنجيز للملك قبل وجود العين المملكة، وهو باطل بلا شك، والأولى بخلاف ذلك.
قوله: والماء العد.
هو بعين مهملة مكسورة، بعدها دال مهملة مشددة، قال الجوهري: هو الذي له مادة لا تنقطع كماء البئر والعين.
قوله: في الحديث: ((وفي الركاز الخمس))، قالوا: يا رسول الله، وما الركاز؟ قال: ((المال المخلوق في الأرض يوم خلق الله السموات والأرض))، ثم قال: وهذا التفسير روايه متروك الحديث، كما نقله عبد الحق عن أبي حاتم القزويني.
انتهى.
والصواب- وهو الذي نقله عبد الحق في ((أحكامه)) - إنما هو ابن أبي حاتم الرازي صاحب ((الجرح والتعديل))، وهو كذلك في كتابه، وأما أبو حاتم القزويني فإنه أحد الفقهاء الشافعية.
قوله: ثم دفين الجاهلية يعرف- كما قاله الأصحاب- بأن يوجد عليه اسم ملك من ملوك الشرك.
أو صليب، ونحو ذلك.
وفيما قالوه نظر، لأن المسلم قد يدفنه بعد
أن ملكه بهذه الصفة.
انتهى كلامه.
وهذا البحث ذكره الرافعي، فقلده فيه المصنف، وهو ضعيف، لأنه متوقف على استيلاء ثم دفنٍ آخر، وهو مدفوع بالظاهر والأصل.
نعم، فيما نقله من الاستدلال بالصليب إشكال لم يتفطن له، وهو أنه معهودٌ الآن من ملوك النصرانية، فيصير الموجود كالأواني ونحوها، والصحيح فيه: أنه لقطة، ويتعين أن يكون هاهنا كذلك.
قوله: ولو احتمل أن يكون الموجود من دفين الجاهلية أو من دفين الإسلام كالأواني والسبائك والنقار.
انتهى.
النقار- بكسر النون، وبالقاف، والراء المهملة- جمع ((نقرة)) بضم النون، وهي السبيكة كما قاله الجوهري وغيره.
وإذا علمت ذلك علمت أن جميع المصنف بينهما سهو، وكأنه رأى كل لفظة في تصنيفٍ، فتوهم المغايرة فجمع بينهما.
باب زكاة التجارة
قوله: ولو كانت قيمة العرض في آخر الحول تزيد زكي الجميع بحول الأصل.
ثم قال: وقال الإمام: إن من يعتبر النصاب في جميع الحول كما في زكاة الأعيان قد لا يسلم وجوب الزكاة في الربح في آخر الحول، وقضية قياسه أن يقول: ظهور الربح في أثناء الحول بمثابة نضوضه.
انتهى كلامه.
زاد الإمام على هذا فقال: لابد منه.
ولما نقله الرافعي عنه ارتضاه وزاد عليه: أنه يقتضي إعلام ((الوجيز)) بالواو، وهذا الذي ذكره الإمام وتابعوه عليه عجيب، فإنه يبطل بالنتاج.
باب زكاة الفطر
قوله: فالفطرة- بكسر الفاء-: الخلقة، قال الله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:30] أي: خلقته التي جبل الناس عليها.
والفطرة- بضم الفاء-: اسم للمخرج في زكاة الفطر.
انتهى.
وما ادعاه من أن ((الفطرة)) بالضم: اسم للمخرج، فهو شيء يستعمله عوام أهل العرف، والذي هو اسم للمخرج إنما هو بالكسر، وقد نقل النووي ذلك في ((شرح المهذب)) فقال ما نصه: ويقال للمخرج: فطرة، بكسر الفاء لا غير، وهي لفظة مولدة لا عربية ولا معربة، بل اصطلاحية للفقهاء، وكأنها من ((الفطرة)) التي هي الخلقة، أي: زكاة الخلقة.
هذا لفظه بحروفه.
وكأن الذي أوقع المصنف في هذا إنما هو ابن أبي الدم، فإنه قال في ((شرحه للوسيط)): فإن أثبت الهاء قال بعض المعتبرين في ذلك: هو بضم الفاء، وهو المشهور بين الفقهاء.
هذا كلامه، وما نقله عن هذا المعتبر فليس بمعتبر، إذ لا ذكر له في كلامهم، وكأنه اعتمد فيه على ما شاع الآن.
قوله: لأن الشيخ أبا بكر بن الحداد قال: إذا كان له ولد صغير يملك قوت يوم العيد وليلته فلا يجب على الأب نفقته في ذلك اليوم، وتجب عليه فطرته، ولو فرضت هذه الصورة في الابن قال: لا تجب فطرته.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن أبي بكر ليس هو ابن الحداد- كما زعم المصنف- وإنما هو الصيدلاني، وقد صرح به هكذا جماعة منهم الرافعي وغيره، وليست هذه المسألة في كبت ابن الحداد، ولا عادة الأصحاب يعبرون عنه بالشيخ، وإنما يعبرون بذلك عن الصيدلاني، وسبب ما وقع فيه المصنف: أن الإمام في ((النهاية)) عبر بالشيخ أبي بكر، ولم يزد عليه، فتوهم المصنف أن المراد ابن الحداد فصرح به.
قوله: فلو فضل عن فطرته صاع، واستوى الباقون في الإنفاق فهل يقسم بينهم أو يتخير؟ فيه وجهان.
قال الرافعي: ولم يتعرضوا للإقراع هنا، وله مجال في نظائره.
انتهى.
وما نقله عن الرافعي ساكتًا عليه معتقدًا لصحته ليس كذلك، فقد صرح به منصور التميمي تلميذ الربيع صاحب الشافعي، كذا رأيته في كتابه المسمى بـ ((المسافر)) مستدركًا به على ما نقله عن الشافعي، فقال: إذا كان عنده ما يزكي به عن بعض من يموت زكى به عمن شاء منهم، قال منصور: بل يقرع بينهم فيزكي به عمن قرع أصحابه منهم، لأن كلًا ذو حق.
هذه عبارته.
قوله: فإن قلت: إدراك آخر جزء من شهر رمضان لا يدرك إلا بغروب شمس ليلة العيد فلأي معنى قال- يعني الشيخ-: وغربت الشمس؟ قلت: ليبين لك أن مجموع الزمنين- أعني آخر جزء من رمضان، وأول جزء من ليلة العيد- هو سبب الوجوب.
انتهى.
وما ذكره من أنه يلزم من إدراك أحد الزمنين إدراك الآخر ليس كذلك، ويظهر بالأمثلة مثل أن يقول لعبده: أنت حر في آخر جزء من رمضان، أو: في أول جزء من ليلة العيد، وكما لو علق طلاق زوجته على ذلك- أيضًا- وكان الطلاق بائنًا.
قوله: التفريغ: إن أوجبنا الفطرة بالغروب، فمات العبد أو الوالد بعد الغروب- لم تسقط، إلا إذا حصل قبل التمكن من إخراج الفطرة، فإن في سقوطها وجهين عن ابن سريح: أحدهما: نعم، كزكاة المال، والثاني: لا، لأنها تجب في الذمة، والذي أورده البندنيجي وصاحب ((البحر)) منهما: الثاني، أي: عدم السقوط.
انتهى.
وما تحصل من كلامه من اقتصار المذكورين على الثاني غلط: أما البندنيجي فلم يذكر المسألة بالكلية، وقد اعتمدت في ذلك على نسخته التي كان ينقل منها، وأما صاحب ((البحر)) فقد حكى فيها الخلاف ناقلًا له عن ابن سريج، موافقًا لما حكاه هو قبل ذلك عن غيره، إلا أنه حكاه قولين، ذكره في وسط الباب، وعقد له فرعًا لا فصلًا.
قوله: والأفضل: أن تخرج قبل صلاة العيد.
ثم قال: لكن المراد بالقبلية؟ المذكور في ((التهذيب)): أنها تحصل بالتفرقة في ليلة العيد ويوم العيد قبل الصلاة، وقال القاضي أبو الطيب والبندنيجي والماوردي: إن الأفضل إخراجها في يوم العيد قبل الصلاة.
وهو الذي يقتضيه ظاهر الخبر، وهو الأولى، للخروج من الخلاف في التعجيل.
انتهى كلامه.
وما ذكره من ترجيح قول هؤلاء على قول ((التهذيب)) صريح في ثبوت الخلاف في جواز التعجيل في ليلة العيد، وهو لم يتعرض في هذا الكتاب لحكايته، بل صرح
بعد ذلك بأنه لم ير خلافًا فيما قبلها من أيام رمضان، فضلًا عن ليلة العيد.
قوله: أما إذا قلنا: وقت وجوب زكاة الفطر طلوع الفجر، فلا سبب لها إلا واحد.
ثم قال: وقضية ذلك ألا يجوز التعجيل، لأن ما له سبب واحد لا يجوز تعجيله عليه، وهذا لم أره لأحد من الأصحاب، غير أن البندنيجي والماوردي حكيا أن أبا عبيد بن حربويه من أصحابنا قال: لا يجوز تعجيل زكاة المال أصلًا، وذلك في زكاة الفطر أولى، لأنها فرعه.
انتهى كلامه.
وما ذكره استنباطًا وادعى أنه لم ير لأحد ما يوافقه، عجيب، فإنه موجود مصرح به، كذا صرح به الروياني في ((البحر)) في باب تعجيل الزكاة، ولم يقف عليه النووي- أيضًا- حتى ادعى في ((شرح المهذب)) نفي الخلاف فيه.
قوله: فإن أخرجها في يوم الفطر بعد الصلاة أجزأ مع الكراهة، كما قال القاضي أبو الطيب، لما ذكرناه من خبر ابن عباس، وقال البندنيجي: إنه يكون تاركًا للأفضل.
وهو ما يقتضيه كلام الشيخ.
انتهى كلامه.
واعلم أن ترك الأفضل لا ينافي القول بالكراهة، وقد رأيت في ((الذخيرة)) للبندنيجي أن تأخيرها عن الصلاة مكروه، وحينئذ فلا خلاف بينه وبين القاضي، لأن تعبيره في كتاب آخر بكونه تاركًا للأفضل لا ينافيه كما قلناه، بل يستلزمه، فاعلمه! ورأيت الكراهة- أيضًا- مصرحًا بها في ((المقنع)) للمحاملي وفي ((المجموع)) له، ونقله صاحب ((الذخائر)) عن الشيخ أبي حامد.
نعم، صرح الطبري في ((العدة)) وصاحب ((الاستقصاء)) بأنه لا كراهة فيه.
قوله: ولو مات بعد الوجوب والتمكن وقبل انقضاء يوم العيد، فالذي أطلقه الأصحاب الاستقرار.
قلت: وهل يأثم؟ يظهر تخريجه على ما لو مات في أثناء وقت الصلاة وقد تمكن من فعلها، لأن الشرع جعل وقتها موسعًا كوقت الصلاة.
انتهى كلامه.
وفيما ذكره بحثًا أمران:
أحدهما: أن المستحب- كما قاله الأصحاب، وصرح به المصنف قبل ذلك- إخراج زكاة الفطر في يوم العيد قبل الصلاة، وحينئذ فكيف يتعقل أننا نأمره بالتأخير عن الغروب إلى صبيحة العيد، ثم نحكم عليه إذا مات بعد الغروب، بسبب تأخيره الذي أمرناه، وحدوث أمر ليس في اختياره؟! بخلاف الصلاة، فإنه مأمور بإيقاعها في أول الوقت، فإذا أراد التأخير جوزناه بشرط سلامة العاقبة على
رأي.
نعم، إن فرض موته بعد طلوع الفجر احتمل أن يجئ ما قاله.
الأمر الثاني: أن هذا التخريج لا يستقيم في يوم العيد أيضًا، لأن الصلاة لا يمكن تداركها، فحكمنا بالعصيان على وجهٍ، وأما هاهنا فالتدارك ممكن، ومع ظهور الفارق لا يصح التخريج.
فإن قيل: التدارك ممكن في الحج، ومع هذا حكمنا بعصيانه؟
قلنا: الفرق من وجهين:
أحدهما: أن مباشرته للحج بنفسه واجبة، وقد فوتها، بخلاف تفرقة الزكاة.
الثاني: أن الوقت في الحج قد خرج، بخلاف ما نحن فيه.
قوله: ولو كان أهل الحضر يقتانون الأقط لا غير لم يجزئهم الأقط بلا خلاف، لأنه نادر، قاله الماوردي، وحكى الرافعي في كتاب الظهار: أنا إذا جوزنا الأقط في الكفارة فهل يختص بأهل البادية أو يعم الحاضر والبادئ؟ على وجهين، ولا بعد في مجيئها هاهنا.
انتهى كلامه.
وحاصله: أنه لم يقف إلا على ما قاله الماودري من التخصيص، وأن التعميم محتمل، وهذا الذي ذكره غريب، فإن الجمهور قد قالوا به، ونقله عنهم النووي في ((شرح المهذب)) فقال: الذي قاله الماودري شاذ، والصحيح الذي قطع به الجمهور: أنه لا فرق.
هذا كلامه، وتعليل الماوردي بكونه نادرًا يشير على أن الصورة النادرة لا تدخل في العموم، وفيه خلاف للأصوليين أوضحته مع فروعه في كتابنا المسمى بـ ((التمهيد في تخريج الفروع على القواعد الأصولية)).
قوله: وتجب الفطرة مما يقتات به من هذه.
ثم قال: وقيل: من غالب قوت البلد بالقياس على الكفارة، والعبرة بالغالب في وقت الوجوب لا في جميع السنة، صرح به في ((الوسيط))، قال الرافعي: ولم أظفر بهذا التقييد في كلام غيره.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما اقتضاه كلامه من الاتفاق في الكفارة على اعتبار الغالب حتى يرد على باقي الأقوال بالقياس عليها، غفلة أوقعه فيها تباعد ما بين البابين، ففي كتاب الظهار من ((الرافعي)) وغيره: أنها على هذه الأوجه الثلاثة، وذكر المصنف منها وجهين.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن الرافعي من عدم الظفر بهذا التقييد، واقتضاء كلامه
الموافقة عليه، عجيبٌ، فقد صرح به أيضًا صاحب ((الذخائر))، وقد تعرض السرخسي في ((الأمالي)) لذلك- أيضًا- فقال: لو اختلف القوت بالأوقات: فإن خرج من الأعلى أجزأه وكان أفضل، وإن أخرج من الأدنى أجزأه- أيضًا- في أصح القولين، لدفع الضرر، والثاني: لا، احتياطيًا.
انتهى.
وحاصله: أن الاعتبار بالاقتيات في وقت من الأوقات، وقال النووي في ((شرح المهذب)): الصواب: أن المراد قوت السنة.
قال: وبهذا قال السرخسي.
وذكر ما سبق نقله عنه، وليس مطابقًا له كما أوضحناه.
قوله: فإن عدل عن القوت الواجب إلى ما هو دونه ففيه قولان، أحدهما: لا يجزئه، لأنه إضرار بالمستحقين، وهذا ما أورده الماوردي لا غير.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الماودري من اقتصاره على عدم الإجزاء مردود، فإنه حكى في الكفارات وجهين فيما إذا عدل عن الواجب إلى ما هو دونه في الكفارة، ثم جعل الفطرة كالكفارة.
باب قسم الصدقات
قوله: ولو كان المخرج بعيرًا جموحًا كان على المالك العقال، لقول أبي بكر: ((والله، لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلهم عليه))، قاله القاضي الحسين في كتاب الجنايات، لكنه قال في أول الزكاة: إن المالك يسترده.
والمذكور في ((التتمة)) قبيل الفصل الثالث المعقود للتمكن هو الأول، وقد قيل: إنه- عليه السلام- أراد بالعقال صدقة عام، فإنه يطلق عليها في اللغة.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه يوهم أو يقتضي أن المتولي صرح بالرد حتى تكون المسألة خلافية، وليس كذلك، فقد راجعت كلام المتولي فلم أر فيه إلا وجوب تسليمه به على وفق ما نقله عن القاضي أولًا، وحينئذ فما قاله القاضي في الزكاة زيادة لا معارض لها.
الأمر الثاني: أن تعبيره في آخر كلامه بقوله: إنه- عليه الصلاة والسلام- أراد بالعقال صدقة عام، ذهولٌ عجيب، فإن هذا اللفظ من كلام أبي بكر لا من كلامه، عليه السلام.
قوله- في الحديث-: ((من أعطاها مؤتجرًا فله أجرة المؤتجر)) بكسر الجيم على وزن ((المقتدر)) و ((المنتظر)).
هو قاصد الأجر.
قوله: وإن مات وعليه زكاة مال ودين لآدمي فأقوال، أصحها: تقديم الزكاة، والثاني: الدين، والثالث: تقسيم ينهما.
ثم قال: ولو اجتمع الدين وزكاة الفطر فقيل بإجراء الأقوال، وقيل: إن كانت التركة عبدًا والفطرة عنه قدمت الفطرة قولًا واحدًا، لأنها متعلقة به فأشبه أرش الجناية، وهذه الطريقة هي التي نص عليها في ((المختصر)) حيث قال: ولو مات بعد أن أهل شوال وله رقيق، فزكاة الفطرة عنه وعنهم في ماله مبدأة على الديون.
انتهى كلامه.
وما ذكره من دلالة نص ((المختصر)) مع الطريقة المتقدمة على شيء واحد، ذهول
عجيب، فإن الطريقة محلها في فطرة العبد خاصة دون فطرة نفسه، والتعليل بمشابهة أرش الجناية يوضحه- أيضًا- والنص قائل به في العبد وفي نفسه، والتعليل بأرش الجناية لا يأتي في الحر.
قوله- في المسألة: وفي ((الرافعي)): أن الروياني حكى طريقة قاطعة بتقديم فطرة نفسه، لقلتها في الغالب، والذي رأيته في ((البحر)) و ((الحاوي)): أن ابن سلمة قال: إن الفطرة تقدم على الدين قولًا واحدًا، لقلتها في الغالب وتعلقها بالرقبة، زاد الماوردي: فاستحقت كأرش الجناية.
وهذا هو عين الطريق السابق، لكن الروياني حكى الطريقة الأولى، ثم حكى عن ابن سلمة ما ذكرناه، فظن أنه غيره.
انتهى.
وما ذكره في آخر كلامه عن ((البحر)) يقتضي اتحاد ما قاله ابن سلمة مع الطريقة المتقدمة، لاسيما مع تأكيده بقوله: فظن أنه غيره، وليس الأمر كما توهمه، فإن صاحب ((البحر)) قد حكى عن أبي إسحاق أنها- أي فطرة العبد- تحتمل وجهين: أحدهما: أنها كفطرة نفسه حتى تتخرج على الأقوال الثلاثة في اجتماع الدين والزكاة، والثاني: القطع بتقديمها.
ثم حكى عن ابن سلمة تقديمها قطعًا من غير تردد، وهذا غير الأول، لكن اعتراض المصنف على الرافعي صحيح، وقد أوضحته في ((المهمات)).
قوله: واعلم أن النووي- رحمه الله- قال: إن تعبير الأصحاب في التعجيل بقولهم: وأن يسلف بمسألة الفقراء ونحو ذلك، المراد به: جميع أصناف الزكاة، من باب التعبير بالبعض عن الكل، وخصوا به الفقراء، لأنهم أهم الأصناف.
قلت: ويجوز أن يحمل كلامهم على حقيقته، لأن للإمام أن يصرف زكاة الواحد لواحد من الأصناف، وحينئذ فلا حاجة إلى صرف اللفظ عن حقيقته.
انتهى كلامه.
وما نقله عن النووي قد ذكره- أيضًا- الرافعي، والكلام الذي ذكره المصنف وإن كان صحيحًا في نفسه إلا أن الحكم أنه ليس خاصًا بالفقراء، بل سائر الأصناف كذلك- أيضًا- فيكون ذكر الفقهاء من باب التمثيل، فلابد من صرف اللفظ عن حقيقته.
قوله: وإن عجل شاة، أي: جارة في الحول، عن مائة وعشرين، ثم نتجت شاةٌ سخلةً قبل الحول-ضم المخرج إلى ماله، ولزمه شاة أخرى.
ثم قال بعد ذلك: أما لو كانت المعجلة غير جارية في الحول، لكونه ابتاعها، فأخرجها، أو كانت معلوفة- فلا يلزمه شيء آخر، صرح به الرافعي والقاضي
الحسين.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم لزوم شيء آخر في هذه المسألة غلط فاحش، بل تلزمه شاة أخرى بلا خلاف، وإن كان المخرج معلوفًا أو مشترى، لأن المال الذي عجل الزكاة عنه نصاب تام، وحينئذ فلا يتوقف إيجاب الشاة الثانية إلا على واحدة فقط، لأن الفرض أنه لم ينقص شيء، وقد وجدت تلك الواحدة، بل إيجاب الشاة الأخرى فيما إذا اشترى وأخرج أو كانت معلوفة، أولى مما إذا أخرج من الذي عنده، لأن الذي عنده والحالة هذه باقٍ على حاله، بخلاف ما إذا أخرج من الذي عنده، فإنه قد نقص حسًا، ولهذا لم يجعل أبو حنيفة له أثرًا، وأصحابنا يقولون: لا أثر للنقصان الحسي، ويجعلون المخرج كالمقدر على ملكه، فظهر أنه سهو.
وأما نقله ذلك عن القاضي حسين فغلظٌ سببه الانتقال من مسألة على مسألة، فإن القاضي قال: والمعجل عندنا يقع عن الفرض، وعند أبي حنيفة يقع عن النفل، فلو عجل شاة في مائة وعشرين، ثم نتج واحدة- فعندنا: يلزمه أن يعطي شاة أخرى، وعنده: لا يلزمه، لأن عندنا المعجل مضموم إلى ملكه حكمًا.
ولو كان له مائتا شاة، فعجل شاتين منها، ثم نتجت واحدة عند آخر الحول- أخرج شاة أخرى.
وكذلك لو عجل من ألف شاة عشر شياه، ثم تلفت وبقي أربعمائة إلا عشرة- يضم المؤدى إلى ما عنده حتى تصير أربعمائة، ونوجب عليه أربع شياه، وله أن يسترد ست شياه.
هذا كله إذا عجل من عين النصاب الذي انعقد عليه الحول، فأما إذا كان له مائة وعشرون شاة إلا واحدة، فاشترى شاة، وأعطى إلى المساكين، أو كان له شاة معلوفة فأعطاها إلى المساكين، ونتجت واحدة عند الحول- لا نوجب عليه شاة أخرى، لأن المعجل لم يكن مما انعقد عليه الحول، ولو بقي ذلك في ملكه لم يكن مضمومًا إلى ما عنده حتى نوجب عليه شاتين.
هذا كله كلام القاضي الحسين، وهو صحيح: فأما ما ذكره في المسالة الأخيرة فواضح، لأنه فرضها في مائة وتسعة عشر، وحينئذٍ فلا يتأتى ضم المخرج إلى ما عنده، وأما تعبيره قبل ذلك بقوله: هذا كله إذا عجل من عين النصاب، فلأنه قد ذكر قبل ذلك ما إذا ملك ألفًا فعجل عنها عشر شياه، ثم تلفت ولم يبق منها إلا ثلاثمائة وتسعون، فإنه لابد من التفصيل الذي ذكره، وذلك لأنه إن أخرج من عينها فالمخرج كالباقي عنده، فيكون عند حولان الحول كأنه مالك لأربعمائة فيجب عليه أربع شياه، ويسترد ستًا وإن أخرج مما لم ينعقد عليه الحول فلا يجب عليه إلا ثلاث شياه، لأنها
واجب ثلاثمائة وتسعين، فاعلم ذلك كله.
وأما نقله ذلك عن الرافعي فموجود فيه كما قال، ولا شك أنه نقل ذلك عن البغوي على عادته فلم ينقله على وجهه، والرافعي هو الموقع للمصنف في غلطه في النقل عن القاضي الحسين، فإنه لما رأى ذلك في كلام الرافعي ارتسم في ذهنه بحيث حمل كلام القاضي عليه، ولم يتأمله حق التأمل.
قوله: وجمع ((السخلة)): سخال- بكسر السين- وسخلٌ، وهو ولد الضأن والمعز، يطلق على الذكر والأنثى إلى استكمال أربعة أشهر.
انتهى.
لم يضبط الجمع الثاني، وهو أهم من ضبط الأول، وهو- أي ((سخل)) بفتح السين وسكون الخاء، كـ ((تمرة وتمر))، كذا ضبطه الجوهري.
قوله: ثم إذا أوجبنا قيمة المعجل فبأي وقت تعتبر؟ فيه أوجه: أحدها: قيمة وقت القبض، والثاني: قيمة يوم التلف، وحكى البندنيجي عوضه: قيمة يوم الاسترجاع، فإن صح كان ثالثًا، والرابع: أقصى القيم.
انتهى ملخصًا.
وما نقله المصنف عن البندنيجي قد رأيته في ((تعليقه)) - كما ذكره المصنف عنه- ولكن من النسخة التي كان ينقل منها، والظاهر أنه سهو من الناسخ، لأن الفرض أن المعجل تالف، وقد رأيت ((الذخيرة)) للبندنيجي فلم يذكر فيها يوم الاسترجاع، بل ذكر عوضه يوم التلف.
نعم، نقله عنه- أيضًا- النووي في ((شرح المهذب)) كما نقله عنه المصنف وقال: إنه غلط.
فيجوز أن يكونا قد نقلا من نسخة واحدة.
قوله: فروع: إذا أتلف المالك النصاب أو بعضه بعد التعجيل فأصح الوجهين: أنه كما لو تلف بنفسه حتى يسترجع.
ثم قال ما نصه: والثاني: لا، لأنه يريد نقض الأداء بقصده.
قيل: وقضية هذا التعليل ألا يجري هذا الوجه فيما إذا أتلفه إنفاقًا أو لحاجة.
انتهى لفظه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره استنباطًا من التعليل، واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه- غريب، فقد ص رح به في ((شرح المهذب)) فقال: قال أصحابنا: إن كان لحاجة- كالنفقة، أو للخوف عليه، أو ذبحه للأكل وغير ذلك- ثبت الرجوع قطعًا.
هذه عبارته، وعبر في ((الروضة)) بنحوها أيضًا.
الثاني: أن كون التعليل يقتضيه أو لا غير محتاج إلى نقل، بل يكفي فيه عرضه على فكرته.
ثم إن التقسيم إلى الإنفاق أو الحاجة في غاية الركة، ولا شك أن أصل هذا قد
أخذه من الرافعي إلا أنه غيره إلى ما يراه، فإن الرافعي قد عبر بقوله: وقيل: لا، لتقصيره، وقضية هذا التعليل: ألا يجري الخلاف فيما إذا أتلفه بالإنفاق وغيره من وجوه الحاجات.
هذه عبارته، وهي حسنة.
الثالث: أن الخلاف في إتلاف بعض النصاب نقله الرافعي عن تخريج الإصطخري، ومثل بما إذا ملك مائتين، فعجل عنها خمسة، ثم أتلف درهمًا واحدًا، وقد صرح به- أيضًا- في ((البحر))، وعلل منع السقوط بقوله: لأنه متهم في إتلاف درهم لاسترجاع خمسة.
وهذا التعليل يقتضي أنه لا يطرد في الكثير، لأنه علله بمتهم خاصة، لا مطلق التهمة.
قوله: أما إذا لم يبين أنها زكاة معجلة، ولا علم بها القابض- فالمنصوص في ((المختصر)): أنه إن كان الدافع هو المالك لم يرجع، وإن كان هو الإمام رجع.
فاختلفوا على طرق، أصحها- وبه قال العراقيون وبعض المراوزة-: تقرير النصين، والثانية: أن فيهما قولين بالنقل والتخريج، والثالثة: لا رجوع فيهما قطعًا، وتأويل النص في الإمام.
ثم قال ما نصه: قال الرافعي: وهذا الطريق هو الذي أورده الجامعون لطريقة القفال، وصححها في ((الإبانة))، وذكر في ((الشامل)) أن الشيخ أبا حامد حكاها- أيضًا- والأظهر: أنه لا يثبت الرجوع، سواء أثبتنا الخلاف أم لا، وهو فيما إذا دفع المالك بنفسه أولى وأظهر.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما أفهمه كلامه من نسبه أواخر الكلام كله إلى الرافعي هو كذلك، إلا النقل عن ((إبانة)) الرافعي، فإن الرافعي لم يذكره.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في آخره من تصحيح عدم الرجوع في المسألتين إذا لم نثبت فيهما الخلاف، بل قررنا النصين- عجيبٌ لا ينتظم.
نعم، تستقيم هذه العبارة- أعني التعبير بقوله: سواء أثبتنا الخلاف أم لا- إذا كانت الطريقة القاطعة موافقة للصحيح، ولا شك أن الرافعي نقلها من مثل ذلك المواطن إلى هاهنا ذهولًا، فتبعه المصنف.
قوله: ويأتي فيما إذا كان ذهبًا أو فضة وجه: أنه لا ينضم، بناء على أن الدين لا زكاة فيه.
انتهى.
وما ذكره من كون الدين لا تجب فيه الزكاة مطلقًا على وجهٍ، كلامٌ باطل سبق