الهداية إلى أوهام الكفايةكتاب الأيمان
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأيمان

عن هذه الطبعة
عَلَم
الإِسْنَوي
الكتاب
الهداية إلى أوهام الكفاية
المؤلف
عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 772هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمي، مطبوع بخاتمة (كفاية النبيه) لابن الرفعةسنة النشر: 2009
عدد الأجزاء
1 (هو الجزء الـ 20 من مطبوعة كفاية النبيه) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

باب من يصح يمينه وما يصح به اليمين

قوله: ولو حلف ألا يفعل مباحًا، كما إذا حلف لا يلبس الناعم ولا يأكل الطيب من الطعام، فقيل: إن حلها أفضل، واختاره الشيخ أبو حامد.
وقيل: المقام عليها أفضل، واختاره القاضي أبو الطيب.
ثم قال بعد تعليل الخلاف ما نصه: وقال ابن الصباغ بعد حكاية الخلاف: إن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس، فمنهم من يكون له ذلك أعون على نفسه، وأمكن له في طاعته وأقطع للدنيا عنه، فيكون في حقه طاعة.
انتهى كلامه.
وما حكاه جميعه من الخلاف والتعليل وتفصيل ابن الصباغ، إنما محله في عقد اليمين لا في حلها كما زعمه المصنف، صرح بذلك ابن الصباغ فقال: فأما إذا حلف ألا يأكل اللين ولا يلبس الناعم، فالذي اختاره الشيخ أبو حامد أن اليمين في ذلك مكروهة.
وفي وجه أن اليمين في ذلك طاعة، واختاره القاضي أبو الطيب، لأن السلف كانوا يقصدون قشف العيش، وهذا فقد اختلف المتقدمون فيه، وهو مختلف باختلاف أحوال الناس، فمنهم كذا وكذا لجميع ما تقدم من التفصيل، وهذا صريح في عكس ما قاله المصنف من جعل ذلك في الحل، وقد نقله عنه الرافعي في العقد على الصواب، ولا يلزم من كون العقد مكروهًا أن يكون الحل مكروهًا، لأن الماوردي حكى وجهين في العقد، وعلله بأنه عرض الله- تعالى- لليمين.

قوله: وإن حلف باسم له يسمى به غيره مع التقييد، كالرب والرحيم والقادر والقاهر، ولم ينو غيره انعقدت يمينه، سواء نوى به اليمين أو أطلق، فإن نوى به غيره لم تنعقد.
ثم قال: وقد ألحق الغزالي بهذا النوع لفظ العليم والحكيم.
انتهى كلامه.
وما ذكره من إلحاق الغزالي هاتين اللفظتين بهذا النوع وهم، بل ألحقهما بالنوع الثالث، وهو الذي يطلق على الرب وغيره كالحي والموجود حتى لا يصح عند الإطلاق.

باب جامع الأيمان

قوله: وإن حلف لا يشرب السويق فاستفه لم يحنث، فلو كان خاثرًا بحيث يتناول بالمعلقة فحساه.
قال الرافعي: فيه خلاف، والأشبه أنه لا يحنث، وهو ما قطع به الشيخ أبو نصر، وهذا الخلاف أبداه الإمام احتمالًا.
ولو حلف لا يأكله فاستفه أو بله وتناوله بأصبعه أو ملعقة- حنث.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما قاله من أن الخلاف الذي ذكره الرافعي قد أبداه الإمام احتمالًا غلط عجيب، فإن الإمام جازم في مسألة الرافعي بالحنث، وأنه يسمى شربًا، وإنما تردد في تسميته أكلًا- أيضًا- فإنه قال في الباب الثاني من جامع الأيمان بعد ورقة من أوله ما نصه: والذي يتردد الرأي فيه أن يكون خاثرًا، يتأتى تعاطيه بالملاعق، ويتأتى تحسيه على صورته، فكيف الوجه هذا محتمل؟ عندي يجوز أن يقال: تحسيه شرب في حم البر والحنث، ويجوز أن يقال: يتناوله اسم الأكل والشرب جميعًا، والعلم عند الله تعالى.
هذه عبارته.
وقد ذكر الغزالي في البسيط مثله- أيضًا- ولكنه في الوسيط حكاه على غير وجهه، وعبر فيه بعبارة توهم أنه خلاف محقق للأصحاب، فإنه عبر بقوله: ولو حلف لا يشرب سويقًا فصار خاثرًا بحيث يؤكل بالملاعق فتحساه، ففيه تردد، هذه عبارته من غير زيادة عليه، ولا شك أن الخلاف الذي ذكره الرافعي إنما أراد به التردد الذي ذكره الإمام، كما أشار إليه المصنف، إلا أنه قد حصل فيه خلل من وجهين، والموقع له في الأمرين معًا هو كلام الوسيط، وكلام الغزالي في الوسيط أراد فرض المسالة في الأكل، فسبق القلم أو الذهن إلى الشرب، ثم عبر بالتردد كما عبر به الإمام، إلا أنه أطلقه ولم يضفه إليه، وإطلاقه صحيح إلا أنه محتمل لأمرين، ففهم الرافعي منهما

غير المراد، وقد مشى في الروضة على هذا الغلط الذي وقع للرافعي، وقد أوضحت ذلك كله في كتاب ((المهمات)).
الأمر الثاني: أن ما حكاه عن أبي نصر- يعني: ابن الصباغ- من قطعه بما رجحه الرافعي من عدم الحنث ليس كذلك، فإنه إنما قطع به في بله بالماء، ولم يجعله مانعًا، فإنه قال ما نصه: وجملته أنه إذا حلف لا يشرب سويقًا فاستفه، أو بله بالماء وأكله بالملعقة أو بأصابعه لم يحنث، لأنه ليس بشرب، وإن طرح فيه ماء فماثه فيه ثم شربه، حنث، لأنه شرب.
هذا لفظه من غير زيادة عليه وهو كما قلناه من أنه إنما قطع بعدم الحنث في صورة أخرى، وماث- بالميم والثاء المثلثة- معناه مرس وأذاب وقد اتضح بجميع ما قلناه الجزم بالحنث في مسألة الرافعي بخلاف ما رجحه، وتبعه عليه في الروضة، وإنما محل التردد إذا حلف لا يأكل.
قوله: وإن حلف لا يلبس له ثوبًا فوهبه منه، أو اشتراه أو لبس ما اشتراه له، أي: بطريق الوكالة لم يحنث، لأنه لبس ثوبًا له حالة اليمين.
انتهى كلامه.
وتعبيره في آخر كلامه بقوله: حالة اليمين سهو، لأنه إذا اشتراه منه أو اوتهبه لا يحنث بلبسه، كما اقتضاه كلامه، وإن كان له حالة اليمين، بل الصواب: أن يقول حالة اللبس، فإن الاعتبار بتلك الحالة لا بحالة الحلف.
قوله: فإن حلف ليضربن عبده مائة سوط، فشد مائة سوط وضربه بها دفعة واحدة، كفى إذا غلب على ظنه أن ثقل الجميع وصل إليه، بخلاف ما لو قال: لأضربنه مائة ضربة، فضربة بالمائة المشدودة فإنه لا يبر في أظهر الوجهين، والفرق أنه جعل هناك العدد للأسواط وهي متعددة، وهاهنا جعل العدد للضربات فلابد من تعددها.
ثم قال ما نصه: وعنده أيضًا، أي: عند القائل بالفرق، أنه لابد من تواليها حتى تقع الضربة بعد الضربة، حتى تتم الضربات المذكورة، قاله الإمام وغيره، هذه عبارته، وهي تقتضي أن التفريق في الزمان لا يجوز، وليس كذلك بل هو جائز بلا خلاف.
وإنما أشار الإمام بذلك إلى إيضاح اشتراط التعدد، كما يدل عليه عبارته وعبارة الغزالي في البسيط، فعبر المصنف بتعبير موهم وزاده إيهامًا بقوله: وعنده أيضًا، ولا شك أنه التبس ذلك على المصنف، وقد تفطن في المطلب لذلك وقرره على الصواب، ومحل ذكرها في النهاية في أول الباب وفي البسيط في آخره.
قوله: وإن حلف لا يكلم فلانًا حينًا أو دهرًا أو زمانًا أو حقبا بر بأدنى زمان.

ثم قال: وكذلك إذا قال: أحقابًا، لأنها أسماء مبهمة تطلق على قليل الزمان وكثيره.
انتهى كلامه.
وما ذكره في الأحقاب غير صحيح، لأنه لو حلف لا يكلمه أيامًا لم يبر إلا بثلاثة أيام، فكذلك إذا حلف على الأحقاب لابد من ثلاثة أزمنة، والذي أوقع المصنف في هذا الوهم أن الرافعي ذكر ذلك فيما إذا حلف على الإثبات، كقوله: لأقضين دينك إلى حقب، فقال: لا يحنث إلا بالموت بعد التمكن.
قال: وكذلك لو أتى بأحقاب، والذي ذكره واضح، لأن زمان البر إذا اتسع في الإثبات مع التعبير بالمفرد، فمع الجمع أولى فنقله المصنف إلى مسألتنا وهو النفي ذهولًا.
قوله: تنبيه: الحقب- بضم الحاء وضم القاف وسكونها- هو الدهر وجمعه أحقاب، كذا قاله أهل اللغة.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كون المضموم والساكن لغتين في الدهر، ذكره النووي في لغات التنبيه، فقلده فيه المصنف، والمعروف خلافه، فقد جزم الجوهري بأن الساكن مدلوله ثمانون سنة، ويقال أكثر من ذلك، وجمعه حقاب بكسر الحاء، قال: وأما مضمومها فهو الدهر وجمعه أحقاب.
وذكر ابن الأثير في النهاية في ساكن القاف ما ذكره الجوهري، ولم يذكر غيره.
قوله: وإن حلف لا يأكل هذه التمرة، فاختلطت بتمر فأكله إلا تمرة، ولم يعرف أنها المحلوف عليها لم يحنث، لاحتمال أنها المحلوف عليها، والأصل فراغ ذمته من الكفارة، والورع أن يكفر لاحتمال أنها المحلوف عليها.
انتهى كلامه.
والصواب: أن يقول في الكلام الآخر، لاحتمال أنها غير المحلوف عليها، أعني بإثبات لفظ غير.
قوله: تنبيه: الجرعة- بكسر الجيم وفتحها- قاله ابن السكيت.
ويقال: جرعت الماء بكسر الراء على المشهور.
وحكى الجوهري أيضًا فتحها.
انتهى كلامه.
وما ذكره في الجرعة من الكسر غلط إنما هو الضم، وقد ذكره النووي في تحريره على الصواب، ومنه أخذ المصنف على عادته، ونقل كلامه هنا بحروفه، فغلط في هذه اللفظة، وكذلك نقله ابن السكيت وابن الأثير في غريبه مع جمعه، ولم يذكر الجوهري إلا الضم.
قوله: وإن حلف فقال: إن شاء الله ناويًا رفع اليمين لم يحنث.

ثم قال بعده: فإن جرى الاستثناء على لسانه على العادة، ولم يقصد به رفع اليمين لم يصح الاستثناء، لأن ذلك لغو الاستثناء، ولما لم ينعقد لغو اليمين لم ينعقد لغو الاستثناء.
فإن قيل: حكى صاحب البيان فيما إذا نوى صوم غد من شهر رمضان وقال: إن شاء الله- خلافًا في انعقاد نيته عند عدم قصد التعليق، فهلا جرى مثله هاهنا؟ فالجواب: أنا أخذنا بالأحوط في الموضعين.
انتهى كلامه.
والسؤال الذي ذكره عجيب، فإن مسألة الشيخ في اللغو وهو الذي لم يقصد بل سبق إليه، والإجماع على أنه لا أثر له، ومسألة صاحب البيان فيما إذا قصد اللفظ، ولكن لم يقصد به التعليق ولا التبرك، وهو أن الأمور كلها لا تقع إلا بمشيئة الله- تعالى- والخلاف حكاه الماوردي على أن كلام البيان غير محرر، فإن تعبيره يقتضي جريان الخلاف في ما إذا قصد التعليق أو قصد التبرك، ولا يمكن القول به، بل إطلاق من أطلق محمول عليها، صرح به غيره، وهو أنه إن أراد التبرك لم يصح أو حقيقة التعليق صح.
قوله في المسألة: واعلم أن قول الشيخ، ولم يقصد به رفع اليمين، يفهم أنه إذا قصد به رفع اليمين أنها لا تنعقد.
وفي الشامل: والصورة هذه أنها تنعقد، وفي ذلك نظر.
انتهى كلامه.
واعلم أن المصنف قد حكى قبل هذا الكلام بأسطر خلافًا في انعقاد اليمين مع الاستثناء بالمشيئة، فمنهم من قال: نعم، لكن المشيئة غير معلومة فلم يحكم بالحنث، وقيل: لا تنعقد أي: لأنه لا يتصور فيها الحنث بخلاف التعليق بمشيئة زيد ونحوه، ومقالة ابن الصباغ التي أعادها واستغربها هي أحد الوجهين.

باب كفارة اليمين

قوله: تنبيه: يشترط في إجزاء العتق المعجل عن الكفارة أن يبقى العبد حيًا إلى الحنث وكذا على الإسلام، فلو مات قبل الحنث أو ارتد لم يجزئه كما في الزكاة المعجلة، كذا صرح به الرافعي.
ومقتضاه أن يعتبر بقاء سائر الأوصاف، وكذا بقاء من صرف إليه الطعام أو الكسوة على صفة الاستحقاق إلى الحنث.
انتهى كلامه.
وما ذكره استنباطًا واقتضى كلامه عدم ذكر الرافعي له عجيب، فقد صرح الرافعي عقب ذكره لهذين المثالين بقاعدة عامة، يؤخذ منها فقال: وتغير الحال في التكفير قبل الحنث لهو في تعجيل الزكاة، هذه عبارته.
قوله: وفي الحاوي: أنه يعتبر في التكفير بالمال أن يكون ثمن الرقبة فاضلًا عن كفاية وقته، حتى إن التكفير بالمال قد يجب على من يحل له الزكاة، واعتبر العمر الغالب، وهو معنى قول الشافعي وجماعة أنه دائر مع الأخذ من الزكاة.
ثم قال ما نصه: ويتجه أن يجيء فيما نحن فيه وجه ثالث، أبداه الرافعي احتمالًا في كتاب الظهار: أن المعتبر كفاية سنة.
انتهى كلامه.
ما ذكره احتمالًا واقتضى كلامه عدم الوقوف على نقله غريب، فقد صرح البغوي في فتاويه بذلك، ثم إن القائلين باعتبار الأخذ من الزكاة يلزمهم جريان الخلاف المذكور، لأن الأخذ هل يختص بالسنة أم يتعدى إلى العمر؟ فيه خلاف مشهور.
قوله: أما إذا لم يجوز للكافر أن يتملك عبدًا مسلمًا ليعتقه عن كفارته، فيقال له: إن أردت الوطء فأسلم وأعتق، وكذا لو كان معسرًا عن الرقبة، وهو قادر على الصوم لا يجوز له العدول إلى الإطعام، لأنه يمكنه أن يسلم ويصوم، هكذا قاله البغوي، وحكاه الإمام عن القاضي.
ثم قال: وفيه نظر، فإن الخطاب بالعبادة البدنية لا يجب على الكافر الأصلي، فكان الصوم مخرجًا من كفارة الذمي.

قال الرافعي: وقد يجاب عن ذلك بأنا لا نحمل الذمي على الإسلام، ولا نخاطبه بالصوم، ولكن نقول: لا نمكنك من الوطء إلا هكذا، فإما أن تتركه أو تسلك سبيل الحل، وأيضًا فالإطعام بدل عن الصيام، وتقدير البدل في حق من لا يتحقق في حقه المبدل مستبعد، وهذا أبداه في تردده، وجعل الغزالي ما ذكره الإمام المذهب، واستبعد ما قاله القاضي انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الرافعي قد نقل عن التتمة قبل ما نقله عن البغوي، فأسقطه المصنف عند نقله لكلام الرافعي إما نسيانًا أو لسقوطه من نسخته.
الثاني: أن ما ذكره بحثًا للإمام من إسقاط اعتبار الصوم، ولم يقف عليه منقولًا، قد حكاه الماوردي في باب حكم المهادنين، فقال: وفي جواز إطعام الكافر فيها، أي: في كفارة الظهار، وجهان: أحدهما: يجوز، لأنها إطعام.
والثاني: لا، لأنها بدل عن الصيام هذه عبارته.

باب العدد

قوله: وقد روي: أن الحسن بن علي- رضي الله عنهما- ولد بعد ستة أشهر من ولادة أخيه الحسين.
انتهى كلامه.
كذا وقع في أصل المصنف بخطه أن الحسن بعد الحسين وهو غلط، فإن الحسن أكبر من الحسين بلا نزاع.
قال النووي وغيره: إن الحسن ولد في نصف رمضان سنة ثلاث، وتوفي بالمدينة مسمومًا سنة تسع وأربعين، وأن الحسين ولد في شعبان سنة أربع، وكان قتله يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بالعراق رضي الله عنهما.
قوله: وإن أذن لها في الخروج إلى منزل أو إلى بلد لحاجة، ثم اختلفا- فقالت: نقلتني إلى الثاني ففيه أعتد، فقال: ما نقلتك فالقول قول الزوج.
ثم قال: وإن مات الزوج واختلفت هي والورثة في ذلك فالقول قولها، لأنهما استويا في الجهل بقصد الزوج، ومع الزوجة ظاهر وهو أن الأمر بالخروج يقتضي خروجها من غير عود، وهذا ما حكاه القفال عن نص الشافعي في الصورتين على ما حكه الفوراني، وهو الأصح باتفاق الأصحاب.
ونقل نص الشافعي أن القول قول الوارث أيضًا، ونص أن القول قولها سواء كان الاختلاف مع الزوج أو وارثه انتهى كلامه.
واعلم أن هذه التفرقة المنقولة عن الفوراني عن نص الشافعي موجودة في كلام الفوراني، فقد رايتها في ((الإبانة))، له لكن المشهور في نقل هذا النص إنما هو العكس، فقد قال القاضي الحسين في التعليق في الكلام على اختلافها هي والزوج ما نصه: نص هاهنا على أن القول قولها، وإنما ذاك لأن الظاهر معها.
وحكى المزني في الجامع الكبير عن النص: أنه لو وقع هذا الاختلاف مع الوارث، فقالت: نقلني أبوك، وقال: لم ينقلك، فالقول قول الوارث وليست المسألة على قولين، هذا كلام القاضي وهو أجل أصحاب القفال، وكذا ذكره الإمام في النهاية والبغوي في التهذيب، ونقل الرافعي أن الصيدلاني نقله هكذا عن القفال.

نعم، تابع الفوراني على ذلك بعض من جاء بعده، كالغزالي فاعلمه، وقد نقل الرافعي هذا الاختلاف، واقتصار المصنف على كلام الفوراني وترك من هو أثبت منه غريب.
قوله: فروعك لو قال الزوج أو الوارث: لم يحصل الانتقال بالإذن، فالقول قوله.
قال الإمام: ويحتمل أ، يجعل القول قولها، لوجه ذكر فيما لو قال صاحب اليد: أعرتني هذه الدار.
فقال المالك: ما أعرتك، أنه يجعل القول قول صاحب اليد.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام من أنه ذكر ذلك في الصورتين ليس كما قاله، فإن الإمام لم يذكر ذلك إلا في الاختلاف بينها وبين الزوج، ولم يذكر الاختلاف مع الورثة.
قوله: فرع: لو حصل العتق والطلاق معًا اعتدت عدة الحرائر وجهًا واحدًا، وذلك يتصور بأن يعلق السيد عتقها والزوج طلاقها على شيء واحد ... إلى آخر كلامه.
وما اقتضاه كلامه- رحمه الله- من نفي الخلاف ليس كذلك، بل في اعتدادها بعدة الحرائر أو الإماء عند وجود سبب العتق والعدة معًا خلاف مشهور، وقد حكاه المصنف في آخر باب الاستبراء، فقال فيما إذا مات سيد الأمة وزوجها: إن فيه أحوالًا، ثم قال: الثالثة أن يموتا معًا فلا استبراء على الصحيح، وتجب عليها عدة الحرائر على الصحيح عند البغوي، وهو موافق لما حكيته عن الماوردي فيما إذا وقع الطلاق والعتق معًا- أنها تعتد عدة الحرائر وجهًا واحدًا، وعند الغزالي: عدة الإماء تفريعًا على أنها إذا عتقت في أثناء العدة تتم عدة أمة، أما إذا قلنا: عدة حرة فهاهنا أولى.
هذا كلامه.
قوله: إن قاسم بن أصبغ ذكر عن زينب بنت أم سلمة ابنة النحام توفي عنها زوجها، فأتت أمها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن ابنتي تشتكي عينها، أفأكلحها؟ قال: لا، قالت: إني أخشى أن تنفقئ عينها، قال: لا وإن انفقأت.
رواه عبد الحق في أحكامه الكبرى، وقال: إن إسناده صحيح.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: ابنة النحام غلط، وصوابه: ابن، أي: بالتذكير على أنه صفة لسلمة، والنحام- بنون مشددة مفتوحة وحاء مهملة مشددة أيضًا، قال الجوهري: يقال: نحم الرجل ينحم بالكسر، فهو نحام مأخوذ من النحيم، وهو التنحنح والزحير.
قوله: وإن تزوجت في العدة، ووطئها الزوج الثاني على ظن الإباحة وهي حامل انقطعت العدة.

ثم قال: وانقطاعها بالوطء هو الصحيح، ونسبه الإمام إلى القفال.
وقيل: إنها تنقطع بالعقد، ونسبه الإمام إلى الشاشي، وهذا يدل على أنه غير القفال.
انتهى كلامه.
وهو عجيب يقتضي أنه لا قفال من أصحابنا إلا الشاشي، وليس كذلك، فإن المراد بالشاشي هو القفال أيضًا، ولكن القفال الأول هو المروزي إمام المراوزة، وهو متأخر عن القفال الشاشي، وقد أوضحته في الطبقات.
قوله: فرع: للزوج أن يراجعها بعد التفريق في عدته إن كان الطلاق رجعيًا، وفي جواز تجديد النكاح إذا كان بائنًا وجهان حكاهما المراوزة، والأصح منهما عند القفال: لا، وبه أجاب صاحب التهذيب والقاضي الروياني وغيرهما، ومقابله هو المحكي عن الشيخ أبي حامد انتهى كلامه.
وهؤلاء الجماعة المذكورن قائلون بعكس ما ذكره المصنف، فالشيخ أبو حامد قائل بالمنع، والباقون قائلون بالجواز، وهكذا ذكره الرافعي من غير زيادة ولا نقصان، فأخذ المصنف المسألة منه، فانعكس عليه.
قوله: وإن وطئها الزوج في العدة بشبهة وحبلت من الوطء الثاني، وكانت ترى الدم على الحمل، وقلنا: إنه حيض، فهل تحسب عن العدة؟ فيه وجهان أظهرهما نعم، فإن قلنا: تحسب فليس للزوج الرجعة قبل ذلك.
انتهى كلامه.
وصوابه: أن يقول بعد ذلك عوضًا عن التعبير بقوله قبل.
قوله: أما إذا كان يعاشر الرجعية معاشرة الأزواج من غير وطء، مثل أن يخلوا بها ليلًا ويؤاكلها ويقبلها، فهل تنقضي العدة؟ فيه ثلاثة أوجه، ثالثها: تنقضي عدة المطلقة البائنة دون الرجعية.
ثم قال: وعلى القول بعدم انقضاء العدة، فذاك بالنسبة إلى لحوق الطلقة الثانية والثالثة، أما بالنسبة إلى ثبوت الرجعة فلا، كذا قاله الفراء في فتاويه- يعني: البغوي- وفي فتاوي القفال ما يوافقه، وصرح به الروياني في الحلية.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الذي نقله عن فتاوى البغوي وغيره وأقره عليه، ولم ينقل خلافه يقتضي أنه الموجود في الفتاوى المذكورة لا غير، وأن الحكم في المسألة كذلك أيضًا، وليس الأمر فيهما على ما زعم، ويظهر الأمر أن يذكر ما قاله في الفتاوى في المسألة، فيقول: قال فيها ما نصه: قال أصحابنا: لا نحكم بانقضاء العدة وإن مضت

لها أقراء وله الرجعة قال شيخنا: والذي عندي أنه لا يحكم بالانقضاء كما ذكروه، ولكن بعد مضي الأقراء لا رجعة أخذًا بالاحتياط في الجانبين، هذا كلام البغوي، وقد ظهر منه ثبوت الخلاف في صحة الرجعة، وأن المعروف صحتها على خلاف المنقول عنه هاهنا.
الأمر الثاني: أن ما نقله المصنف عن حلية الروياني من عدم ثبوت الرجعة غلط، فإنه لم يتعرض فيها للكلام على المراجعة بالكلية لا نفيًا ولا إثباتًا، وإنما تكلم في الطلاق وقال: إنه يقع، والموقع للمصنف في هذه الأمور هو التباس وقع في كلام الرافعي، وقد أشبعت الكلام عليه في المهمات فليطلب منه.

باب الاستبراء

قوله: ومن لا يحل وطؤها قبل الاستبراء لا يحل التلذذ بها، لاحتمال أن تكون حاملًا من سيدها، فتكون أم ولد له ويتبين أنه لم يملكها، ولأن هذه الاستمتاعات تدعو إلى الوطء المحرم فحرمت إلا المسبية، فإنه يحل التلذذ بها في غير الجماع.
ثم قال ما نصه: وقيل: لا يحل كما في غيرها وللعلة الثانية، وهذا أصح في النهاية.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن النهاية غلط، فإن الأصح فيها الوجه الأول.
قوله: الثالثة: إذا زوج أمته ثم مات السيد والزوج معًا، فلا استبراء على الصحيح ويجب عليها عدة الحرائر على الصحيح عند البغوي، وعند الغزالي عدة الإماء.
انتهى.
ومقتضاه أن البغوي قد حكى خلافًا وليس كذلك، بل هو جازم، وقد وقع التعبير بالقطع في الشرح والروضة.

باب الرضاع

قوله: قال الشيخ: وإن ثار لها لبن من وطء من غير حمل، ففيه قولان: أحدهما: يحرم، لأن لبن النساء غذاء للأطفال، وهذا رأيته فيما وقفت عليه من كتب الأصحاب، وهكذا الحكم عندهم فيمن لا ولد لها من بكر أو ثيب.
والثاني: لا يحرم، لأن ولد الرضاع تابع لولد النسب ولا ولد لها، وهذا القول حكاه مجلي وجهًا في البكر والثيب التي لا ولد لها، ونسبه إلى الخراسانيين، والرافعي اقتصر على حكايته في البكر إلحاقًا لها بلبن الرجل.
انتهى كلامه.
وحاصله: أنه لم يقف على حكاية ذلك في الثيب، وأن ما حكاه مجلي ونسبه إلى الخراسانيين غير معروف وهو غريب، فإن الإمام قد حكاه فيهما معًا في باب رضاع الخنثى، فقال: البكر والثيب التي لم تلد قط إذا در لهما لبن، ففي تعلق الحرمة بذلك اللبن وجهان ظاهران: أحدهما: أن الحرمة تتعلق به نظرًا إلى الجنس.
والثاني: لا، لأنه لم يتبع مولودًا.
هذه عبارته.
قوله: أما إذا كانت في سن من لا تحمل، كبنت ثمان- فلبنها نجس، ولا تثبت الحرمة به.
قال ابن يونس: ولا خلاف أنه لا يثبت التحريم بالنسبة إلى زوجها.
انتهى كلامه.
وما اقتضاه كلامه من موافقة ابن يونس على عدم الخلاف ليس كذلك، فقد حكى الإمام في باب رضاع الخنثى عن جماعة من أصحابنا: أنه على الوجهين في لبن الرجل، فقال: وقد اختلف أصحابنا، فذهب بعضهم إلى أنه لا حكم له، وقال آخرون: هذا بمثابة لبن الرجل، فإن هذا لبن من غير إمكان حمل.
هذا لفظه.
تنبيه: ذكر المصنف في حديث سهلة بنت سهيل قالت: كنا نرى سالمًا ولدًا، وكان يدخل علي وأنا فضل.
انتهى.
الفضل- بفاء وضاد معجمة مضمومتين- هي التي خلعت ثيابها التي تلبسها عند الخروج.

فصول الكتاب · 16 فصل · 599 صفحة
جارٍ التحميل