كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الإِسْنَوي
- الكتاب
- الهداية إلى أوهام الكفاية
- المؤلف
- عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 772هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمي، مطبوع بخاتمة (كفاية النبيه) لابن الرفعةسنة النشر: 2009
- عدد الأجزاء
- 1 (هو الجزء الـ 20 من مطبوعة كفاية النبيه) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قوله: والعمرة واجبة في أصح القولين، والثاني: لا، لما روى الترمذي عن جابر أنه- عليه الصلاة والسلام- سئل عن العمرة: أهي واجبة؟ فقال: ((لا، وأن تعتمر فهو أفضل))، وأجاب الأول عن الحديث بأن في رجاله ابن أرطاة وابن لهيعة وهما ضعيفان.
انتهى.
وما ذكره من أن الحجاج بن أرطاة رفعه فقد قال غيره: فإن الترمذي رواه عنه عن محمد ابن المنكدر عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان المحفوظ- كما قاله البيهقي- إنما هو وقفه على جابر.
وأما دعواه أن ابن لهيعة رواه عن جابر مرفوعًا فغلط وقع لصاحب ((المهذب))، فقلده فيه المصنف، بل الذي رواه المذكور إنما هو عدم الوجوب، قال البيهقي: روى ابن لهيعة عن عطاء عن جابر أنه- عليه الصلاة والسلام- قال: ((الحج والعمرة فريضتان واجبتان)) قال: إلا أن إسناده ضعيف.
وقد ذكر النووي في ((شرح المهذب)) - أيضًا- هذا الاعتراض.
وابن لهيعة: هو عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي قاضي مصر، ويكنى أبا عبد الله.
ولهيعة: بلام مفتوحة، ثم هاء مكسورة، بعدها ياء بنقطتين من تحت، وبالعين المهملة، لم يذكر له الجوهري، ولم يزد على قوله: إنه اسم رجل.
قوله: وإذا دخل إلى مكة لحاجة لا تتكرر ففي وجوب الإحرام قولان: فإن أوجبنا فتركه فقد قيل: لا قضاء عليه، لعدم إمكانه، فإنه لو خرج ليقضي فعوده يقتضي إحرامًا جديدًا، فلا يمكنه تأدية القضاء لذلك.
وعلى هذا: لو صار حطابا أو صيادًا وجب عليه، ونسب في ((المهذب)) ذلك إلى صاحب ((التخليص)).
وقيل: يجب القضاء، وطريقه: أن يتصور بعبور المترددين الذين لا يلزمهم الإحرام للدخول كالحطابين، وينسب هذا- أيضًا- إلى صاحب ((التلخيص))، قال الإمام: وهو في غاية البعد.
انتهى كلامه.
وهذا النقل المذكور ثانيًا عن صاحب ((التخليص)) غلط، فإن الذي ذهب إليه هو ما نقله في ((المهذب)) عنه، فقال في أول الحج من ((التخليص)) ما نصه: وكل عبادة
واجبة على المرء إذا تركها فإن عليه القضاء والكفارة، إلا واحدة وهو الإحرام لدخول مكة، فإنه واجب، ومن تركه فلا قضاء عليه ولا كفارة، إلا في مسألة واحدة قلتها تخريجًا: وهو أن رجلًا لو دخل مكة بغير إحرام ولم يكن حطابًا فلا قضاء عليه، وإن صار حطابًا فعليه القضاء في القول الذي لا يوجب الإحرام على الحطابين.
هذا لفظ ((التخليص)) ومنه نقلت:
قوله: إحداها: أن يدخل لحاجة تتكرر كالحطابين والصيادين فلا يجب عليهم الإحرام، وقيل بطرد القولين، وقال في ((البحر)) عن صاحب ((التلخيص)): إنه قال: إن قلنا في غيرهم: لا يلزمهم الإحرام، فهؤلاء أولى، وإلا فوجهان.
انتهى.
وهذا النقل عن صاحب ((التلخيص)) سهو، فإن حاصله: أنه حكى قولين فيمن لا يتكرر، وطريقة فيمن تكرر، إحداهما: الجزم، والثانية: ذات وجهين، وليس كذلك، فإن صاحب ((التلخيص)) جازم بالوجوب فيمن لا يتكرر، وجازم بحكاية قولين فيمن يتكرر، فإنه قال ما نصه: ويجب على كل من أراد دخول مكة للإحرام بحجة أو عمرة، إلا على واحد وهو المملوك، وفيه قول: أنه رخص للحطابين ومن دخلها لمنافع أهلها.
هذا لفظه بحروفه، ثم راجعت ((البحر)) فوجدته إنما نقل ذلك عن صاحب ((الإفصاح))، ثم راجعت ((الإفصاح)) فوجدت الأمر فيه كما نقله في ((البحر)) عنه، إلا أنه لم يصرح بوجهين، بل قال: فيحتمل وجهين.
هذا لفظه.
قوله: القسم الثاني: أن يدخلها مقاتلًا لباغٍ أو قاطع طريق، أو خائفًا من ظالم- فلا يلزمه الإحرام، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، ولو كان محرمًا لم يلبسه، وقد كان خائفًا من غدر الكفار وعدم قبولهم للصلح الواقع بينه وبين أبي سفيان.
انتهى كلامه.
وما ذكره- رحمه الله- في هذا الفصل قد ذكره- أيضًا- غيره، وفيه أمور:
أحدها: أن الاستدلال على عدم الوجوب في حق هؤلاء بلبس النبي - صلى الله عليه وسلم -، ذهولٌ وغفلة، وذلك لأن من خصائصه- عليه الصلاة والسلام- جواز دخول مكة بغير إحرام على القول بالوجوب على غيره، كما ذكره الرافعي وغيره في كتاب النكاح.
الأمر الثاني: أن قوله: ولو كان محرمًا لم يلبسه، مع قول: وقد كان خائفًا من غدرهم- كلام متدافع غير مستقيم، فإن المحرم الخائف يباح له اللبس بلا خلاف.
نعم، يستدل بما روى مسلم عن جابر أنه - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء بغير إحرام.
هذا لفظ إحدى روايات مسلم.
الأمر الثالث: أن تعليل ترك الإحرام واللبس بالخوف كيف يجتمع مع قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:67]؟! وفي الحديث: ((لما نزلت هذه الآية ترك الحرس)).
قوله: وقد حكى في ((البحر)) عن والده فيما إذا كان قد وجد الزاد والراحلة في حال ردته، ثم أسلم ومات في الحال: هل يقضي عنه أم لا؟ فيه قولان، بناء على أن الردة تزيل الملك أم لا: فإن قلنا: تزيله، لا يلزمه الحج، لأن ملكه زال عن الزاد والراحلة قبل استقرار الحج عليه، وهما شرطان في الوجوب، فصار كزوال الملك بالتلف.
وإن قلنا: لا تزيل الملك، لزمه.
انتهى كلامه.
وهذا التصوير الذي نقله- رحمه الله- عن ((البحر)) مخالف للمذكور فيه، فإن صاحب ((البحر)) قال ما نصه: فرع: قال والدي- رحمه الله-: إذا ارتد الرجل بعدما وجد الزاد والراحلة وقبل إمكان الأداء، ومضى وقت الحج في الردة: هل يلزمه الحج حتى إذا أسلم ومات في الحال هل يقضى عنه أم لا؟ فيه قولان، بناء على أن الردة تزيل الملك أم لا.
هذا لفظه ذكره في أواخر الحج، قبيل باب قتل المحرم للصيد.
قوله: وإن أحرم- أي: المميز- بغير إذن الولي، وصححناه- قال الرافعي: فالزائد على نفقة الحضر يكون على الولي إن لم يحلله.
انتهى كلامه.
لم يصرح الرافعي بأنه على الولي، فإنه عبر بقوله: إذا أحرم بغير إذنه وجوزناه حلله، فإن لم يفعل أنفق عليه.
هذه عبارته، ولم يبين هل ينفق من ماله أو مال الولي.
قوله: فرع: لو أراد المولى أن يحرم عن العبد، قال الإمام: إن كان بالغًا فليس له ذلك، وهو يحرم عن نفسه.
وسكت عن العبد الصغير، والقياس: أن يكون الحكم فيه كما في تزويجه.
انتهى.
وقد رأيت في ((الأم)) الجزم بالصحة، فقال في أول كتاب الحج: وإذا أذن للمملوك بالحج، أو أحجه سيده- كان حجه تطوعًا.
هذا لفظ الشافعي، ومن ((الأم)) نقلته، وأقل مراتبه حمله على الصغير، والتخريج على النكاح مردود، فإن هذا فيه ثواب وتمرين على العبادة من غير لزوم مال، ولهذا جوزناه للوصي والحاكم، بخلاف الإجبار على التزويج.
قوله- في شروط الاستطاعة-: وأن يكون ذلك فاضلًا عما يحتاج إليه من مسكن وخادم، وقيل: يباعان، وفرقوا بينه وبين الكفارة: بأن العتق في الكفارة له بدلٌ معدول إليه، بخلاف الحج، لكن الذي أورده الأكثرون: الأول.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الأكثرين هنا قد نقل عنهم عكسه في كتاب الظهار كما تقف عليه في موضعه- إن شاء الله تعالى- والمذكور هنا هو الصواب.
قوله: ولا يلتحق بالمسكن والخادم الحاجة إلى التزويج، فيقدم الحج عليه، اللهم إلا أن يخاف العنت، فيكون صرف المال إلى النكاح أهم من صرفه إلى الحج.
هذه عبارة الجمهور، كما قال الرافعي، وعللوه بأن حاجة النكاح ناجزة، والحج على التراخي، قال: والأسبق إلى الفهم من التقديم الذي أطلقوه: أنه لا يجب الحج والحالة هذه، ويصرف ما يملكه إلى مؤنات النكاح، وقد صرح الإمام بهذا المفهوم.
قلت: الذي حكاه الإمام عن العراقيين العبارة المذكورة.
انتهى كلامه.
وما ذكره- رحمه الله- مستدركًا على الرافعي من أن الإمام إنما حكى عن العراقيين ما ذكره الجمهور في عبارتهم، غلطٌ عجيب، فإن الإمام قد قال ما نصه: قال العراقيون: لو فضل شيء، وخاف العنت لو لم يتزوج، وكان بحيث يباح له نكاح الأمة- لم يلزمه أن يحج، بل له صرف المال إلى النكاح، لأنه في حكم ضرورة ناجزة، والحج على التراخي، فإذن لا استطاعة ولا وجوب.
هذا لفظ الإمام بحروفه، وكأن المصنف اقتصر على نقل أول الكلام ولم ينظر آخره، فوقع في هذا الغلط الفاحش، إذ لا ينبغي الاستدراك إلا بعد تثبت.
قوله: لما روى البخاري ومسلم أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله في الحج على عبادة أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: ((نعم)).
قالت: أينفعه ذلك؟ قال: ((نعم، كما لو كان على أبيك دين فقضيته نفعه))، فشبه الحج بالدين الذي لا يسقط، فوجب أن يتساويا في الحكم.
انتهى كلامه.
واعلم أن هذه الزيادة- وهي قوله: قالت: أينفعه ... إلى آخر الحديث- ليست في ((الصحيحين)) ولا في أحدهما، بل فيهما الحديث بدونها.
نعم، رواها في الحديث المذكور الشافعي في ((الإملاء))، ورواها- أيضًا- أحمد والنسائي بإسناد جيد كما قاله النووي في ((شرح المهذب))، لكن عن رجل لا عن امرأة.
قوله: واعلم أن قول الشيخ: ((ولا يؤدي نذر الحج وعليه فرض الإسلام))، يجوز أن يريد بفرض الإسلام: حج الإسلام، ويجوز أن يريد به فرض الإسلام من حج أو عمرة على الجديد، حتى إنه إذا كان قد حج الفرض ولم يعتمر لا يحرم بحجة نذرها، وهذه الصورة لم أقف فيها على شيء، لكن الذي يظهر الجواز، إذ لو امتنع ذلك
لامتنع أن يحرم بالعمرة تطوعًا من اعتمر عمرة الإسلام ولم يحج.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم الوقوف على هذه المسألة غريب، فقد صرحوا بجواز استئجاره ليحج عن الغير، حتى فرع الرافعي قبيل باب المواقيت على ذلك فرعًا فقال: لو استأجر للحج من حج ولم يعتمر، أو للعمرة من اعتمر ولم يحج، فقرن وأحرم بما استؤجر له عن المستأجر، وبالآخر عن نفسه- ففيه قولان، الجديد: أنهما يقعان عن الأجير.
هذا كلامه، فإذا صحح حجه عن الغير تطوعًا فلأن يحج عن نفسه حجًا واجبًا أولى.
قوله: قال: والإفراد: أن يحج، ثم يخرج إلى أدنى الحل ويحرم بالعمرة.
هذا التفسير وافق الشيخ فيه البندنيجي وغيره، وهو إن أريد بيان حقيقة الإفراد فهو يخرج من أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ثم حج من الميقات، ومن لم يحرم إلا بالحج من الميقات في سنة- عن أن يكون مفردًا، وقد قال القاضي الحسين والإمام: إنه مفرد في كل واحد منهما بلا خلاف.
وصرح به الغزالي في الأولى.
وإن أريد به بيان الإفراد الذي هو أفضل من التمتع والقران فهو يخرجهما- أيضًا- لكن قد صرح بإخراج الأخير وإدخال الأول الرافعي حيث قال: إن محل كون القران أفضل إذا اعتمر في تلك السنة، أما لو أخر فكل واحد من التمتع والقران أفضل منه، لأن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه ... إلى آخر ما قاله.
اعلم أن الرافعي لما ذكر صورة التمتع- وهي الإحرام بالحج بعد الفراغ من العمرة- ذكر لوجوب الدم شروطًا، منها: الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، ومنها: ألا يعود في الإحرام بالحج إلى ميقات من المواقيت الشرعية ... إلى آخر الشروط المعروفة في وجوب الدم.
ثم حكى خلافًا في أنها هل هي شروط لوجوب الدم فقط، أم لكونه متمتعًا؟ وقال: إن الأشهر الأول حتى يكون متمتعًا لا دم عليه.
وإذا تقرر ذلك فالكلام مع المصنف في أمرين:
أحدهما: فيمن أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ثم حج من الميقات، فإن حاصل كلامه فيه الاعتراض على الشيخ في الحكم عليها بعدم الإفراد، وأن ذلك لا خلاف فيه، وقد تقرر من كلام الرافعي أن المشهور هو ما دل عليه كلام الشيخ، غير أن الرافعي ذكر ذلك فرعًا في آخر المسألة، فذهل المصنف عنه.
الأمر الثاني: وهو مستمد- أيضًا- مما قلنا: إنه نقل عن الرافعي أن هذه الصورة أفضل من التمتع والقران، وهو غلط سببه أنه بناه على أن الرافعي يجعل هذه من
صور الإفراد، ثم إنه رأى كلامه في الإفراد يقتضي أن تفضيله دائر مع وقوع العمرة في سنة الحج، تقدمت أو تأخرت، فحكم بتفضيل هذه الصورة، والفرض أنها ليست من الإفراد أصلًا، فما دل عليه كلام الرافعي وهو أن شرط تفضيل الإفراد اعتماره في تلك السنة صحيح، إلا أن الإفراد عنده أن تكون العمرة بعد الحج، فإن تقدمت كان تمتعًا، سواء وقعت في أشهر الحج أو قبله.
قوله: ولو أدخل الحج على العمرة بعد أن أفسدها، فقيل: ينعقد الحج صحيحًا، وقيل: ينعقد فاسدًا، وقيل: لا ينعقد.
ثم قال ما نصه: وإذا قلنا: يكون فاسدًا، فهل ينعقد على الصحة ويفسد على الاتصال، أو ينعقد على الفساد؟ فيه احتمالان.
انتهى كلامه.
وهو يقتضى أنه لم يقف في هذه المسألة على نقل، وهو غريب، فقد صرح الرافعي بالمسالة، وحكى فيها وجهين، فقال: فعلى هذا ينعقد فاسدًا، أو صحيحًا ثم يفسد؟ فيه وجهان.
هذا لفظه، ثم صحح الأول، ذكر ذلك قبيل الفصل الثاني المعقود لتبيين الإحرام، وكان عذر المصنف في عدم وقوفه عليه أنه مذكور في غير مظنته.
قوله: ولا يجب الدم على القارن والمتمتع إلا إذا لم يكونا من حاضري المسجد الحرام، وحاضر والمسجد الحرام: أهل الحرام ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، والمتبادر إلى الفهم: أنهم المستوطنون ذلك، دون المقيمين فيه والمسافرين الحاصلين فيه.
ثم قال ما نصه: وقد علل في ((الوجيز)) عدم إيجاب الدم عليه فيما إذا عن له الإحرام بالعمرة بعد دخوله مكة بأنه صار من الحاضرين، إذ ليس يشترط فيه قصد الإقامة.
وقال الرافعي عقبه: إن هذا لم أجده لغيره بعد البحث، بل كلام عامة الأصحاب ونقلهم عن نصه في ((الإملاء)) و ((القديم)) ظاهر في اعتبار الإقامة، بل في اعتبار الإقامة، بل في اعتبار الاستيطان، مع أن الصورة أولًا متعلقة بالخلاف في أن من قصد مكة هل يلزمه الإحرام بحج أو عمرة.
قلت: وما أنكره إن كان هو الحكم فهو ما أورده الماوردي حيث قال: من مر بميقات بلده يريد حجًا أو عمرة، فلم يحرم من ميقاته، بل جاوزه وأحرم من الحل- ينظر في موضع إحرامه: فإن كان بينه وبين الحرم مسافة لا تقصر فيها الصلاة فلا دم عليه لتمتعه ولا لقرانه، لأنه قد صار كحاضري المسجد الحرام.
وكذا القاضي الحسين عند عد شرائط إيجاب الدم على المتمتع: الشرط الخامس: أن يحرم بالعمرة من الميقات، فإن جاز الميقات ثم أحرم بها لم يلزمه دم التمتع، وعليه
دم الإساءة، نص عليه، فمن أصحابنا من قال به.
ومنهم من قال: إن بقي بينه وبين مكة مسافة القصر يلزمه دم المتعة ودم الإساءة، وإن بقي دون مسافة القصر لم يلزمه دم المتعة، ويلزمه دم الإساءة، وحمل النص عليه.
وقد حكى الرافعي- أيضًا- هذا في موضع آخر، والنص المذكور نسبه الشيخ أبو حامد إلى القديم، وكذلك البندنيجي ولم يحك سواه.
وإن كان ما أنكره كونه جعله من حاضري المسجد الحرام فهو قريب، لأن غيره قال: إنه كهم كما ذكرنا، وإذا كان كهم صدق عليه أنه منهم تجوزًا، والله أعلم.
هذا آخر كلامه، رحمه الله!
واعلم أن هذه المسالة التي نقلها عن الماوردي مستدركًا بها على الرافعي في قوله: إنه لم يجدها لغير الغزالي- لست هي المسألة التي تكلم فيها، لأن مسألة الغزالي أن يجاوز غير مريد للنسك، وصورة المسألة التي نقلها عن الماوردي: أن يجاوز مريدًا له، بل قد ذكر الماوردي- أيضًا- مسألة الغزالي بعينها، فقال: إذا صح أن أهل مكة وحاضريها لا دم عليهم في تمتعهم وقرانهم فكذلك من دخلها لا يريد حجًا ولا عمرة، ثم اراد أن يتمتع أن يقرن- فلا دم عليه.
هذا كلام الماوردي، والعجيب من المصنف حيث ترك هذه التي هي عين مسألة الغزالي وذكر غيرها.
باب المواقيت
قوله: ولو جاوز الميقات مريدًا للنسك، وأحرم دونه حرم عليه ذلك، ولزمه دم، فإذا عاد إلى الميقات محرمًا سقط الدم على الصحيح.
ثم قال: وعلى هذا قال في ((البحر)): يكون من أراد النسك مخيرًا بين ثلاثة أشياء: بين أن يحرم قبل الميقات، وبين أن يحرم دونه ثم يعود إليه، ولا يكون مسيئًا في واحد منهما، وعلى قول من قال: لا يسقط الدم، لا يخرج عن الإساءة بذلك.
فجعل كونه مسيئًا وغير مسيء مبنيًا على الوجهين.
وفي ((ابن يونس)) تفريعًا على قول السقوط: أنه هل يكون مسيئًا أم لا؟ فيه وجهان، ولعله أخذهما من إطلاق صاحب ((الفروع)) القول بأنه إذا مر بالميقات مريدًا للنسك، وجاوزه ولم يحرم، ثم أحرم دونه وعاد إليه- فظاهر المذهب: أنه لا يكون مسيئًا، وقيل: هو مسيء بأصل المجاوزة.
وهذا الإطلاق يمكن حمله على ما قال في ((البحر))، فلا تمسك به.
انتهى كلامه.
وحاصله: أنه لم يطلع على خلاف في الإساءة تفريعًا على قول السقوط، فلذلك أنكر على ابن يونس إثبات الخلاف، وزعم أن صاحب ((الفروع)) أطلقه، وتوهم أنه أخذه من إطلاقه، وليس الأمر كذلك، بل قد صرح صاحب ((البيان)) بالوجهين تفريعًا على هذا القول، وأن صاحب ((الفروع)) نقلهما كذلك، ومن ((البيان)) أخذ ابن يونس، ورأيت في كتاب ((القولين والوجهين)) للمحاملي مثله- أيضًا- فقال ما نصه: يسقط عنه الدم، وظاهر المذهب: أنه لم يسيء بذلك ولم يأثم، ومن أصحابنا من قال: أساء وأثم.
هذه عبارته.
واعلم أن مراد صاحب ((البيان)) بصاحب ((الفروع)) هو سليم الرازي، كما أوضحته في كتاب ((الطبقات))، فاعلمه.
باب الإحرام وما يحرم فيه
قوله: أما التطيب في ثوبه فقد قال في القديم: واجب أن يجمر رحله وثيابه.
فمنهم من أجراه على ظاهره، وقال: له أن يطيب ثياب بدنه للإحرام كما يطيب بدنه، ويكون مستحبًا كما حكاه القاضي الحسين، وهو الذي صححه الإمام.
انتهى كلامه بحروفه.
وما نقله- رحمه الله- عن الإمام من أن الصحيح إجراء القديم على ظاهره، حتى يجوز له ذلك، ويكون مستحبًا- سهو منه، فإن الإمام إنما صحح الجواز فقط، ولم يتعرض لكونه مستحبًا، فقال ما نصه: ولو طيب المحرم قبل الإحرام إزاره أو رداءه، وتوشح واتزر، ثم أحرم- فحاصل ما قيل فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن ذلك يسوغ كما يسوغ تطييب البدن، والثاني: لا يجوز، فإن الطيب يبقى على الثوب وينمحق على البدن، والثالث: أنه إن لم يكن عينًا فلا بأس، وإن كان عينًا لم يجز، والأصح: أنه لا يمنع تطييب الثوب.
هذا لفظه بحروفه، ولم يذكر ما يخالفه.
قوله: ولو نوى إحرامًا كإحرام زيد، وكان إحرام زيد فاسدًا- ففي انعقاده مطلقًا وعدم انعقاده وجهان في ((تعليق)) أبي الطيب مشبهان بوجهين حكاهما فيما لو نذر صلاة فاسدة: هل يلزمه صلاة صحيحة، أو لا يلزمه شيء؟ وقال في ((الروضة)): إن الصحيح: الثاني.
انتهى كلامه.
وهو يوهم أن تصحيح النووي عائد إلى المسألة الأولى فقط، لكونها هي المقصودة بالذكر، وحكاية الوجهين في الصلاة لغرض التشبيه، أو يعود إليهما معًا، وليس الأمران كذلك، بل صحح في مسألة الإحرام من ((زياداته)) انعقاده، وصحح في الصلاة عدم الانعقاد.
قوله: وإن أحرم بنسك، ثم نسيه- ففيه قولان: الجديد: أنه ينوى القران، وظاهر كلام الشافعي في ((الأم)) و ((الإملاء)): أنه يلزمه ذلك، وهو المفهوم من كلام الأصحاب، وبه صرح الماوردي، وفي ((النهاية)): أنه لا يجب.
ثم قال عقبه: وإذا نوى القران وأتمه سقط عنه حجة الإسلام بلا خلاف، وهل تسقط عمرته؟ إن جوزنا إدخال العمرة على الحج فنعم، وإن منعنا فالمذهب في
((تعليق)) البندنيجي وغيره: أنها لا تسقط، عن أبي إسحاق: أنها تسقط، لأن النسيان ضرورة.
قال في ((البحر)) وغيره: إنه ضعيف.
انتهى.
واعلم أن حاصل كلامه أن المعروف وجوب نية القران، وأن الحج فقط يحصل له.
إذا علمت ذلك، فاعلم أنه إذا نوى الحج فقط حصل به لا شك، لأنه إن كان محرمًا بالحج فقط، أو بالقران فتجديد نية الحج لا تضر، وإن كان محرمًا بالعمرة حصل له الحج- أيضًا- لأن إدخاله عليها جائز، فإذا كان الحج حاصلًا إذا نواه ولم يزد عليه، ولا يحصل له بنية القران زيادة عليه- أعني على الحج- فكيف يعقل مع ذلك إيجاب نية العمرة- أيضًا- لأنه إيجاب شيء لا فائدة فيه أصلًا؟! ورأيت في ((المجموع)) للمحاملي: أن أبا إسحاق له في حصول العمرة وجهان: أحدهما: ما جزم المصنف بنقله عنه، والثاني: كمقالة الجمهور.
قوله: ثم لو زاد على تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن مكروهًا.
ثم قال: وقد حكى الشيخ أبو حامد أن أهل العراق ذكروا عن الشافعي: أنه يكره الزيادة على ذلك، وغلطوا فيه، فإن المنقول عنه ما ذكرناه، وهو ما أورده الفوراني.
انتهى كلامه بحروفه.
واعلم أن الفوراني قد جزم بكراهة الزيادة، كذا رايته في ((الإبانة)) له.
قوله: تنبيه: لبيك: من ((التلبية))، وهي إجابة المنادي، والقصد بها هاهنا إجابة إبراهيم- على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام- التي أمر بها، كما تقدم في أول الباب.
انتهى.
وما ذكره من تقدم ذلك في أول الباب سهو.
نعم، تقدم ذلك في أول كتاب الحج.
قوله: قال: وإذا أحرم حرم عليه لبس المخيط في جميع بدنه.
اعلم أن الشيخ- رحمه الله- قد ذكر بعد هذا مسألة أخرى، فقال: فإن فعل ذلك لزمه الفدية.
ونسي المصنف هذه المسألة، فلم يتعرض لها ولا لشرحها.
قوله: فإن لم يجد إزارًا جاز أن يلبس السراويل، أي: الذي لا يتأتى الاتزار به لو فتق.
ثم قال: ولا يقال: ما الفرق بينه وبين القميص، حيث لا يجوز لبسه إذا لم يجد رداءً لإمكان ارتدائه بالقميص؟ لأنا نقول: المسألة مصورة في المحرم الذي لا يمكنه الاتزار بالسراويل لو فتق، أما إذا أمكن فالذي أورده الجمهور: أنه لا يجوز لبسه على هيئته.
انتهى كلامه.
واعلم أنه إذا عدم الإزار، فإن تأتي الاتزار بالسراويل على هيئته فلا يجوز له لبسه بلا شك، كما في الارتداء بالقميص، وقد جزم به النووي في ((شرح المهذب))، وإن تأتى بعد فتقه جاز لبسه عند الأكثرين كما قاله الرافعي، فإنه نقل المنع عن الإمام والغزالي فقط.
ثم قال: لكن الأصح عند الأكثرين إنما هو الجواز.
وذكر مثله في ((الشرح الصغير)) - أيضًا- وبالغ فيه النووي في ((شرح المهذب)) فحكى طريقين، وصحح طريقة القطع بالجواز، ونقلها عن الأكثرين.
إذا علمت ذلك علمت أن جميع ما قاله المصنف خطأ، فتأمله، وقد تفطن المصنف لبعضه، فكتب على حاشية الكتاب أن المنقول في مشاهير الكتب خلافه.
قوله: ويحرم عليه شم الأدهان المطيبة كدهن الورد والزنبق والبان المنشوش- وهو المغلي بالمسك ونحوه- بالقياس على المنصوص عليه.
وقد أطلق الإمام الحكاية عن الشافعي: أن البان ودهنه ليس بطيب، وعن بعض المصنفين: أنه يعتبر عادة كل ناحية في طيبها، وقال: إنه فاسد، فإنه يشوش القواعد، وقال الغزالي: إنه غير بعيد.
والأكثرون أطلقوا القول بأنه طيب، وقيده المصنف والماوردي والبغوي بأن يكون منشوشًا- وهو المغلي بالمسك ونحوه- وقالوا: إن البان غير المغلي ليس بطيب، قال الرافعي: ويشبه أن يكون من أطلق القول بأنه ليس بطيب، مراده: غير المنشوش، ومن أطلق بأنه طيب أراد: المنشوش.
قلت: لكن كلام القاضي الحسين ينفي هذا الحمل، فإنه قال: البان يحرم على المحرم استعماله، سواء شمه، أو اتخذ منه الدهن واستعمله، أو عصر ماءه واستعمله.
انتهى كلام ابن الرفعة.
فيه أمور:
أحدها: أن ما قاله الشيخ من تحريم شم الأدهان المطيبة، ووافقه عليه المصنف- مردود مخالف لكلامهم، لم أر أحدًا قد قال به، بل الذي قاله الأصحاب: أنا إذا قلنا: إن هذه الأدهان من الطيب، كان استعمالها حرامًا، هكذا عبروا به، ومنهم الشيخ في ((المهذب)) والنووي في ((شرحه)) له، والرافعي في كتبه، فلم يقل أحد منهم بتحريم الشم، بل الاستعمال، واستعمال مثلها إنما هو بالاستهلاك، ويؤيده تصريح المصنف تبعًا للأصحاب كلهم: أن شم ماء الورد لا يحرم.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن الإمام عن بعض المصنفين، كلامه يقتضي أنه نقله في البان خاصة، وليس كذلك، بل حكاه- أعني الإمام- في كل طيب، فإنه بعد ذكره
لما يحرم من أنواع الطيب قال ما نصه: فهذا قولنا فيما يكون طيبًا، وقد ذكر بعض المصنفين أن من أصحابنا من يعتبر عادات كل ناحية فيما تتخذ طيبًا، وهذا فاسد مشوش للقواعد، ولا خلاف أن ما يطعم في قطر ملتحق بالمطعومات في الربا.
هذا لفظه بحروفه، وهو صريح في تعميمه، لا في البان بخصوصه، والذي أوقع المصنف فيما وقع فيه: أن البان وقع تأخيره عن سائر أنواع الطيب، وتعقيب هذا النقل له على سبيل الاتفاق، فتوهم المصنف عوده إليه لعدم تأمله للكلام بآخره.
الثالث: أن ما قاله- رحمه الله- من الرد على الرافعي بهذا الكلام المنقول عن القاضي، كلام عجيب، فإنه ليس فيه إلا أن البان طيب، وليس فيه تقييد بكونه منشوشًا أو غير منشوش، وهذا هو عين ما نقله الرافعي عن الجمهور.
واعلم أن ((الزئبق)): بزاي معجمة مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم باء موحدة مفتوحة، ثم قاف، قال في ((شرح المهذب)): هو دهن الياسمين الأبيض، قال: ولم يخصه الجوهري بالأبيض، وهو لفظ عربي.
وأما ((المشوش)): فبميم مفتوحة، ونون ساكنة، وشينين معجمتين- هو المغلي، قال الجوهري: النشيش: صوت الماء وغيره إذا على.
قوله: ويجوز له النيلوفر والبنفسج، لأنهما لا يتخذ من يابسهما طيب، فأشبها الأترج والسفرجل، قال الإمام: وفي النفس من الأترج والنارنج شيء، وألحق التفاح بالسفرجل، وستعرف ما حكاه غيره فيه.
انتهى.
يعني أن غير الإمام قد حكى في التفاح ما يخالف كلام الإمام، ثم ذكر بعد ذلك ما أحال هذا الموضع عليه، فقال بعد حكاية القولين في الريحان الفارسي ما نصه: والريحان الفارسي هو الضميران المذكور في باب جامع الأيمان، والقولان يجريان- أيضًا- كما قال في ((المهذب)) في النرجس والنبق، وكذا في التفاح والمرزنجوش، كما قال البندنيجي تبعًا للشيخ أبي حامد والقاضي الحسين.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدهما: أنه كما فسر الريحان الفارسي هنا بالضميران المذكور في الأيمان فسر الضيمران المذكور هناك بالريحان الفارسي المذكور هنا، وهو تفسير دوري وقع غيره فيه أيضًا.
الأمر الثاني: أن ما حكاه الشيخ في ((المهذب)) من جريان القولين في النبق غلط، فإن النبق لا ذكر له فيه بالكلية، ولهذا لم يتعرض له النووي في ((شرحه)) له، ويبعد
جريان الخلاف فيه، لما ستعرفه.
الأمر الثالث: أن حكاية القولين في التفاح- أيضًا- غلط، بل يجوز شمه بلا خلاف كما هو موجود في كتب الأصحاب، وصرح بذلك- أعني بنفي الخلاف فيه- جماعة منهم النووي في ((شرح المهذب))، وكيف يمكن أن يقال بجريان القولين فيه، وبالجواز جزمًا في الأترج؟! وهو- أيضًا- يبطل ما ادعاه في النبق، ويوضح الوهم السابق ذكره، وهذا الذي وقع فيه المصنف سببه تحريف ((اللفاح)) الذي أوله لام بـ ((التفاح)) المعروف، فإن الجماعة الذين ينقل عنهم ذلك ذكروه في ((اللفاح)) وهو مثله في الحروف والوزن لفظًا وخطًا، إلا ما ذكرناه من أول هذا لام، وذاك تاء، وهو معروف أكبر من التفاح وأطيب رائحة، وقد نقل في ((شرح المهذب)) عن البندنيجي حكاية القولين في اللفاح- باللام- وهو أحد الجماعة الذين نقل عنهم المصنف ذلك، ولولا أن المصنف حين ذكر التفاح أولًا أحال على هذا الكلام- كما سبق- لكان يمكن أن يقال: إن ذلك سبق قلمٍ منه.
قوله: قال الأصحاب: أما الجلوس عند الكعبة وهي تجمر- أي: تبخر- فلا يكره، وإن قصد ذلك لأجل الطيب، وأما الجلوس عند العطار وعند المتطيب فقد قال البندنيجي: إنه ينظر" فإن كان لغير شم الطيب لم يكره قولًا واحدًا، وإن كان لشم الطيب كره، وأطلق الرافعي حكاية قولين فيما إذا جلس عند الكعبة وعند حانوت العطار، وقال: إن أصحهما: الكراهة.
وحكي عن القاضي الحسين: أن الكراهة ثابتة لا محالة، والخلاف في وجوب الفدية.
والذي رايته في ((تعليقه)): أنه هل يكره أن يستنشق الروائح الطيبة؟ فيه وجهان، وينبغي أن يخرج في وجوب الفدية- إذا قصد الاستنشاق- وجهان، كالصائم إذا فتح فاه حتى وصل إلى جوفه غبار الطريق وغربلة الدقيق، فإن في حصول الفطر به وجهين.
انتهى كلامه.
واعلم أن التخريج الأخير- أيضًا- من كلام القاضي، إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن مقتضى كلامه في نقله عن الرافعي أنه لم يفصل بين أن يقصد الشم أو لا يقصد، بل حكى قولين، وصحح الكراهة، وليس كذلك، فإن المذكور في ((الرافعي)) إنما هو التفصيل، فقال: أحدهما: لو عبق به الريح دون العين، بأن جلس في حانوت عطار، أو عند الكعبة وهي تجمر، أو في بيت يجمر ساكنوه فلا فدية، لأن ذلك لا يسمى تطيبًا.
ثم إن قصد الموضع لا لاشتمام الرائحة لم يكره، وإن قصده لاشتمامها كره على الأصح، وعن القاضي الحسين: أن الكراهة ثابتة لا محالة،
والخلاف في وجوب الفدية.
هذا لفظ الرافعي، وقد ظهر لك- أيضًا- من كلام الرافعي: أنه لم يحك قولين بخصوصهما، بل حكى خلافًا محتملًا للقولين وللوجهين.
نعم، جعله النووي في ((الروضة)) قولين.
الأمر الثاني: أن ما نقله الرافعي عن القاضي الحسين لم يعزه إلى ((تعليقته))، بل عبر بقوله: وعن القاضي- كما تقدم- والنقل المذكور قد حكاه المتولي في ((التتمة)) عن لفظه، لا عن تصنيفه، فقال بعد حكاية القولين: وكان القاضي الإمام الحسين يقول: إذا قصد القعود عند العطار أو عند الكعبة لاستنشاق الرائحة فهو مكروه، والاختلاف في وجوب الفدية.
هذا لفظ المتولي، ولما لم ينظره الرافعي في كلام القاضي عبر بقوله: ((وعن))، ولم يجزم به، تقليدًا للمتولي مع أنه تلميذ القاضي، وهذا في غاية الاحتراز والتحرير.
ثم راجعت- أيضًا- ((التعليقة)) للقاضي فوجدته كما نقله المتولي أو قريبًا منه، فإنه بد ذكره لما نقله ابن الرفعة عنه من تخريج الوجهين في وجوب الفدية قال: ثم المستحب ألا يجلس عند العطارين، ولا يدخل البيت الذي يخزن فيه العود.
هذا لفظه، فتلخص من ((تعليقة)) القاضي: أنه لا ينبغي له فعله، فإن فعل ففي الفدية وجهان، وهو عين ما نقله الرافعي، إلا أنه لم يصرح بالكراهة.
وأما ما ذكره المصنف عن ((تعليقه)) القاضي فهو مسألة أخرى، لأن كلام الرافعي فيما إذا قصد الموضع لذلك، وهو أخص مما تكلم فيه ابن الرفعة، إذ يصح حمل الوجهين المذكورين في ((التعليقة)) على ما إذا لم يقصد الموضع ولكن وصل إليه في مروره، ونحو ذلك.
الأمر الثالث: أن ما اقتضاه كلامه من مخالفة الرافعي للأصحاب وانفراده عنهم في حكاية الخلاف في الجلوس عند الكعبة بقصد الطيب، فليس كذلك، وعجب- أيضًا- فإن القاضي لما ذكر المسألة علل في آخرها عدم وجوب الفدية بقوله: لأنه لم يقصد الطيب.
هذا لفظه، وقال في ((التتمة)): السابعة: إذا جلس عند الكعبة وهي تجمر، فإن لم يكن قصده اشتمام الرائحة بل قصده القربة فلا يكره، وأما إذا قصد الدنو من الموضع لأجل شم الطيب، ذكر الشيخ أبو حامد قولين: أحدهما: لا يكره، لأنه لم يحصل مستعملًا للطيب، والثاني: يكره.
هذه عبارته، ثم نقل عن القاضي سماعًا ما هو أبلغ منه، وهو الجزم بالكراهة، كما سبق نقله عنه.
وقال القاضي أبو الطيب في ((تعليقه)): قد ذكرنا أن جلوسه عند العطار واجتيازه في سوق العطارين جائز، وكذلك جلوسه في الكعبة وهي تجمر، وكذلك إذا دخل البستان.
ثم قال: إلا أنه يكره له قصد هذه المواضع لشم الروائح.
هذا لفظه، ولم يتعرض الإمام ومن تبعه- كالغزالي- للمسألة، بل إنما يتكلم عن الفدية وعدمها، وكذلك جماعة منهم الماوردي.
نعم، ذكر البندنيجي في ((تعليقه)) كما ذكر المصنف.
واعلم أن استمداد ((الكفاية)) من خمسة كتب: ((تعليقة)) القاضي الحسين، و ((تعليقة)) البندنيجي و ((تعليقة)) أبي الطيب، و ((النهاية)) و ((التتمة))، فهذه هي التي أغلب نقله منها، فلذلك لم أذكر لك ما عداها من الذين سووا بين الكعبة وغيرها.
ويلي هذه الخمسة جماعة آخرون ينقل عنهم كثيرًا، وقد علمت أنه لم يقل بما ذكره من هؤلاء الخمسة إلا البندنيجي، وقد نقل النووي في ((شرح المهذب)) كلامه.
ثم قال: وليس كما قال، بل المذهب طرد الخلاف في الجميع.
فصح ما قاله الرافعي، وبطل ما دل عليه كلام المصنف من انفراده بذلك.
قوله: الثاني: إذا قبل المحرم بيع الصيد أو هبته، وقبضه- فعليه رده إلى صاحبه.
ثم قال: ولو لم يرده إلى صاحبه حتى مات في يده، وقد قبضه على حكم البيع والهبة- لزمه الجزاء، وضمنه لمالكه بالقيمة في البيع، دون الهبة، لأنه لم يدفعه إليه على أن يستحق لأجله عوضًا، كذا قال الشافعي نصًا في الهبة، وهو مبني على أصح الوجهين في ((الروضة)) في أن الهبة الفاسدة غير مضمونة، وقد سوى الرافعي بين الهبة والبيع والوصية، وجعل الكل مضمونًا عليه بالجزاء والقيمة.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الرافعي من تسويته بين الأمور الثلاثة غلط، فإنه إنما أوجب الضمان في البيع خاصة كما هو الصواب، فقال بعد حكاية الخلاف في الثلاثة المذكورة ما نصه: فإن صححنا هذه العقود فذاك، وإلا فليس له القبض، فإن قبض فهلك في يده فعليه الجزاء لله- تعالى- والقيمة للبائع.
هذا لفظه، فانظر كيف لم يذكر أنه تلزمه القيمة للمالك حتى تدخل فيه الهبة والوصية، بل خصص البائع باللزوم حتى تخرجا عنه، والذي أوقع المصنف في هذا الغلط هو النووي، فإنه بعد اختصاره لكلام الرافعي على الصواب حصل له ذهول عما قرره، بحيث أداه إلى أن ظن فيه خلاف ما هو عليه، فبادر إلى التصريح بما ظنه والاعتراض عليه، والمصنف هنا قد صرح بنقله عن ((الروضة))، فرأى هذا الموضع فقلده فيه، وهو موضع غريب، فراجع ((الروضة)) تتعجب لما وقع له.
قوله: ولو صال عليه حلال راكب حمار وحش، ولم يتمكن من دفعه إلا بقتل الحمار- قال الصيدلاني: ففي الجزاء قولان للقفال، والذي أورده الأكثرون منهما:
وجوبه.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن القولين للقفال حتى يقتضي أنهما وجهان، ليس كذلك، ففي ((النهاية)) وكتب الغزالي: أن القفال حكاهما قولين، وكأن الموقع للمصنف في هذا إنما هو كلام وقع للنووي.
قوله: وفي موضع آخر أيد الفرق- يعني: الإمام- بأنه لو حلف لا يدخل دارا، فدخلها مجنونًا- لم يحنث قولًا واحدًا، ولو دخلها ناسيًا ففيه قولان.
انتهى كلامه.
وما نقله- رحمه الله- عن الإمام من نفي الخلاف في المجنون وأقره عليه، قد ذكر مثله- أيضًا- في كتاب الأيمان نقلًا عن البندنيجي، وليس كذلك، بل في المجنون- أيضًا- قولان حكاهما المصنف في باب الإيلاء عن ((التتمة)) و ((التهذيب))، ذكره عند قول الشيخ: قال: فإن جامع، وأدناه أن يغيب الحشفة في الفرج- فقد وفاها حقها.
تنبيه: ذكر المصنف في هذا الباب ((الضماد))، وهو بكسر الضاد المعجمة بعدها ميم، وفي آخره دال مهملة: اسم للعصابة المجعولة على الجرح، تقول منه: ضمد الجرح يضمده ضمدًا، على وزن: أكل يأكل أكلًا، إذا شده بالضماد، وقد حرف المصنف هذه اللفظة، فاعلم ذلك.
باب كفارة الإحرام
قوله: تنبيهان: أحدهما: أن كلام الشيخ يفهم أن المباشرة فيما دون الفرج بغير شهوة لا توجب الكفارة، وظني أني رأيته كذلك في كتب العراقيين، ويؤيده تقييدهم إيجاب الفدية بوجود الشهوة، سواء أنزل أم لم تنزل، لكن الماوردي قال فيما إذا قبل زوجته بشهوة: وجبت الفدية، وإنما قبلها وهو قاصد غير الشهوة، كما إذا قبل زوجته عند قدومه، وقصد تحية القادم، ولا شهوة- فلا تجب وإن لم يكن له قصد أصلًا، لكن ظاهر الحال يدل على أنه لم تكن شهوةٌ، كما إذا قبلها عند القدوم وهو غافل عن القصدين: فهل تجب؟ فيه وجهان، ووجه المنع: اعتبار ظاهر الحال، وهذا يدل على أن مجرد المباشرة توجب الفدية، إلا أن يقصد بغير شهوة.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن توقفه لا وجه له، فإن المعروف أنه لا حرمة ولا فدية حتى قال النووي في ((شرح المهذب)): وأما اللمس بغير شهوة فليس بحرام بلا خلاف، ولا فدية فيه بلا خلاف، وأما قول الغزالي: تحرم كل مباشرة تنقض الوضوء، فغلطوه فيه، هذا لفظه.
نعم، ما ذكره النووي في انفراد الغزالي بذلك وتغليظه، ليس بجيد، فإن الإمام قد جزم بذلك أيضًا.
الثاني: أن ما ادعاه من أن كلام الماودري يدل على إيجاب الفدية لمجرد المباشرة، غير مستقيم، لأن تقبيل المرأة موضوع للاستمتاع، فلا ينصرف إلا بقصده، فكيف يدل الإيجاب فيها على الإيجاب لمجرد المباشرة، مع أن المباشرة تتناول اللمس وغيره؟!
قوله: أما القارن: فإن فسد حجه بالجماع فسدت- أيضًا- عمرته، وإن لم يفسد، كما إذا وجد منه بعد الرمي وقبل الطواف- لم تفسد عمرته وإن لم يأت بشيء من أعمالها، وهذا بناء على الصحيح في أن الحج لا يفسد بالجماع بعد التحلل الأول، أما إذا قلنا بفساده فسدت- أيضًا- وبه قال الأودني.
انتهى كلامه.
وحاصل ما نقله آخرًا عن الأدوني: أنه يوافق غيره في أن العمرة تبع للحج في الإفساد وعدمه، وأنه إنما أفسد العمرة في الحج بعد التحلل الأول، لأنه قائل بفساد
الحج، وما نقله عنه غلط لم أره في كلام أحد، فإن الأودني قائل بأن الحج لا يفسد، ولكن تفسد العمرة، لأنه لم يأت بشيء من أعمالها، هكذا ذكره البغوي والرافعي والنووي، وجميع من تعرض للنقل عنه، فالتبس الأمر على المصنف.
قوله: أما إذا جامع الصبي فقد تقدم ذكر الخلاف في أنه هل يفسد نسكه، أو لا بناء، على أنه يسلك بعمده مسلك عمد البالغ أم لا؟ ويظهر أن يكون جماع المجنون إذا صح إحرامه كذلك، ولو جامع ناسيًا أو جاهلًا فقد تقدم حكمه.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره في المجنون يقتضي أنه لم يقف فيه على نقل، وهو غريب، فإنه جريان قولي الناسي فيه مشهور في كتب المذهب، حتى في ((الرافعي)) وإن كان الرافعي قد مثل بما إذا أحرم عاقلًا ثم جن، لكنه لا فرق.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من أن وطء الناسي تقدم فصحيح، وموضعه في الباب السابق، وهو باب الإحرام، لا في هذا الباب، فإنه لم يذكره، وأما ذكره من تقدم وطء الجاهل فليس كذلك، فإنه لا ذكر له في الباب الذي نحن فيه.
ولا فيما قبله.
قوله: ويجب عليه القضاء: أما في الحج، فلما روي أن رجلًا أفسد حجه، فسال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فقال: تقضي من قابل.
ثم سأل ابن عباس- رضي الله عنهما- فقال: تقضي من قابل.
ثم سأل ابن عمر- رضي الله عنهما- فقال مثل ما قالاه، ولا يعرف لهم مخالف.
انتهى كلامه.
وهذه القصة التي ذكرها قد غلط في حكايتها، فإن عمر لا ذكر له فيها، وقد ذكر القصة جماعة من أصحابنا المحدثين والفقهاء، ومنهم البيهقي في ((سننه))، ونقله عنه النووي في ((شرح المهذب))، فروى عن عمرو بن شعيب عن أبيه: أن رجلًا أتى عبد الله بن عمرو- يعني ابن العاص- فسأله عن محرم وقع بامرأته، فأشار إلى عبد الله بن عمر، فقال: اذهب إلى ذلك فسله.
قال شعيب: فلم يعرفه الرجل، فذهب معه فسألت ابن عمر، فقال: بطل حجك، فقال الرجل: فما أصنع؟ قال: اخرج مع الناس واصنع ما يصنعون، فإذا أدركت قابلًا فحج وأهد، فرجع على عبد الله بن عمرو وأنا معه، فأخبره، فقال: اذهب على ابن عباس فاسأله، فقال له كما قال ابن عمر، فرجع إلى عبد الله بن عمرو وأنا معه، فأخبره بما قال ابن عباس، ثم قال: ما تقول أنت؟ فقال: قولي مثل ما قالا.
قال البيهقي: إسناده صحيح.
قال: وفيه دليل على صحة سماع شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص من جده عبد الله بن عمرو.
انتهى.
قوله: ويجب عليه القضاء من حيث أحرم، لأنه تعين عليه بالشروع فيه.
ثم قال ما نصه: وهذا بخلاف ما لو أحرم في أول أشهر الحج بالحج أو بالعمرة في شهر من شهور السنة، لا يلزمه قضاء الإحرام في ذلك الوقت، والفرق: أن الإحرام من الأمكنة المعينة مما يلزم بالنذر، فلزم بالشروع، ولا كذلك الأزمنة، فإنه لو نذر الإحرام من أول شوال- مثلًا- لم يجب عليه مراعاة الزمان في إحرامه، قال الرافعي: وهذا الفرق لا يسلم عن نزاع، وقد قال القاضي الحسين: إن فيه إشكالًا، لأن طول الإحرام عبادة، وما كان عبادة يلزم بالنذر.
انتهى كلامه.
وفيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره هاهنا من أن زمان الإحرام لا يتعين بالنذر، ولم يحك فيه خلافًا- قد ناقضه في كتاب النذر، فإنه حكى فيه وفي تعيين مكان الإحرام وجهين، وصحح منهما التعيين، وستعرف لفظه في موضعه.
الأمر الثاني: أن كلامه في النقل عن القاضي يوهم أنه مستشكل لهذا الحكم، لا قائل باللزوم، وليس كذلك، بل قد ذهب إلى أن الزمان كالمكان في وجوب الإحرام منه بالنذر وبالإفساد، كذا نقله عنه تلميذه صاحب ((التتمة)) في الاستئجار للحج في الكلام على تعيين الميقات.
قوله: ولو كان قد أحرم في الأداء دون الميقات نظر: فإن كان قد عاد إلى وطنه أحرم في القضاء من الميقات، وإن لم تعد إليه فكذلك على أحد الوجهين، وهو المختار في ((المرشد)) وغيره، وبه جزم البغوي وغيره.
ومقابله: أنه يحرم به من حيث أحرم في الأداء، وهو ما اقتضاه إطلاق الشيخ، وصححه الشيخ أبو علي.
انتهى كلامه.
وما نقله عن صاحب ((التهذيب)) من أنه إذا لم يعد يجب عليه- أيضًا- أن يحرم من الميقات، وأنه جزم بذلك- غلط، فإن صاحب ((التهذيب)) لم يذكر هذه المسألة، وإنما تكلم فيما إذا عاد، ففي ((التهذيب)) لم يذكر هذه المسألة، وإنما تكلم فيما إذا عاد، ففي ((التهذيب)) ما نصه: قال الشيخ: فإن كان قد جاوز الميقات غير مريد للنسك، ثم بدا له أن يحرم، فأحرم، ثم أفسد الحج- قال- رحمه الله-: يجب أن يحرم من الميقات في القضاء، فإن جاوزه ثم أحرم فعليه دم، لأنه جاوزه مريدًا للنسك.
هذا لفظه، فهذا التعليل الذي ذكره، وهو المجاوزة على إرادة النسك- يبين أن صورة المسألة فيما إذا عاد إلى بلده كما هو الغالب، أو ما هو في معنى بلده مما يحاذي الميقات أو فوقه، وانتهى إلى الميقات على قصد النسك، وإلا لم يصح التعليل المذكور، فإنه قد يجاوز الميقات لحاجة، ثم يعن له عند انتهائه إلى
المكان الذي أحرم فيه بالأداء أن يحرم بالقضاء.
واعلم أن هذه المسألة قد بسطتها في كتاب ((المهمات)) فلتطالع منها.
قوله: وأما الكفارة الواجبة من غير عدوان فهي على التراخي لا محالة.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من نفي الخلاف ليس كذلك، فقد حكى هو خلافًا في كفارة القتل من ((شرح الوسيط)).
قوله: والبدنة- لغة- تطلق على الذكر والأنثى، صرح به صاحب ((العين))، وقال كثير من أئمة اللغة أو أكثرهم: إنها تطلق على البعير والبقرة.
وقال الأزهري: تكون من الإبل والبقر والغنم.
انتهى كلامه.
وما نقله- رحمه الله- عن الأزهري من أن البدنة تطلق على الثلاثة، غلط سببه تقليده للنووي، فإنه قد وقع له- أيضًا- هذا الغلط في ((لغات التنبيه)) و ((تهذيب الأسماء واللغات)) وغيرهما، والمصنف ينقل في هذا الكتاب ما في ((لغات التنبيه)) بحروفه غالبًا، وقد راجعت كلام الأزهري في ((شرحه)) لألفاظ ((مختصر)) المزني، وهو الذي ينقل النووي منه، فقال ما نصه: والبدنة لا تكون إلا من الإبل خاصة، وأما الهدي فيكون من الإبل والبقر والغنم.
هذا لفظه، ومن كلامه نقلت، فسقط من قوله: ((لا تكون)) إلى قوله: ((يكون))، إما لغلط في النسخة التي وقعت للنووي، أو لانتقال نظره من أحد الموضعين إلى الآخر كما يقع كثيرًا، ويدل على ما قلت من السقوط أو انتقال النظر: أنه في ((نكت التنبيه)) نقل ما قاله الأزهري قبيل هذا الكلام بلفظه، ثم قال في آخره ما نصه.
قال- يعني الأزهي- والبدنة لا تكون إلا من الإبل والبقر والغنم.
وقد راجعت- أيضًا- كلام الأزهري في كتابه الكبير المسمى بـ ((التهذيب)) فرأيت فيه أن البدنة لا تطلق على الشاة، ولكنه نقل إطلاقها على البقرة- أيضًا- فقال ما نصه: قال الليث وغيره: البدنة- بالباء- تقع على الناقة والبقر والبعير الذكر مما يجوز في الهدي والأضاحي، ولا تقع على الشاة.
هذا لفظه بحروفه، ولم يذكر ما يخالفه، وإن كان مخالفًا لكلامه على ((المختصر)).
قوله: نعم، اختلفوا في البدنة والبقرة والغنم الواجبة على المجامع: هل هي على الترتيب أو التخيير؟ على وجهين، ووجه الأول بأنه لما كانت كفارة الوطء أغلظ كفارات الحج تقديرًا وجب أن تكون أغلظتها ترتيبًا، ووجه الآخر- وهو الصحيح والمنصوص في ((الأوسط)) -: أن البدنة لا تجب في الحج والعمرة إلا في قتل النعامة والإفساد، فلما وجبت في قتل النعامة على وجه التخيير اقتضى أن تجب في إفسادهما
على وجه التخيير، وهذه طريقة القاضي أبي الطيب والماوردي.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كون الصحيح هو التخيير، وأنه المنصوص عليه في ((الأوساط))، وأنها طريقة القاضي أبي الطيب والماوردي- فغلط في الجميع، فإن الصحيح المنصوص عليه في الكتاب المذكور، وقال به القاضيان أبو الطيب والماوردي- إنما هو الترتيب، فانعكس ذلك على المصنف، فأما كونه الصحيح فيكفي عن تعداد من صحح الترتيب ما قاله النووي في ((شرح المهذب))، فإنه قال: فيه طرق، أصحها عند المصنف وسائر الأصحاب، وهو المنصوص في ((المختصر)) وغيره، ونقله القاضي أبو الطيب في ((تعليقه)) عن نص الشافي في عامة كتبه-: أنه دم ترتيب.
هذا كلامه، وأما القاضي أبو الطيب فقد قال: وهل يجب الترتيب في الثلاث؟ نص الشافعي على أنه يجب، وهو الصحيح، لأنه قال في ((الأوسط)): فإن لم يجد المفسد بدنة فبقرة، فإن لم يجد فسبعًا من الغنم، وإذا كان معسرًا عن هذا كله قومت البدنة بمكة.
هذا لفظه، ونقله عنه- أيضًا- هكذا صاحب ((البحر))، وأما الماودري فقال بعد نقله له عن المنصوص: إنه أصح مذهب الشافعي.
قوله: وقيل: اختصر القاضي مجلي ما سبق في فداء الذكر بالأنثى وعكسه، فحكى فيه سبعة أوجه: أحدها: يجوز فداء أحدهما بالآخر، والثاني: لا، والثالث: تجزئ الأنثى عن الذكر، بخلاف العكس، والرابع: إن أراد الذبح لم تجزئ الأنثى عن الذكر، ويجزئ الذكر عن الأنثى، وإن أراد التقويم فبالعكس، والخامس: تعتبر القيمة وطيب اللحم، فإن كان أحدهما أكثر قيمة وأطيب لحمًا لم يجزئ عنه الأدون ولا الخبيث اللحم، ويجزئ الأكثر قيمة والأطيب عن الأدون والخبيث، والسادس: يجزئ الذكر عن الأنثى، وأما الأنثى عن الذكر: فإن كان صغيرين جاز، وإلا فلا.
والسابع ... انتهى ملخصًا.
ولم يبين- أعني ابن الرفعة- هذا الوجه وهو السابع، بل ترك موضعه بخطه بياضًا، وقد رأيته في ((الذخائر)) مبينًا، فقال: يجزئ الذكر عن الأنثى مطلقًا، وأما الأنثى عن الذكر فتجزئ إن لم تلد، فإن ولدت فلا.
وقد ذكر المصنف بعض هذا الوجه في أوائل كلامه.
قوله: وقد قال الماوردي: إن الأصحاب لم يختلفوا في أن الأنثى أفضل عند إرادة التقويم.
نعم، اختلفوا عند إرادة الذبح على قولين: أحدهما- وبه قال ابن أبي هريرة-: أنها أفضل أيضًا، والثاني: لا، وبه قال أبو إسحاق.
انتهى.
ثم ذكر بعده عن القاضي أبي حامد نحوه، وادعى مغايرته لقول أبي إسحاق، مع أنه ليس مغايرًا له، فاعلمه.
قوله- في الكلام على قول الشيخ-: وإن أتلف ظبيًا ما خضًا ضمنه بقيمة شاة ماخض، وكذا أخذ عليه في قوله: بقيمة شاة، لأن الواجب عليه عنز، كما قال النووي، والشاة- كما ذكرنا- تطلق على الذكر والأنثى، وجواب هذا: أن الشيخ اتبع فيه الشافعي، والمراد: العنز.
نعم، لو قال: بقيمة عنز، كان أوضح.
انتهى كلامه.
وهذا السؤال الذي ذكره على هذا الوجه غلط، فإن الشاة وإن كانت تطلق على الذكر والأنثى، لكن الشيخ قد قيدها بكونها ماخضًا، فقال: بقيمة شاة ماخض، فاندفع احتمال إرادة الذكر وتعينت الأنثى.
وهذا السؤال ذكره النووي في ((لغات التنبيه)) على وجه صحيح، فقال ما نصه: وقوله: بقيمة شاة، المراد: عنز، ولو قال بقيمة عنز، لكان أوضح.
هذا لفظه من غير زيادة ولا نقصان، وهذا سؤال صحيح، فإن ((الشاة)) تطلق على الضأن والمعز، والواجب في الظبي إنما هو المعز، فلو قال: بقيمة عنز، فتعين الواجب، بخلاف الشاة، فتوهم ابن الرفعة أن السؤال جاء لكونها تطلق على الذكر والأنثى، فصرح به ذاهلًا عن ذكر ((الماخض)) بعد ذلك، فوقع في الغلط.
قوله: الثاني: قال الأزهري: قال الشافعي: الحمام: كل ما عب وهدر، وإن تفرقت أسماؤه إلى: اليمام، والدباسي، والقماري، والفواخت، وغيرها.
وقال الكسائي: الحمام: هو الذي لا يألف البيوت، وهو الوحشي، واليمام: هو الذي يألف البيوت.
وعن الأصمعي أنه قال: كل ذات طوق كالفواخت والقماري وأشباهها فهي حمام، وفي ((المهذب)): أنه ينظر في الطائر: فإن كان حمامًا- وهو الذي يعب ويهدر- كالذي تقتنيه الناس في البيوت والدبسي والقمري، فإنه يجب فيه شاة.
وهذا مغاير لجميع ما ذكرناه، فتأمله.
انتهى كلامه.
وما ذكره من مغايرة كلام ((المهذب)) لجميع ما تقدم سهو، فإن الذي نقله عن ((المهذب)) هو عين ما نقله أولًا عن الأزهري نقلًا عن الشافعي، وذلك لأن في بعض نسخ ((المهذب)): والدبسي- بالواو- وهو الذي نقله عنه المصنف كما تقدم في عبارته، وعلى هذا فواضح، وفي بعضها: كالدبسي- بالكاف- وهو أيضًا عين المنقول عن الأزهري، غير أنه زاد فمثل بما يقتنى في البيوت بالدبسي والقمري، واقتناء ذلك فيها معلوم، وإن لم تكن تألف البيوت، فأين مخالفة هذا التفسير لما نقله الأزهري؟!
قوله- نقلًا عن الشيخ-: وإن جرح صيدًا له مثلٌ، فنقص عشر قيمته- لزمه عشر ثمن المثل، وعلى هذا يكون مخيرًا بين إخراج الطعام والصوم عن كل مد يومًا بلا خلاف، وهل يكون مع ذلك مخيرًا في التصدق بالدراهم وعشر المثل؟ قيل: نعم، وحينئذٍ يكون مخيرًا بين أربعة أشياء.
ثم قال ما نصه: وعليه ينطبق ما حكاه الرافعي عن ابن أبي هريرة: أن له إخراج القيمة وإن وجد شريكًا في الذبح معه.
انتهى كلامه.
وما حكاه عن ابن أبي هريرة ليس كذلك، فإن الرافعي قال ما نصه: فعلى هذا- أي وجوب عشر القيمة- لو لم يرد الإطعام ولا الصيام، ما الذي يخرج؟ حكى القاضي الحسين عن بعضهم: أنه إن وجد شريكًا أخرجه- أي العشر- ولم يخرج الدراهم، وإلا فله إخراجها، وعن ابن أبي هريرة: أن له إخراجها وإن وجد شريكًا، وعن أبي إسحاق: أنه مخير بين إخراج العشر وبين إخراج الدراهم، فهذه ثلاثة أوجه.
هذا لفظ الرافعي بحروفه، وهو صريح في مغايرة قول ابن أبي هريرة لقول التخيير بينهما، وإلالم تكن ثلاثة، وسبب ما وقع فيه المصنف: أنه نظر إلى قول الرافعي في النقل عن ابن أبي هريرة: إن له إخراجها، ذاهلًا عما بعده، فتوهم أنه قائل بعدم اللزوم.
قوله: وإن جرح صيدًا، فأزال امتناعه- ضمنه بكمال الجزاء، وقيل: يلزم أرش ما نقص، وهذا الثاني يحكى عن ابن سريج كما قاله الرافعي.
ثم قال ما نصه: وإن قلنا بالقول المنسوب إلى ابن سريج قومناه صحيحًا، ثم مندمل الجرح، فإذا عرف ما بينهما نقول: هو الواجب، أو نقدره من المثل إن كان الصيد مثليًا؟ فيه الخلاف السابق.
انتهى.
وما ذكره في حكاية الخلاف مخالف لما قاله الأصحاب، حتى لما قاله الرافعي في كتبه والنووي في ((شرح المهذب)) مع تتبعه، فقال- أعني الرافعي-: والثاني، ويحكي عن ابن سريج: أنه يجب قدر النقصان.
ثم قال: فعلى هذا: يجب قسطه من المثل، أو من قيمة المثل؟ فيه الكلام السابق.
هذا لفظه بحروفه، فعلمنا أن الذي لا يوجب الحصة من المثل يوجب التفاوت من قيمة المثل لا من الصيد، فكأنه سقط ذلك من لفظه، وأصله: فهل نقول: هو الواجب من المثل ...
قوله: واعلم أنه كما يحرم عليهما صيد الحرم يحرم الاصطياد فيه لصيد الحل،
مثل أن يرمي من الحرم سهمًا إلى صيد في الحل، أو يرسل عليه كلبًا، لأن كونه في الحرم يوجب تحريم الصيد عليه، كذا قال الأصحاب، وقد ألحقوا بذلك ما لو حبس صيدًا في الحرم وله فراخ في الحل، فماتت جوعًا، وقالوا: إنه يضمنها.
وليس في كلام الشيخ تعرض لهاتين الصورتين، إلا أن يستعمل قوله: وصيد الحرم حرام، في معنيين مختلفين: وهو الاصطياد في الحرم، ونفس صيد الحرم، ولا يمكن ذلك، لأن اللفظ الواحد لا يستعمل كذلك، وأيضًا: فيعكر عليه قوله من بعد: فمن قبله منهما، فإنه يقوى أن مراده المعنى الثاني لا غير.
انتهى كلامه.
واعلم أن تقرير المعنى الذي حاول حمل كلام الشيخ عليه: أن ((الصيد)) مصدر، والمصدر يصح إطلاقه على اسم المفعول مجازًا، كقولهم: درهم ضرب الأمير، أي: مضروبه، وحينئذٍ: فيصح أن يراد بالصيدٌ، المصيد مع إرادة المدلول الحقيقي وهو الاصطياد، وحاصله: الجمع في استعمال اللفظ الواحد بين حقيقته ومجازه.
إذا علمت ذلك، فاعلم أن اذكره من عدم الإمكان، وتعليل ذلك بعدم جواز استعمال اللفظ الواحد كذلك- عجيب، فإن مذهب الشافعي- رضي الله عنه- جواز هذا الاستعمال، - كما هو مشهور عنه في أصول الفقه- وقد أوضحته في ((شرح منهاج الأصول))، وقد نقله- أيضًا- النووي في كتاب الأيمان من ((الروضة)) في الكلام على ما إذا حلف: لا يشتري.
قوله- نقلًا عن الشيخ-: ويحرم على الحلال والمحرم قلع شجر الحرم، أي: إذا كان رطبًا.
ثم قال: أما إذا كان الشجر قد حف، فقلعه- فلا شيء عليه، قال القاضي الحسين: كما إذا قطع الصيد الميت إربًا إربًا، قال الماوردي والبندنيجي: ولا فرق في ذلك بين أن يستهلكه أم لا.
انتهى كلامه.
واعلم أن المسألة التي يتكلم فيها المصنف على كلام الشيخ إنما هي مسالة القلع- باللام- ما تقدم من عبارة الشيخ وعبارته أيضًا.
والذي ذكره القاضي الحسين إنما هو القطع- بالطاء- ولهذا قاسه على قطع الصيد، وأين إحداهما من الأخرى؟! فإنه لا يلزم من جواز القطع جواز القلع، ويؤيده الحشيش اليابس، فإنه يجوز قطعه لا قلعه، ولم يتكلم في ((الروضة)) ولا في ((شرح المهذب)) على قلع اليابس، بل كلامه ربما يوهم المنع، فإنه إنما عبر بالقطع.
نعم، ذكر الماودري أن قلعه جائز كما نقله عنه المصنف.
قوله: ولك أن تقول: الخلاء- بفتح الخاء، مقصور- النابت ما دام رطبًا، وكذلك العشب، فإذا يبس فهو الحشيش والهشيم، ولا يقال له رطبًا: حشيش ... إلى آخر كلامه.
اعلم: أن اختصاص الحشيش باليابس نقله البطليوسي في كتاب ((الاقتضاب شرح أدب الكتاب)) عن الأصمعي خاصة، ثم حكى عن أبي حاتم أنه سأل أبا عبيد، فقال: يكون للرطب واليابس.
وهو يبطل ما ادعاه المصنف.
ثم إن الجوهري قد قال في الكلام على ((حش)): إن الحشيش هو اليابس خاصة))، كما نقله المصنف، لكنه قال في لفظة ((خلا)): الخلا مقصور: هو الرطب من الحشيش.
هذا كلامه، فجعل ((الحشيش)) يطلق على الرطب.
قوله: وألحق الأصحاب بجواز قطع الإذخر ما يتداوى به كالسنا، لأن إباحة الإذخر إنما كانت لأجل الانتفاع، فألحق به ما ينتفع به دواء، وفي ((الوسيط)) حكاية وجه آخر: أنه لا يلحق بالإذخر غيره- وإن مست إليها الحاجة كما في الإذخر- وحكاه الإمام عن رواية عن رواية صاحب ((التلخيص)).
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا النقل عن صاحب ((التخليص))، وحكاية نقله عن الإمام- غلط أيضًا، فإن صاحب ((التلخيص)) قال ما نصه: ولا يقطع من حشيش الحرم إلا ثلاثة، وهو الإذخر، وما كان لدواء، وما أنبته الناس.
هذا لفظه بحروفه، ومنه نقلت، وأما الإمام فإنه إنما نقله عن الشيخ أبي على في ((شرح التلخيص)) فقال ما نصه: فلو مست الحاجة إلى شيء من كلأ الحرام في دواء فهل يجوز قطعة، تشيبهًا بالإذخر؟ فعلى وجهين ذكرهما الشيخ في ((شرح التخليص)).
هذا لفظ الإمام بحروفه.
الأمر الثاني: أن حكاية الخلاف في جواز القطع للدواء غلط، فإن الإمام قد نقله عن الشيخ أبي علي كما تقدم، فتابع الإمام علي ذلك من جاء بعده كالغزالي والرافعي وغيرهما، مع أن المذكور- أعني الشيخ- إنما حكى التردد في وجوب الضمان خاصة، فقال بعد حكاية استثناء الثلاثة المتقدمة عن ((التلخيص)) ما نصه: والثاني: قال: ما كان لدواء فله قطعه.
قلت: يحتمل إذا قطع أن يكون عليه الفدية، لأنه قطعه لحاجته، فصار كما لو قتل الصيد للمجاعة، واحتمل أن يكون الجواب على ما ذكره، لأنه إنما يبيح له قطع الحشيش للقبور والبيوت ولعلف الدواب للحاجة، وحاجته إلى الدواء أعظم من حاجته إلى علف الدابة، ولا تكون حاجته دون حاجة دابته، فلهذا
قلنا: لا شيء عليه.
هذا كلام الشيخ أبي علي بحروفه، ومن ((شرحه)) نقلت، وحكاية الخلاف هكذا هو الصواب.
ثم إن الإمام قد حكاهما وجهين، والشيخ أبو علي إنما ذكرهما احتمالين له، لكنه قريب، فإن احتمالات أصحاب الوجوه عندهم ملحقة بالوجوه.
وقد ظهر لك من هذا الكلام غلط آخر وقع فيه المصنف، فإنه مع كونه قد غلط من شارح ((التلخيص)) إلى صاحب ((التخليص)) قد عبر عن الخلاف بقوله: رواه، فاقتضى أن يكون لغيره، وسببه: أن الإمام تصرف، فعبر بقوله: ذكرهما- كما تقدم- ثم إن المصنف تصرف في عبارة الإمام فعبر بقوله: رواه، فحصل الغلط، وهذه آفات النقل عن المتأخرين وعدم مراجعة الأصول.
[أو].
قوله: قال- يعني الشيخ-: وما وجب على المحرم، أي: بسبب الإحرام، من طعام وجب تفرقته على مساكين الحرم كالهدي، لكن ما يعطى كل مسكين منهم؟ أطلق بعض الشراح فيه حكاية وجهين:
أحدهما: مد، وهو اختيار ابن أبي هريرة.
والثاني: ما شاء، ومراده: فيما عدا كفارة الأذى، فقد نص النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث كعب على القدر المدفوع.
انتهى كلامه.
وهو يشعر بأنه لم يقف على الوجهين في كتاب مشهور، وإلا لم يسنده إلى بعض الشرح المجهولة، وهو غريب، فإن الوجهين- على ما هما عليه من الإطلاق- مذكوران في ((الروضة)) في آخر باب الدماء.
باب صفة الحج
قوله: واستحب النووي دخوله مكة حافيًا، وهو ما ذكره في ((البحر)) عن بعض الناس، مستدلا بقوله- تعالى-: لموسى عليه السلام: ((لقد حج هذا البيت سبعون نبيًا، كلهم خلعوا نعالهم من ذي طوى تعظيمًا للحرم))، قال الأصحاب: ويستحب أن يدخل المسجد من باب بني شيبة، وقال في ((المرشد)): إنه يستحب أن يخرج من باب بني مخزوم.
انتهى كلامه.
واعلم أن باب بنى مخزوم هو باب الصفا، وإنما يستحب الخروج من هذا لمن أراد السعي خاصة، فأما من أراد الخروج لحاجته فمن الباب الأقرب إليه، وإن خرج إلى بلده خرج من باب بني سهم، وما نقله عن ((البحر)) رأيته كذلك في نسخة منه- أي: من ((البحر)) - وكأنه سقط شيء من الاستدلال، وأصله قوله- تعالى-: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ...﴾ الآية [طه:12].
قوله: فإذا بلغ إلى الركن اليماني استلمه، وقبل يده، ولا يقبله، لأنه لم ينقل.
انتهى.
وما ذكره من عدم نقله ليس كذلك، فقد روى الدارقطني، والحاكم في المستدرك، والبيهقي أنه- عليه السلام- قبله، إلا أن البيهقي ضعفه.
قوله: ولا فرق في جواز الطواف راكبًا بين أن يكون لعذر من مرض أو لا، لأنه- عليه الصلاة والسلام- لم يطف راكبًا لمرض كما رواه مسلم عن جابر، ثم إذا جاز الطواف راكبًا فهل هو مكروه؟ قال الماوردي: إن كان بغير عذر فنعم، وهو الذي أورده أبو الطيب وغيره.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي في ((شرح مسند)) الإمام الشافعي قد ذكر أن عكرمة روى عن ابن عباس أن طوافه- عليه الصلاة والسلام- راكبًا كان لمرض، وأقوى من ذلك: ما في ((البخاري))، فإنه ترجم لطوافه- عليه الصلاة والسلام- بقوله: باب المريض يطوف راكبًا.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد جزم في ((شرحيه: الكبير، والصغير))، وكذلك النووي
في ((الروضة)) بعدم الكراهة، ويتعجب من جزمه بحكم قد جزم المذكوران في مثل هذه الكتب المشهورة بعكسه.
قوله: وقد حكى الإمام عن أبي يعقوب الأبيوردي من أصحابنا وجهًا: أنه يصح طواف القدوم بغير طهارة، ويجبر بدم.
انتهى.
وحكايته لهذا الوجه في طواف القدوم غلط، بل إنما حكاه الإمام في طواف الوداع فقال ما نصه: وذكر أبو يعقوب الأبيوردي وجهًا في أنه هل يصح الوداع من غير طهارة؟ ثم قال: يجبر بالدم.
وإنما قال هذا من حيث إنه ألزم فقيل: لو جاز جبر طواف الوداع بالدم لجاز جبر الطهارة فيه بالدم، فارتكب وقال: يجبر بالدم.
هذا لفظه، وإنما أوقع المصنف في هذا الوهم: أن الإمام ذكره في القسم الثالث المعقود لطواف القدوم.
قوله: لكن قد عمت البلوى بغلبة النجاسة في موضع الطواف من جهة الطير وغيره، فلأجل ذلك اختار جماعة من أصحابنا المتأخرين المحققين- كما قال النووي في ((المناسك)) - إنه يعفى عنها، وأنه ينبغي أن يقال: يعفى عما يشق الاحتراز منه من ذلك، كما عفي عن دم القمل والبراغيث ... إلى آخره.
وهذا لكلام الذي ذكره- رحمه الله- يشتمل على سهو وتناقض، وذلك لأن النووي قد قال في ((المناسك)): وقد اختار جماعة من أصحابنا المتأخرين المحققين المطلعين أنه يعفى عنها، وينبغي أن يقال: إنه يعفى عما يشق ... إلى آخر ما تقدم.
وذكر في ((شرح المهذب)) مثله- أيضًا- فظن المصنف أن قوله: وينبغي ... إلى آخره، من جملة المختار لهذه الجماعة، مع أنه للنووي لا لهم، ثم إنه لزم منه التناقض في عبارته، لأنه نقل عنهم أولا العفو مطلقًا، ثم أسند إليه ثانيًا العفو فيما يشق الاحتراز منه دون غيره.
قوله: وقد اندرج فيما ذكره الشيخ عدم صحة طواف النائم، لأنه محدث على الصحيح، وقد قال الإمام: إن هذا يقرب من صرف الطواف إلى طلب غريم، ويجوز أن يقطع بوقوعه موقعه.
انتهى كلامه.
وما توهمه- رحمه الله- من أن الإمام ذكر هذا الكلام في النوم الذي يصير به الشخص محدثًا غلط، بل إنما ذكره فيما إذا كان على هيئة لا تنقض الوضوء، فقال في أوائل: فصل أوله: ((قال الشافعي- رضي الله عنه-: ويخطب الإمام يوم السابع)) ما نصه: والذي يدل على ما ذكرناه: أن الأئمة قالوا: لو حضر بطرف من أطراف عرفة
نائمًا كفاه ذلك، ولا يبعد أن يقال: لو اتفق مثل هذا من ذاك في أشواط الطواف، والنوم على هيئة لا تنقض الوضوء- فهذا يقرب من الخلاف في صرف الطواف إلى غير جهة النسك، فإنه لم يوجد منه فعل شيء أصلًا، وهذا محتمل في الطواف.
ويجوز أن يقال: يقطع بوقوع الطواف من النائم الذي صورناه موقعه من حيث لم يصرف الطواف عن النسك.
هذا لفظ الإمام، وهو على العكس مما نقله المصنف، وقد ذكره الرافعي على الصواب.
قوله: وقد كان المسجد في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصغر مما هو عليه الآن، فاشترى عمر دورًا وزادها فيه، واتخذ للمسجد جدارًا قصيرًا دون القامة، وهو أول من اتخذ جدارًا للمسجد الحرام، ثم وسعه عثمان كذلك، واتخذ له الأروقة، وكان أول من اتخذها له، وقيل: أول من اتخذ عبد الله بن الزبير في خلافته، ثم وسعه الوليد بن عبد الملك، ثم المنصور، ثم المهدي، وعليه استقر بناؤه إلى وقتنا هذا، قاله في ((الروضة)).
انتهى كلامه.
وحاصل ما ذكره: أن المسجد حصل التوسيع فيه خمس مرات فقط، وليس كذلك، فقد أهمل سادسًا بعد عثمان وقبل الوليد- وهو ابن الزبير- والعجب أن النووي قد نقله في ((الروضة)) أيضًا، فسها عنه المصنف، ولم يتعرض المصنف لابن الزبير في التوسيع، وإنما حكى الخلاف عنه في اتخاذ الأروقة، هل صدرت عنه، أو عن عثمان؟
قوله: قال- يعن الشيخ: وإنه حمله محرم، ونويا جميعًا، أي: نوى كل منهما الطواف عن نفسه، ووجد شرطه في كل واحد منهما- ففيه قولان: أحدهما: أن الطواف للحامل.
ثم قال: والثاني: أنه للمحمول، لأن الحامل آلة له فهو كالراكب، وهذا ما اختاره في ((المهذب))، وصحهه النووي في ((المناسك)).
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه المسألة ليست في ((مناسك)) النووي بالكلية، وليست في ((الروضة)) أيضًا.
نعم، ذكرها النووي في ((شرح المهذب)) و ((تصحيح التنبيه)).
الأمر الثاني: أن النووي لم يصحح وقوعه للمحمول في شيء من كتبه، بل الذي صححه في الكتب التي ذكر فيها المسألة: وقوعه عن الحامل فقط.
قوله- في المسألة-: تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمورًا.
ثم قال: الثاني: أن الحامل لو نوى الطواف عن المحمول لم يجر القولان، ولأجل ذلك قال النووي في ((التصحيح)): إن الحامل إذا نواه للمحمول وقع عنه.
وهذا صحيح إن كان في طواف القدوم أو في طواف متطوع به، أما إذا كان في طواف الفرض فلا، لما ستعرفه.
انتهى.
ومستند تفصيله بين طواف القدوم وطواف الفرض: أن طواف القدوم يحتاج إلى النية، فإذا صرفه الحامل إلى المحمول انصرف إليه، ولا يجئ فيه القولان، وأما طواف الإفاضة فإن في احتياجه إلى النية وانصرافه بالصرف خلافًا، فيجيء القولان كذلك، إذا علمت ما قلناه ففي كلامه أمور:
أحدها: أن استدلاله بكلام ((التصحيح)) على تقوية ما أفهمه كلام الشيخ من عدم جريان القولين، استدلال عجيب، فإن النووي في ((التصحيح)) قد ساق هذه المسألة مساقًا ينصب عليه لفظ الأصح، ولاسيما أن عادته فيه أنه إن أثبت الخلاف عبر بـ ((الأصح)) ونحوه، وإن نفاه عبر بـ ((الصواب)).
الثاني: أن هذا الكلام منه يقتضي الجزم بأن طواف القدوم يحتاج إلى النية، وليس كذلك، فإن كلام الشيخ مقتض لإثبات الخلاف، وإلحاقه بطواف الإفاضة، على ما نبه عليه هو- أعني ابن الرفعة- ونقل عن الشيخ أبي حامد وغيره ما يوافقه- أيضًا- ولم ينقل الجزم بالوجوب إلا عن إشارة وقعت في كلام ابن يونس، وحينئذ فيمشي كلام الشيخ هنا وهناك على طريقة واحدة، ويكون ما أفهمه كلامه هنا موافقًا لما أفهمه هناك، بل كلام المصنف يقتضي شهرة القول به، فإنه قال هناك: وطواف القدوم يحتمل إجراء الوجهين فيه كما يشعر به إيراد الشيخ وسياق كلامه، لأنه من سننه الداخلة في العبادة، بل قال المرني: إنه نسك فيه حتى يجب بتركه الدم، وإذا كان من سننه كانت النية منسحبة عليه، لكن في ((ابن يونس)) ما يفهم الجزم باشتراط النية فيه.
هذا كلامه [أو].
قوله- أيضًا في المسألة-: ويجوز أن يكون قوله: ونويا جميعًا، أي: نويا الطواف عن المحمول، فإن فيه قولين حكاهما الفوراني وغيره: أحدهما: أنه يقع عن الحامل، والثاني: أنه يقع عن المحمول، وهو الأصح، وفيه قول ثالث: أنه يقع عنهما، حكاه النووي في ((المناسك)).
انتهى كلامه.
وما نسبه إلى ((المناسك)) من حكاية الثالث فغلط، إنما حكاه وجهًا منضمًا إلى وجهين آخرين.
قوله: نعم، قال الإمام تبعًا للقاضي الحسين: إنه لو خلف من الحجر مقدار الستة الأذرع على رأيه، واستظهر ثم اقتحم في طوافه الجدار وراء ذلك، وتخطى الحجر على هذا السمت- اعتد بطوافه، وإن كان ما جاء به مكروهًا.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من إسناده الإجزاء والكراهة إلى القاضي الحسين صحيح بالنسبة إلى الإجزاء خاصة، وأما الكراهة فلم يتعرض لها بالكلية، بل ولا حكم بعدم الاستحباب، فضلًا عن الكراهة.
قوله: وإن طاف من غير نية فقد قيل: يصح، لأن نية الحج تأتي عليه كما تأتي على الوقوف، وهذا ما صححه النووي، وقيل: لا يصح، لأنه عبادة تفتقر إلى السير فافتقرت إلى النية كركعتي المقام، وحكى في ((الوسيط)) وجهًا ثالثًا: أنه يجزئ، إلا إذا صرفه إلى طلب غريم وقصد آخر، وهذا من تخريج الإمام، وجزم به القاضي أبو الطيب.
انتهى كلامه.
وما نقله- رحمه الله- عن النووي من تصحيح الأول غلط، بل إنما صحح في كتبه كلها الوجه الثالث، وسبب وقوع هذا الغلط: أن النووي صحح- أولًا- أن النية لا تجب، وأطلق، ثم أفرد الصرف بمسألة أخرى وذكرها عقبها، وصحح فيها عدم الإجزاء، فوقف المصنف على كلامه الأول، وغفل عن الأخير.
قوله: قال الماوردي: ويستحب له بعد استلام الركن وقبل خروجه- أي: إلى المسعى- أن يقف في الملتزم، ويدعو عنده، لأنه- عليه الصلاة والسلام- فعله، وأن يدخل الحجر ويدعو تحت الميزاب، لقوله- عليه الصلاة والسلام-: ((ما من أحد يدعو تحت الميزاب إلا استجيب له)).
ثم قال: وقال ابن الصلاح: ظاهر الحديث الصحيح يدل على أن هذا مما لا ينبغي أن يشتغل به عقب الطواف الذي يستعقب السعي، بل يخرج إلى السعي، ويؤخر ذلك إلى أوان آخر.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الماودري من أنه يستحب ذلك بعد الطواف المستعقب للسعي قبل خروجه إلى السع، فغلط، فإن الماوردي لم يصرح باستحبابه بعد هذا الطواف، كما نقله عنه المصنف، وإنما ذكر أنه يستحب ذلك بعد الطواف، وأطلق، وحمله- على ما أشار ابن الصلاح- على استحبابه لا دافع له لو اقتصر عليه، لاسيما أنه بعد ذكره لهذا الكلام ذكر ما يعين ما قلناه، فقال: فصل: فإذا ثبت أن تقدم الطواف شرط في صحة السعي، ففرغ من طوافه، وعاد إلى استلام الحجر بعد صلاته- خرج من باب
الصفا.
هذا لفظه، وسبب وقوع المصنف في هذا: أن النووي اختصر عبارة ابن الصلاح بعبارة موهمة، فصرح المصنف بما أوهمه كلامه، وهذا من آفات كثرة الوسائط.
قوله: وقد اتفق الكل على أن من شرط السعي: أن يقع بعد طوافٍ ولو نقلًا، إلا طواف الوداع، فإنه لا يتصور وقوعه بعده.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الكلام يقتضي أن المكي إذا أحرم بالحج ثم طاف طواف نفل- أنه يصح السعي بعد، وليس كذلك، فإنه لم يجوزه أحد، وممن جزم بامتناعه النووي في ((شرح المهذب))، وشرط أن يكون بعد طواف القدوم أو الإضافة، واقتضاه- أيضًا- كلام الرافعي.
الأمر الثاني: أن ما قاله من عدم تصور وقوعه بعد طواف الوداع قلد فيه الرافعي، ومنعه له غريب، وذلك لأن من أراد الخروج من مكة فإنه مأمور بطواف الوداع، لكن اختلفوا: هل من شرطه الخروج إلى مسافة القصر أم لا كما هو معروف في موضعه؟ إذا علمت ذلك، فإذا أحرم بالحج من مكة، ثم أراد الخروج- قبل الوقوف- لحاجة، فطاف للوداع، وخرج لحاجته، ثم عاد، وأراد أن يسعى بعد عوده- فهذا سعي وقع بعد طواف الوداع، وتخلل السفر بينهما لا يقدح، فإن المولاة لا تشترط فيه، وهذا التصوير واضح جلي، وقد ذكره صاحب ((البيان)) عن الشيخ أبي نصر، وزاد على ذلك فجزم بالصحة وقال: إنه مذهب الشافعي.
ونقله النووي في ((شرح المهذب)) عنه، وسلم التصوير، لكنه نازع في الصحة، فقال: ولم أره لغيره ما يوافقه.
قال: وظاهر كلام الأصحاب: أنه لا يجوز إلا بعد القدم أو الإضافة.
وهذا التوقف منه مع هذا النقل الصريح مردود.
قوله: والأفضل أن يقف عند الصخرات، ويجعل بطن ناقته إن كان راكبًا إلى الصخرات، اقتداء به، عليه الصلاة والسلام.
انتهى.
وما ذكره من استحباب الوقوف عند الصخرات إنما هو في حق الرجل، أما المرأة فالمتسحب لها: أن تقف في حاشية الموقف، كما تقف في آخر باب المسجد.
كذا جزم به النووي في ((المناسك))، وفي آخر باب الإحرام من ((شرح المهذب))، نقلًا عن الماوردي من غير مخالفة.
قوله: قال- يعني الشيخ-: ومن فاته ذلك، أو وقف وهو مغمى عليه- فقد فاته
الحج أما إذا فاته ذلك، فلفوات الوقت، وأما إذا وقف وهو مغمى عليه، فلخروجه عن أهلية العبادة، وهذا ما أورده الغزالي في ((الوسيط))، موجهًا له بما ذكرناه، وصححه في ((الروضة)).
ثم قال: ويؤخذ من كلام الشيخ: أنه إذا وقف وهو مجنون فقد فاته الحج من طريق الأولى، لأنه أسوأ حالًا من المغمى عليه، وقد قيل فيهما: إنه يتم حجهما- أيضًا- وهو الذي ذكره القاضي الحسين في المغمى عليه، ولأجله اقتضى إيراد البغوي ترجيحه فيه وصححه الرافعي.
انتهى.
اعلم أن الكلام في وقوفه المغمى عليه من وجهين:
أحدهما: أنه هل يكون محصلًا للحج، أو لا يحصله، بل يكون كمن لم يقف بالكلية؟
الوجه الثاني: أنه على تقدير حصوله هل يغني عن حج الفرض، أو يقع نفلا؟ فأما الأول- وهو حصول الحد- فإن فيه وجهين: أحدهما:
أنه لا يحصل، وهو الذي جزم به صاحب ((التنبيه))، ونص عليه الشافعي في ((الإملاء)).
والوجه الثاني- وهو الذي نقله الرافعي عن صاحب ((التتمة))، ولم ينقل خلافه، ولم يعترض عليه-: أنه يحصل، وتابعه على ذلك النووي في ((الروضة)) و ((شرح المهذب))، إلا أن الذي تكلم فيه صاحب ((التتمة))، ونقله عنه الرافعي والنووي: إنما هو في وقوف المجنون، غير أنه إذا ثبتت الصحة فيه ثبتت في المغمى عليه بطريق الأولى.
وأما الثاني- وهو الصحة بمعنى الوقوع عن الفرض- فحكى الرافعي فيه وجهين، وصحح أنه لا يحصل، فقال ما نصه: الرابعة: لو حضر وهو مغمى عليه لم يجزئه، لفوات أهلية العبادة، ولهذا لا يجزئه الصوم إذا كان مغمى عليه طول نهاره، وفيه وجه: أنه يجزئه اكتفاء بالحضور، ولو حضر مجنونًا لم يجزئه، قال في ((التتمة)): لكن يقع نفلا كحج الصبي الذي لا يميز.
هذا كلامه، وإذا ظهر لك ما قلناه علمت أن في كلام المصنف غلطًا من وجهين:
أحدهما: في نقله عن ((الروضة)) تصحيح الفوات في حق المغمى عليه، فإن فيهما الجزم بعكسه كما تقدم.
والثاني: في نقله عن الرافعي تصحيح الإجزاء في المجنون، فإن الصحيح فيه
- كما تقدم أيضًا- عكسه، والسبب في وقوعه في الموضع الثاني هو تقليده للنووي، فإنه في ((الروضة)) قد اختصر كلام الرافعي على العكس، ثم اعترض عليه في ((زياداته)) بأن الصحيح عكسه.
قوله: فإن دفع من عرفة قبل الغروب لزمه دم في أحد القولين، وهذا ما نص عليه في القديم والجديد، وقال النووي: إنه الأصح، والخلاف مبني على أن الجمع بين الليل والنهار هل هو من واجبات الإحرام، أو من سننه؟ انتهى.
وما نقله عن النووي غلط، فإن الذي صححه في ((الروضة)) و ((شرح المهذب)) وباقي كتبه: أنه لا يجب، وصححه- أيضًا- في ((المناسك)) فقال، أصحهما: مستحب، والثاني: واجب.
هذا لفظه، وسبب وقوع هذا للمصنف: أنه استنبط ذلك من كلام آخر مذكور بعد هذا في ((المناسك))، غافلًا عن هذا الذي صرح به فيه وفي كتبه كلها.
قوله: ويصلي بمزدلفة المغرب والعشاء في وقت العشاء.
ثم قال: ومحل القول باستحباب الجمع- كما قال الإمام- إذا لم يخف فوت وقت الاختيار للعشاء قبل أن يوافي مزدلفة، وفيه قولان في الكتاب الجديد: ما لم يذبه ثلث الليل، كما قاله أبو الطيب، فإن خاف فوت ذلك فيصلي في الطريق دون مزدلفة.
انتهى كلامه.
واعلم أن هذا التقييد الذي نقله عن الإمام خاصة قد نص عليه الشافعي في ((الأم)) في ((مختصر الحج الأوسط)) في باب ما يفعل من دفع من عرفة، فقال ما نصه: ولا يصلي المغرب والعشاء حتى يأتي المزدلفة فيصليهما، فيجمع بينهما بإقامتين ليس معها أذان، وإن أدركه نصف الليل قبل أن يأتي المزدلفة صلاهما دون المزدلفة.
هذا لفظ ((الأم))، ومنها نقلت.
إذا علمت ذلك فقد توجه على المصنف أمران: أحدهما: أن هذا التقييد لابد منه، وأنه مذهب الشافعي، بخلاف ما يوهمه كلامه من انفراد الإمام به، لاسيما الرافعي، فإنه نقل عن الأكثرين أنهم أطلقوا القول بذلك.
الأمر الثاني: أن القول بامتداده إلى نصف الليل قول جديد لا قديم، كما ذكره هاهنا، لأن ((الأم)) من الكتب الجديدة، وقد نص عليه في ((الإملاء)) فقال: قال الشافعي: وأكره للرجل إذا دفع من عرفة أن يعرج حتى يأتي مزدلفة، فإن فعل لم يصل المغرب والعشاء حتى يأتي مزدلفة، إلا أن يدركه نصف الليل قبل أن يأتي المزدلفة فيصلي المغرب والعشاء قبل نصف الليل حيث أدركه.
هذا لفظه بحروفه، وقد
استفدنا من نصه في ((الإملاء)): أن استحباب جمع التأخير شرطه أن يريد مزدلفة، فإن لم يرد الدخول إليها فلا يستحب له هذا الجمع، وهي مسألة حسنة ومتجهة من جهة المعنى، لأن المستحب لمن كان في المنزل في وقت الأولى أن يقدم الثانية إليها، وإنما تركنا هذا، التأخيره- عليه الصلاة والسلام- ليجمع في مزدلفة، فيبقى فيما عداه على الأصل.
قوله: والمنقول عن الشافعي: أنه كره أخذ الحصى من ثلاثة مواضع: من المسجد، والحش، والمرمى.
انتهى كلامه.
أهمل موضعًا رابعًا نقص الشافعي على كراهة أخذه منه- أيضًا- وهو الحل، وقد صرح بنقل هذه الأربعة عنه وعن الأصحاب- أيضًا- النووي في ((شرح المهذب)) في الكلام على المبيت بمزدلفة.
واعلم أن التقييد بالحش لا معنى له، بل يكره الأخذ من كل موضع نجس، كذا رأيته في ((الأم))، وهو واضح، ولك أن تقول: إذا غسل هذا الحصي المأخوذ من الموضع النجس فهل تزول كراهة الرمي، لصيرورته طاهرًا، أم الكراهة باقية، لأخذه إياه من مكان مستقذر؟ فيه نظر، والثاني يؤيده استحبابهم غسل الجمار قبل الرمي بها، سواء أخذها من موضع نجس أم لا، وحينئذ فلو لم تبق الكراهة لكان يلزم ألا يصح قولهم: يكره الرمي بها، مع قولهم: يستحب الغسل، فتفطن لذلك!
والحش- بفتح الحاء المهملة وبالشين المعجمة-: هو المرحاض، وأصله في اللغة: البستان، وإنما سمي هذا بذلك، لأنهم كانوا يقضون حاجتهم في البساتين قبل اتخاذ هذه المراحيض المعدة لذلك.
قوله: وكذا قوله النووي في ((الروضة)): إن الذي نص عليه الشافعي فيما إذا حصل بمزذلفة في النصف الأخير: أنه حصل له المبيت، وحكى قولًا ضعيفًا عن نصه في ((الإملاء)) و ((القديم)): أنه يحصل بساعة بعد نصف الليل وطلوع الفجر.
انتهى كلامه.
والقولان اللذان حكاهما عن ((الروضة)) قد غلط في حكايتهما غلطًا أداه إلى اتحاد القولين، فإن الصواب في حكاية الثاني: أن يقول: من طلوع الشمس، لا: طلوع الفجر، فإنه قال: لو لم يحضر مزدلفة في النصف الأول، وحضرها ساعة في النصف الثاني- حصل المبيت، نص عليه في ((الأم))، وفي قول ضعيف نص عليه في ((الإملاء)) والقديم: يحصل بساعة بين نصف الليل وطلوع الشمس، وفي قولٍ: يشترط معظم الليل.
هذا لفظه.
قوله- في أثناء بحث-: قال الرافعي: ولك أن تقول: هذه الاستحالة واضحة إن قيل بوجوب المبيت، لكنه مستحب على هذا القول، فعلى هذا: لا يستحب المصير إلى الكون بها في معظم الليل أو حالة الطلوع.
انتهى كلامه.
وصوابه الذي قاله الرافعي: لا يستحيل المصير، بلفظ: ((يستحيل)) - أعني باللام- لا بلفظ ((يستحب))، أي: بالباء.
قوله: قال في ((المهذب)): والمستحب أن يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي وهو راكب، لما روت أم سلمة قالت: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرمي من بطن، الوادي وهو راكب، وهو يكبر مع كل حصاة.
انتهى.
وتعبيره بقوله: أم سلمة، تبع فيه ((المهذب))، وهو غلط، قال النوي في ((شرح المهذب)): والصواب الذي رواه جميع أصحاب كتب الحديث، ولا خلاف فيه بينهم: أنها أم سليمان.
قال: وممن كذلك أبو داود وابن ماجه والبيقهي وغيرهم.
قوله: قال- يعني الشيخ-: وإذا رمى ذبح هديًا إن كان معه، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:29] يعني: نحر الهدي، ولقول جابر في صفة حجه - صلى الله عليه وسلم -: ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة، ثم أعطى عليًا فنحر ما غبر.
ويستحب أن يأكل من كبد هديه إذا كان متطوعًا به قبل أن يمضي إلى طواف الإفاضة، وأما إذا كان واجبًا فقد تقدم الكلام فيه، وإذا كان منذورًا فسيأتي.
ثم قال ما نصه: الهدي ما يهدى إلى الحرم من حيوان وغيره، والمراد هنا- كما قال النووي-: ما يجزئ في الأضحية من الإبل والبقر والغنم.
انتهى كلامه.
وهذا التفسير الذي نقله عن النووي قد صرح به النووي كما قال، إلا أنه تفسير باطل يتعجب من موافقة المصنف له، فإن الهدي يطلق على ما وجب على المحرم بسبب الإحرام كدم التمتع وغيره، ويطلق على ما يسوقه المحرم- تقربًا- إلى مكة، وكل منها يشرع ذبحه في يوم النحر بعد الرمي، وكلام المصنف صريح في الموافقة على ذلك كله، فإنه مثل بالنوعين كما سبق، وإذا علمت ذلك فكل منهما لا يشترط فيه أن يكون بصفة الأضحية: فأما الواجب بسبب الإحرام، فبدليل جزاء الصيد والشجر، فإنه يجب في الصغير صغير، وفي المعيب معيب، وأما ما يسوقه المحرم ابتداء فواضح، وكذلك إذا أشار إلى ما لا يجزئ ونذر سوقه أو التزمه في ذمته، ولكن قيده بالعيب المانع من الأضحية كالصغر ونحوه، وكل هذا مشهور معروف في كتاب النذر.
قوله: وقد اقتضى كلام الشيخ هنا وفي ((المهذب)): أن الإفاضة لأجل الطواف تكون بعد الخطبة التي ذكر أنها تشرع بعد الظهر، وهو ما دل عليه كلام ابن الصباغ حيث قال: يستحب أن يخطب الإمام يوم النحر بعد صلاة بمنى، فيعلم الناس الذبح والرمي والمصير إلى طواف الإفاضة، وذلك وجه يحكى في ((تعليق)) القاضي أبي الطيب.
ثم قال: لكن في ((الأم)) أنه يطوف قبل الزوال.
وقال القاضي في الكلام على الجبران: إنه الصحيح.
ولم يذكر القاضي الحسين والغزالي والرافعي غيره، واختار القاضي أبو الطيب وجهًا ثالثًا في المسألة، فقال: إن كان الزمان صيفًا عجل الإفاضة في أول النهار لاتساعه، وإن كان شتاء أخرها لقصر النهار.
انتهى.
وما ذكره- رحمه الله- في أول كلامه من دلالة كلام ابن الصباغ على أنها بعد الزوال عجيب وغفلة، فإنه كما يعلمهم النحر والرمي- وإن كان يستحب قبل الزوال، لاحتمال تركهما- كذلك أيضًا يعلمهم المسير إلى مكة وإن كانت مستحبة قبل الزوال، لاحتمال ذلك.
قوله: وأما آخر وقته- يعني رمي جمرة العقبة- فقال القاضي الحسين والماوردي وغيرهما: إنه غروب الشمس من يوم النحر.
وفي ((النهاية)) وجه: أنه يمتد إلى طلوع الفجر، والصحيح: الأول.
ثم قال ما نصه: ولك أن تقول: سيأتي أن الصحيح فيما إذا أخر هذا الرمي إلى اليوم الأول أو الثاني أو الثالث من أيام التشريق وقع أداء، وهذا يدل على أن الوقت لا يخرج بما ذكر، ويجوز أن يقال: المراد بخروج الوقت هنا خروج وقت الاختيار، وما سيأتي المراد به بيان وقت الجواز، وحينئذ يكون للرمي ثلاثة أوقات: وقت فضيلة: وهو بعد طلوع الشمس إلى الزوال، ووقت اختيار وهو من الزوال إلى الغروب، ووقت جواز وهو إلى آخر أيام التشريق.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الكلام صريح في أن الأصح جواز تأخير رمي يوم إلى يوم، لكنه قد صرح بعد ذلك بتصحيح المنع، وعبر بلفظ ((الصحيح))، ذكر ذلك في الكلام على أهل السقاية في أثناء شرحه لقول الشيخ: فيرموا يومًا ويدعوا يومًا.
الأمر الثاني: أنه إذا ترك رمي يوم من أيام التشريق فإن الأصح: أنه يتداركه في باقي الأيام، ويكون أداء، هكذا قاله الرافعي وغيره، ويؤخذ منه جواز التأخير، وسيأتي ذكر ذلك في كلام المصنف واضحًا صحيحًا، وأما دعواه هنا أن ذلك سيأتي- أيضًا- في
جمرة العقبة فدعوى غير صحيحة كما ستعرفه، إن شاء الله تعالى.
قوله: وما ذكره الشيخ- أي: من جواز تأخير طواف الإفاضة عن يوم النحر- هو الذي أورده الجمهور، وقد حكى ابن التلمساني: أنه لا يجوز له أن يخرج من مكة حتى يطوف.
ثم قال: قلت: والذي يظهر لي أن أقول من قال: إنه يجوز له تأخير الطواف إلى آخر العمر، ليس على إطلاقه، بل هو محمول على ما إذا كان قد تحلل التحلل الأول، أما إذا لم يكن قد تحلل التحلل الأول فلا يجوز له تأخيره وتأخير ما يحصل به التحلل الأول إلى آخر العمر، بل لا يجوز تأخيره إلى العام القابل، لأنه يصير محرمًا بالحج في غير أشهره، وسنذكر مادة ذلك في باب الفوات والإحصار عن الماوردي.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما اقتضاه كلامه من أن ما قاله التلمساني وجه مخالف للجمهور فليس بصحيح، لأن طواف الوداع واجب، ومتى طاف للوداع وقع عن الفرض، فأشار ابن التلمساني إلى هذا، وقد صرح به غيره، وهو معنى ما في ((الرافعي))، فإنه قال: وأما الحلق والطواف فلا يتأقت آخرهما، لكن لا ينبغي أ، يخرج من مكة حتى يطوف، فإن طاف للوداع وخرج وقع عن الزيارة.
هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن هذا البحث الذ ذكره فاسد، لأنه إن كان المراد بمصيره محرمًا في غير أشهر الحج هو إنشاء للإحرام فانتفاؤه معلوم، وإن أراد استدامته فلزوم حصوله مسلم، وليس يمتنع إجماعًا، فإن أشهر الحج قد انقضت بطلوع الفجر من يوم النحر، ولا يجب عليه تقديم أسباب التحلل على الفجر، بل الأفضل تأخيرها عنه.
قوله: فإن قلنا: إن الحلق نسك، حصل له التحلل الأول باثنين من ثلاثة، وهي الحلق والرمي والطواف، لما روى أبو داود عن عائشة قالت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء))، وفي كتب الفقهاء أنه قال ((إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب واللباس)).
فيه تعرض إلى لخصلة واحدة، وأما اشتراط خصلتين في حضور التحلل الأول- كما يقولونه- فالحديث الدال عليه ليس مذكورًا في كتب الحديث، بل في كتب الفقهاء، وما أشار إليه من أنه لا أصل له في كتب الحديث ليس كذلك، فقد روى الدارقطني الحديث المذكور عن عائشة من ثلاث طرق، وفي كل منها ذكر الرمي
والحلق كما ذكره الفقهاء، وفيها- أيضًا- التنصيص على الطيب واللباس، إلا أنه ضم إلى الخصلتين ثالثة وهي الذبح، وقد اتفقوا على عدم اعتبارها في التحلل، ولفظ الطريق الأول: ((إذا رميتم وحلقتم وذبحتم فقد حل كل شيء إلا النساء، وحل لكم الثياب والطيب))، ولفظ الثاني: ((إذا رمي وحلق وذبح فقد حل له كل شيء إلا النساء)) ولفظ الثالث: ((إذا رميتم وحلقتم وذبحتم حل لكم كل شيء إلا النساء))، وبالجملة فالحديث ضعيف، صرح بضعفه أبو داود.
قوله: ونص في ((الإملاء) على أنه يستحب رمي الجمرات في اليوم الأول من أيام التشريق، وفي اليوم الثاني منها راكبًا، لأنه يسير بعده، وفي ((التتمة)): أن الصحيح ترك الركوب في الأيام الثلاثة، وكأنه- والله أعلم- تمسك بما رواه أبو داود عن ابن عمر أنه كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشيًا ذاهبًا وراجعًا، ويخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك، لكن في إسناده هذا الخبر عبد الله بن عمر بن حفص العمري، وفيه مقال، وإن كان مسلم قد خرج له مقرونًا بأخيه عبيد الله.
انتهى كلامه.
وما ذكره- رحمه الله- تفقهًا من كون صاحب ((التتمة)) قد تمسك بالحديث المذكور غريب، فقد صرح صاحب ((التتمة)) بذلك متصلًا بالكلام الذي نقله عنه، ثم إن إخراج المصنف لهذا المستند مع علمه بضعفه دليل على عدم اطلاعه على غيره، مع أن الترمذي رواه عن ابن عمر من طريق آخر وقال: إنه حسن صحيح.
وقال في ((شرح المهذب)): إنه على شرط الشيخين، ولفظه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبًا وراجعًا.
قوله: ومن عجز عن الرمي استناب من يرمي عنه.
ثم قال: والعجز تارة يكون بالحبس ظلمًا- كما نقله البندنيجي عن نصه في ((الإملاء)) - وتارة بالمرض.
انتهى كلامه.
واعلم أن تقييد الحبس بكونه ظلمًا يشعر بأن المحبوس بحق لا يستنيب، وليس كذلك، بل متى عجز المحبوس بحق أو بغيره استناب، لوجود العلة، وقد صرح به النووي في ((شرح المهذب)) فقال ما نصه: ويجوز للمحبوس الممنوع من الرمي الاستنابة فيه، سواء كان محبوسًا بحق أو بغيره، وهذا متفق عليه.
هذا لفظ النووي، وصورة المحبوس بحق: أن يجب عليه قود لصغير أو مجنون، فإنه يحبس، وما أشبه هذه الصورة من جهة المعنى، فأما إذا حبس بدين قادر عليه فلا يستنيب جزما.
قوله: نعم، لو ترك رمي اليوم الأول: فهل يأتي به في الثاني، أو رمي اليوم الأول
والثاني فهل يأتي به في اليوم الثالث أداء؟ فيه قولان مأخذهما: أن أيام منى هل تجعل كاليوم الواحد أم لا؟ فالقديم والجديد وأحد قوليه في ((الإملاء)): أنه لا يأتي به أداء، بل يكون لكل يوم حكم نفسه بفوت الرمي فيه بغروب الشمس منه، قاله الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ، وادعى الرافعي والإمام أنه الأصح.
انتهى كلامه.
واعلم أن ما نقله- رحمه الله- عن الإمام والرافعي أنهما صححا أنه لا يكون أداء غلط عجيب: أما الرافعي فصحح في ((الشرحين: الكبير، والصغير)) أنه يتدارك أداء، وعبر بـ ((الأظهر))، وأما الإمام فحكى خلافًا من غير ترجيح في أنه هل يتدارك أم لا؟ وكذلك في أن المأتي به على القول بالتدارك قضاء أم أداء، لم يرجح فيه شيئًا أيضًا، ولا حكى فيه ترجيحًا عن غيره، وقد سبق في الكلام على جمرة العقبة أن المصنف قد ناقض كلامه في هذه المسألة.
قوله: أما لو ترك رمي يوم النحر حتى دخلت أيام التشريق فهل يأتي به في أيام التشريق، ويكون حكمه حكم رمي اليوم الأول من أيام التشريق إذا فاته فيما ذكرناه؟ فيه طريقان: منهم من قال: نعم، وهي الطريقة الصحيحة في ((الشامل))، وجعلها البندنيجي المذهب، واختارها في ((المرشد)).
انتهى كلامه.
وهو يقتضي أنه إذا فعله فيها لا يكون أداء على الصحيح عند هؤلاء، وليس كذلك، فإن صاحب ((الشامل)) لم يذكر سوى تصحيح الإتيان به، وكذلك صاحب ((المرشد))، إلا أنه جزم به ونقله عن النص فقال: فأما من أخر رمي جمرة العقبة حتى غربت الشمس من يوم النحر فإنه يرميه في أيام التشريق، نص عليه الشافعي.
هذا لفظ ((المرشد))، ومن النسخة التي كانت لابن الرفعة وعليها خطه بذلك نقلت.
قوله: فعلى هذا: إذا ترك الرمي في الأيام الأربعة حتى مضت أيام التشريق لزمه دم واحد على الصحيح.
ثم قال: في آخر المسألة ما نصه: قال الرافعي: والأصح ما ذكره في ((التهذيب)): أنه تلزمه أربعة دماء.
انتهى كلامه.
وما نقله- رحمه الله- عن الرافعي غلط منه عليه، فإن الرافعي قد قال ما نصه: والأصح منها- على ما ذكره في ((التهذيب)) -: إيجاب أربعة دماء.
ثم قال: لكن الجمهور قالوا: إن قلنا بتدارك رمي بعضها في الباقي اكتفينا بدم، لأن جعلنا الرمي كالشيء الواحد.
انتهى، فأسقط- رحمه الله- لفظ ((على))، وذهل عما نقله عن الجمهور، فوقع في الغلط، ولم ينقل في هذه المسألة عن ((التهذيب))