الهداية إلى أوهام الكفايةصفحات 9-48
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 9-48
عن هذه الطبعة
عَلَم
الإِسْنَوي
الكتاب
الهداية إلى أوهام الكفاية
المؤلف
عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 772هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمي، مطبوع بخاتمة (كفاية النبيه) لابن الرفعةسنة النشر: 2009
عدد الأجزاء
1 (هو الجزء الـ 20 من مطبوعة كفاية النبيه) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

باب المياه

قوله- رحمه الله-: الكتاب، مأخوذ من ((الكتب)) وهو الضم.
يقال: تكتبت بنو فلان، إذا تجمعوا.
انتهى.
اعلم أن ((الكتاب)) و ((الكتب)) - كما قاله الجوهري وغيره من أهل اللغة، وابن عصفور وغيره من النحاة-: مصدران لـ ((كتب))، ثم توسعوا فأطلقوا ((الكتاب)) على ما وقعت عليه الكتابة، كما توسعوا فقالوا: درهم ضرب الأمير، أي: مضروبه، ولم يقل أحد: إن المصدر مشتق من المصدر، فكيف يصح أن يكون ((الكتاب)) مأخوذًا من ((الكتب))؟!.
قوله: والتحقيق ما قاله القاضي حسين في باب نية الوضوء: أن الطهارة الشرعية: رفع الحدث وإزالة النجس، لأن الطهارة مصدر ((طهر))، وذلك يقتضي رفع شيء، والشرع لم يرد [باستعمال] ((الطهارة)) في غير رفع الحدث وإزالة النجس، فاختص الاسم بهما، وإطلاق حملة الشريعة ((الطهارة)) على ما عدا ذلك من مجاز التشبيه.
ثم قال القاضي: إن الطهارة عينية وحكمية: فالعينية: ما يختص وجوبها بمحل حلولها، وهي إزالة النجاسة.
والحكمية: ما يتعدى وجوبها عن [محل] حلول موجبها كالوضوء والغسل وبدلهما.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أن ما نقله عن القاضي الحسين من كون الطهارة رفع الحدث وإزالة النجس، غلط فاحش ليس له ذكر في الباب الذي عزاه إليه وهو باب نية الوضوء، ولا في غيره- أيضًا- بل جزم في الباب المذكور بعكسه، وهو أن التيمم طهارة، ولم يذكر ما يخالفه، فإنه قال في أول الباب ما نصه: الطهارة على نوعين: عينية، وحكمية،

فالحكمية: ما يتعدى وجوبها ... إلى آخر ما نقله عنه المصنف.
ثم مثل للحكمية بالوضوء والاغتسال والتيمم، ولم يذكر ما يخالفه.
ثم إن كلام ابن الرفعة متدافع، لأنه نفى أولًا أن يكون التيمم ونحوه طهارة، وجزم في آخر الكلام بعكسه.
واعلم أن القاضي عقد أولًا بابًا في نية الوضوء، وبعده بابًا في سننه، وأراد ابن الرفعة الأول لا الثاني، فإن الثاني ليس فيه شيء من ذلك الكلام بالكلية، وأما الأول ففيه بعض ما ذكره كما سبق، فاعلمه.
الأمر الثاني: أن ((الطهارة)) ليست من قسم الأفعال، لأنها مصدر ((طهر)) - بضم الهاء- وليست بمصدر لـ ((تطهر))، فإن قياسه: ((التطهير)) - بفتح الطاء وضم الهاء- ولا لـ ((طهر)) مشدد الهاء، فإن قياسه ((التطهير)).
وأما ((الرفع)) فمن قسم الأفعال، إذ هو مصدر ((رفع))، وحينئذ فلا يصح تفسير أحدهما بالآخر.
الثالث: أن الطهارة قد توجد حيث لا فعل بالكلية كما في الخمر إذا انقلبت بنفسها خلا، فلو عبر بالارتفاع لخلص من هذين: الرابع: أن ما ذكروه في التيمم من عدم التسمية والرفع مردود، ففي الحديث الصحيح: ((وترابها طهورًا)، ولهذا قال الشافعي: طهارتان، فلا يفترقان وفي هذا رفع وهو امتناع الصلاة، بخلاف الأغسال المستحبة، وستعرف- أيضًا- شيئًا من هذا الكلام في باب الأذان، فراجعه.
قوله: واقتضى الفصل جوازه بما نزل من السماء وهو المطر وذوب الثلج والبرد، أو نبع من الأرض وهو ماء البحار وماء الآبار وماء الأنهار.
انتهى.
أهمل- رحمه الله- من ماء الأرض رابعًا وهو الأعين.
قوله: نعم، لا يكفي في رفع الحدث وإزالة النجس إمرار الثلج والبرد على المغسول من الأعضاء ما لم يكن الهواء حارًا، فيذوب حالة الإمرار ويجري عليها، ويكفي في الممسوح منها، وفي ((الحاوي)) وجه آخر: أنه لا يكفي فيها- أيضًا- لأنه لا يعد ماسحًا.
انتهى كلامه.
وما نقله عن ((الحاوي)) من أنه لا يكفي في المسح- أيضًا- على وجهٍ، غلطٌ سببه: انعكاس كلام ((الحاوي))، عليه فإنه قد قال ما نصه: فأما إذا أخذ الثلج فدلك به أعضاء طهارته قبل ذوبانه وانحلاله: فإن كان المستحق في العضو المسح كالرأس أجزأه، لحصول المسح به، وإن كان المستحق به الغسل لم يجز، لأن حد الغسل: أن

يجري الماء بطبعه، وهذا مسح، وليس بغسل، مسح ما يجب غسله غير مجزئ، فلو كان الثلج في إمراره على الأعضاء يذوب عليها، ثم يجري ماؤه عليها- ففي جوازه وجهان لأصحابنا: أحدهما: يجزئ، لحصول الغسل بجريان الماء على الأعضاء.
والثاني: لا يجزئ، لأنه بعد ملاقاة الأعضاء يصير جاريًا.
هذا كلام الماوردي، وهو جازم بصحة المسح به، وإنما حكى الخلاف في صورة خاصة من صور الأعضاء المغسولة، فانعكس على المصنف.
قوله: فإن قيل: قد روى عبد الله بن مسعود قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن، فقال: أمعك ماء؟ فقلت: لا، معي نبيذ، فأخذه فتوضأ به، وقال: ((تمرة طيبة وماء طهور)).
فجوابه: أنه روي عن ابن عباس أنه أنكر كونه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن ... ، إلى آخره.
وما ذكره آخرًا ان ابن عباس قد أنكر، سهوٌ، فإن المنكر هو ابن مسعود نفسه كما ذكره الماوردي وغيره.
قوله: وبهذا الطريق ينبغي أن يكون الاستدلال بما ذكرناه، لا بمفهوم اللقب الذي لم يقل بأنه حجة إلا الدقاق.
انتهى.
وما ذكره من أنه لم يقل به غير الدقاق، ليس كذلك، فقد نقله الآمدي عن الحنابلة- أيضًا- وحكاه السهيلي في ((نتائج الفكر)) عن أبي إسحاق المروزي، والغريب أن المصنف قد نقله في أول التيمم عن بعض أصحابنا.
وحكى ابن برهان في ((الوجيز)) قولًا ثالثًا: أنه حجة في أسماء الأنواع: كالغيم والماء، دون الأعيان: كزيد وعمرو.
قوله: تنبيه: قول الشيخ: على أي صفة كان من أصل الخلقة، أراد به- والله أعلم-: ما خلقه الله تعالى من ملوحة وعذوبة وغير ذلك.
انتهى كلامه.
واعلم أن الصفة المذكورة هنا في حد الماء المطلق، وهي الصفة التي خلق عليها الماء- لا يصح تفسيرها بالعذوبة والملوحة ونحوهما كالحرارة والبرودة، لأن بقاء الماء عليها مذكورًا للاشتراط بلا شك، والإلزام: أن يكون كل نازلٍ من المساء أو نابعٍ من الأرض طهورًا من غير شرط آخر، وحينئذ: فيتناول النجس والمتغير والمستعمل، وإذا كان مذكورًا للاشتراط فيلزم من تفسيره بذلك خروج الماء عن الطهورية بطرآن الملوحة- مثلًا- بصب ملح مائي أو ماء مالح ونحوه، لا رجم أن الرافعي في ((الشرح الصغير)) صرح بأن العذوبة والملوحة والحرارة والبرودة ليست داخلة في

ذلك، وسكت عن الكلام عليه ي ((الشرح الكبير)).
قوله: فالعبارة السديدة أن يقال: الماء المطلق ما ينطلق عليه اسم الماء من غير قيد لازم، واحترزنا بـ ((اللازم)) عن غير اللازم كالإضافة إلى مقره أو ممره.
انتهى كلامه.
وحاصله: أن التقييد بـ ((اللازم)) لابد منه، وأن العبارة بدونه لا تكون سديدة، وهو غفلة، بل الواجب حذفه والاقتصار على ما ينطلق عليه اسم الماء من غير قيد، لأن المضاف إلى المقر أو الممر- كماء البئر والنهر ونحوهما- وإن كان مقيدًا، لكنه ينطلق عليه- أيضًا- من غير قيد، لكون التقييد غير لازم، فدخل فيما قلناه المعنى الذي قاله بعينه، وإنما حصل هذا الوهم للمصنف من جهة أن بعضهم قد استعمل هذه العبارة في النفي، فقال: ما لا يكون مقيدًا بقيد لازم، وتقييد هذه العبارة بـ ((اللازم)) لابد منه، فسها فعداه إلى حالة الإثبات أيضًا.
قوله: ومفهوم كلام الشيخ يقتضي أمورًا.
ثم قال: الثالث: عدم كراهة الطهارة بماء زمزم، لأنه- عليه الصلاة والسلام- توضأ منه وقل العباس: ((لا أحلة لمغتسل، لكن لشاربٍ حلٌ وبلٌ)) محمولٌ على حالة احتياج الناس إليه للشرب لكثرتهم.
انتهى كلامه.
واعلم أن المصنف قد نقل في باب الاستطابة عن الماوردي: أنه يحرم الاستنجاء به، واستدل بما قاله هنا عن العباس، ولم يذكر فيه خلافًا، وإن كان فيه كلام ستعرفه هناك، إن شاء الله تعالى.
وهذا الاستدلال من المصنف عجيب، لأن العباس كان يستقي الماء في سقايته للشاربين، والماء الذي يستقيه مملوك له، فيجوز استعماله في الوجه الذي أباحه فيه دون غيره.
والبل- بكسر الباء-: هو المباح، قال الجوهري.
قال: وقال الأصمعي: كنت أظن أنه إتباعٌ، إلى أن أخبر المعتمر بن سليمان بأنه المباح في لغة حمير.
قوله: فرع: إذا كان المخالط لا يغير الماء، لموافقته لصفاته، ولو قدر مخالفًا في بعض الصفات لغيره التغير المؤثر، وذلك مثل ماء الورد الذي انقطعت رائحته، والماء المستعمل إذا قلنا: إنه لو بلغ قلتين لا تجوز الطهارة به كما قاله في ((الكافي)) وغيره، ونحوهما- فهل يسلبه الطهورية؟ ينظر: فإن كان أكثر من الماء سلبه بلا خلاف.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الخلافة ليس كذلك، بل فيه ثلاثة أوجه:

أحدها: ما قاله.
والثاني: إن بلغت الكثرة إلى ثلاثة أضعاف الماء منعت، وإلا فلا، حكاه الصعير- بالصاد والعين المهملتين- في ((نهاية المستفيد في احترازات المهذب)).
والثالث: إن بلغت سبعة أضعاف منعت، وإلا فلا، حكاه هو، وما نقله المحب الطبري شيخ الحجاز في ((شرحه)) للتنبيه.
وفي المسألة وجهان آخران لا يردان على المصنف: أحدهما: ما اختاره القفال في ((فتاويه)): أن المضر من ذلك هو الكثير، قال: وتعرف الكثرة بالعادة.
والثاني: أن الذي يضر هو الثلث فصاعدًا، حكاه في ((الفتاوى)) المذكورة عن أبي يعقوب الأبيوردي.
واعلم أن الرافعي والنووي وغيرهما قد ذكروا أن المستعمل إذا جمع حتى بلغ قلتين عاد طهورًا على الصحيح، ثم ذكروا- أيضًا- أن الماء إذا ضم إلى ماء مطلق، فبلغ قلتين- أيضًا- كان حكمه حكم الماورد وغيره من المانعات، حتى إذا كان أكثر من الماء ضر، وإن كان أقل قدر مخالفًا للماء وهذا الذي ذكروه في غاية الفساد، فإنه يلزم من كونه يقدر مخالفًا عند اتصاله بالماء الكثير أن يكون كالخل وغيره من المائعات، وحينئذ فلا فائدة في بلوغه قلتين، وكيف يتخيل متخيل أن المستعمل إذا خلط بماء كثير طهور يسلبه الطهورية، وإذا خلط أو بماء جنس حتى بلغ قلتين يجعله طهورًا؟! وقد فرع المصنف حكم هذه المسألة- وهو جعله كالمائع- على القول بأنه إذا خلط بماء مستعمل أو نجس لا يعود طهورًا، وهو تفريع صحيح يندفع به الاعتراض، وكلامه يقتضي نقل ذلك عن الكافي، وعنى به ((الكافي)) للخوارزمي تلميذ البغوي، فإنه ((الكافي)) الذي ينقل عنه، وقد رأيت نسخً من هذا الكتاب، فلم أجد ما قاله مذكورًا فيه، بل ذكر المسألتين على ما فيهما من الإشكال كما ذكرهما غيره، ثم رأيت- أيضًا- ((الكافي)) للإمام أبي عبد الله الزبيري، و ((الكافي)) للإمام أبي الفتح سليم الرازي، و ((الكافي)) للشيخ نصر المقدسي، لاحتمال إرادة شيء من ذلك، فلم أجد المسألة فيهن بالكية.
وإذا لعمت ذلك فينبغي تأويل كلام المصنف على إرادة أصل المسألة، لا الحمل المذكور

قوله: قال: وإن تغير بما لا يختلط به كالدهن والعود جازت الطهارة به في أحد القولين، لأنه تغير بالمجاورة فلم يمنع من الطهارة، كما لو تغير بجيفة بقربه.
انتهى.
وهذا القياس غير مستقيم، لأن العلة التي علل بها الفرع- وهي المجاورة- ليست موجودة في الأصل، وقد نظمه غيره على الصواب فقال: لأنه تغير بما لم يختلط به، فأشبه الجيفة، فجمع بعدم الاختلاط، وهو صحيح، وأما التعبير بالمجاورة فذهول.
قوله فيما لا يدركه الطرف: وأضاف إليه بعض الشارحين مثالًا آخر ذكره الرافعي، وهو أن ينفصل رشاش من موضع نجس، فيقع في الماء بحيث يرى اضطراب الماء بسببه، ولا يدرك جرمه.
انتهى.
وهذا النقل عن الرافعي غلط، فإنه ذكر له في شيء من كتبه.
قوله: ومن هذا القبيل ما إذا أكلت الفأرة شيئًا نجسًا، ثم ولغت في ماء قليل، والذي يحصل من كلام الغزالي وغره أن في المسألة ثلاثة أوجه.
ثالثها: إن غابت قبل الولوغ غيبة تحتمل ورودها في ماء كثير لم ينجس، وإلا فينجس.
ثم قال بعد حكاية وجهين في وقوع الحيوانات في الدهن وغيره: هل تنجسه، لما على منفذها من النجاسة أم لا؟ -: إن الوجه الثالث يجري في هذه المسألة أيضًا.
انتهى.
وما ذكره أولًا من حكاية الأوجه الثلاثة في الفأرة إذا أكلت شيئًا نجسًا وغابت، فإنما ذكره هؤلاء في الهرة لا في الفأرة، ولا يصح قياسه عليها، لأن علة الطهارة في الهرة مشقة الاحتراز منها، لقوله- عليه الصلاة والسلام-: ((إنها من الطوافين عليكم والطوافات))، وهذا المعنى منتفٍ.
نعم، حكى المتولي وجهين في إلحاق سائر السباع بها.
قوله: وقد أفهم تقييد الشيخ بقوله: منه- أي من الماء المطلق- أن المائعات تتنجس بما لا يدركه الطرف قولًا واحدًا، وقد قاله بعض الشارحين، واعتقادي عدم صحته، وقد سوى الأصحاب بين الماء القليل والمائع في الميت الذي لا يسيل دمه ... إلى آخر ما ذكره.
وهذا الذي اقتضى كلامه عدم الوقوف عليه، وهو أن المائعات هل لها حكم الماء فيما لا يدركه الطرف أم لا؟ - قد ذكره النووي في ((المنهاج)) على وفق ما حاوله المصنف بحثًا، فإنه قال: وتستثنى ميتة لا دم لها سائلًا، فلا تنجس مائعًا على

المشهور.
وكذا في قوله: نجس لا يدركه طرف.
قلت: ذا القول أظهر، والله أعلم.
فانظر كيف عبر فيما قبله بالمائع.
ثم قال: وكذا- أي هذا الحكم، وهو عدم تنجيس المائع- ثابت أيضًا فيما لا يدركه الطرف، وفي المسألة زيادات ذكرتها في ((المهمات)).
قوله: فإن كانت ميتة لا نفس لها سائلة لم تنجسه في أحد القولين، لقوله- عليه الصلاة والسلام-: ((إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله- وروي: فليغمسه- فإن في أحد جناحيه شفاء، وفي الآخر داء، وإنه تدلى بجناحه الذي فيه الداء)) رواه البخاري.
وادعى ابن المنذر أنه لا يعرف أحدًا قال بنجاسته غير الشافعي.
وأبو الطيب حكى أن محمد بن المبارك ويحيي بن أبي كثير قالا به أيضًا.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الذي نقله هنا عن البخاري فيه زيادة وتغيير عما فيه، ولفظ البخاري عن أبي هريرة: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء، والآخر شفاء)) هذا لفظه، ذكره في بابٍ بعد باب قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة:164]. الأمر الثاني: أن تعبيره بمحمد بن المبارك، تحريف وغلط، وإنما هو: محمد بن المنكدر.
وهذا هو الذي قاله القاضي أبو الطيب، ونقله عنه- أي عن القاضي المذكور- صاحب ((الشامل)) و ((البحر)) والنووي في ((شرح المهذب)) وهو- أيضًا- واضح، فإن ابن المبارك اسمه: عبد الله.
ونقله عنه وعن يحيي بن أبي كثير معًا: الدرامي في ((الاستذكار)).
نعم، نقله الصيمري وغيره عن عبد الله بن المبارك.
قوله: وما كان نشوءه من الماء كالعلق إذا مات فيه، لا ينجس قولًا واحدًا، وهو قياس قول الأصحاب: إن دود الطعام إذا مات فيه لا ينجس قولًا واحدًا.
انتهى.
ودعواه عدم الخلاف ممنوع، ففيه طرق حكاها الدرامي في ((الاستذكار)) حاصلها ثلاثة أوجه، ثالثها: التفصيل بين أن يكون قليلًا أو كثيرًا.
قوله: قال- يعني الشيخ-: وإن كان الماء قلتين ولم يتغير فهو طاهر، وإن تغير

فهو نجس.
ثم قال: وكلامه في المتغير يقتضي أنه لا فرق بين ما تغير كله أو بعضه، قال الرافعي: وهو ظاهر المذهب.
انتهى.
وما زعمه من أن مقتضى اللفظ هو شمول القسمين، باطل بلا شك، بل مقتضاه تغير الجميع، ألا ترى أنه إذا تغير البعض يصح أن يقال: ما تغير هذا، وإنما تغير بعضه؟! وقد صرح الرافعي بما ذكرناه في كلامه على ألفاظ ((الوجيز))، والعجب ذهول المصنف عنه مع كونه واضحًا ومسطورا- أيضًا- في ((الرافعي))! وقد خالف النووي في هذه المسألة، وقال: الأصح: أن المتغير كنجاسة جامدة.
قوله: وقيل: إن القلتين ستمائة رطل، وبالأمنان ثلاثمائة من، وهو اختيار القفال والزبيري صاحب ((الكافي))، كما قال الإمام والفوراني.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن الإمام والفوراني صحيح، وعبارة الفرواني في ((الإبانة)): وذكره صاحب ((الكافي)) في كتابه، لكن نقلهما ذلك عن الزبيري غلط، فقد راجعت كلام الزبيري في كتابه المعروف به وهو ((الكافي))، فرأيت فيه الجزم بأن القلتين خمسمائة رطل، ذكر ذلك في موضعين من كتابه: أحدهما: في أوله، وثانيهما: بعد التيمم، وهذا الغلط وقع أولًا للقفال، فتابعه عليه أصحابه ثم أتباعهم.
قوله: وإن تغير- أي: طعمه أو لونه أو ريحه- فهو نجس، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه)) رواه ابن ماجه، ورواية أبي داود: ((خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه)).
انتهى كلامه.
وما عزاه لأبي داود من ذكر هذا الاستثناء غلط، فإنه ذكر الحديث من غير استثناء بالكلية.
قوله: ولو كان في وسط النهر حفرة لها عمق، والماء يجري عليها- فقد حكى صاحب ((التقريب)) نصًا للشافعي: أن للماء في الحفرة حكم الركود، قال الإمام: ونحن نقول: إن كان الماء الجاري يغلب ما في الحفرة ويبدلها ويخلفها فهو جارٍ، وإن كان يلبث الماء قليلًا، ثم يزايل ما في الحفرة- فله في زمان اللبث حكم الركود وإن كان لا يلبث، بل يثقل حين كثر، ثم يشتد في الجري- فله في زمان التثاقل حكم الماء الجاري الذي بين يديه ارتفاع وهو يتحرك على بطء، وإن كان ما في الحفرة لابثًا وفيه نجاسة، والماء يجري عليها- فما في الحفرة نجس، والجاري عليه في حكم الجاري على نجاسة واقفة لا تتزحزح.
انتهى كلامه.

وتعبيره فيما نقله عن الإمام بقوله: ((بل يثقل حين كثر))، تحريفٌ مؤذن بعدم تصوير للمسألة، والصواب المذكور في ((النهاية)): ((بل تثقل حركته))، فاعلمه.
قوله: فائدةٌ: ((القديم)) إذا أطلق فالمراد به ما صنفه الشافعي بالعراق، ويسمى كتاب ((الحجة))، ومن رواة القديم- كما قال الروياني-: أحمد بن حنبل والزعفراني وأبو ثور.
و ((الجديد)) إذا أطلق فهو ما صنفه وأفتى به في مصر، ورواته: المزني والربيع المرادي والربيع الجيزي والبويطي وحرملة وابن [عبد الله بن] عبد الحكم وعبد الله بن الزبير المكي.
ثم قال: وقد ذكر الإمام في كتبا الخلع أن ((الأم)) من الكتب القديمة، ولم أظفر بذلك في غيره.
انتهى كلامه.
وما قاله- رحمه الله- من عدم الظفر به لغيره غريب، فقد صرح الخوارزمي بذلك في كتابه ((الكافي))، وهو كثير النقل عنه، فقال في خطبة الكتاب المذكور: وأما ((الأم)) و ((الإملاء)) فصنفهما الشافعي بمكة بعد أن فارق بغداد في المرة الأولى وقبل رجوعه إليها في المرة الثانية، ثم رجع بعد تصنيفهما إلى بغداد، فأقام أشهرًا، ثم خرج إلى مصر فصنف بها كتبه الجديدة.
هذا كلامه.
لكن المعروف خلاف ما قالاه، حتى قال صاحب ((الاستقصاء)): إن المزني روى أنه صنفهما بمصر.
واعلم أن المصنف قد أسقط من رواة القديم: الحسين بن علي البغدادي المعروف بالكرابيسي، كان يبيع الكرابيس: وهي الثياب.
توفي سنة خمس وأربعين- وقيل: ثمان وأربعين- ومائتين.
قوله: خاتمة: وصف الماء بالاستعمال لا يثبت له ما دام يتردد على المحل، فإذا انفصل عنه ثبت له.
ثم قال: والبدن جميعه في الغسل في حكم العضو الواحد في الوضوء، فلا يصير الماء مستعملًا بانتقاله من عضو منه إلى عضو آخر، وفي ((الحاوي)) حكاية وجه آخر: أنه يصير مستعملًا بالانتقال كما في الوضوء، وذلك يتصور بما إذا نزل الماء من على وجهه إلى صدره وقطع ما بينهما من الفضاء، والأصح الأول، وهو ما أبداه الإمام احتمالًا.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن كلامه في بدن الجنب كلام غير منتظم مخالفٌ بعضه بعضًا، فإنه قد

ذكر أولًا أنه بمثابة العضو في الوضوء، وإذا كان كذلك كان الانفصال الخارق للهواء مضرًا كما في عضو المتوضيء، فتفريع عدم الضرر من كونه كالعضو تفريع معكوس، لا جرم أن النووي في ((التحقيق)) لما صدر بالقاعدة التي ذكرها المصنف صحح أن الانفصال يضر، فقال: وبدن جنبٍ كعضو محدثٍ.
وقيل: لا يضر انفصاله إلى باقي بدنه، وقيل: إن نقله ضر.
هذا لفظه، فينبغي حمل الانفصال المذكور في المحدث على ما إذا جرح ولم يعد، لا على انفصاله من كفه- مثلًا- ووقوعه على ساعده، أو من عضو إلى عضو: كانتقاله من الوجه إلى اليد، أو من إحدى اليدين إلى الأخرى، ولكن على هذا التقدير لقائل أن يقول: لم كان انتقاله من عضو المحدث إلى بقية ذلك العضو قطعًا، وفي الجنب على وجهين، مع أن بدن الجنب أكثر تفاوتًا من عضو واحد من أعضاء المحدث؟ الأمر الثاني: أن المصنف لم ينقل احتمال الإمام على وجهه، فإن الإمام بعد حكاية القول بأنه يصير مستعملًا قال ما نصه: وفيه نظر، لأن الماء إذا كان يتردد على البدن، ففي الأعضاء تفاوت في الخلقة، وليس سطحًا بسيطًا، وإذا كان كذلك فيقع في جريان الماء بعض التقاذف لا محالة، فما كان من هذا الجنس فهو محطوط لا اعتبار به قطعًا، فأما التقاذف الذي لا يقع إلا على ندور: فإن كان عن قصد فمستعمل، وإلا فلا يبعد أن يعذر صاحب الواقعة، فإن الغالب وقوع ذلك في الزمن الماضي، ولم يقع عنه بحث من سائل.
هذا كلامه، فانظر ما بينهما من التباين! قوله: نعم، قال الخضري: إذا انغمس الجنب في ماء قليل ناويًا ارتفعت جنابته عن أول جزء لاقى الماء، وصار الماء مستعملًا، قال: ويخالف ما لو صب الماء عليه، حيث لا نحكم بالاستعمال لمجرد الملاقاة، لقوة الورود، وعلى هذا فقد يقال: إنه يصير مستعملًا بانتقاله من عضو إلى عضو على الاتصال المحسوس في الجنابة من محل إلى محل في العضو الواحد في الوضوء.
انتهى كلامه.
وهذا النزاع الذي ذكره باطل لا يمكن القول به، وهل يمكن أحدًا أن يقول بوجوب ماء جديد لكل جزء من أجزاء الوجه، وكيف نقول في غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - وجهه بغرفةٍ؟! قوله: و [على الأول] لو انغمسا معًا، ونويا تحت الماء- جازت طهارتهما، ولو نويا عند إدخال أرجلهما فيه رفع الجنابة ارتفعت عن الجزء الذي اقترنت به النية فقط

دون ما بعده- توافق عليه الخضري وغيره- كما قال بعضهم- وقال في ((الروضة)): إنه يرتفع حدث السابق عن جميع بدنه.
وفيه وجه الخضري.
انتهى كلامه.
واعلم أن هذا الذي نقله عن ((الروضة)) لا يلاقي المسألة التي يتكلم فيها، لأن ذلك إن كان راجعًا إلى ما إذا نويا تحت الماء فلا يجيء وجه الخضري هنا، لأن محله فيما إذا نوى قبل استكمال غمس البدن كما سبق، وهو واضح.
وإن كان راجعًا إلى ما إذا نويا عند إدخال أرجلهما: فإن كانت صورة تلك فيما إذا نويا معًا، وهو الذي يقتضيه كلامه، فالحكم فيها- وهو الذي قاله في ((الروضة)) -: أنه يرتفع عن جزئهما، ويصير مستعملًا بالنسبة إلى باقيهما على الصحيح، وإن كانت صورتهما فيما إذا نويا مترتبين فيتعين أن يكون الحكم فيها ما نقله عن ((الروضة))، وهو قد أجاب فيه أولًا بما يخالفه من وجهين: أحدهما: ارتفاعه عن الجزء المقترن بالنية فقط، والحكم بخلافه.
والثاني: حصول ذلك للأول وللثاني- أيضًا- مع أن الثاني لم يصادف محلًا.
فظهر أن ذكره لكلام ((الروضة)) هنا سهو لا محل له، ولا شك أن صورة المسألة التي أرادها: أن ينويا معًا، وهو- أيضًا- أقرب إلى السياق، وأقل في الاعتراض.

باب الآنية

قوله: قال القاضي الحسين: وإذا أراد الإنسان استعمال الماورد الذي في آنية الفضة فطريقه: أن يقلبه في يساره، ثم يقلبه من يساره في يمينه، ويستعمله، فلا يكون محرمًا، وليس من الاستعمال المحرم: شم البخور الذي يصعد من على مبخرة فضة والقرب منها.
نعم الاحتواء على المبخرة منه.
انتهى كلامه.
واشتراطه القلب أولًا في يدٍ خصوصًا اليسرى، ثم تحويله منها إلى الأخرى- غلط لا معنى له، فإنه إذا صبه في إحدى يديه يمينًا كانت أو شمالًا، لا على قصد الاستعمال، ثم استعمل بيمينه- إما بالدلك أو بالرش أو نحوه- كفى ذلك بلا نزاع، فإنه لم يستعمل إناء الفضة.
وقد ذكر القاضي في ((تعلقيه)) ما ذكرناه، ثم حكى عن القاضي أبي عاصم- على جهة المثال، لا على جهة الاشتراط- أنه كان يفعل بعض ذلك، فقال: ولو كان في آنية الذهب والفضة ماء ورد لا يجوز الاستعمال منه، فإن صبه في موضع آخر، ثم استعمله- يجوز.
وحكى- رضي الله عنه- قال: كنت مع القاضي أبي عاصم في موضع، فأتى بآنية من فضة فيها ماء ورد، فصبه على يمينه، ثم صب من يمينه على يساره، ثم استعمله.
هذا لفظ ((تعليقه)) القاضي، وما ذكره من جواز الشم منها مع القرب هو مقتضى ما في ((التعليقة)) المذكورة- أيضًا- والمعروف الذي جزم به في ((شرح المهذب)) مع كثرة جمعه: خلافه، فقال: الخامسة: قال أصحابنا: يستوي في التحريم جميع أنواع الاستعمال من الأكل والشرب والبول في الإناء والتجمر بمجمرة فضة إذا احتوى عليها، قالوا: ولا بأس إذا لم يحتو وجاءته الرائحة من بعدٍ، وينبغي أن يكون بعدها بحيث لا ينسب إلى أنه متطيب بها.
هذا كلامه.
قوله: وهل يجوز اتخاذه؟ - يعني إناء الذهب والفضة- فيه وجهان، وجه الجواز: أن المنع معلق بالاستعمال دون الاتخاذ.
قال البندنيجي وغيره: ولأنه لا خلاف في صحة بيعه، وهذا فيه نزاع مذكور في

كتاب البيع.
انتهى.
وما ذكره من ذكر النزاع فيه في البيع غلطٌ، لا ذكر له فيه لا من كتابه ولا من غيره، والظاهر: أنه إنما أراد كتابه هذا، فإنه أخر تصنيف الربع الأول عن الأرباع الثلاثة.
نعم، ذكر النواوي في باب الأواني من ((شرح المهذب)): أنا إذا قلنا بتحريم الاتخاذ فينبغي تخريجه على الخلاف المشهور في بيع الجارية المغنية بزيادة على قيمتها لولا الغناء، وحينئذ فيكون الصحيح الجواز.
وهذا التخريج ضعيف، بل تخريجه على الآلة المحرمة- كالمزمار والأوتار- وعلى الأصنام ونحوها، أشبه، ومع ذلك فالفرق قائم أوضحته في كتاب ((مطالع الدقائق في الجوامع والفوارق)).
قوله: ووجه التحريم- وهو الصحيح-: أن ما حرم استعماله على الرجال والنساء حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال كالملاهي، قال البندنيجي وغيره: ولأنه لا خلاف في وجوب الزكاة فيها، ولو كان الاقتناء مباحًا لكانت لا تجب على قول كالحلي المباح.
قلت: وهذا إنما يتم أن لو كانت الزكاة إنما تجب على قول كالحلي المباح.
قلت: وهذا إنما يتم أن لو كانت الزكاة إنما تجب في المحرم، وهي تجب في المحرم والمكروه، واتخاذ الآنية من الذهب والفضة مكروه.
انتهى كلامه.
وما نقله من عدم الخلاف، وارتضاه وقرره، وعارض بخلافه- غريب، فقد ذكر الماوردي في كتاب الزكاة من ((الحاوي)) أنها فيها قولين في الحلي المباح.
ورأيت في ((التحرير)) للجرجاني حكاية الخلاف فيه- أيضًا- فقال في كتاب الزكاة: فصل: وتجب الزكاة في أواني الذهب والفضة إذا كانت للاستعمال، وكذلك إذا كانت للقنية على الصحيح.
هذه عبارته، ولم يحك هذا الخلاف في ((الشافي)).
قوله: وما عدا المستثنى ي كلام الشيخ باقٍ على الإباحة، سواء كان خسيسًا أو نفيسًا بسبب صنعته: كالزجاج المحكم والخشب ونحوهما، وهو كذلك، ولا نعرف فيه خلافًا، إلا ما حكي عن بعضهم أن فيما نفاسته في صنعته وجهًا: أنه يحرم، ولم نره في كتاب يوثق بنقل صاحبه.
انتهى كلامه.
وهو الذي نفاه قد ذكره صاحب ((البيان)) فقال: إن صاحب ((الفروع)) أشار إلى وجهين في تحريمه.
وصاحب ((الفروع)) الذي أشار إليه هو سليم الرازي، كذا ذكره صاحب ((المعين)) في خطبة كتابه المذكور.
قوله: فإن كان المشركون لا يتعبدون باستعمال النجاسة كأهل الكتاب، فآنيتهم وثيابهم كآنية المسلمين وثيابهم.
انتهى كلامهم.
وما ذكره في أهل الكتاب من كونهم لا يتدينون باستعمال النجاسة ليس كذلك،

فإن من جملة ما يتعبد به النصارى في كنائسهم ويتقربون به: أكل الخبز بعد غمسه في الخمر كما هو معروف.
ثم رأيت بعد ذلك في ((شرح التنبيه)) للمحب الطبري موافقتي على ما ذكرت.
ثم قال: قلت: ويلزم طرد القولين الاثنين هنا- أيضًا- لأنهم يتدينون بشرب الخمر.
قوله: وإن كانوا يتدينون باستعمال النجاسة كطائفة من المجوس والأبارهم [كذا] من الذين يغتسلون بأبوال البقر تقربًا، ففي جواز استعمالها وجهان.
ثم قال: وفي ((تعليق)) البندنيجي: أن الذي نص عليه الشافعي في القديم و ((حرملة)): الإباحة، واختاره أبو إسحاق، وحمل الحديث الوارد في النهي على ما إذا تحقق نجاسة ذلك.
انتهى كلامه.
وما نقله عن أبي إسحاق من اختيار الإباحة سهو، فإن اختياره المنع، كذا صرح بنقله عنه الماوردي في ((الحاوي)) وابن الصباغ في ((الشامل))، وهو الذي نقله عنه- أيضًا- البندنيجي في ((تعليقه)).
قوله: وقد أفهمك قول الشيخ: وما ضبب بالفضة ... إلى آخره، أن المضبب بالذهب غير جائز بكل حال، وهو ما أورده الماوردي هنا وفي كتاب الزكاة، والشيخ في ((المهذب))، وحكاه البغوي عن العراقيين، وحكاه النووي عن رواية أبي العباس الجرجاني والشيخ أبي نصر المقدسي.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: أبي نصر، سهو، فإن كنية المقدسي: أبو الفتح، واسمه: نصر، وأما أبو نصر فكنية ابن الصباغ، والمصنف- رحمه الله- مع جلالة قدره كان قليل المعرفة بالمصنفين وبالمصنفات إلى المشهورة.
قوله: وإن اشتبه ذلك على أعمى ففيه قولان: أحدهما: يتحرى.
والثاني: لا يتحرى.
ثم قال: وإن قلنا بالثاني تعين عليه تقليد بصير، فإن لم يجد من يقلده، أو لم يظهر للبصير شيء- قال الشافعي: لا يتيمم، بل يتوضأ بما أدى إليه تخمينه على أبلغ ما يقدر عليه.
قال القاضي أبو الطيب: ولا يعيد.
وعن الشيخ أبي حامد: أنه يتيمم ويصلي ويعيد، وهو الأصح في ((الروضة))، وقال ابن الصباغ: إن ما ذكره أبو حامد أقيس، وما ذكره أبو الطيب أقرب إلى نص الشافعي.
انتهى كلامه.

اعلم- وفقك الله- أنه لا خلاف في وجوب الإعادة في هذه المسألة، سواء قلنا: يتيمم، أم لا، وما نقله عن القاضي أبي الطيب من عدم الوجوب غلط، وكذلك ما نقله عن ابن الصباغ في تقرير ذلك.
ولنذكر كلام ابن الصباغ، ليتضح ما أشرنا إليه من الغلط، فنقول: قال قبيل باب المسح على الخفين ما نصه: وأما إذا لم يغلب على ظنه ولا على ظن البصير، فإنه قال، فإنه قال- يعني الشافعي-: لا يتيمم، ويخمن، ويتوضأ على أكثر ما يقدر عليه من ذلك، ويصلي.
ولم يذكر الإعادة، قال القاضي أبو الطيب: وعندي أن الإعادة واجبة، لأن الماء لم يثبت عنده طهارته بأمارة.
وما قاله أشبه بأصل الشافعي.
قال: وكذلك البصير يفعل.
قال: وقد حكى البندنيجي في ((التعليق)) أنه قال سألت أبا حامد: إذا لم يغلب على ظنه طهارة أحدهما؟ قال: يصلي بالتيمم إن خاف فوات الوقت، ويعيد.
وما قاله القاضي فهو على ما نص عليه الشافعي في الأعمى، وما قاله أبو احمد أقيس، لأنه لم تثبت طهارة الماء.
هذا كلام صاحب ((الشامل))، وقد اتضح له منه أن ما نقله المصنف عن القاضي غلط، بل هو موافق للشيخ أبي حامد في عدم وجوب الإعادة، وإن اختلفا في شيء آخر.
وكذلك- أيضًا- ما نقله عن صاحب ((الشامل)) من مغايرة قوله في القضاء لقول أبي حامد، حيث نقل عنه ترجيح مقالة أحدهما بكونها أقرب إلى النص، ومقالة الآخر بكونها أقيس.
ثم إن ابن الصباغ إنما ذكر هذا الترجيح للمقالتين في البصير لا في الأعمى- فتأمله تقطع به- فنقله المصنف إلى مسألة الأعمى مع مخالفته في التعبير عن صيغة الترجيح، ولا شك أن المصنف استمد في هذه المسألة من كلام ((الشامل))، فاختلط عليه من أوله إلى آخره.
قوله: نعم، لو كانت الآنية ثلاثة، وقد وقعت النجاسة في اثنين منها، واجتهد ثلاثة فيها، فأدى اجتهاد كل واحد إلى طهارة إناء- لا يجوز أن يقتدي بعضهم ببعض في صلاةٍ ما بتلك الطهارة، كما لو وقعت النجاسة في أحد الإناءين، فاجتهد فيهما اثنان، فأدى اجتهاد أحدهما إلى طهارة إناء، واجتهاد الآخر إلى طهارة الآخر.
على أن في مسألة الاستشهاد وجهًا حكاه الشيخ أبو محمد في كتاب الحج: أنه يجوز أن يقتدي أحدهما بالآخر، بناء على قولٍ في أن من أحرم بنسك ثم نسيه هل يتحرى؟ وإذا ثبت في هذه الصورة جرى في الأخرى.
ولو كان النجس من الثلاثة واحدًا، وقد أدى اجتهاد كل شخص إلى طهارة واحد- ففي جواز اقتداء بعضهم ببعض كلام سبق في

باب صفة الأئمة.
انتهى كلامه.
وما نقله- رحمه الله- عن الشيخ أبي محمد من حكاية الوجه في الإناءين غلط، بل إنما حكاه في المسألة الأخيرة وهي الأواني، فقال في كتاب الحج: مسألة: إذا شك الرجل في النسك الذي أحرم به، فلم يذكر أنه أحرم بحج أو عمرة: فهل يجوز له التحري والاجتهاد، أم لا؟ فعلى قولين.
ثم قال ما نصه: وعلى هذين القولين تنبني مسألة اختلف أصحابنا فيها، وهي أن الجماعة إذا اجتهدوا في أواني حلت في بعضها نجاسة متيقنة، واستعملوها عن آخرها، وأراد بعضهم الاقتداء ببعض في الصلاة- هل يجوز لهم الاقتداء أم لا؟ فعلى وجهين.
هذا لفظه في كتابه المسمى بـ ((السلسلة)).
قوله: ولو اختلطت ميتة بمذكيات بلد، أو إناء بول بأواني بلد- فله الأخذ من غير اجتهاد، وإلى متى يأخذ؟ قال في ((البحر)): فيه وجهان، أصحهما [كذا]: إلى أن يبقى واحد، والثاني: إلى أن يبقى قدرٌ لو كان الاختلاط به ابتداء منع الجواز.
انتهى كلامه.
ومقتضاه: أن التصحيح المذكور لصاحب ((البحر))، وليس كذلك، فإنه ذكر المسألة قبيل باب المسح على الخفين، ولم ينقل تصحيح ما صححه هنا عن أحد بالكلية، ولا أشار إلى ترجيحه، بل لما حكى الوجه الثاني عبر بقوله: وهذا أوضح- يعني: أقيس- وأجرى على القواعد.
والأمر كما قال، ولا شك أن النووي في ((الروضة)) نقل الوجهين عن الروياني، وأعقبهما بهذا التصحيح المذكور، وعبر بعبارة توهم إيهامًا بعيدًا أن التصحيح للروياني، فاغتر به المصنف، فاعلمه.


باب السواك

قوله: ويتأكد- أيضًا- في حالة اصفرار الأسنان، وإن كان ذلك بسبب غير التغير، قال الرافعي: ويشهد له قوله- عليه الصلاة والسلام-: ((ما لكم تدخلون علي قلحًا؟! استاكوا)).
انتهى كلامه.
وهذا الذي عزاه إلى الرافعي من استدلاله بهذا الحديث غلط، فإن الحديث المذكور ليس له ذكر في ((الرافعي)) بالكلية، والحديث المذكور رواه النسائي في ((الأغراب)) والطبراني- واللفظ له- في ((المعجم الكبير)) من حديث تمام بن بالعباس، ورواه البغوي والبزار في ((مسنديهما)) من رواية تمام بن العباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب، والصواب: أنه من حديث تمام، قاله البغوي.
قوله: ويكره للصائم بعد الزوال، لقوله- عليه الصلاة والسلام-: ((لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك))، رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح حسن.
والخلوف- بضم الخاء- تبدل الرائحة، والسواك يزيله، ونظمه دليلًا أنه أثر عبادة مشهود له بالطيب، فكرهت إزالته كدم الشهيد.
انتهى كلامه.
أما الحديث فهو كما قال، غير أن البخاري ومسلمًا قد أخرجاه في ((صحيحيهما))، فكيف ينبغي مع ذلك إسناده لمن أسنده على الوجه الذي ذكره وهو تحسينه، لا تصحيحه؟! وأنا القياس الذي ذكره فإن الرافعي قد ذكره- أيضًا- وهو غير مستقيم، لأن إزالة دم الشهيد حرام لا مكروه، وحينئذ فإن كان هذا القياس صحيحًا فيلزم استواء المقيس والمقيس عليه في الحكم، فلا يكون أحدهما مكروهًا والآخر محرمًا، فكان الصواب أن يعبر بقوله: فكان إبقاؤه راجحًا على تركه.
قوله: والمستحب أن يستاك بعود من أراك، لما روى أبو زجرة: ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستاك بالأراك)).
انتهى كلامه.
وتعبيره عن الراوي بقوله: أبو زجرة، تحريف، وصوابه: أبو خيرة- بخاء معجمة مفتوحة، من بعدها ياء مثناة من تحت، ثم راء مهملة، ثم هاء- ويعرف بالصباحي: بصاد مهملة مضمومة، بعدها باء موحدة، وبعد الألف حاء مهملة، كذا ضبطه النووي

في ((شرح المهذب)) هنا.
ثم قال- نقلًا عن ابن ماكولا-: إنه لم يرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذه القبيلة سواه.
وأيضًا: فحديث أبي خيرة إنما هو من قوله لا من فعله، هكذا رواه الطبراني وغيره في حديث قال فيه: ثم أمر لنا بأراك، فقال: ((استاكوا بهذا)).
وفي رواية له: فزودنا الأراك نستاك به، والله أعلم.
قوله: وكذا استياكه بكل عين تزيل القلح- أي: فإنه يجزي بلا خلاف- ولا يرد على ذلك ما إذا تمضمض بماء الغاسول ونحوه، فإنه لا يحصل سنة السواك وإن أزال القلح، لأنه لا يسمى مستاكًا، على أن الإمام قال: إنه ليس عريًا عن احتمال بعيد.
انتهى.
مقتضى ما ذكره أن التمضمض بنفس الغاسول يكفي، وإن كان كلام الإمام إنما هو في الماء، وليس كذلك، فإن الإمام قال في ((النهاية)): لو تمضمض بغاسول قلاع، وتحامل حتى أزال القلح- فما أراه كافياًا، وفيه احتمال.
وعبر- أعني الإمام- أيضًا في ((مختصر النهاية)) بقوله: ولو تمضمض بشيء قلاع فالوجه القطع بأنه لا يكفي.
قوله: وقد استدل الجيلي له- أي: لوجوب الختان- بأن بقاء ما يجب قطعه يحبس النجاسة، وذلك يمنع صحة الصلاة، وفيه نظر، لأن القاضي أبا الطيب ذكر أن الخصم استدل على أن ذلك سنة بأنه أمر به حتى لا يجتمع تحتها بول، وهذا القدر من النجاسة لا تجب إزالته عندنا، وإنما هو مستحب، فيجب أن يكون القطع مثله، فأجاب عنه ولم يمنعه الحكم، فدل على أنه عندنا كذلك، انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن حاصل كلامه أنه لم يقف على نقل في المسألة، فإنه توقف فيما قاله الجيلي، واستند في التوقف إلى شيء ضعيف، والذي قاله الجيلي من وجوب الإزالة وبطلان الصلاة عند عدم ذلك قد رأيتهما مجزومًا بهما في ((فتاوى)) القفال وشبهه بباطن الفم.
الأمر الثاني: أن هذا الفهم الذي فهمه المصنف من كلام القاضي مع الحنفية فهم عجيب، فإن الخصم- وهو أبو حنيفة- يقول: إن مقدار ما تلوث به المنفذ لا تجب إزالته من أي موضع كان في البدن.
ولهذا قال: لا يجب الاستنجاء بالكلية.
وهذا هو الذي ذكره القاضي أبو الطيب بعينه، ألا تراه عبر بقوله: ((وهذا القدر))، ففهم المصنف منه غير ما أراده.

قوله: وختان المرأة يسمى خفضًا، كما يسمى ختان الرجل إعذاراً.
انتهى.
الخفض: بخاء معجمة وفاء ساكنة وضاد معجمة، والإعذار: بعين مهملة وذال معجمة ثم راء مهملة، وسيأتي فيه كلام آخر في الرد بالعيب.

باب صفة الوضوء

قوله في قول الشيخ: نوى رفع الحدث، أو الطهارة للصلاة، أو الطهارة لأمر لا يستباح إلا بالطهارة: كمس المصحف وغيره.
ثم قال: واحترز بقوله: للصلاة، عن نية مطلق الطهارة، فإنها لا تكفي عند الجمهور لترددها بين طهارة الحدث والخبث، واللغوية والشرعية، وحملوا ما نقله البويطي من قول الشافعي: لو نوى طهارة مطلقة أجزأه، على إرادة الطهارة للصلاة أو من الحدث.
انتهى كلامه.
وما ذكره من حمل كلام الشافعي في ((البويطي)) على إرادة الصلاة غلطٌ، سببه: عدم الوقوف على كلام البويطي، فإنه قد صرح بالإجزاء وإن لم ينو الصلاة، فقال ما نصه: قال الشافعي: وإن نوى به الطهارة، ولم ينو به صلاة مكتوبة ولا نافلة ولا جنازة ولا قراءة مصحف- أجزأه أن يصلي به.
هذا لفظه بحروفه، ومن ((البويطي)) نقلته.
قوله: وقد أفهم كلام الشيخ أمورًا.
منها: أن نيته على غير هذا النحو الذي ذكره لا تصح، وذلك يشمل صورًا لا يسلم بعضها من نزاع.
منها: ما إذا نوى استباحة ما لا يستباح إلا بالطهارة كالصلاة وغيرها، فإن المشهور من المذهب إجزاؤها، ويمكن أخذه من قول الشيخ: نوى رفع الحديث، لأنه يشمل ما إذا أتى مطابقة أو تضمنًا، ونية استباحة ما لا يستباح إلا بالطهارة تضمنت رفع الحدث.
وأيضًا: فإنه قد تعرض في صفة الغسل إلى أن نية الاستباحة كافية، وتعرض هنا إلى ذكر كيفية أخرى لم يتعرض لمثلها ثم، فكان كلامه في كل باب ينبه على ما يقبل مثله في الباب الآخر.
انتهى.
وهذا الجواب الثاني سهو، فإنه لم يتعرض هناك لنية الاستباحة، بل ذكر مثل ما ذكر هنا، فقال: أو نوى الغسل لاستباحة ما لا يستباح إلا بالغسل.
وهذا هو نظير قوله

هنا: أو الطهارة لأمر لا يستباح إلى بالطهارة.
لا جرم أن المصنف هناك قد اقتصر على الجواب الأول.
قوله: ما إذا نوى رفع الحدث الأكبر، وقد جزم الماوردي بأن ذلك يجزئ، بخلاف ما إذا كان جنبًا فنوى رفع الحدث الأصغر لا يجزئه، لأنه يصح أن يرتفع الأدنى بالأعلى دون العكس، وفي ((الرافعي)) وجه: أنه لا يجزئ في الأولى- أيضًا- لأنه نوى طهارة غير مرتبة.
وهو المختار في ((تلخيص)) الروياني، وقال القاضي الحسين: لعل الخلاف مبني على أن الحدث الأصغر يحل جميع البدن أم لا؟ فإن قلنا: يحل، أجزأ، وإلا فلا، إذ كيف يصح الفرض بنية النفل؟! وكيف كان الأمر فالصحيح الأول.
انتهى.
واعلم أن ما ذكره في هذا الفصل غلط، لأن الرافعي وغيره ممن تكلم في المسألة فرضوا ذلك فيما إذا اغتسل، وكلام الشيخ الذي استدرك هذا عليه إنما هو في الوضوء.
قوله: نقلًا عن الشيخ، ويسمي الله- تعالى- ويغسل كفيه ثلاثًا، ثم يتمضمض ... إلى آخره.
ثم قال ما نصه: واعلم أن بعضهم قال: إنما أتى الشيخ هنا بـ ((ثم))، وعطف بالواو فيما تقدم، لأن الغرض أن تجتمع النية مع التسمية مع غسل الكفين، لتكون النية مقارنة لهما.
قلت: وعلى هذا يعرض سؤال، وهو أن الأصحاب كافة قد استحبوا مساعدة اللسان القلب بالنطق للمنوي، وإذا كانت النية مقارنة للتسمية وغسل الكفين تعذر مساعدة اللسان للقلب.
انتهى كلامه.
واعلم أن النقل في هذه المسألة على خلاف ما نقله فيها عن بعضهم استنباطًا من لفظ ((التنبيه))، وأقره عليه، وأورد عليه سؤالًا، فقد نص عليه الشافعي في ((المختصر))، فقال ما نصه: قال- الشافعي-: وإذا قام الرجل إلى الصلاة من نوم، أو كان غير متوضئ- فأحب أن يسمي الله- تعالى- ثم يفرغ من إنائه على يديه، ويغسلهما ثلاثًا.
هذا لفظ الشافعي، وجرى عليه أئمة المذهب عند شرحهم له، وصرحوا بأن الأمر فيما كما قاله، حتى قال الشيخ أبو حامد في ((التعليق)): فأما الهيئة: فالتسمية أولًا، ثم غسل الكفين.
وصرح به- أيضًا- الغزالي في ((الوسيط)).
والعجب منه في هذه المسألة حيث قال ما قال مع شهرة القائلين بها لا سيما

((الوسيط))، وكأن المصنف أخذ ما ذكره من ((الإقليد)) وهو شرح ((التبنيه)) للشيخ تاج الدين الفركاح، فإنه قال: يستحب في أول غسل الكفين اقتران النية والتلفظ بالتسمية، فتجتمع الثلاثة- وهي: القصد، والنطق، والفعل- في وقت واحد.
هذا كلامه، وهو مدفوع بما ذكرته، والرجل قليل الخبرة بالمذهب، وولده أمثل منه فيه، فمن جهل نص إمامه وكلام مشاهير أصحابه في أشهر كتبه وكتبهم، في مسألة من أوائل الفقه- كيف حاله في غير ذلك؟! قوله: نعم، إتيان الشيخ بالواو بين المضمضة والاستنشاق يعرفك أن تقديم المضمضة على الاستنشاق ليس شرطًا في تأدية السنة، وهو وجه في المسألة مع إجزائه يشترط إذا قلنا: إنه يفصل بغرفتين كما قاله الإمام، أو بست غرفات كما قال الرافعي وجعله أظهر، والماوردي أطلقهما.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الرافعي من اختصاص الوجهين بما إذا فرعنا على أنه يفصل بست غرفات غلط، فإن حاصل كلام الرافعي جريانهما مطلقًا، سواء قلنا يفصل بغرفتين أو بست، فإنه حكى أولًا قولين في أنه هل يفصل أو يجمع.
ثم قال ما نصه: فإن قلنا بالفصل ففي كيفيته وجهان: أصحهما: أنه يأخذ غرفة يتمضمض منها ثلاثًا، وغرفة أخرى يستنشق منها ثلاثًا، لأن علي بن أبي طالب كذلك رواه.
والثاني: أنه يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة وثلاثًا للاستنشاق، لأنه أقرب إلى النظافة وأيسر.
ثم على هذا القول تقدم المضمضمة على الاستنشاق، وهذا التقديم مستحق على أظهر الوجهين.
هذا لفظ الرافعي بحروفه، وهو يبين لك أن المذكور في الكتاب سهو، وكان سببه: أن الرافعي لما ذكر الوجهين عقب الوجه القائل بالست توهم عودهما إليه، ذاهلًا عن تعبير الرافعي بقوله: ((ثم على هذا القول))، فإنه صريح في أن مراده قول الفصل، وأما الفصل بست فإنه وجه لا قول.
واعلم إن إمام الحرمين لم يحك على قول الفصل إلا الفصل بغرفتين فقط، ولم يذكر الفصل بست، فحكايته للوجهين في اشتراط التقديم- تفريعًا على أنه يفصل بغرفتين- ليس لمعنى في الغرفتين دون الست، كما دل عليه نقله عن الرافعي في عكسه، بل لأن الإمام لم يحك إلا ذلك، فاعلمه.
قوله- بعد حكاية قول الفصل والجمع-: وهذا الخلاف في الأفضل بلا خلاف، حتى لو تمضمض واستنشق كيف كان أدى سنتهما.
انتهى.

وما ادعاه من عدم الخلاف كأنه قلد فيه النووي في ((شرح المهذب))، وهو غريب، ففي ((النهاية)) الجزم بامتناع الخلط إذا شرطنا الترتيب بين المضمضة والاستنشاق، فإنه قال: وقطع أصحاب القفال بأن ترتيب الاستنشاق على المضمضة مأمور به، والخلط يجزئ إذا قلنا: الترتيب ليس مأمورًا به، والخلط وإن أجزأ إذا لم نشترط الترتيب ليس مأمورًا به.
هذه عبارته، وهي تحتاج إلى تأمل.
قوله: ولو كان عليه شعر خفيف وكثيف غسل ما تحت الخفيف دون الكثيف، والماوردي خص ذلك بما إذا تميز أحدهما عن الآخر، فإن لم يتميز وجوب غسل ما تحت الجميع، لما في الإفراد من المشقة، وقيل: إنه يجب غسل ما تحت الجميع مطلقًا، قال الرافعي: وهو المذكور في ((التهذيب)).
انتهى.
واعلم أن هذا النقل عن ((التهذيب)) غلط، فإن المجزوم به في ((التهذيب)) أن لكل واحد حكمه، ولكن الرافعي وقع له هذا الغلط، ولم يتفطن له المصنف.
نعم، الخلاف ثابت وإن ثبت غلط النقل عن ((التهذيب))، فقد جزم القاضي الحسين بالوجوب، كذا رأيته في ((شرح التلخيص)) له، وهو كتاب عزيز الوجود.
قوله: فرع: إذا حلق الشعر الذي لا يجب غسل ما تحته بعد إفاضة الماء عليه لا يجب غسل ما تحته، وكذا في الشعر إذا حلق بعد المسح عليه لا يعيد المسح على الرأس، بخلاف ما إذا ظهرت الرجل من الخف بعد المسح، والفرق: أن الشعر هنا أصل، بدليل أنه لو غسل ما تحته فقط أجزأه في الأصح، وعن ابن خيران: إلحاق شعر الرأس بالخف، وهو بعيد.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن تعبيره بـ ((الأصح)) فيما إذا غسل ما تحت شعر الوجه صريح في إثبات الخلاف في إجزائه، ولم يذكر ذلك أحد علمناه مع شدة الفحص، بل ولا هو- أيضًا- في الموضع الذي أحال عليه، وهو الكلام على مسح الرأس، وإنما نقل عدم الإجزاء عن القاضي فقط، واقتصر عليه.
الثاني: أن ما نقله عن ابن خيران قد حكاه عنه الإمام ومن تبعه، وهو تحريف، فإن القائل به إنما هو ابن جرير، فلا خلاف إذن في المسألة، وممن نبه عليه النووي في ((شرح المهذب)) وفي غيره، وأشار إليه هو- أعني المصنف- في موضعه.
قوله: وإذا خلق له يد زائدة أو إصبع زائدة أو سلعة في محل الفرض وجب غسل

ذلك، ولو خلق ذلك في غير محل الفرض لم يجب غسله، إلا أن يحاذي شيء منه شيئًا من محل الفرض، فيجب غسل المحاذي فقط.
وفي ((الشامل)) و ((الحاوي)) وغيرهما حكاية وجه: أنه لا يجب، اعتبارًا بمنبته، قال الرافعي: وقد صار إلى تقريره كثير من المعتبرين.
ثم قال: والراجح عند كثير من الأصحاب هو الأول، وبه جزم البندنيجي والإمام، بخلاف ما إذا انكشطت جلدة من العضد وتدلت منه لا يجب غسل شيء منها، سواء قابل محل الفرض أم لا، لأن اسم ((اليد)) لا يقع عليها.
انتهى.
وما حكاه من الخلاف في وجوب غسل ما حاذى محل الفرض من السلعة ليس له ذكر في شيء من هذه الكتب التي أضاف نقله إليها، فضلًا عن أن يكون هو الصحيح، فإنهم إنما حكموه في اليد الزائدة، وأما السلعة فإن بعض المذكورين لم يتعرض لها، وبعضهم تعرض لها وجزم بعدم الوجوب، وما ذكره المصنف من الفرق بعدم وقوع اسم ((اليد)) منبه على الصواب لمن تنبه، وقد تفطن المصنف في شرح ((الوسيط)) فصرح فيه بالتقرير الذي ذكرته، وبأنه لا خلاف في عدم الوجوب.
قوله: لأن عمر روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من توضأ، فأحسن وضوءه.
ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، صادقًا من قلبه- فتح الله له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء)) أخرجه مسلم.
انتهى كلامه.
وهذا اللفظ كله لم يخرجه مسلم عن عمر، بل لفظه في الرواية عنه: ((ما منكم من أحد يتوضأ، فيبلغ أو يسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله- إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء))، وهو مغاير لما ذكره المصنف من وجوه، فتأمله.
وفي رواية له: ((من توضأ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله))، هذا هو ما ذكره مسلم فاعتمده، ولا تغتر بنقل غيره عنه.

باب فرض الوضوء وسننه

قوله: وليس في هذا إلا أن فيه جميعًا بين إرادة الحقيقة والمجاز، وذلك جائز عند بعض أصحابنا.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نسبه إلى بعض الأصحاب واقتضى كلامه ضعف هو مذهب الشافعي، كما هو معروف في كتب الأصول، ونقله أصحابنا في كتبهم حتى في ((الروضة)) في كتاب الإيمان.
قوله: وعن صاحب ((التلخيص)) أنه يتقدر المسح بثلاث شعرات كما في حلق الرأس في الحج، واختاره البصريون من أصحابنا، قال الرافعي: وقد أفهم كلام بعض النقلة احتمالًا في اعتبار قدر ذلك- أيضًا- في المسح على البشرة.
انتهى كلامه.
واعلم أن الاحتمال أبداه الرافعي، ثم نقل عن بعضهم ما يدل عليه، فإنه نقل عن ابن القاص أنه يتقدر بثلاث شعرات.
ثم قال: وهل يختص هذا الوجه بما إذا كان المسح على الشعر، أم يجري في مسح البشرة حتى يشترط المسح على موضع ثلاث شعرات؟ في كلام النقلة ما يشعر بالاحتمالين جميعًا، والأول أظهر.
هذا لفظه، وبينهما فرق ظاهر، ولا جرم حكاهما في ((الروضة)) وجهين.
قوله: والدلالة على وجوب الترتيب [كذا] من وجهين: أحدهما: أنه- سبحانه وتعالى- أمر بغسل الوجه بحرف الفاء الموجب للتعقيب والترتيب إجماعًا، حيث قال تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، وإذا ثبت تقديم الوجه ثبت استحقاق الترتيب، لأنه لا قائل بالفرق.
ثم ذكر بعد ذلك أنه لا فرق في استحقاق الفاء للترتيب بين فاء الجزاء وغيرها.
انتهى.
وما ذكره- رحمه الله- من دعوى الإجماع على أن الفاء للترتيب ليس كذلك، فقد ذهب الفراء إلى أنها لا تدل على الترتيب، وذهب الجرمي إلى أنها إن دخلت على الأماكن أو المطر فلا ترتيب، تقول: نزلنا- أو نزل المطر- نجدًا فتهامة، وإن كانت تهامة في وقوع المطر سابقة على نجد.

واعلم أن الاستدلال الذي ذكره المصنف استدلال باطل لا ينبغي أن يكون موضوعًا في تصنيفٍ- كما قاله النووي- لأن الترتيب إنما وقع بين هذه الجملة وما قبلها، لا بين أفراد هذه الأعضاء.
قوله: ومن السنة ما [كذا] روى مسلم عن عمرو بن عبسة قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء، فقال: ((ما منكم من أحد يقرب وضوءه، ثم يتمضمض ويستتنشق- إلا خرت خطايا فيه وأنفه مع الماء، ثم يغسل وجهه كما أمر الله تعالى إلا خرت خطايا وجهه مع أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى مرفقيه إلا خرت خطايا بدنه من أطراف أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه مع الكعبين كما أمره الله إلا خرت خطايا رجليه من أطراف أصابعه من الماء)).
انتهى كلامه.
وهذا الحديث ذكره مسلم في كتاب الصلاة في باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، لكن هذا اللفظ كله ليس في روايته، إذ ليس فيها: ((كما أمر الله)) في غسل الرجلين، وفيها: ((ثم يغسل قدميه إلى الكعبين)) أي: بلفظ ((إلى)) لا بلفظ ((مع)).
قوله: التتابع: عبارة عنه تطهير العضو بعد العضو بحيث لا يجف المغسول قبيله قبل شروعه فيه، مع اعتدال الزمان والمكان، فلا اعتبار بشدة الحر والبرد، ولا بالبلاد الشديدة الحرارة أو البرودة.
قلت: وينبغي أن ينظر إلى اعتدال المستعمل له، فلا يعتبر بمن عليه حرارة وضدها.
انتهى كلامه.
وما ذكره بحثًا في اعتدال المستعمل واقتضى كلامه عدم ذكر الأصحاب له، غريب، فقد ذكره الرافعي، وجزم باشتراطه على وفق ما ذكره، فقال: والتفريق الكثير: أن يمضي من الزمان ما يجف فيه المغسول مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص، ولا عبرة بحال المحموم.
هذا لفظه، وتبعه عليه في ((الروضة)).
قوله: والجديد: أن التتابع غير واجب، لأن ابن عمر روى ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ في السوق، فغسل وجهه ويديه، ومسح رأسه، فدعي إلى جنازة، فأتى المسجد، فدعا بماء، فسمح على خفيه، وصلى عليها)) قال الشافعي: وبين ذهابه من السوق إلى المسجد تفريق كثير.
وقد روي ذلك موقوفًا على ابن عمر.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن الشافعي روى هذا مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس كذلك، فإن الشافعي إنما رواه موقوفًا، فقال في ((الأم)) في كتاب اختلاف مالك والشافعي، في باب نوم الجالس- ما نصه: قال الشافعي: أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه بال

في السوق، فتوضأ: فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ثم دخل المسجد، فدعي لجنازة، فمسح على خفيه.
هذا لفظه بحروفه، ومن ((الأم)) نقلته، ورأيت في ((الأم)) - أيضًا- في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى- وهذا الكتاب بعد باب قطع العبد في باب صلاة الخوف منه- ما نصه: وقد روي عن ابن عمر أنه توضأ وخرج إلى السوق، ثم دعي لجنازة، فمسح على خفيه وصلى.
انتهى، وهو نظير ما تقدم في الوقف على ابن عمر، لكن في هذه مخالفة لذلك لا تخفي.
نعم، روى صاحب ((البيان)) هذه القصة عن ابن عمر مرفوعة.
قوله: والقولان في تفريق الوضوء جاريان في تفريق الغسل، وهل يجريان في تفريق التيمم؟ قال ابن القطان وطائفة: نعم، وقال الجمهور: لا، بل يبطل بالتفريق قولًا واحدًا.
ثم قال: وبعضهم قال: إنه لا يضر قطعًا.
انتهى.
وما نقله عن الجهور من القطع بالبطلان قد خالفه في باب التيمم مخالفة عجيبة فقال: إن المشهور طريقة القولين.
وستعرف لفظة هناك.


باب المسح على الخفين

قوله: وفي تعبير الشيخ بلفظ ((الجواز)) تنبيه على أمرين، أحدهما: أن المسح غير واجب وغير مستحب وغير مكروه، وهو مشهور، لكن أبو الطيب حكى هنا عن الشافعي أنه مكروه.
انتهى كلامه.
وهذه الحكاية عن أبي الطيب غلط من المصنف- رحمه الله- فإن أبا الطيب لما ذكر هذه المسألة في ((تعليقه)) - وهو الكتاب الذي ينقل منه المصنف عنه- نقل أن الشافعي رواه عن مالك، لا أن الشافعي نفسه قال به، فإنه قال: وروي عن مالك ست روايات، إحداها: أنه يمس مؤقتًا مثل قول الشافعي الجديد، وروي عنه أنه قال: يمس حتى تصيبه الجنابة.
وهذا مثل قول الشافعي القديم، وروي عنه أنه قال: يمسح المسافر دون الحاضر، وروي عنه أنه قال: يمسح الحاضر دون المسافر، وروى عنه ابن فديك أنه لا يمسح أصلًا، وروى عنه الشافعي أنه كره المسح على الخفين.
هذا كلامه بحروفه، ومن ((تعليقه)) نقلت.
قوله: ولو كان المحدث لابس خف بالشرائط، وقد دخل عليه وقت الصلاة، ووجد من الماء ما يكفيه لو مسح على الخف، ولا يكفيه لو غسل الرجلين- فالذي يظهر: وجوبه، لقدرته على الطهارة الكاملة، ولا يأتي فيه الخلاف الذي يأتي في التيمم، لوضوح الفرق.
انتهى.
وأشار بالآتي في التيمم إلى ما إذا كان على طهارة، وأرهقه حدث، ولم يكن لابسًا للخف، فإن في وجوب لبسه ليمسح عليه وجهين، أصحهما: عدم الوجوب.
وهذا الفرع الذي ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف على نقله، قد صرح به صاحب ((البحر)) في كتاب التيمم، وحكى فيه الاتفاق فقال: فرع: إذا كان لابسًا للخفين في السفر، وهو على طهارة، ومع ماء يكفيه لوجهه ويديه ومسح رأسه فقط، ومعه ثلج يابس يمسح به الخفين، ولا يمكنه إذابته- فعليه الوضوء ومسح الخفين به قولًا واحدًا، لأنه يمكنه تحصيل وضوئه هذا كلامه.
قوله: أما إذا أجنب في أثناء المدة انقطعت مدة المسح بوجوب غسل الرجلين،

وهكذا الحكم في المرأة إذا حاضت أو نفست، قاله الرافعي، واستدل له بحديث صفوان، وفيه نظر، لأن حديث صفوان يدل على أن المسح على الخف لا يقوم مقام غسل الرجلين في الجنابة، لا أنه تبطل مدة المسح.
نعم، إن كان لا يتأتى غسل الرجل في الخف فالنزع واجب لأجل الغسل، فإذا نزع بطلت به المدة، وإذا لم ينزع هل نقول: تبطل، تنزيلًا لوجوب النزع منزلته، أم لا؟ هذا محل الاحتمال، وإن كان يتأتى غسل الرجلين في الخف ينبغي ألا تبطل مدة المسح، بناء على أن الوضوء لا يندرج تحت الغسل، ويصير ذلك بمنزلة ما قاله الأصحاب فيما إذا دميت رجله في الخف، إن أمكن غسلها فيه لم تبطل المدة.
انتهى كلامه.
فأما ما اعترض به على الرافعي من أن حديث صفوان إنما يدل على أن المسح لا يقوم مقام الغسل فليس كذلك، بل يدل على وجوب النزع، فإن لفظه- على ما حكاه الرافعي وغيره-: ((أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كنا سفرًا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة)).
وأما قوله: وإذا لم ينزع فهل نقول: تبطل، تنزيلًا لوجوب النزع منزلته، أم لا؟ هذا محل الاحتمال- فيقال له: توقفك في البطلان في هذه الحالة يستدعي جواز المسح على تقدير عدم البطلان، وإلا لم يكن لبقاء المدة فائدة، وجواز المسح لابد له من فائدة، وما فائدته مع قيام الجنابة، فإنه لا يستبيح معها شيئًا من الموانع، والفرض: أنه لابد من النزع، وإذا نزع عاد الحدث.
وأما قوله: وإن كان يتأتى غسل الرجلين في الخف فينبغي ألا تبطل مدة المسح، بناء على أن الوضوء لا يندرج تحت الغسل ... إلى آخره- فإن تفريعه عدم البطلان على عدم الاندراج كلامٌ عجيب، بل إذا أمكن الغسل في الخف، وقلنا بما قاله من أنه ينبغي ألا تبطل المدة- فإنه يمسح إلى انقضاء المدة.
نعم، إن كان قد أحدث الحدث الأصغر- أيضًا- مع الأكبر: فإن توضأ أولًا ومسح قبل الغسل فلا كلام، وإن اغتسل وقلنا بعدم الاندراج احتاج إلى الوضوء والمسح، ولكن لا ارتباط له بالبطلان وعدمه.
وخطر لي في الجواب عن الثاني: أن يتوضأ ويمسح، لفائدة النوم والأكل والشرب والجماع وغيرها مما استحبوه في باب الغسل.
قوله: قال الأصحاب: والرخص التي تتعلق بالسفر ستة، منها ما يختص بالطويل بلا خلاف، وهي: المسح على الخفين، والقصر، والفطر، ومنها ما يجوز في الطويل والقصير بلا خلاف، وهي الصلاة على الراحلة ونحوها، وفي هذا شيء ستعرفه،

ومنها ما اختلف قول الشافعي فيه، وهو الجمع في السفر والتيمم.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ادعاه من نفي الخلاف في جواز الصلاة على الراحلة في السفر القصير ليس كذلك، بل في اشتراط السفر الطويل في ذلك قولان مشهوران في ((الرافعي)) وغيره، وقد حكاهما المصنف في باب استقبال ودعواه- أيضًا- أنه لا خلاف في اختصاص القصر بالسفر الطويل ليس كذلك، بل فيه قول: أنه يجوز في القصير- أيضًا- بشرط الخوف، حكاه الرافعي وغيره، وحكاه المصنف- أيضًا- في صلاة المسافر.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من انحصار رخص السفر في ستة باطل- أيضًا- فإن ترك الجمعة من رخص السفر، وكذلك عدم القضاء على المتيمم الفاقد للماء، وعدم القضاء على الزوج إذا سافر بواحدة من نسائه بالقرعة.
فالجمعة لا تختص بالطويل، بخلاف الأخيرتين على الصحيح.
وعدوا- أيضًا- أكل الميتة من رخص السفر.
قوله: وابتداء المدة من حين يحدث، لأنها عبادة مقدرة بوقت، فكان أول وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة، ثم هذا الدليل يدل على امتناع تجديد الوضوء المشتمل على مسح الخفين، ولاشك في أنه مكروه.
انتهى كلامه.
واعلم أن عبارته تقتضي الامتناع فيما قبل الحدث وبعده، مع أن التعليل المتقدم الذي استنبط منه ما ذكره إنما يدل على المنع فيما قبل الحدث خاصة، ثم إن دعواه أنه لاشك في الكراهة عجيب، فقد جزم النووي في ((شرح المهذب)) هنا بجوازه واستحبابه فيما قبل الحدث، على خلاف ما دل عليه التعليل السابق.
قوله: فإن مسح في الحضر ثم سافر، أو مسح في السفر ثم أقام- أتم مسح مقيم.
ثم نبه على أمرين، فذكر أحدهما.
ثم قال: الثاني: أن المسألة الثانية مصورة بما إذا بقي من مدة المقيم شيء كما إذا كان قد مسح دون يوم وليلة، لأن فيه تنبيهًا على محل خلاف المزني، أما إذا كان قد مسح في السفر يومًا وليلة فأكثر ثم أقام، استأنف وفاقًا، وإنما قلنا ذلك، لأن في ((تعليق)) البندنيجي: أنا أبا العباس- يعني ابن سريج- حكى عن المزني أنه قال: إذا كان مقيمًا ثم سافر أو مسافرًا، ثم أقام- بني إحدى المدتين على الأخرى، ويقسط ذلك على الزمان: فإن كان مقيمًا، فمضى من مدة الإقامة ثلثها من حين الحدث، ثم سافر-فله أن يمسح بعد أن حصل مسافرًا يومين وليلتين ثلثي مدة السفر، في مقابلة

ما بقي من مدة الحضر وهو ثلثا يوم وليلة.
وإن كان مسافرًا، فمسح يومًا وليلة، ثم حضر- فقد مضى له ثلث مدة السفر، فيضيف إلى هذا ثلثي مدة الحضر.
انتهى كلامه.
وما ادعاه أولًا من الوفاق على الاستئناف فيما إذا استوفى مدة المقيمين قبل الإقامة، مستندًا إلى ما نقله عن البندنيجي- غريب، فإن النقل المذكور عليه، لا له، فتأمله.
وكأنه نظر إلى المثال دون ما قبله.
قوله: وقد قال الأصحاب: المستحاضة ومن في معناها إذا توضأت ولم تصل، ولبست الخف، ثم أحدثت الحدث المعتاد- يجوز أن تتوضأ، وتمسح على الخف، وتصلي فريضة واحدة وما شاءت من النوافل، فإن كانت قد صلت الفرض استباحت النافلة فقط.
ثم قال: وعن الشيخ أبي حامد: أن لها أن تستوفي مدة المسح يومًا وليلة في الحضر، وثلاثة أيام ولياليهن في السفر.
انتهى كلامه.
وما نقله- رحمه الله- عن الشيخ أبي حامد قد رأيت في ((تعليقه)) عكسه، وهو الجزم بالمذهب المشهور، والرافعي عبر بقوله: ((وعن أبي حامد))، فكأنه توهم أن المراد به الشيخ أبو حامد، فصرح به هنا.
وذكر بعده بنحو صفحة ما هو أشد منه، فقال جوابًا عن سؤال أورده على الشيخ ما نصه: وجوابه: أن اشيخ أبا حامد قائل باستيفاء المدة، وهذا الكتاب مختصر من ((تعليقه)) كما هو المشهور، وحينئذ لا يحسن معه هذا السؤال.
هذه عبارته، وهي زائدة على تلك في الخلل، والذي في ((الرافعي)) يجوز أن يراد به القاضي أبو حامد المروروذي، وهو الظاهر، لما ذكرناه، ولأن ذاك لا يطلق إلا مقيدًا بـ ((الشيخ)).
قوله: وقد أفهم كلام الشيخ أمورًا.
أحدها: أنه لا يجوز المسح على ما لا يسمى خفًا، وذلك يشمل صورًا.
منها: إذا أخذ قطعة جلد، وأحكمها بالشد بحيث لا يرى معها بشرة القدم، ويمكن متابعة عليها، وهو ما حكاه القاضي الحسين عن الأصحاب، لأنه غير مخروز، وأبدا جوازه احتمالًا لنفسه.
انتهى.
وما نقله عن القاضي الحسين هنا غلط، فإن القاضي لم يذكر هذه المسألة في ((تعليقه)) بالكلية.
وأما هذا الكلام الذي نقله عنه المصنف جميعه فإنما ذكره في الخف المشقوق

القدم إذا شد بالشرج.
قوله: ومنها أن صاحب ((التخليص)) اشترط في الملبوس أن يكون حلالًا، لأن المسح على الخف رخصة، فلا تباح بالمعاصي، ويندرج في ذلك الخف المغصوب والمسروق.
ثم قال: لكن الذي عليه عامة الأصحاب: أنه لا يشترط ذلك، وصححه الغزالي.
انتهى كلامه.
واعلم أن الغزالي في ((الوسيط)) قد رجح المنع فقال: إنه أحسن الوجهين.
وفي كلام ((الوجيز)) إشعار برجحانه- أيضًا- نعم، صرح في ((البسيط)) بالجواز، وعبر بلفظ ((الأصح))، فاعلمه، فيجوز أن يكون المصنف قد أراد الكتاب المذكور.
قوله: وفي المسح على الجرموقين قولان.
أحدهما: يجوز.
وهذا ما قاله في القديم و ((الإملاء))، واختاره المزني، ونص عليه في ((الأم))، لأنه قال فيه- كما حكاه البندنيجي ... إلى آخره.
وهذا النقل عن ((الأم)) غلط عجيب، فإن المنصوص عليه فيها إنما هو المنع، وقد نبه على هذا الغلط في ((المطلب)).
قوله في المسألة: والثاني: لا يجوز.
ثم قال ما نصبه: وهذا ما نص عليه في الجديد و ((الأم)) كما قاله أبو الطيب، وهو الأصح.
انتهى كلامه.
وهذا التعبير الذي نقله عن أبي الطيب يوهم أن القاضي قائل بأن ((الأم)) ليست من الكتب الجديدة- على وفق ما قاله الإمام- مع أن القاضي لم يذكر شيئًا يوهم ذلك أصلًا.
قوله: ولو كان الأسفل لو انفرد لا يمكن المسح عليه، والأعلى لو انفرد لأمكن المسح عليه- جاز المسح عليه قولًا واحدًا.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الخلاف ليس كذلك، فقد رأيت في ((الاستذكار)) للدرامي فيه طريقين، ونقلهما- أيضًا- عنه النووي في ((شرح المهذب)).
قوله: التفريع: إن قلنا بالجواز ففي كيفية تنزيل الأسفل مع الأعلى ثلاثة معان عن ابن سريج حكاها البندنيجي وغيره: أظهرهما: أن الأعلى بدل عن الأسفل، والأسفل بدل عن الرجل.

والثاني: أن الأسفل كاللفافة، والخف هو الأعلى.
والثالث: أن الأسفل بمنزلة طاقة من طاقات الخف والبطانة له.
وبنى المراوزة على هذه المعاني فروعها، منها: إذا لبس الأسفل على الطهارة، ثم أحدث ومسح عليه، ولبس الأعلى- فقال الرافعي: إن منهم من بناه على المعاني، فقال: إن قلنا بالأول والأخير فله المسح عليه، وإن قلنا بالوسط فلا.
وهذه طريقة القاضي حسين، وحاصلها وجهان حكاهما أبو الطيب وغيره، ومنهم من قال: إن قلنا بالوسط انبنى على أن المسح على الخفين هل يرفع الحدث أم لا: فإن قلنا: إنه يرفعه، جاز له المسح، وإلا فلا.
انتهى.
وما نقله- رحمه الله- عن اختيار القاضي الحسين لهذه الطريقة ليس كذلك، بل إنما اختار الطريقة التي تليها، وهي الجواز على الأول والأخير، وبناء الوسط على رفع الحدث، كذا ذكره في ((تعليقه)).
واعلم أن تعبيره عن الثلاث المتقدمة بـ ((المعاني)) قلد فيه الرافعي و ((الروضة)) مع أنها أوجه لابن سريج كذا صرح به جماعة منهم: الإمام في ((النهاية))، والروياني في ((البحر))، والعمراني في ((البيان))، والرافعي في ((الشرح الصغير)) فقال: فيه ثلاثة أوجه عن ابن سريج.
هذه عبارته.
قوله: ومنها: لو تخرق الأسفل من إحدى الرجلين، فإن قلنا بالمعنى الأول قال في ((التهذيب)): نزع واحدة من الرجل الأخرى، كي لا يكون جامعًا بين البدل والمبدل، وليس كما إذا تخرق الأعلى من إحدى الرجلين، حيث جرى في لزوم النزع من الأخرى الخلاف الذي سلف، لأن ما لاقاه المسح هنا باقٍ، ولا كذلك ثم، فإنه الذي نزع فصار كالخف ينزع عن الرجل.
انتهى كلامه.
وهذا الفرق الذي ذكره المصنف إنما ذكره للرد على كلام ذكره الرافعي، فإنه لما ذكر الحكم والتعليل السابقين عبر بقوله: كذا ذكره في ((التهذيب)) وغيره، ولك أن تقول: هذا المعنى موجود فيما إذا تخرق الأعلى من إحدى الرجلين، وقد حكوا وجهين في لزوم النزع من الرجل الأخرى، فليحكم بطردهما هاهنا.
هذا كلام الرافعي، وهو كلام محقق متين، والفرق الذي ذكره المصنف غلط عجيب على العكس من المسألة، فإن الأعلى الذي حصل المسح عليه، وأشبه الخف الواحد المنزوع من إحدى الرجلين- هو الذي حصل فيه الخلاف، والتحتاني هو المجزوم به، فتوهم العكس حالة شروعه في الفرق.

واعلم أن كلام المصنف- تبعًا للرافعي- يوهم أن البغوي علل بالجمع بين البدل والمبدل، مع أن البغوي لم يذكر ذلك بالكلية، والمراد بالجمع: بالنسبة إلى المسح، لأن الخف الواحد الباقي على إحدى الرجلين مبدل عن الجرموق، والجرموق في الأخرى بدل عن الخف.
قوله: وقد قيد في ((الوجيز)) استحباب مسح الأسفل بما إذا لم يكن عليه نجاسة.
وهذا منه تفريع على جواز الصلاة في الخف الذي أزيل جرم النجاسة عنه بمسحه على الأرض، وإلا فقد تقدم أن الخف المتنجس الذي لا تجوز الصلاة فيه لا يجوز المسح عليه.
انتهى كلامه.
وهو عجيب، فإن الذي أفهمه كلامه المتقدم وكلام غيره إنما هو فيما إذا كان الخف جميعه متنجسًا، أما لو كان الأعلى طاهرًا والأسفل متنجسًا فإنه لا يمسح الأسفل، لما فيه من انتشار النجاسة، بل يمسح الأعلى فقط، ويصح مسحه، وحينئذ: فإذا أراد الصلاة: فإن كانت النجاسة مما يعفى عنها فواضح وإن لم يعف عنها أزالها بطريقها: إما بالماء على قولٍ، وإما بالدلك على آخر.
وقد أجاب الرافعي في كلام الغزالي بنحو ما ذكرته، فقال باحثًا في كلامه: ولا شك أنه إذا عند المسح على أسفل خفة نجاسة فلا يمسح عليه، لأن المسح يزيد فيها، والقول في أنه كيف يصلي فيه: أتتعين إزالة النجاسة عنه بالماء كما في سائر المواضع، أم يكفي دلكه بالأرض- سيأتي في كتاب الصلاة، إن شاء الله تعالى.
هذا كلام الرافعي، وهو واضح.
نعم، يتجه تخريج المسألة على أن المسح على الخف هل يرفع الحدث، أو لا يرفعه وإنما يبيح الصلاة؟ فإن قلنا بالأول- وهو ما صححه في ((الروضة)) من ((زوائده)) - فلا إشكال في صحة المسح مع نجاسة الأسفل، وإن قلنا بالثاني فيظهر بناؤه على أن من تيمم وعلى بدنه نجاسة: هل يصح أم لا؟ ويجوز أن يفرق بينهما.
قوله: فإن اقتصر على مسح القليل من أعلاه أجزأه، وإن اقتصر على ذلك من أسفله لم يجزئه على ظاهر المذهب، وقيل: يجزئه.
ثم قال بعد تقرير هذا الخلاف ما نصه: وقد جعل الرافعي محل الخلاف فيما يحاذي أخمص القدمين والكعبين، وقال: إنه لا كلام في أن ما يحاذي غير الأخمص وغير العقبين يجوز الاقتصار عليه، انتهى كلامه وتعبيره بالكعبين هنا غلط، فإن الكعب هو العظم الناتئ بين مفصل الساق والقدم،

والصواب التعبير بالعقبين كما عبر به ثانيًا.
قوله: وإن ظهرت الرجل من الخف، أو انقضت مدة المسح- وهو على طهارة المسح- غسل القدمين في أصح القولين، واستأنف الوضوء في القول الآخر.
ثم قال: فعن ابن سريج وأبي إسحاق وابن أبي هريرة وجمهور البغداديين: أنهما مبنيان على القولين في تفريق الوضوء: فإن قلنا: يجوز، اقتصر على غسل القدمين، وإلا استأنف.
وعن الشيخ أبي حامد والقفال وأصحابه: أنهما مبنيان على أن المسح على الخفين هل يرفع الحدث أم لا؟ وفيه قولان مستنبطان.
انتهى.
وما نقله عن الشيخ أبي حامد من بنائهما على رفع الحدث ليس كذلك، بل الذي صححه إنما هو الأول، وهو البناء على تفريق الوضوء، كذا رأيته في ((تعليقه))، وعبر بلفظ ((الأصح))، إلا أنه صحح بعد ذلك استئناف الوضوء، على خلاف قضية البناء، فاعلمه.

باب ما ينقض الوضوء

قوله: في البحث مع الرافعي في أن المني لا ينقض الوضوء-: أما الأول، فلأن الماوردي ادعى الاتفاق على وجوب الوضوء بخروج دم الحيض، وهو موجب لنقض الطهارة.
انتهى.
وما نقله من الاتفاق وأقره مردود، فقد رأيت في ((اللطيف)) لأبي الحسن بن خيران البغدادي: أن الحيض والنفاس لا يوجبان الوضوء.
ثم قال: والصحيح- كما ستعرفه- أن الموجب لغسل الحيض طروءه وإن كانت صحته تتوقف على انقطاعه، كما أن الوضوء يجب بخروج البول وتتوقف صحته على انقطاعه.
انتهى.
وما ذكره من كونه الصحيح، ومن كونه سيأتي- فإن المسألة قد ذكرها في ((باب ما يوجب الغسل))، وحكى فيها خلافًا متعارضًا، بل نقل هناك عن الإمام: أن الأكثرين على وجوبه بالانقطاع.
ثم قال: وتصوير الأصحاب الجنابة المجردة عن الحدث بذلك لا يدفع كون المني ناقضًا للوضوء، لأن مرادهم تصوير جنابة لا يجب معها فعل الوضوء، بل يكون الغسل فيها كافيًا بلا خلاف، ونحن كذلك نقول في هذه الصورة، لا لأنه لم يوجد نقض الطهارة الصغرى، بل لأنه قد وجد في حال واحد في آن واحد، فاكتفينا بأعمهما، بخلاف ما إذا تقدم أحدهما على الآخر، فإنا نوجبهما على رأي.
انتهى.
وهذا الحمل الذي ذكره منافٍ لكلام الرافعي وغيره من الأصحاب في باب الغسل، فراجعه.
ثم قال- ردًا على الرافعي أيضًا-: ولا يتصور مقارنة الحدث الأصغر للأكبر، إلا إذا جعلنا المني لهما، فإن كان لا يوجب الوضوء تعذر تصوير اجتماع موجب الوضوء والغسل في حال واحد.
انتهى.

وما ذكره من عدم التصوير ذهول عجيب، فقد يلمس أو يمس حالة خروج المني ونحو ذلك.
قوله: وقد حكي وراء ما ذكره الشيخ في النوم أقوال بعيدة: أحدها: أنه لا ينتقض الوضوء إذا وجد في الصلاة في الركوع والسجود والقيام، لقوله- عليه الصلاة والسلام-: ((إذا نام العبد في سجوده باهي الله به الملائكة، فيقول: ملائكتي، انظروا إلى عبدي: روحه عندي، وجسده بين يدي))، فسماه ساجدًا بعدما نام، وقد اختاره في ((المرشد)).
والثاني- حكاه ابن الصباغ عن القديم-: أن النوم في الصلاة لا ينقض الوضوء، واستدل له بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾، فأخرجه مخرج المدح، وما تعلق به المدح ينفي عنه إبطال العبادة.
انتهى كلامه.
ومقتضاه: أن ابن الصباغ صدرت منه حكاية القول والاستدلال: فأما الحكاية للقول فصحيحة، وأما الاستدلال فليس له ذكر في ((الشامل)) بالكلية، بل استدل له بالحديث الذي ذكره المصنف دليلًا للقول الأول.
ويظهر- أيضًا- أن القولين المذكورين قول واحد، غير أن بعضهم أجمله، وبعضهم فصله، فتوهم المصنف المغايرة، ولهذا لم يسلك أحد ما سلكه من المغايرة أصلًا، ويدل عليه- أيضًا- أن صاحب ((الشامل)) استدل للثاني بما استدل به المصنف للأول كما ذكرنا، وأيضًا: فلأن المرشد عبر عنه إذا نام في هيئة من هيئات الصلاة.
قوله: ولا فرق بين أن يكون القاعد هزيلًا أو سمينا، وفي الهزيل وجه: أنه ينتقض وضوءه، لأن اللحم ينضغط بأليتيه المحل.
انتهى كلامه.
وإثبات الخلاف في هذه الصورة غير صحيح، فإنه لا أصل له، لا نقلًا ولا معنى، والحاكون له حكوه على سبيل الاستثناء لانتفاء المعنى، ولابد منه، ولهذا نقله الروياني في ((البحر)) عن الأصحاب.
قوله: وبنى القاضي الحسين الثانية- يعني لمس الميتة- على أنه هل يجب الحد بوطئها، ويجب تجديد غسلها؟ وفيه وجهان.
وقضية البناء ترجيح عدم النقض، وبه صرح الغزالي، لكن الأظهر في ((الحاوي)): النقض.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الغزالي من ترجيح عدم النقض صحيح، فقد صرح به في ((البسيط)) خاصة، وعبر بالأصح، ولم يتعرض للمسألة في ((الوسيط)) و ((الخلاصة))، وحكى فيها

خلافًا في ((الوجيز)) من غير ترجيح.
وأما نقله ذلك عن الرافعي فلغط، ولهذا أسقط من بعض النسخ، فإن الذي رجحه الرافعي في ((شرحيه)) - الكبير، والصغير- إنما هو النقض، وعبر في ((الكبير)) بالظاهر، وفي ((الصغير)) بقوله: رجح- على البناء للمفعول- ولم يذكر المسألة في ((المحرر)).
قوله: ولو مس محرمًا ليست برحم كالمحرمة عليه بالرضاع أو المصاهرة فإن في نقض الطهارة طريقين حكاهما العمراني في ((الزوائد)): إحداهما: طرد القولين، ولم يذكر الرافعي غيرها.
والثانية: القطع بالانتقاض.
قلت: ولو فصل بين من كانت حلالًا له في وقت ثم حرمت عليه بذلك، فينتقض الوضوء بمسها، وبين من لم تحل له أصلًا، فيكون في لمسها القولان- لم يبعد، ويشهد لذلك ما ستعرف في باب الظهار.
انتهى كلامه.
وهو غريب جدًا، فإن حاصله أن العمراني في ((الزوائد)) قد حكى الطريقين في المحرم بالمصاهرة، سواء حلت ثم حرمت أم لم تحل أصلًا، وليس كذلك، بل إنما حكاهما في الكتاب المذكور فيمن حلت ثم حرمت فقال: مسألة: لمس أم الزوجة والربيبة وكل من كانت حلالًا ثم حرمت عليه، منهم من قال: فيه قولان كذوات المحارم، ومنهم من قال: ينتقض الوضوء قولًا واحدًا، لأنها كانت محللة له فهي كأم الموطوءة بشبهة.
هذا لفظه في ((الزوائد))، وذكر في ((البيان)) مثله فقال: وإن لمس امرأة كانت حلالًا له ثم حرمت كأم زوجته وربيبته، فقد اختلف ... إلى آخره.
وقد استفدنا- أيضًا- من كلام العمراني نقل ما أبداه المصنف بحثًا، واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه، فإن الطريقة الثانية القاطعة هي التي حاول المصنف إثباتها، وقد رأيت- أيضًا- هذه الطريقة في ((نكت التنبيه)) لابن أبي الضيف التميمي.
واعلم أن في كثير من نسخ هذا الكتاب التعبير بقوله: ولم يذكر الرافعي غيرها عقب الطريقة الثانية، وهي طريقة القطع.
وذلك غلط من النساخ سببه أنها بخطه في حاشيةٍ لها تخريجةٌ خفية بعد الطريقة الأولى، وقريبة في الموضع من الثانية، فألحقها النساخ بالثانية خطأ منهم، فلا يرد ذلك على المصنف، فتفظن له.
قوله: تنبيه الرحم: علاقة القرابة، مأخوذ من ((الرحم)) - بضم الراء- وهو العطف.
والمحرم: مفعلٌ من ((الحرمة)) بمعنى ((الحرام)) - مقتضبٌ من قوله تعالى: {حُرِّمَتْ

عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}، والمراد: من لا يحل له نكاحها بسبب القرابة وغيرها.
انتهى كلامه.
وما ذكره في حد المحرم حد فاسد جدًا، بل الصواب فيه ما قاله غيره، وهي: كل امرأة حرم نكاحها على التأييد بسبب مباح لحرمتها.
واحترزنا بـ ((التأبيد)) عن أخت الزوجة وعمتها وخالتها.
وبـ ((السبب المباح)) عما إذا وطئ امرأة بشبهة، فإن أمهاتها وبناتها- وإن حرمن عليه على التأبيد- فإن المحرمية لا تثبت على الصحيح، لأن السبب ليس مباحًا: أما شبهة المحل: كوطء الجارية المشتركة، وشبهة الطريق: كالوطء بالنكاح والشراء الفاسدين، فلأنه حرام.
وأما شبهة الفاعل: كوطء من ظنها زوجته، فلأنه لا يوصف بإباحة ولا تحريم، لأنه ليس فعل مكلف، إذ الغافل لا يكلف.
نعم، لو تزوج الموطوءة بشبهة ودخل بها، فالمتجه: الحكم على أمهاتها وبناتها بالمحرمية، وحينئذ فيرد على الضابط، لأن السبب المباح- وهو العقد والدخول- لم يحرمهن، لأنهن حرمن قبل ذلك، ويستحيل تحصيل الحاصل.
واحترزنا بـ ((المحرمة)) - أي الاحترام والإعظام- عن الملاعنة، فإن تحريمها للتغليظ، وهذا الضابط ينتقض طردًا بأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وعكسا بالموطوءة في الحيض والنفاس والإحرام والصوم الواجب ونحو ذلك، كأم الزوجة إذا عقد على ابنتها عقدا حرامًا بأن وقع بعد خطبة الغير.
قوله: وأصح حديث في المس- كما قاله البخاري- ما روته بسرة بنت صفوان أنه- عليه الصلاة والسلام- قال: ((إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس بينه وبينها سترة فليتوضأ))، قال الترمذي: وهو حسن صحيح.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن بسرة اسم امرأة، لا اسم رجل كما توهمه المصنف، وهي جدة جدنا لأبينا مروان بن الحكم، أم أمه، وهذا معروف مشهور في ((السنن)) الأربعة وغيرها، وهي بباء موحدة مضمومة ثم سين مهملة ساكنة.
الأمر الثاني: أن هذا الحديث ليس هو حديث بسرة الذي قال فيه البخاري وغيره ما قال، بل هو حديث آخر رواه ابن حبان في ((صحيحه)) من رواية أبي هريرة، وأما حديث بسرة فلفظه: ((من مس ذكره فليتوضأ)).

قوله: وفي ((التتمة)) حكاية وجه: أن الشك في الحدث إذا كان قبل الدخول في الصلاة لا يبني على يقين الطهارة، وإن كان بعد الدخول فيها بنى عليه كمذهب مالك.
انتهى.
وما نقله عن ((التتمة)) من حكاية هذا الوجه غلط، أوقعه فه تقليده للرافعي، فإن صاحب ((التتمة)) إنما نقله عن الحسن البصري، وممن نقله عنه أيضًا: الماوردي في ((الحاوي))، والبندنيجي في ((الذخيرة))، وسليم الرازي في ((التقريب))، غير أن صاحب ((التتمة)) نقله عن الحسن ولم يصرح بالبصري، والباقون صرحوا به.
نعم، حكى صاحب ((التعجيز)) في شرحه له وجهًا: أنه يأخذ بالحدث مطلقًا، ساء كان في الصلاة أو خارجها.
قوله: وقد قال صاحب ((التخليص)): اليقين لا يرفع بالشك إلا في أربع مسائل: إذا وقع الشك في انقضاء وقت الجمعة، فإنهم يصلون ظهرًا، وظني أني ذكرت فيه خلافًا في باب الجمعة.
وإذا شك في انقضاء مدة المسح بنى الأمر على ما يوجب الغسل.
وإذا شك هل وصل إلى طنه أو لا؟ وإذا شك: هل نوى الإتمام أو لا؟ يلزمه الإتمام فيهما، والأصحاب قالوا: بل ذلك رجوع إلى الأصل.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن صاحب ((التخليص)) من كونه حصر ذلك في أربع مسائل غريب، فإنه ذكر إحدى عشرة مسألة، فقال في ((باب المسح على الخف)) - وهناك يذكر المسألة- ما نصه: ولا يزول اليقين بالشك إلا في إحدى عشرة مسألة: إحداها: قال الشافعي في ((كتاب الربيع)) وكتاب ((الجامع الكبير)): ولو شك مقيم: هل تم وليلة أم لا؟ لم يجز له أن يمسح على الخفين، وكذلك لو علم أنه صلى ثلاث صلوات، وشك في الرابعة: هل صلاها أم لا؟ لم يكن له إلا أن يجعل نفسه كأنه صلى بالمسح الرابعة، ولا يكون له ترك صلاة الرابعة حتى يصليها.
قال المزني: هذا عندي غلط.
والمسألة الثانية: مسافر شك: هل مسح وهو مقيم، أو مسح بعد ما سافر؟ والثالثة: مسافر أحرم خلف رجل لا يدري أمقيم هو أم مسافر؟ بطل القصر.
والرابعة: لو أن ظبيًا بال في قلتين من ماء، فوجده متغيرًا، لا يدري أن التغير من نجاسة أو غيره- فهو نجس.

فصول الكتاب · 16 فصل · 599 صفحة
جارٍ التحميل