كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الإِسْنَوي
- الكتاب
- الهداية إلى أوهام الكفاية
- المؤلف
- عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 772هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمي، مطبوع بخاتمة (كفاية النبيه) لابن الرفعةسنة النشر: 2009
- عدد الأجزاء
- 1 (هو الجزء الـ 20 من مطبوعة كفاية النبيه) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
والخامسة: المستحاضة عليها الصلاة والإمساك في كل يوم شك: هل هو يوم انقطاع الدم أم لا؟
والسادسة: إذا علم أن النجاسة ما أصابت بدنه وثوبه إلا في موضع قليل، وشك في ذلك الموضع- كان عليه غسله.
والسابعة- قلته تخريجًا-: إذا شك المسافر هل وصل إلى البلد الذي قصد أم لا، لم يجز له شيء مما رخص للمسافر.
والثامنة: إذا شك المسافر في سفره هل نوى الإقامة أم لا، لم يكن له رخصة المسافر، قلته تخريجًا.
والتاسعة: المستحاضة ومن به سلس البول أو غيره، إذا توضأ ثم شك: هل انقطع أم لا، فصليً على ذلك- لم يجز.
والعاشرة: إذا طلب في سفره الماء وتيمم، ثم أبصر شيئًا لا يدري أسراب هو أو ماء، وشك فيه، فصلى- لم يجزئه وإن كان سرابًا، قلته تخريجًا.
والحادية عشرة: رجل رمى صيدا، فجرحه، فغاب عنه، فلحقه ميتًا والسهم فيه، فشك: هل أصابته رمية أخرى من حجر أو غيره- لم يجز له أكله، وكذلك لو أرسل عليه كلبًا.
هذا آخر كلام ابن القاص، ومن ((التخليص)) نقلت، والذي أوقع المصنف في هذا الوهم تقليده للغزالي، فإنه عبر في نواقض الوضوء من ((الوسيط)) بقوله: واستثنى صاحب ((التخليص)) من هذه القاعدة أربع مسائل.
واغتر الغزالي بأنها في كلام الإمام، فإنه قال في الباب المذكور: استثنى صاحب ((التلخيص)) مسائل، ونحن نذكر المستفاد منها، ونحذف ما لا شك فيه مما استثناه كذا وكذا، وذكر أربعة.
الأمر الثاني: أن المسألة الرابعة التي نقلها المصنف عن صاحب ((التخليص))، وهي ما: إذا شك في أنه هل نوى الإتمام أم لا- لم يذكرها صاحب ((التخليص)) بالكلية، وإنما ذكر عوضها ما إذا شك هل نوى الإقامة أو لا، وقد ذكره الإمام في ((النهاية)) والغزالي في ((الوسيط)) على الصواب، وقد رأيته في كثير من شروح ((التخليص)): كشرحه للقفال، وشرحه للشيخ أبي علي السنجي، وشرحه للقاضي حسين بتخطئة ابن القاص في استثناء هذه المسائل من هذه القاعدة، وإن سلموا له حكمها، قالوا: لأنها لم نعمل فيها بالشك، وإنما لها شرط شككنا في وجوده، والأصل عدمه، قال في
((شرح المهذب)): والظاهر ما قاله ابن القاص من الاستثناء، إلا في الثالثة والسادسة والحادية عشرة.
ثم قال: ومما يجب استثناؤه مسألتان:
إحداهما: إذا توضأ، ثم شك: هل مسح رأسه أم لا؟ فإنه يضر على الصحيح.
الثانية: إذا سلم وشك: هل صلى ثلاثًا أم أربعًا؟
قوله: وما كتب للدراسة، ثم يمحى بعد ذلك كألواح الصبيان- في تحريم مسه على البالغين وجهان:
أحدهما: لا، لأنه لم يقصد بإثباته الدوام، وهذا ما حكاه الماوردي عن الأكثرين.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن الماوردي غلط، فإنه ذكر ذلك بالنسبة إلى الصبيان، فاعلمه.
وهذه المسألة وشبهها مما يحرم بالحدث مذكور في ((الحاوي)) عقب الوضوء وقبل الاستطابة.
قوله: وهل يجوز لمن على بدنه نجاسة وهو متطهر مسه؟ فيه وجهان، أصحهما في ((الحاوي)) و ((تعليق)) أبي الطيب: لا، والفرق بين الحدث والخبث: أن الحدث يتعدى، بخلاف النجاسة.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
منها: أن نقله تصحيح المنع عن الماوردي وأبي الطيب غلط: فأما الماوردي فإنه لم يصحح شيئًا بالكلية، وأما أبو الطيب فصحح الجواز، ذرك ذلك قبيل باب الاستطابة من ((تعليقه))، فإنه نقل عن أبي القاسم الصيمري: أنه لا يجوز، قياسًا على الحدث.
ثم قال ما نصه: والصحيح أنه يجوز، بدليل الإجماع.
وأما ما اعتل به الصيمري فغير صحيح، لأن الحدث يتعدى، ويعم حكمه جميع الجسد، والنجاسة لا يجاوز حكمها محلها.
هذه عبارته.
ومنها: أن الأصحاب جزموا بأن مسه بالموضع النجس لا يجوز، وإنما محل الخلاف فيما عداه، وممن نقله النووي في ((زوائده)).
ومنها: أن التفرقة ليست على الوجه الذي صححه كما هو مدلول كلامه، وإنما هي على الضعيف الذي لم يذكره.
باب الاستطابة
قوله: ورفع الثوب قبل الدنو من الأرض على وجه الندب، وفيه نظر، لأن الصحيح: أن كشف العورة في الخلوة لا يجوز من غير حاجة، وقيل: دنوه من الأرض لا حاجة به إلى الكشف.
انتهى كلامه.
والذي قاله ضعيف جدًا، فقد أطبقوا على جواز الاغتسال عاريًا في الخلوة مع إمكان الستر، وذلك لما فيه من المشقة، والمراعاة لرفع الثوب شيئًا فشيئًا أشد في الحرج، فجاز لأجل ذلك، والممتنع إنما هو الكشف لا لمعنى بالكلية، على أن النووي في ((نكت التنبيه)) خرج إيجاب ذلك على الخلاف المذكور، ولم يسبقه أحد إليه.
قوله: ولا يتكلم، لما روى ابن مسعود قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((لا يخرجان الرجلان يضربان الغائط كاشفي عن عورتهما يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك)) رواه أبو داود.
ومعنى ((يضربان)): يطلبان.
انتهى.
وتعبيره بـ ((ابن مسعود)) تحريف، وإنما هو: أبو سعيد، كذا هو في ((أبي داود)) وغيره.
قوله: نقلًا عن علي، رضي الله عنه-: إنما كنا نبعر، وأنت تثلطون ثلطا.
انتهى.
يقال: ثلط البعير- بثاء مثلثة مفتوحة، ولام مفتوحة أيضًا، وطاء مهملة- يثلط، بكسر اللام: إذا ألقى روثه رقيقًا.
قوله: وقد أفهم كلام الشيخ: أنه لا يجزئه الاستنجاء بالحجر الواحد إذا لم يكن له غير حف، وإن غسله من أول دفعة ونشفه، ثم استنجى به، ثم غسله ونشفه واستنجى به، وهو وجه حكاه الرافعي مقيسًا على عدم جواز التيمم بالتراب المتيمم به، والحجر الواحد في الحمار، وتكرير شهادة الشاهد الواحد ... إلى آخر ما ذكر.
وما ذكره من حكاية الخلاف فيما إذا غسله سهو، ونسبته إلى الرافعي سهو- أيضًا- فقد صرح الرافعي وغيره بأنه لا خلاف في المسألة، والذي وقع للمصنف سببه
الغلط من مسألة إلى مسألة كما يعرف بمراجعة الشرحين.
قوله: فرعان: إذا لم تزل العين بالثلاث وجبت الزيادة عليها، ويستحب أن يكون وترًا إن حصل الإنقاء بالشفع، لقوله- عليه الصلاة والسلام-: ((من استجمر فليوتر))، وعن ابن خيران: أنه يجب ذلك، لظاهر الخبر.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن ابن خيران نقله النووي في ((شرح المهذب)) عن ((البيان))، فقلده فيه المصنف، وهو غلط، فإن ابن خيران أوجب استيفاء ثلاثة أخرى لأجل النجاسة الباقية، كذا نقله عنه في ((البيان)) فقال: وإن لم ينق بالثلاث لزمه أن يزيد رابعًا، فإن أنقى بالرابع أجزأه، ولا يلزمه استيفاء ستة أحجار، وحكى في ((الفروع)) أن ابن خيران قال: يلزمه ذلك.
وليس بشيء، لأن المقصود قد حصل.
هذا كلام ((البيان))، وعلى هذا: لو استعمل الخامس لم يكف، ولو استعمل الخامس لم يكف، ولو استعمل فلم ينق المحل بها لم يكفه استعمال سابع، بل لابد من ثامن وتاسع، وذكر- أعني العمراني- في ((الزوائد)) نحوه فقال: مسألة: وذكر صاحب ((الفروع)) في فروعه: إذا استنجى بحجر واحد وأنقى فهل يلزمه إتمام الثلاث؟ وجهان، والصحيح: يلزمه، ولو لم ينق لزمه أن ينقي، ولم يلزمه استعمال ثلاثة أحجار أخرى، وعن ابن خيران: يلزمه.
هذه عبارته، وذكر المحب الطبري في ((شرحه للتنبيه)) مثله أيضًا.
قوله: والمسربة: بضم الميم، وكذا الراء، وفتحها، قال النووي وغيره: مجرى الغائط.
انتهى كلامه.
وما ذكره من ضم الميم غلط لا أصل له، فإن المذكور في كتب اللغة- كـ ((العباب)) للصغاني و ((المحكم)) لابن سيده و ((جامع)) القزاز وغيرها من الأصول المبسوطة في هذا الفن- إنما هو ضبطه بالفتح.
واعلم أن تجويز الوجهين في الراء قد ذكره في ((لغات التنبيه)) تبعًا لابن الأثير في ((النهاية))، فإنه قال: المسربة- بضم الراء-: ما دق من شعر الصدر سائلًا إلى الجوف، والمسربة- أيضًا، بفتح الراء وضمها-: مجرى الحدث من الدبر، كأنها من ((السرب)) وهو المسلك.
انتهى ملخصًا.
ولكن المعروف في مجرى الغائط إنما هو الفتح لا غير، والوجهان إنما ملحهما إذا أريد بها الشعر، كذا صرح به الصغاني في ((العباب))، حتى ابن سيده في ((المحكم)) والقزاز في ((جامعه)) والجوهري في ((صحاحه)) لم يطلقوا المسربة على مجرى الغائط بالكلية، ووقع للنووي في ((شرح المهذب)) أغرب من ذلك، فإنه ضعف الفتح فقال: المسربة: مجرى الغائط، وهي بضم الراء، وقيل: يجوز فتحها.
هذه عبارته، وهو
مخالف لما ذكره في ((لغات التنبيه))، وكأنه وجده في كلام بعض المصنفين الذين التبس عليهم ذلك، فقلده.
قوله: فإن ابن الصباغ قال: لا يجوز الاستنجاء بأوراق الأشجار، لأنها تعلف للدواب، وقال الماوردي: لا يحرم الاستنجاء بعلف الدواب، وهل يحرم بما نأكله نحن وهي؟ ينظر: إن كان أكلنا له أكثر حرم، وإن كان أكلها له أكثر فلا، فإن استويا فوجهان.
انتهى.
وما نقله- رحمه الله- عن ابن الصباغ غلط، فإنه لم يتعرض للأوراق بالكلية، ولا لعلف الدواب، بل كلامه يقتضي الجواز، فإنه نص على أن مطعوم الآدميين والجن لا يجوز الاستنجاء به، فدل على أنه يجوز بعلف الدواب، وقد نص الشافعي- رحمه الله- على نفس المسألة وهي الأوراق، وصرح بالجواز من غير كراهة، ذكر ذلك في ((البويطي)).
باب ما يوجب الغسل
قوله: وقول الشيخ: ومن إيلاج الحشفة في الفرج، يقتضي أن إدخال مقدار الحشفة من ذكر مقطوع الحشفة لا يوجب الغسل، وهو وجه حكاه الرافعي عن رواية ابن كج.
وقال الماوردي: إن الشافعي نص عليه.
وعلى هذا: إذا أولج باقي الذكر وجب الغسل، والأصح: أن مقدار الحشفة قائم مقامها ... إلى آخره.
واعلم أن هذا الوجه قد ذكره الرافعي، ولكنه لم يحكه عن رواية ابن كج، بل عبر بقوله: وروي وجه- على البناء للمفعول- وسبب وهم المصنف: أن الرافعي ذكر ابن كج قبل هذا الكلام بقليل في حكاية وجه غير هذا.
واعلم أن كلام ((التنبيه)) يقتضي أنه لا غسل على من قطعت حشفته بالكلية، فاقتصار المصنف في شرح مفهومه على مقدار الحشفة عجيب.
قوله: وقيل: يجب عليها- أيضًا- من خروج الولد، أي: الذي لم يخرج بسببه نفاس، لأن الولادة مظنة خروج الدم ... إلى آخره.
واعلم أن ما قاله ليس كافيًا في صورة الخلاف، بل شرطه: ألا ترى بللا بالكلية، وممن صرح بذلك الرافعي والنووي في كتبهما.
قوله: وقال الماوردي: لا فرق في تحريم القراءة باللسان بين قراءة القرآن أو آية منه أو حرف، لعموم الخبر، وقال أبو الطيب: إنه لو كبر أو هلل أو قال كالآمر خذ الكتاب بقوة، ونحو ذلك- إن قصد يه غير القراءة جاز، وإن قصد به القرآن لم يجز.
وسكت عن حالة الإطلاق، والظاهر التحريم كما هو مقتضى كلام الماوردي، وكلام الغزالي أصرح في المنع منه، فإنه قال: يستوي في التحريم الآية وبعضها، إلا أن يأتي بها على قصد الذكر كقوله: بسم الله، والحمد لله.
ثم نقل بعد ذلك الجواز عند الإطلاق عن القاضي الحسين والإمام والرافعي، وأن الإمام ادعى القطع به.
انتهى كلامه.
وقد دل مجموع ما ذكره على أن الظاهر تحريم النطق بالحرف الواحد وإن لم
يقصد به القرآن، فتأمله.
وهذا مما لا يتأتى القول به.
وقد ذكر الشيخ تاج الدين في ((الإقليد)) التحريم عند الإطلاق في قسم لا يبعد القول فيه بالتحريم، فقال: المحرم على الجنب كل ما ظهر آية قرآن وصورته، آية كان أو بعض آية، لا ما ليس كذلك مثل: ((ثم نظر))، إلا أن يقصد القراءة، و: ((باسم الله)) و: ((الحمد لله)) علمت استعمالها ذكرا، فلا تحرم إلا بقصد كونهما قرآنًا، بخلاف ((بسم الله الرحمن الرحيم))، فإنها تحرم على الجنب، إلا أن يقصد الذكر.
هذا كلامه، وهو متوسط بين مقالة الرافعي وابن الرفعة.
قوله: قال الأصحاب: يستحب للجنب ألا يأكل ولا يشرب ولا يجامع ولا ينام حتى يتوضأ وضوءه للصلاة ويغسل فرجه، ولا يستحب مثل ذلك للحائض والنفساء إلا بعد انقطاع دمهما، قال أبو الطيب وابن الصباغ: والفرق: أن وضوء الحائض لا يفيد شيئًا، ولا كذلك وضوء الجنب، فإنه يخفف الجنابة ويزيلها عن أعضاء الوضوء ويطهرها، والإمام قال: إنه لا يرفع الحدث، وقضية ذلك التسوية.
انتهى كلامه.
وما ذكره عن هذين من كون هذا الوضوء يزيل الجنابة عن أعضاء الوضوء عجيب: أما الرأس فواضح، وهو عدم الغسل، وأما ما عداها، فلأن من نوى الوضوء مع علمه بأن عليه الجنابة لا ترتفع جنايته، فإن فرض أنه نوى رفع الجنابة لم يكن المأتي به وضوءًا، وصورة المسألة إنما هو فيمن توضأ.
تنبيه: ذكر في هذا الباب أم سليم بنت ملحان، وملحان بكسر الميم- ويقال: بفتحها- وبالحاء المهملة، وهي أم أنس بن مالك بلا خلاف، ووهم جماعة فزعموا أنها جدته.
وذكر بعده حديث أبي داود: ((إذا نضحت الماء فاغتسل))، قال: والنضح هو الظهور، قال: ويقال: نضح الماء، أي: رفعه.
اعلم أن النضح بالضاد المعجمة والحاء المهملة هو الرش، ونحوه ومنه قولهم: فِ الإناء ينضح، أي يخرج منه شيء ويظهر.
باب صفة الغسل
قوله: نقلًا عن الشيخ-: ومن أراد الغسل نوى الغسل من الجنابة، أي: إن كان جنبًا، أو الحيض، أي: إن كان حائضًا، لأنه الذي عليه.
ثم قال: ولو حملنا ((أو)) في كلام المصنف على التخيير كان له وجه، لأنه حكى وجه فيما إذا كان عليه حدث الحيض فنوى رفع حدث الجنابة، أو بالعكس- أنه يجزئه، كما لو نوى المتيمم استباحة الصلاة من الجنابة، وكان حدثه حدثًا أصغر، فإنه يجزئه، والصحيح: أنه لا يجزئ، لأنه نوى غير ما هو عليه، والحدث الأكبر والأصغر بالنسبة إلى المتيمم على حد واحد، لأنه لا يختلف الواجب فيه بسببهما، وعليه يتعين حمل كلام الشيخ على ما ذكرنا.
انتهى كلامه.
وهذا الفرق الذي ذكره سهو، فإن الواجب في الغسل من الجنابة والحيض- أيضًا- لا يختلف، وكأن المصنف- رحمه الله- ظن أن الكلام في أصل المسألة إنما هو في الحدث الأكبر والأصغر- أيضًا- وحينئذ فيكون الواجب فيهما من الغسل مختلفًا.
ثم إن تصحيحه عدم الإجزاء محله في حالة العلم، فأما إذا ظن أن الذي نواه هو الذي عليه، ثم تبين خلافه- فيجزئه، كما في نظيره من الحدث الأصغر.
وأيضًا: فتصريحه بالتخيير صريح في أن ذلك مع التعمد من المغتسل، وإذا تقرر أن الكلام في الغسل هنا مع العلم فيكون الحكم في الغسل كالحكم في التيمم سواء، وقد صرح به في ((الروضة)) في باب التيمم من ((زوائده)) فقال: ولو تيمم بنية الاستباحة ظانًا أن حدث أصغر، فبان أكبر، أو عكسه- صح قطعًا، لأن موجبهما واحد، ولو تعمد لم يصح في الأصح، ذكره المتولي.
هذا كلام ((الروضة))، ولاشك أن المصنف لم يطلع على هذا الخلاف بالكلية، فضلًا عن أن يكون الصحيح البطلان.
قوله: ولو نوى- أي الجنب- باغتساله رفع الحدث الأصغر، فإن تعمد لم يصح غسله في أصح الوجهين، وإن غلط فظن أن الأصغر حدثه لم يرتفع الحدث عن غير أعضاء الوضوء، وفي ارتفاعه عن المغسول من أعضاء الوضوء وجهان، أصحهما:
الارتفاع، وعلى هذا في ارتفاعه عن الرأس وجهان، لأن واجبها في الوضوء المسح، وفي الغسل الغسل، والمسح لا يقوم مقام الغسل.
قلت: وليت شعري القائل بارتفاعه هل يقول بارتفاعه عن جملة الرأس، أو عن القدر المجزئ في الوضوء؟ والظاهر الثاني، وإن صح فأي موضع هو؟ انتهى كلامه.
والبحث الذي ذكره عجيب، بل الصواب عند هذا القائل ارتفاعه عن الجميع كما هو مدلول عبارتهم، لأنه لا يعقل مع التبعيض الذي لم يتعين موضعه الأمر بغسل الباقي، وذلك بناء على أن الجميع يقع فرضًا، فإن قلنا: إن الزائد على مقدار الواجب يقع نفلًا- وهو ما صححه المصنف في ((باب فرض الوضوء)) - فلا يرتفع عن الرأس، وحينئذ يكون للمنع علتان: إحداهما: هذه، والثانية: ما ذكره.
واعلم أن ما ذكره في تعليل المنع إنما يتضح بزيادة ذكره الرافعي، فإنه قال- أعني الرافعي-: ولا يرتفع عن الرأس في أصح الوجهين، لأن فرض الرأس في الوضوء المسح، والذي نواه: إنما هو المسح، والمسح لا يغني عن الغسل.
ورأيت في ((شرح الفروع)) للشيخ أبي علي السنجي: أنه ينبغي ألا يرتفع عن اللحية إذا كانت كثيفة، لأن فرضها الإفاضة على الظاهر، وغسل باطنها سنة.
قال: إلا أن يتخرج على أن النفل هل يسد مسد الفرض؟
قوله: ثم في الأمر بالإتيان بالوضوء الكامل في أول الغسل، ما يغني عن التصريح بأمرين، أحدهما: الأمر بالإتيان بالتسمية في أوله كما صرح بذكرها العراقيون والمارودي.
ثم قال: وفي ((التتمة)) حكاية وجه آخر: أنه يكره له التسمية، وهو في ((تعليق)) القاضي وقال: إن من أصحابنا من قال: الأولى أن يقول: باسم الله العظيم- أو: الحليم- الحمد لله على الإسلام، حتى لا يكون على نظم القرآن.
انتهى كلامه.
وما نقله عن ((التتمة)) و ((التعليق)) من حكاية وجه في كراهة التسمية ليس كذلك، فإنهما إنما حكياه في عدم استحبابها، ولا يلزم منه كراهتها، ولفظ ((التتمة)): الثانية: هل تسن له التسمية أم لا؟ فيه وجهان، أحدهما: تسن، كما في حق المتوضئ، والثاني: لا تسن، لأن التسمية وإن كان يقصد بها التبرك فالنظم نظم القرآن، والقراءة محرمة على الجنب.
هذا لفظه، وذكر القاضي نحوه.
قوله: فائدة: هذا الوضوء هل يحتاج إلى نية تخصه أو لا، لأنه من سنن الغسل فنيته تشمله، كما تشمل نية الوضوء المضمضة والاستنشاق؟ الذي حكاه الرافعي:
الثاني، وهو ظاهر كلام الأصحاب والشيخ.
وقال في ((الروضة)): المختار: أنه ينوي به سنة الغسل.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد تقرر أن الغسل بنية الغسل المطلق لا يصح، بل لابد أن ينوي الغسل من الجنابة أو فريضة الغسل أو غيرهما من الأمور المشروحة في موضعها، فهذه النية إن تأخرت عن الوضوء لم يحصل له عليه ثواب، ولم يكن وضوءًا شرعيًا.
وإن قارنت أوله- وهو ما يدل عليه فحوى كلام المصنف- ارتفعت الجنابة عن المغسول من هذه الأعضاء بلا نزاع، لوجود النية المعتبرة مع ما يجوز غسله، إذ لا ترتيب في الغسل، وبقي عليه سنة التبييت، فلا يتصور ما قاله المصنف من كون نية الغسل تشمله، وقياسه على حصول المضمضة والاستنشاق عند نية الوضوء قياس فاسد، لأن هاتين السنتين محلهما غير محل الواجب، إذ لا يجب إيصال الماء إلى باطن الفم والأنف، وأما نقله ذلك عن الرافعي فإنه ظاهر عبارته، إلا أنه لم يصرح به، بل قال ما معناه: أنه إذا كان جنبًا غير محدث، أو جنبًا محدثًا، وقلنا بالمذهب: وهو اندراج الأصغر تحت الأكبر- فالوضوء من محبوبات الغسل.
قال: ولا يحتاج إلى إفراده بنية.
هذه عبارته، ونقل النووي في ((شرح المهذب)) عن الأصحاب: أنه لا فرق في حصول سنة الغسل بين أن يقدم الوضوء كله أو بضعه أو يؤخره أو يفعله في أثناء الغسل، ولكن الأفضل تقديمه.
فإن سلم الرافعي ما ذكره النووي فأخره صح أن يقال: إنه لا يحتاج إلى إفراده بالنية، لأنه من سننه ونية الغسل قد تقدمت، ولكن ظاهر كلام الرافعي يشعر بالتقديم لا غير، ولم يرد في الأحاديث الصحيحة غيره، وهو قياس ما ذكروه في سنن الوضوء من اشتراط تقديم غسل الكفين ثم المضمضة ثم الاستنشاق، وعللوه بأنه الوارد في الأحاديث.
ثم إن المصنف قد ذكر بعد ذلك- قبيل قول الشيخ: ((ثم يدلك)) - كلامًا آخر ضعيفًا متعلقًا بما نحن فيه لا يخفى ضعفه على متأمله، فليعلم.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن ((الروضة)) ليس مطابقًا لما فيها، فإنه قد قال: قلت: المختار: أنه إن تجددت الجنابة نوى بوضوئه سنة الغسل، وإن اجتمعنا نوى به رفع الحدث الأصغر، والله أعلم.
هذا لفظ ((الروضة))، فالذي نقله المصنف عنه إنما ذكره في قسم واحد، وهو أندر القسمين وقوعًا، لأن الغالب في الجنابة أن يصاحبها الحدث، وما ذكره النووي قد سبقه إليه ابن الصلاح في مشكل ((الوسيط)) وهو حسن
جدًا، وهو مخالف في الحقيقة لقول الرافعي: إنه لا يحتاج إلى إفراده بالنية.
إلا أن ما ذكره النووي صحيح فيما إذا قدم الوضوء، فأما إذا أخره- على مقتضى ما ذكره في ((شرح المهذب)) - وقد اجتمع عليه الحدثان، فلا يتجه القول بأنه ينوي به رفع الحدث، لأنه يعتقد ارتفاعه بغسل الجنابة فيكون متلاعبًا.
قوله: في قول الشيخ يفعل ذلك ثلاثًا-: أي الإفاضة، والتخليل، والدلك.
ثم قال: وظاهر كلام الشيخ أن التخليل والإفاضة على الرأس والجسد يفعل مرة ثم مرة ثم مرة، والخبر يقتضي موالاة التخليل وموالاة الإفاضة على الرأس، ثم غسل باقي الجسد، وهو ما نص عليه في ((المختصر)) والأصحاب كافة.
انتهى.
وما ذكره من استحباب الموالاة في التخليل، ناقلًا له عن الحدث ونص الشافعي والأصحاب قاطبةً- صريح في استحباب التثليث فيه، مع أن ذلك لم يرد لا في الحديث ولا في كلام الشافعي ولا كلام أصحابه.
واعلم أن ما ذكره من بعد هذا في الكلام على غسل المرأة موهم جدًا، فاعلمه، وتعلم صوابه من ((المهمات)).
قوله: وفي ((مسلم)): كان إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب.
قال: والحلاب: إناء ضخم يحلب فيه.
انتهى.
هو بحاء مهملة مكسورة، كذا ضبطه ابن الأثير، ونقل عن الأزهري أن جماعة ضبطوه هكذا، ثم اختار الأزهري أنه بجيم مضمومة، وهو ماء الورد، فارسي معرب.
قوله: والسك- بضم السين-: طيبٌ معجون بالمسك، فإن لم يكن فيه مسك سمي سكيكة.
انتهى.
والسين مضمومة، والسكيكة: تصغير ((السك)).
قوله: وقد أفهم قول الشيخ: والمستحب ألا ينقص الماء في الغسل عن صاع، ولا في الوضوء عن مد- أن الزيادة على ذلك فيهما ليست مكروهة، وكلام الأصحاب يدل على أن المستحب الاقتصار على الصاع والمد، لأن الرفق محبوب، وعليه يدل ما روي أنه- عليه الصلاة والسلام- قال: ((سيأتي أقوام يستقلون هذا، فمن رغب في سنتي وتمسك بها بعث معي في حظيرة القدس)).
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن كلام الأصحاب يدل على خلاف ما ذكره الشيخ عجيب، بل عبارة الأصحاب- حتى الرافعي في كتبه كلها، وكذلك النووي- كعبارة الشيخ، بل الذي ذكره الأصحاب في السنن لا يتصور معه في العادة الاقتصار على هذا القدر،
فكيف يتصور منهم القول باستحباب الاقتصار؟!
قوله: وصورة الغسل الذي لا ينتقض معه الوضوء: أن يولج في دبر ذكر أو فرج بهيمة، وكذا لو لف على ذكره خرقة وأولج في فرج امرأة على الصحيح، وبها صوره الشيخ أبو محمد، وعدل عن التصوير بما إذا نظر بشهوة فأنزل، لأن خروج المني عنده يحصل الحدثين كما ذهب إليه القاضي أبو الطيب.
ووجه ذلك بأنه لا يتصور خروج المني وحده، بل تخرج معه رطوبة يتعلق بها وجوب الوضوء، قال الإمام: وفي هذا نظر، فإن المني إذا انفصل طاهرًا، وتلك الرطوبة التي قدرناها ينبغي أن تكون نجسة ثم يجب الحكم بنجاسة المني.
قلت: وهذا قاله الإمام، بناء على اعتقاد أن رطوبة باطن الذكر كرطوبة باطن فرج المرأة، وإنا المنع من الحكم بنجاسة رطوبة باطن الذكر: أنها لا تخرج كرطوبة فرج المرأة، وكلام غيره يدل على طهارتها.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن القاضي أبا الطيب قد جزم في ((تعليقه)) بأن المني لا ينقض الوضوء، ذكر ذلك في مسألة من وجب عليه وضوء وغسل.
الأمر الثاني: أن ما أسنده المصنف إلى الشيخ أبي محمد من أن خروج المني ناقض، ومن تعليله بكونه لا يتصور خروجه وحده- ليس كذلك، بل الذي ذكر هذا كله هو الإمام نفسه، ولم يسنده إلى أحد، ثم اعترض عليه بما ذكره المصنف.
باب الغسل المسنون
قوله: وأيهما آكد؟ فيه قولان:
أحدهما: غسل الجمعة، لصحة الحديث فيه.
والثاني: الغسل من غسل الميت، لاختلاف قول الشافعي في وجوبه.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من أن غسل الجمعة ليس بواجب بلا خلاف، ليس كذلك، فقد ذهب الشافعي في كتاب ((الرسالة)) إلى وجوبه، فإنه ذكر قوله- عليه الصلاة والسلام-: ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم))، وقوله: ((من جاء منكم الجمعة فليغتسل)).
ثم قال عقبهما ما نصه: قال محمد بن إدريس: فكأن قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غسل يوم الجمعة: واجب، وأمره بالغسل- يحتمل معنيين، الظاهر منهما: أنه واجب، فلا تجزئ الطهارة لصلاة الجمعة إلا بالغسل، كما لا يجزئ في طهارة الجنب غير الغسل، ويحتمل أنه واجب في الاختيار وكرم الأخلاق والنظافة.
هذا لفظه بحروفه، ومن كتاب ((الرسالة)) نقلته، وهو من الكتب الجديدة، فإنه من رواية الربيع.
ثم استدل الشافعي للاحتمال الثاني بقضية عثمان لما دخل وعمر يخطب، وأخبر بأنه لم يزد على الوضوء، ولم يأمره بالرجوع إلى الغسل، وقد استفدنا- أيضًا- من كلام الشافعي المتقدم أن الغسل شرط لصحة الجمعة فاعلمه، وهذا الذي نقلناه مذكور قبيل ((باب النهي عن معنى دل عليه معنى من حديث غيره))، وهو نحو نصف الكتاب.
ورأيت- أيضًا- في ((شرح غنية)) ابن سريج لأحد تلامذة القفال لم يتحرر لي مصنفه، حكاية قولين فيه، وأن القديم هو الوجوب، ذكره قبل التيمم بنحو صفحة، وتاريخ فراغ النسخة التي نقلت منها: سنة سبع عشرة وخمسمائة، فثبت أن الوجوب منصوص عليه في القديم والجديد معًا.
قوله: وزاد صاحب ((التخليص)) على ما ذكرناه: الغسل من الحجامة ومن دخول الحمام، وأنكره المعظم، وحكى الإمام في كتاب الجمعة عنه: أنه يستحب الغسل لدخول الكعبة، أيضًا.
انتهى كلامه.
وهذا النقل الذي عزاه الإمام إلى ابن القاص غلط، وإن كان نقل المصنف عن الإمام صحيحًا، فإن صاحب ((التخليص)) قد عبر بقوله: وقال في القديم: أحب لمن أراد الدخول في الإسلام أن يغتسل، ومن الحجامة والحمام، والغسل لطواف الزيارة.
هذا لفظه، ومن ((التخليص)) نقلته، وإذا علمت ذلك ففي ما ذكره المصنف أمران:
أحدهما: أن كلامه يدل على أن صاحب ((التخليص)) ذهب إليه، وليس كذلك، بل إنما نقله عن نصه في القديم.
الأمر الثاني: أن المذكور- وهو ابن القاص- لم يتعرض في ذلك لدخول الكعبة، بالكلية بل إنما ذكر طواف الزيارة كما تقدم نقله عنه، وسبب هذا الغلط أن القفال في ((شرحه للتخليص)) قد عبر عن قول ((التخليص)): و ((الغسل لطواف الزيارة))، بقوله: و ((الغسل لزيارة البيت))، وهو تعبير صحيح مستعمل في كلام الأصحاب كثيرًا، فتوهم إمام الحرمين عند وقوفه عليه: أن المراد دخول البيت- شرفه الله تعالى- فصرح به، فوقع في الغلط، وإنه لمعذور في ذلك، ثم نقله عنه المصنف معتقدًا صحته، وهو عجيب، لاسيما من الإمام! وذلك من آفات التقليد، وآفات حمل الكلام في مواطن الاحتمال على ما يخطر بالبال من غير مراجعة، ولو راجعا ((التخليص)) لم يقعا في شيء من ذلك، وقد راجعت كلام ابن القاص في ((المفتاح)) - أيضًا- فلم أجده قد تعرض لذلك بالكلية.
تنبيه: ذكر ثمامة بن أثال وقصته في الغسل، فأما ((ثمامة)) فبثاء مثلثة مضمومة، وأثال: بهمزة مضمومة بعدها ثاء مثلثة، وفي آخره لام.
وذكر- أيضًا-: المخضب، اسم لإناء من أواني الماء، وهو بكسر الميم، وبالخاء المعجمة الساكنة بعدها ضاد معجمة مفتوحة، وفي آخره باء موحدة.
باب التيمم
قوله: قال الإمام: ومع وجوبه فهو رخصة، وقال البندنيجي: إنه عزيمة، فحصل فيه وجهان، صرح بهما غيرهما، وأثرهما يظهر فيما إذا سافر في معصية وعدم الماء، فإنه يتيمم وتجب عليه الإعادة إن قلنا: إنه رخصة، وإلا فلا.
انتهى كلامه.
وما نقله عن البندنيجي من كونه عزيمة قد صرح به في هذا الباب من كتابه المسمى بـ ((الذخيرة))، لكن رأيت في صلاة المسافر من الكتاب المذكور- أيضًا- الجزم بأنه رخصة، وذكر الغزالي في ((المستصفى)) تفصيلًا حسنًا فقال: إن تيمم لعدم الماء بالكلية فهو عزيمة، وإن تيمم مع وجوده لمرض أو عطش أو نحوهما فرخصة.
قوله: وإنما عدل في ((المهذب)) عن قول ((التنبيه)): و ((يجب التيمم عن الأحداث)) إلى قوله: ((ويجوز))، لوقوع الخلاف في الجواز، فإن بعض الصحابة قال: لا يجوز عن الجنابة.
ولا جرم صدر كلامه بجوازه في الأصغر، لكونه مجمعًا عليه، ثم ثنى بالأكبر، للاختلاف فيه، وفل هذا في ((المهذب)) دون ((التنبيه))، لأنه مبسوط يحتمل مثل ذلك، أو لأنه لما قرره في ((المهذب)) أراد أن يبين هنا أمرًا زائدًا عليه، إذ لا يلزم من جوازه وجوبه.
انتهى.
وهذا الجواب خطأ، لأن القائل بأنه لا يجوز قائل بأنه لا يجب بالضرورة، فصار الخلاف فيهما معًا، وهكذا القائلون بجوازه يوجبونه عليه، ولا يخيرون بين تركه وفعله.
وما اقتضاه- أيضًا- آخر كلامه من أن ((المهذب)) سابق في التصنيف على ((التنبيه)) فليس كذلك، فإن الشيخ بدأ في تصنيف ((التنبيه)) في أوائل رمضان سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، وفرغ منه في شعبان سنة ثلاث وخمسين، كذا ذكره جماعة منهم الشيخ تاج الدين الفركاح في خطبة شرحه لـ ((التنبيه)) المسمى بـ ((الإقليد)).
وبدأ في تصنيف ((المهذب)) سنة خمس وخمسين، وفرغ منه يوم الأحد سنة تسع وستين، ذكره النووي في خطبة شرحه له.
قوله: و ((الصعيد)) مجمل بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ((جعلت لي الأرض مسجدًا وجعل ترابها لي طهورًا))، كذا حكاه ابن التلمساني عن رواية مسلم، والمشهور: ((وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء))، ولا يقال: هذا لا حجة فيه، لأنه مفهوم لقبٍ، لأنا نقول: قد قال بعض أصحابنا: إنه حجة.
انتهى.
واعلم أن مسلمًا رواه عن حذيفة بلفظ ((التربة)) لا بلفظ ((التراب))، وأما رواية ((التراب)) فرواها الدارقطني في ((سننه)) وأبو عوانة الإسفراييني في ((صحيحه)).
قوله: وقد اندرج في التعبير بالتراب التراب الأحمر والأصفر وهو الطين الإرمني.
انتهى.
والطين المذكور- وهو الإرمني- إنما هو قسم من التراب الأحمر لا الأصفر، كذا ذكره الرافعي وغيره.
والإرمني: بكسر الهمزة، وفتح الميم.
منسوب إلى إرمينية، ناحية من نواحي الروم، كذا قاله الجوهري، وذكر النووي في ((دقائق الروضة)) المسمى بـ ((الإشارات)) أنها بكسر الميم على القياس، وكذا ابن الصلاح في ((المشكل)) وزاد أن مدينة ((خلاط)) منها.
قوله: الثاني: أن التراب الممزوج بماء الورد والخل ونحوهما إذا جف يجوز التيمم به، ولا خلاف فيه.
انتهى كلامه.
وما حكاه من نفي الخلاف غريب، فقد جزم في ((الحاوي)) بالمنع عند تغير التراب به، فقال: فصل: وأما التراب إذا خالطه طيب أو زعفران، فإن تغير بما يخالطه من الطيب لم يجز التيمم به، وإن لم يتغير فلا يخلو حال ما اختلط به من الطيب من أحد أمرين: إما أن يكون مائعًا كماء الورد، أو مذرورًا كالزعفران، فإن كان مائعًا جاز التيمم به، لأنه إذا لم يغلب عليه وجف فيه صار مستهلكًا، وكذا سائر المائعات كالخل واللبن إذا خالطت التراب.
هذا كلام الماوردي.
قوله: والتفريق في الضربة الثانية متفق على وجوبه.
انتهى كلامه.
ودعواه الوجوب غريب، فضلًا عن الاتفاق عليه، فإن المجزوم به في ((الرافعي)) وغيره: أنه لا يجب، ولكن يجب عليه التخليل إن لم يفرق، لأجل وصول التراب إلى ما بين الأصابع، فإن فرق استغنى عنه.
قوله: والمذكور في أكثر كتب العراقيين: أن نية رفع الحدث لا تجزئ- وكذا نية الطهارة- عن الحدث، ولم يحك في ((الوسيط)) غيره.
انتهى كلامه.
وليس في ((الوسيط)) ذكر لنية الطهارة عن الحدث.
واعلم أن القول بعدم الإجزاء فيها مشكل، لأن التيمم طهارة، وهي طهارة عن حدث لا عن خبث، فإذا صرح المتيمم بذلك لزم أن يصح.
قوله: تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أمورًا.
ثم قال: السابع: أن الموالاة ليست من الواجبات ولا من السنن، والمشهور: أن في وجوبها قولين كما في الوضوء.
ومنهم من قطع بالوجوب، ومنه من قطع بعدمه.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن المشهور طريقة التخريج على القولين قد خالفه في ((باب فرض الوضوء وسننه)) مخالفة عجيبة، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
قوله: فإن الماوردي وأبا علي الزجاجي وآخرين قالوا فيمن إذا كان معه ماء طاهر وماء نجس وهو عطشان: إنه يتطهر بالماء الطاهر، ويشرب النجس، ولا يتيمم.
انتهى كلامه.
واعلم أن ما نقله- رحمه الله- عن الزجاجي قد قلد فيه الرافعي، فإنه قد نقله عنه هكذا، وكلام الزجاجي ليس مطابقًا له، فقد رأيت كتابه الذي ينقل الرافعي والأصحاب عنه، وهو ((زيادات المفتاح)) الملقب بـ ((التهذيب))، فقال بعد كتاب الطهارة بنحو ورقة ما نصه: ولو كان مع المسافر ماءان: طاهر، ونجس، توضأ بالطاهر، وحبس النجس للعطش.
هذه عبارته، ومقتضاه: أن العطش ليس حاصلًا الآن، وإنما هو متوقع، ولهذا قال: وحبس النجس.
ودعوى المصنف في الشرب حال التيمم، وأين أحدهما من الآخر؟! فإنه لا يلزم من إيجاب الوضوء بالطاهر إذا لم يكن به عطش- لأجل وجود المقتضى، وعدم اقتران المعارض- إيجابه عند العطش، لاقتران المعارض.
واعلم أن ((الزجاجي)) هذا: بضم الزاي وتخفيف الجيم.
قوله- نقلًا عن الشيخ-: ولا يجوز التيمم لمكتوبة إلا بعد دخول الوقت وإعواز الماء أو الخوف من استعماله.
ثم قال: وظاهر عطف ((إعواز الماء أو الخوف من الاستعمال)) على ((دخول الوقت))، يقتضي أن يكون قيد ((المكتوبة)) قيدًا فيهما- أيضًا- حتى لا يكون واحد منهما شرطًا في النافلة وغيرها، وليس كذلك، بل لا يجوز التيمم لذلك إلا عند الإعواز أو الخوف من الاستعمال، سواء خشي فوت ذلك أم لم يخشه، وهذا مذهبنا، والجواب: أن المراد مجموعة ما ذكر- من دخول الوقت، والإعواز أو الخوف- شرط في المكتوبة، ومفهومه: أن المجموع ليس شرطًا في غيرها، بل البعض، وهو كذلك.
انتهى ملخصًا.
وليس الأمر كما ذكره في الجواب، بل لا فرق في ذلك بين المكتوبة والنافلة المؤقتة.
قوله: وقد حد الغزالي ومن بعده المسافة التي يتردد إليها عند التوهم بما يلحقه فيه غوث الرفاق، أخذا من قول الإمام: لا نكلفه التعدي عن مخيم الرفقة فرسخًا أو فرسخين وإن كانت الطرق آمنة، ولا نقول: لا يفارق طنب الخيام، فالوجه القصد، وهو أن يتردد إلى حيث لو استغاث بالرفقة لأغاثوه مع ما هم عليه من التشاغل بالأشغال والتفاوض في الأقوال، وهذا يختلف باستواء الأرض واختلافها صعودًا وهبوطًا، قال الرافعي: ولا يلفى هذا الضابط في كلام غيره، وليس في الطرق ما يخالفه.
قلت: بل عبارة الماوردي توافقه، لأنه قال: عليه طلبه في المنزل الذي حصل فيه من منازل سفره، وليس عليه طلبه من غير المنزل الذي هو منسوب إلى نزوله.
انتهى كلامه.
واعلم أن المقدار الذي يتردد إليه عند التحقق هو المقدار الذي ينتهي إليه النازلون في حاجاتهم كالاحتطاب والاحتشاش، قال الرافعي: وهذه المسألة فوق حد الغوث، وهو القدر الذي يجب عند التوهم.
إذا علمت ذلك فقد ذكر الماوردي: أن كل موضع يجب الذهاب إليه عند التحقق وجب الطلب منه عند التوهم.
وهذا الكلام صريح في وجوب الذهاب عند التوهم إلى فوق حد الغوث، وهو خلاف ما قاله الإمام، فيكون الماوردي مخالفًا للإمام في هذا التفصيل، وهذا الذي نلقناه عن الماوردي قد ذكره المصنف بعد هذا بأوراق عند قول الشيخ: وإن دل على ما بقربه.
وأما ما نقله عن الماوردي هنا دليلًا على الموافقة فلا دلالة فيه.
قوله: قال في ((الروضة)): قال أصحابنا: ولا يجب من كل واحد من الرفقة بعينه، بل ينادي فيهم: من معه ماء، من يجود بالماء؟ ونحوه، حتى قال البغوي وغيره: لو قلت الرفقة لم يطلب من كل بعينه.
وفي ((الرافعي)): أنه إذا كان معه رفقة وجب سؤالهم إلى أن يستوعبهم.
انتهى كلامه.
وهو يقضتي أن الرافعي والنووي مختلفان، وليس كذلك، إلا أن الرافعي لما ذكر ما نقله عنه وكان فيه إجمال وإبهام، تعقبه النووي ففسره بما تقدم نقله عنه، فاعلمه! وقد ذكره النووي كذلك بعبارة واضحة في ((شرح المهذب)) وغيره.
قوله: ولو أقرض ثمن الماء، وهو واجد له في بلده عادم له في موضعه- فالأصح في ((الرافعي)): أنه لا يجب القبول، لأنه يحتمل أن يهلك ماله قبل وصوله إليه، وهذا
بخلاف ما لو أقرض الماء نفسه، فإن الأصح في ((الرافعي)): وجوب قبوله، ووجهه بأنه إنما يطالب عند الوجدان، وحينئذ يهون الخروج عن العهدة.
قلت: وفي ذلك نظر، فإنه إن أراد وجدان الماء فقد نص الشافعي على أنه إذا أتلف عليه ماء في مفازة، ولقيه في بلد- أن الواجب قيمته في المفازة، فإن الماء في البلد تقل قيمته، وستعرف ذلك في كتاب الغصب.
وإن أراد وجدان قيمته في البلد فقيمته وثمنه الذي يقرضه إياه سواء في المعنى، فلا فرق، والله أعلم.
انتهى كلامه.
وفيه أمران:
أحدهما: أن هذا التقسيم الذي ذكره ليس بحاصر، لأنه أهمل قسمًا ثالثًا الظاهر أنه المراد، وهو أنه قد يكون واجدًا له قبل وصوله للبلد، وحينئذ يندفع المحذور المذكور.
الثاني: أنه لا يلزم من تنصيص الشافي في الغاصب على ذلك لتعديه، أن يكون المقترض الآخذ بالرضا كذلك، لظهور الفرق.
قوله: ولو بذل له ماء، أو بيع بثمن المثل- لزمه قبوله.
ثم قال: وثمن المثل: هو الذي يبذل في مقابلته في ذلك الموضع في عموم الأحوال، قاله أبو إسحاق المروزي، ولم يحك البندنيجي والماوردي وابن الصباغ غيره، واختاره الروياني.
وقيل: ما يبذل في مقابلته في ذلك الموضع مع السلامة واتساع الماء، حكاه الإمام عن بعض المصنفين، وهو في ((الإنابة)).
وقيل: ما يبذل في مقابلته في تلك الحالة، وهو ما حكاه الإمام عن الأكثرين، والأصح في ((الإبانة))، ولم يحك الشيخ أبو حامد- كما قيل- غيره.
وقيل: إن الماء لا ثمن له، والمعتبر أجرة نقله إلى ذلك المكان، قال الإمام: وهذا مبني على أن الماء لا يملك، وقال الغزالي: إنه جار وإن قلنا: الماء مملوك.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الوجه الأول هو الوجه الثاني بعينه، وإنما اختلف التعبير خاصة، هكذا ساقه الأصحاب عند العزو إلى أبي إسحاق، فتفطن لذلك الأمر.
الثاني: أن ما نقله عن تصحيح الفوراني في ((الإبانة)) صحيح، لكنه صحح في ((العمد)) الوجه الذي قبله.
الأمر الثالث: أن هذا النقل عن الشيخ أبي حامد نقله عنه في ((البيان))، وليس كذلك، بل الصواب- وهو ما نقله في ((شرح المهذب)) عنه- إنما هو الوجه المتقدم
عليه، وهو المعروف في المذهب، على خلاف ما صححه الرافعي تقليدًا للإمام، وقد أوضحته في ((المهمات)).
الرابع: أن ما نقله عن الغزالي مذكور في ((الوسيط))، ولكنه خالف في ((البسيط)) فجعله مفرعًا على أن الماء لا يملك.
قوله: الثالث: لو خالف عند وجوب قبول البذل، وتيمم- لا يصح، وفي ((الكافي)) وغيره: أن الماء المبذول إن كان باقيًا عند تيممه، والباذل باق على بذله- لم يصح، وإذا صلى أعاد، وإن كان تالفًا، أو رجع الباذل عن بذله- ففي الإعادة وجهان، فإن قلنا: يعيد، فمحل الإعادة إذا وجد الماء، فيستعمله ويعيد، ولا يعيد قبل ذلك، قاله في ((التتمة)).
والحكم فيما لو كان معه ماء، فصبه عبثًا بعد دخول الوقت- كالحكم فيما إذا لم يقبل الماء.
انتهى.
وما نقله عن ((التتمة)) سهو ليس مطابقًا لما فيها، فإنه قال في الصب عمدًا: إن في لزوم القضاء وجهين، فإن أوجبنا فقيل: صلاة واحدة، وقيل: الصلوات التي يؤديها بالوضوء الواحد في عادته.
ثم قال ما نصه: فرع: إذا أوجبنا عليه الصلاة فلا تصح الإعادة في الوقت، لأنه لو كان يصح القضاء بالتيمم لصح الأداء لكن يؤخر حتى يجد الماء، أو ينتهي إلى حالة تصح صلاته فيها بالتيمم، فيعيد ما أوجبنا عليه إعادتها.
هذا لفظه.
قوله: ولو لم يقدر على الماء إلا بشق العمامة ونحوها وجب إذا لم يحصل نقص يزيد على ثمن الماء في وجهٍ، وعلى أجرة مثل ذلك في وجه آخر.
ثم قال ما نصه: والحق ما قاله بعضهم أن المعتبر ألا يزيد على قدر ثمن مثل الماء أو أجرة مثل ذلك، فإن زاد لم يجب.
انتهى.
وحاصل ما ذكره في الأخير: أنه متى زاد على أحدهما سقط الوجوب، وهذا باطل قطعًا، لم يقل به أحد، لأنه متى امتنع البائع أو المؤجر إلا بزيادة، وقدر على الآخر بقيمة مثله- وجب عليه قبوله بلا خلاف كما ذكره المصنف وغيره.
نعم، ذكر الرافعي وغيره: أن المعتبر ألا يزيد على أكثر الأمرين من الثمن والأجرة، ولاشك أن المصنف أراده، ولكن أخطأ في العبارة.
قوله: وإن تيمم وصلى، ثم علم ماء حيث يلزمه طلبه- أي: وكان قد علم به، ثم نسيه- أعاد في ظاهر المذهب، وهذا هو الذي نص عليه في ((البويطي)).
انتهى.
واعلم أن الذي نص عليه في ((البويطي)) من وجوب الإعادة إنما هو فيما إذا لم
يكن قد علم بها بالكلية، وقد نقله عنه على الصواب جماعة منهم ابن الصباغ والنووي في ((شرح المهذب))، ثم إن تقييده- أيضًا- بقوله: أي وكان قد علم ثم نسي، كما أنه لا يستقيم مع هذا النص لا يستقيم- أيضًا- مع كلامه في أثناء المسألة، فاعلمه، فإن فيه تنبيهًا لمن أراد الوقوف عليه.
قوله: ولو تيمم ثم سمع شخصًا يقول: عندي ماء وديعة، فإنه يبطل تيممه في هذه الصورة، لأنه يتعين عليه عند سماع ذكر الماء طلبه، وهو مبطل للتيمم، ولو انتفى وجوب الطلب مع سماع ذلك، مثل أن قال: عندي وديعةً جرة ماء- أي بتقديم الوديعة- لم يبطل.
انتهى.
وهذه المسألة الثانية شرطها: أن يعرف غيبة المودع، حتى إذا علم حضوره أو لم يعلم الحال بطل- أيضًا-: أما الأول، فلتوجه الطلب، وأما الثاني، فلاحتمال الحضور المقتضي للطب، كذا جزم به الرافعي في ((الشرح)) والنووي في ((شرح المهذب))، وهو واضح.
قوله: ولا فرق في عدم وجوب القضاء على المتيمم في السفر بين السفر الطويل والقصير، وقد حكي عن نصه في ((البويطي)): أن ذلك يختص بالطويل كما في القصير.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن ((البويطي)) ليس بجيد، فإن الذي دل عليه كلامه: أنه لا قضاء مطلقًا، وأما ما نقله عنه المصنف فإنه إنما قاله في تعيين التيمم، ناقلًا- أيضًا- له عن غيره، فقال: وقد قيل: لا يتيمم إلا في سفر تقصر فيه الصلاة.
هذه عبارته.
قوله: فرع: إذا تحرم المسافر بالصلاة، ثم نوى الإقامة في أثنائها- فحكمه إذا أتمها حكم المصلي في الحضر، فل رأي الماء قبل نية الإقامة فقياس المذهب: بطلانها، وهذا ما نقله أبو الطيب، وكذا الرافعي.
انتهى كلامه.
واعلم أن ما ادعاه من كونه قياس المذهب ذهول عجيب، لأن المصلي بالتيمم في موضع يغلب فيه عدم الماء لا قضاء عليه، مسافرًا كان أو مقيمًا، وفي موضع يغلب فيه الوجود يجب عليه في الحالين، كذا جزم به الرافعي في آخر الباب في الكلام على ما يجب قضاؤه وما لا يجب، قال: وقولهم: إن القضاء يجب على الحاضر دون المسافر، مشوا فيه على الغالب.
وذكر المصنف مثله قبل هذا الموضع بنحو ورقة.
إذا علمت ذلك فلنرجع إلى مسألتنا، فنقول: هذا المسافر الذي رأى الماء، ثم نوى الإقامة، وادعى بطلان تيممه لأجل الإقامة-: إن كان سفره يغلب فيه العدم، وهو
الظاهر من كلامه، والمستقيم أيضًا من جهة المعنى- فنية الإقامة فيه لا أثر لها، لأنه لو كان مقيمًا هناك وتيمم لعدم الماء، ثم رآه في أثناء صلاته لم نحكم بإبطالها، فبطريق الأولى هذا، وإن كان سفره يغلب فيه الوجود بطلت صلاته بمجرد رؤية الماء، ولا يتوقف الإبطال على نية الإقامة، لأنها لا تغني عن القضاء، فبطل ما ادعاه.
وهذه المسألة حصل فيها ذهول للرافعي كما أوضحناه في ((المهمات))، ثم إن المصنف قلده فيه، وادعى أنه قياس المذهب، فزاد الكلام خللا.
قوله: أما إذا كان غسل الصحيح يتأذى به موضع القرح، بأن كان يخاف إن غسل أن يسيل الماء إلى القرح: فإن لم يمكنه أن يمسحه بخرقة رطبة ينغسل الموضع بها ولا يسيل، ولا قدر على من يغسله له من غير سيلان- فإنه يكتفي بالتيمم ويصلي ويعيد.
ولو كان لا يتأتى فعل ذلك منه ولا من غيره إلا بضرر يلحقه، كما إذا كان في وجهه جراحات، وهو جنب لا يمكن غسل رأسه إلا بوصول الماء إلى الجراحات- فقد سقط فرض غسل الرأس عنه، قاله أبو الطيب وغيره.
انتهى كلامه.
وهو صريح في أن المسح بدون الغسل لا أثر له حتى ينقل إلى التيمم، وليس كذلك، فقد نص الشافعي عليه، وجزم به الأصحاب، كذا قاله في ((التحقيق))، وذكر نحوه في ((شرح المهذب))، إلا أنه مشكل بالعليل نفسه، فإنه لا يجب مسحه بالماء كما قاله الرافعي، وجزم به النووي في الكتابين المذكورين.
واعلم أن ما ذكره المصنف- أيضًا- في جراحات الوجه مردود، فإن كلام الأصحاب يخالفه، وقد نقله عنهم في ((شرح المهذب)) فقال: قال أصحابنا: فإن كانت الجراحة على وجهه، فخاف إن غسل رأسه نزول الماء إليها- لم يسقط غسل الرأس، بل يلزمه أن يستلقي على قفاه ويخفض رأسه، فإن خاف انتشار الماء وضع بقرب الجراحة خرقة مبلولة، وتحامل عليها، ليقطر منها ما يغسل الصحيح الملاصق للجرح، فإن لم يمكنه ذلك أمس ما حوالي الجرح الماء من غير إفاضة، وأجزأه، وقد رأيت نص الشافعي في ((الأم)) نحو هذا.
هذه عبارته.
قوله: تنبيه: القرح- بفتح القاف وضمها-: هو الجرح، قاله النووي، وقال غيره: إنه كالجدري، وإن الجرح في الحكم كهو.
وعلى هذا ينطبق قول الماوردي: ((إذا كان بعض بدنه جريحًا أو قريحًا))، وقول الشيخ: ((وتيمم عن الجرح)) يجوز الأمرين، فتأمله.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن كلام الشيخ محتمل للأمرين ليس كذلك، بل هو صريح فيما نقله
عن النووي خاصة، لأنه فسر القرح بالجرح، فتأمله.
قوله- في الكلام على الجريح-: وقد صار الشيخ أبو محمد إلى القطع بإيجاب إلقاء لصوق على الجرح إذا أمكن من غير ضرر يلحقه، وقال الإمام: إنه لم يره لأحد.
ثم قال: ويشهد له ما ذكرناه من أنه لو صب الماء قبل دخول وقت صلاةٍ لا يأثم، بخلاف ما بعده.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم الإثم مردود، فإن فيه إضاعة مال، وما ادعاه من ذكره قبل ذلك فسهو، فإن الذي ذكره إنما هو عدم القضاء، ولا يلزم منه عدم التأثيم.
قوله: وقد أورد الرافعي على تصوير محل الخلاف فيه سؤالًا اعتقد صحته، فاستضعف به قول أبي محمد، فقال: اعلم أن ظاهر المذهب اشتراط الطهارة عند إلقاء الجبيرة واللصوق ليجوز المسح عليهما، فالشيخ أبو محمد يأمر به قبل الحدث ليمسح عليه، وإذا تطهر بعد الحدث كما في مسألة لبس الخف ... إلى آخره.
ثم إن المصنف أجاب بوجهين، فذكر الأول.
ثم قال: وأحسن منه الثاني، وهو أن الطهارة إنما هي شرط عند إلقاء الجبيرة واللصوق على ظاهر المذهب في إسقاط القضاء، لا في جواز المسح على ذلك كما صرح به هو من قبل.
انتهى كلامه.
وما نسبه إلى الرافعي من أن اشتراط الطهارة عند الوضع على ظاهر المذهب إنما هي لإسقاط القضاء لا لجواز المسح، غلط، فقد صرح الرافعي هنا بعكسه، فقال ما نصه: والثاني: أن يضع الجبيرة على طهرٍ كالخف لابد وأن يلبس على الطهارة، ليجوز المسح عليه، هذا ظاهر المذهب، وفي وجه: لا يشترط الوضع على طهارة، ثم ليس معنى اشتراط الطهارة تعذر المسح أصلًا لو وضع الجبيرة على الحدث، ولكن المراد: أنه يلزم النزع وتقديم الطهارة إن أمكن النزع، وإلا فيجب القضاء بعد البرء.
هذا لفظه، وصرح به- أيضًا- كذلك في آخر الباب، وقد ذكره المصنف على الصواب بعد ذلك في الكلام على وضع الجبائر.
قوله: ولو نوى استباحة صلاتي فرضٍ قضاءً، أو قضاءً وأداءً كذا- فهل يصح تيممه ويستبيح به فرضًا واحدًا منهما، أو لا يصح؟ فيه وجهان، والأصح في ((الرافعي)) هو الأول.
وهذا إذا قلنا بالصحيح: أن تعيين الفريضة ليس بشرط.
انتهى كلامه من غير زيادة عليه.
وما ذكره من أن الوجهين إنما يأتيان إذا قلنا: إن التعيين ليس بشرط، لا وجه له،
بل يأتيان- أيضًا- إذا قلنا: إنه شرط، فعين، والتصوير السابق ليس مقيدًا بحالة إطلاق الفرضين حتى نقول فيه ذلك، لا جرم أن الرافعي وغيره لم يذكروه، بل ولا هو_ أيضًا- في ((المطلب)).
قوله: ولا نزاع عند الأصحاب أنه لا يصلي بالتيمم الواحد أكثر من فرض واحد من الصلوات الخمس.
انتهى.
ليس كما قال من عدم النزاع، فقد ذهب الروياني في ((الحلية)) إلى الجواز، وسبقه المزني إلى ذلك، وهو بناء على أصله في أن التيمم يرفع الحدث.
قوله: والمراوزة والماوردي قالوا: هل يجوز أن يجمع بين الطواف وركعتيه إن قلنا: إنهما سنة؟ فنعم على المذهب، وإن قلنا: إنهما واجبتان، فلا في أصح الوجهين في ((تعليق)) القاضي حسين، ووجه مقابله- وهو المذكور في ((الحاوي)) و ((التتمة)) -: أنهما كالجزء منه.
انتهى كلامه.
وما اقتضاه كلامه من حكاية الخلاف في الجمع بين الطواف الواجب وركعتيه إن قلنا: إن الركعتين سنة- لا وجه له، ولا ذكر له في كلام المراوزة، ولا في كلام غيرهم.
نعم، الطواف المسنون هل ركعتاه واجبتان أم لا؟ فيه طريقان للمراوزة، وحكاهما الرافعي وغيره: منهم من قطع بالاستحباب، ومنهم من قال: إنه على الخلاف في الطواف الواجب، ولا يستبعد أن يترتب على المسنون أمر واجب، فعلى هذه الطريقة: لو صلى فرضًا بالتيمم، ثم طاف تطوعًا، وأراد أن يصلي ركعتيه بذلك التيمم- ففيه الخلاف.
فحصل للمصنف اختلاط واشتباه من هذه المسألة بلا شك.
قوله: ولو نسى صلاة من الخمس، ولم يعرف عينها- لزمه الخمس، ويكفيه لها تيمم واحد، لأن الواجب في الأصل صلاة واحدة، وقيل: لابد من خمسة تيممات، لأن كلًا من الخمس واجبة، فلو نسي صلاتين من الخمس: فعلى الأول يكفيه تيممان: إما بأن يصلي بكل منهما الخمس، أو يصلي بالأول الصبح والظهر والعصر والمغرب، وبالثاني الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فلو عكس فصلى بالأول الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وبالثاني الصبح والظهر والعصر والعشاء- لم يخرج عن العهدة، لجواز أن يكون الفائت الظهر والعشاء، فيكون الظهر قد تأدى بالأول، فلا يؤدي به العشاء، فطريقه: أن يصلي العشاء مرة أخرى، وعلى الثاني يلزمه خمسة تيممات.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: وبالثاني الصبح والظهر والعصر والعشاء، ذكر ((العشاء)) فيه سهو،
وصوابه: المغرب.
وأيضًا: فقوله: لجواز أن يكون الفائت الظهر والعشاء، تعبير ناقص، وكان حقه أن يقول: لجواز أن يكون الفائت الظهر أو العصر أو المغرب مع العشاء.
قوله: ولو نسى صلاتين من صلوات يومين، فإن كانتا مختلفتين: فعلى الوجه الأول يلزمه تيممان كما ذكرنا، وعلى الثاني: يتيمم عشرة تيممات.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخره من كونه يتيمم عشرة تيممات غلط، بل لا يلزمه إلا خمسة كما لو كانا من يوم واحد، وكأنه توهم أن الحكم يتغير بكونهما من يومين، ولا أثر له قطعًا، لأن الذي عليه إما هو صلاتان، وأوجبنا الخمس لأجل التباسهما، فمن يقول: لابد لكل صلاة من تيمم، يوجب عليه خمسة تيممات لخمس صلوات، وقد صرح به مع وضوحه في ((شرح المهذب)) فقال: هذا كله إذا كانت الصلاتان أو الصلوات مختلفات، سواء كانت من يوم أو يومين.
هذه عبارته.
قوله في المسألة: وإن كانت الصلاتان من جنس واحد- أي: متفقتين- فعلى الأول يلزمه عشرة تيممات، يصلي بكل واحد صلاة يوم، وعلى الثاني يأتي بعشرة تيممات.
انتهى.
والصواب على الأول: أنه يلزمه أن يتيمم مرتين، وكأنه أراد أن يذكر التفريع على الثاني قبل الأول، فلما ذكر صدره رجع إلى التفريع على الأول، وذهل عن تغيير ما صدر به كلامه، فوقع في الوهم.
قوله:- أيضًا- في المسألة: فلو شك: هل هما متفقتان أو مختلفتان، بنى الأمر على اختلافهما، لأنه أحوط.
انتهى.
وما ذكره من بناء الأمر على الاختلاف سهون والصواب بناء الأمر على الاتفاق، ويتضح بما ذكره هو قبل ذلك فيما إذا علم الحال من الاتفاق أو الاختلاف.
وكأن المصنف- رحمه الله- كان في حالة وضع هذه المسالة كلها مشوش الفكر، أو مغلوبًا عليه بالنعاس، فإنه مع وقوع هذه الأوهام قد أجحف في المسالة إلى الغاية، ولم يبين الضوابط المذكورة فيها ولا الشروط، وقد تكلم عليها الرافعي أحسن كلام، فليته نسخ ما قاله برمته!
قوله: قال- يعني الشيخ-: ومن لم يجد ماءً ولا ترابًا صلى الفريضة وحدها، وأعاد إذا قدر على أحدهما، أي: استدراكا للمصلحة بقدر الإمكان.
ثم ظاهر كلام الشيخ ومن وافقه في العبارة- وهو صاحب ((الكافي)) - أنه يعيد عند قدرته على التراب، سواء كانت صلاته يسقط فرضها بالتيمم أو لا، في الوقت أو بعده، كما أن
هذا حكمه إذا قدر على الماء، وفي إعادته إذا قدر على التراب قبل فوات الوقت- والصلاة لا تسقط به- نظر يقوى في حال قدرته عليه بعد خروج الوقت، ولا جرم خص الماوردي والفوراني وجوب الإعادة بحالة قدرته على الماء، والإمام خصه بحالة قدرته على طهور، وأما غيرهم فلم يتعرض لحالة وجوب الإعادة.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة التي توقف في حكمها، وذكر ما حاصله عدم التصريح بها- مسألة مسطورة مشهورة، وقد نقلها النووي في ((شرح المهذب)) عن الأصحاب فقال: قال أصحابنا: لا يعيد بالتراب إلا إذا كان في موضع يسقط القضاء.
وجزم به- أيضًا- في ((فتاويه))، وعلله بأنه لا فائدة فيه إذا لم يسقطه، وقد ذكرها البغوي في ((فتاويه)) - أيضًا- وجزم بالوجوب إذا قدر عليه في الوقت.
وإن كان في موضع لا يسقط القضاء، قال: فإن قدر عليه بعده ففيه احتمالان أحدهما: لا يلزمه، لأنه لا فائدة فيه.
والثاني: يلزمه، لأن وقت وجوده كوقت الصلاة، ولهذا إذا لم يجد الطهورين، وخرج الوقت، ولم يصل، ثم وجد أحدهما- وجب عليه استعماله، فدل على عدم مراعاة الوقت.
هذا كلام البغوي، وهذه المسألة التي استشهد بها في آخر كلامه مسألة حسنة، لكن للقائل الأول أن يقول: هذا قد ضيع حق الوقت وفوته، فيقضيه، بخلاف ما إذا صلى.
قوله: وهل تتنزل الجبيرة منزلة الخف في التقدير بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر؟ فيه وجهان، والأكثرون على عدم التقدير.
ثم قال: وقد استشكل المتأخرون تصوير ذلك، لأنه إن كان يخاف من نزعها عند انتهاء مدة الخف لم يجب نزعها بلا خلاف، وإن لم يخف وجب النزع والغسل بلا خلاف، والإمام صوره بالحالية الثانية، وهذا لا يشفي الغليل.
وبعضهم قال: محل الخلاف إذا كان لا يتأتى النزع، وفائدة التوقيت: أنه يعيد ما صلاه بعد المدة.
والذي يظهر لي: أن يكون محله عند الخوف كما قال، لكن الفائدة: أنه بعد المدة لا يصلي ما لم يجدد المسح، تنزيلًا للمسح بعد المدة منزلة التيمم بعد فعل الفريضة، وإن صح هذا كان في احتياجه إلى تجديد الغسل ما سلف.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عند نفسه لا يكفي- على حذقه- وكذلك ما نقله- أيضًا- عن بعضهم، بل لابد من المجموع بزيادة فنقول: إذا انقضت المدة فله حالان:
أحدهما: أن يكون على طهارة المسح، فإن قلنا: إنها لا تتأقت، صلى بهذه
الطهارة، وإن قلنا: إنها تتأقت، فلابد في المسح بعد هذا من النزع وغسل العضو مع ما يترتب عليه، لكنه لا يتأتى، فيمسح ويغسل ما بعده، ويقضي كمن وضع على غير طهر.
الثاني: ألا يكون: فإن قلنا لا يتأقت، فيمسح ويصلي، ولا إعادة، لأنه قد وضع أولًا على طهر، وإن أقتناه فلابد من نزعه والطهارة الكاملة قبل المسح عليه، وقد تعذر فيسمح ويعيد.
وهذا الذي ذكرته كلام محقق لو عرض على الأئمة لقبلوه.
باب الحيض
قوله: ثم التسع في حق الصبية تقريب أو تحديد؟ فيه وجهان: فإن قلنا: إنه تقريب- وهو ما رجحه الروياني والرافعي- فلا يؤثر نقصان اليوم واليومين كما قاله الماوردي.
والمتولي قال: إن قلنا: إنه تقريب، ففائدته أنها لو رأته قبله بزمان لا يسع طهرًا وحيضًا يكون حيضًا، دون ما إذا كان يسعهما، وهذا ما أورده الرافعي، وفي ((البحر)) حكاية الأمرين.
انتهى كلامه.
وما نقله- رحمه الله- عن ((التتمة)) و ((البحر)) من كون هذا الزمان الذي لا يسع حيضًا وطهرًا يكون أوله من حين رؤية الدم، غلط مخالف لما ي الكتابين المذكورين، فإن المذكور فيهما: أن أوله من حين الانقطاع، فقال في ((التتمة)) ما نقصه فمنهم من قال: تقريب، حتى لو رأت الدم قبل التسع لمدة قريبة تجعل حيضًا، وحد القرب: ألا يكون بين انقطاع الدم والتسع زمان يتسع لحيض وطهر.
هذه عبارته، وذكر في ((البحر)) مثله- أيضًا- فقال: ومن أصحابنا من قال: حد القرب: ألا يكون بين انقطاع الدم والتسع زمان يتسع لحيض وطهر.
هذا لفظه- أيضًا- وما نقله المصنف عن ((التتمة)) ذكره النووي في ((شرح المهذب)) تبعًا للرافعي، فقلد المصنف فيه أحدهما.
قوله: نص الشافعي في موضع على أن أقله يوم وليلة، وفي آخر على أن أقله يوم، واختلفوا فيهما على ثلاث طرق:
إحداها: القطع بأن أقله يوم وليلة.
والثانية: القطع باليوم فقط، واختارها في ((المرشد))، ونقلها في ((الشامل)) عن أكثر الأصحاب.
والثالثة: على قولين.
انتهى ملخصًا.
وما نقله عن ((الشامل)) هنا غلط، فإن الذي فيه عن الأكثرين إنما هو القطع بالقول المعروف وهو ويم وليلة، وقد نقله عنه في ((شرح المهذب)) على الصواب.
وأما
((المرشد)) فإنه قال: وأقل الحيض يوم، لأنه وجد، وأكثره خمسة عشر، وغالبه ست أو سبع.
هذه عبارته، وليس فيها ما يقتضي اختيار الطريقة القاطعة، لأنه مصنفه لا يذكر فيه إلا ما عليه الفتوى، ولا يتعرض لما في المسألة من الخلاف، فيجوز أن يكون قد اختار طريقة القولين، ولكن صحح أن أقله يوم، فدعوى المصنف ما ادعاه ذهول عجيب وغفلة، على أنه يجوز أن يكون قد أراد: مع الليلة، كما حملوا عليه عبارة الشافعي، ويدل عليه أنه لم يصرح بالليالي في القسمين الآخرين، وهما الأكثر في الغالب.
قوله: فإن قيل: لو دل الاستقراء على أن أقل الطهر دونه خمسة عشر يومًا، هل يجري فيه الخلاف السابق، أي في أقل الحيض ونحوه؟
قلت: الظاهر من كلام الأصحاب إجراؤه، إذ لا فرق، لكن نص الشافعي على إتباع الوجود، فإن الماوردي قال في كتاب العدد ... إلى آخر ما قال.
انتهى.
وكلامه- رحمه الله- يقتضي عدم الوقوف على الخلاف، ولهذا حاول إثباته من جهة القياس، وهو غريب جدًا فإن الخلاف مشهور في كتب الأصحاب حتى في ((الرافعي))، فإنه قال: لو رأينا من تحيض أقل من يوم وليلة أو أكثر من خمسة عشر، وتطهر أقل من خمسة عشر- فثلاثة أوجه.
أظهرها: أنه لا عبرة به.
هذا كلامه، والمصنف قد نقل هنالك ما يدل عليه، فإنه قال عقب ذكر الشيخ لأقل الحيض وأكثره ما نصه: فإن قيل: إذا كان مستندكم في التقدير لأقله وأكثره هو الاستقراء، فينبغي إذا وجد في عصر من الأعصار بسبب تغير الطباع أقل من ذلك أو أكثر، أن تتبعوه- قيل: قد قال به جماعة من المحققين منهم الأستاذ أبو إسحاق، وأبو إسحاق المروزي- كما قال في ((التتمة)) - والقاضي الحسين في جواب له، وعليه يدل ما سنذكره من نص الشافعي من بعد.
ثم قال: ومنهم من منع النقصان عما ذكرنا والزيادة عليه، ومنهم من قال: إن قال بعض العلماء به اعتمد، وإلا فلا.
انتهى.
وحكاية الخلاف في أكثر الحيض يؤخذ منها الخلاف في أقل الطهر.
واعلم أن الرافعي عبر بقوله: أحدها: نعم، وذهب إليه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في جواب له، والقاضي الحسين فيما حكى.
والمصنف جعل القائل بذلك في جواب له هو القاضي الحسين، فكأنه لما نقل هنا حالة التصنيف من ((الرافعي)) قدم وأخر.
قوله: وإن رأت المرأة يومًا طهرًا ويومًا دما ففيه قولان:
أحدهما: تضم الطهر إلى الطهر، والدم إلى الدم.
والثاني- وهو الأصح عند الجمهور-: أنها لا تضم، بل الجميع حيض.
ثم استدل على الثاني فقال: ولأن الناس أجمعوا على أن أقل الطهر خمسة عشر يومًا، فلو قلنا: يوم النقاء طهر، لأدى إلى أن يكون يومًا.
انتهى.
وما نقله من الإجماع المذكور ليس بصحيح، فإن في أقله خمسة مذاهب حكاها في ((شرح المهذب)) كلها دون الخمسة عشر:
أحدها: أنه غير محدود بالكلية، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، ونقله ابن المنذر عن أحمد وإسحاق.
والثاني: خمسة أيام، ورواه ابن الماجشون عن مالك.
والثالث: ثمانية، رواه سحنون عنه.
والرابع: عشرة، نقله الماوردي عنه.
والخامس: ثلاثة عشر، وهو منقول عن أحمد، أيضًا.
وقد نقل المصنف القول الأول والرابع قبل هذا الموضع بدون الورقة.
ثم إن الخلاف ثابت- أيضًا- عندنا في المسألة، ويعرف من الاعتراض المذكور قبل هذا.
قوله: لما روى البخاري عن عائشة: ((أن نساء كن يبعثن إليها بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة، فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء)).
والكرسف: القطن، والقصة البيضاء: شيء كالخيط الأبيض يخرج عند انقطاع الدم.
انتهى كلامه.
وتفسيره القصة بأنه شيء كالخيط تحريف فاحش، بل القصة هو الجص الذي تبيض به البيوت، قال في ((شرح المهذب)): القصة- بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة- هو الجص، شبهت الرطوبة النتنة الصافية بالجص.
هذه عبارته.
والدرجة: بضم الدال وإسكان الراء المهملتين وبالجيم، وروي بكسر الدال وفتح الراء، وهي خرقة أو قطنة أو نحو ذلك تدخله المرأة فرجها، ثم تخرجه لتنظر: هل بقي شيء من أثر الحيض أم لا؟
واعلم أن البخاري ذكر هذا الأثر تعليقًا، أي: بغير إسناد، فاعلمه.
فإن كلام المصنف قد يوهم خلافه، إلا أن تعليقات البخاري هكذا صحيحة إذا كانت بصيغة جزم، وقد رواه- أيضًا- مالك في الموطأ بإسناد صحيح.
قوله: لأنه روي عن ابن عباس أنه قال: ((دم الحيض أسود محتدم بحراني ذو دفعات، له رائحة تعرف)).
والمحتدم: الحار، يقال: يوم محتدم، إذا كان شديد الحر.
والبحراني: الشديد الحمرة، ينسب إلى ((البحر))، لصفاء لونه ... إلى آخر ما قال.
والمحتدم: بحاء ودال مهملتين، وما ذكره في تفسيره ذكره الفقهاء في كتبهم، والمشهور في كتب اللغة- كما نبه عليه في ((شرح المهذب)) -: أن المحتدم هو الذي اشتدت حمرته حتى اسود.
قوله: الثاني: أنه لا فرق في جعل الأسود حيضًا- إذا وجد شرطه- بين أن يكون مبتدأ به أو متأخرًا أو متوسطًا، حتى لو رأت خمسة دمًا أحمر، وخمسة دمًا أسود، ثم أطبق الأحمر، أو رأت خمسة عشر دمًا أحمر، ثم مثلها أسود، أو بالعكس- كان الأسود هو الحيض.
وعن ابن سريج: أنه يشترط في جعله حيضًا: أن يقع مبتدأ به، فلو وقع الابتداء بالأحمر فلا تمييز.
وحكى الغزالي وجهًا: أن النظر إلى ما وقع الابتداء، فإن وقع بالأسود فهو الحيض، وإن وقع بالأحمر فهو الحيض.
وقيل: إن أمكن جعلهما حيضًا- كما في مثلنا- جعل، وإن لم يكن كما لو رأت خمسة حمرة، ثم أحد عشر سوادًا- ففاقدة للتمييز.
وقيل: إن كانت مبتدأة فحيضها السواد، وإن كانت معتادة فيحضها ما سبق ولو كان حمرة.
انتهى ملخصًا.
وهذا الوجه الذي ذكر أن الغزالي حكاه في الأمثلة الثلاثة غلط منه- أي: من المصنف- فإن الغزالي حكاه في المثال الثاني والثالث، وأما إذا تقدمت الحمرة فإنه وإن حكى- أيضًا- الوجه فيه لكن شرط له ألا يمكن الجمع، كما هو مدلول كلام ((الوسيط))، وزاد إيضاحًا في ((البسيط)) فقال: وحكى الشيخ أبو محمد في ((المحيط)) وجهًا: أنه إذا امتنع الجمع جرد النظر إلى الأولية.
هذه عبارته.
وإذا تقرر ذلك فالمثال الذي ذكره المصنف أولًا لم يمتنع فيه الجمع، فلا يجئ الوجه فيه.
قوله: ولو رأت المبتدأة حمرة فتترك الصلاة فيها، لاحتمال ألا تجاوز أكثر الحيض، فلو استمر إلى مجاوزة خمسة عشر وطرأ الأسود فتترك- أيضًا- فيها، لأنها مستحاضة، والاعتبار بالقوى، وهذه امرأة تؤمر بترك الصلاة شهرًا كاملًا، ثم ينظر: إن انقطع الأسود على خمسة عشر قضت أيام الأحمر، وإن جاوز الخمسة عشر فلا تمييز، وفيما تحيضه من أول الدم الأحمر قولان يأتيان في الكتاب، وابتداء دورها الحادي والثلاثون على القولين، فإن حيضناها يومًا وليلة أمرت بترك الصلاة أحدًا
وثلاثين يومًا، وإن حيضناها ستًا أو سبعًا أمرت بترك الصلاة ستًا وثلاثين أو سبعًا وثلاثين.
انتهى ملخصًا.
وهذا الذي ذكره في غاية الترك قلد فيه غيره، ومقتضاه: أنه لا يتصور الترك زيادة على ذلك، وهو غريب، فقد تؤمر بالترك في أضعاف هذه المدة: كما إذا رأت صفرة، ثم شقرة، ثم حمرة، ثم سوادًا بلا ثخانة ولا رائحة كريهة، ثم سوادًا بأحدهما، ثم سوادًا بهما معًا، ونحو ذلك، وأقام كل دم خمسة عشر- فإنها تترك في كل واحد، للمعنى الذي قالوه، وهو كونه أقوى من غيره.
قوله: وإذا قلنا: إن المبتدأة ترد إلى عادة العشيرة، فاختلفت عادتهن- تعينت الست، لوقوع الاتفاق عليه، ولو زادت على السبع ردت إلى السبع.
ثم قال: وحكى الإمام عن شيخه عند اتفاق عادتهن ومجاوزتها السبع أنه قال: يحتمل أن تثبت لها تلك العادة بعينها، ولا تختص بالست والسبع.
قال: وهذا الذي ذكره حسن ولكني لم أره لغيره، وعندي: إنما ذكره مخرجًا [كذا]، وإنا أبدى وجهًا من الاحتمال.
انتهى كلامه.
والذي ذكره في آخره كلام عجيب لا يفهم منه شيء، أو يفهم منه غير المراد، وسببه إسقاط حرف وتقديم كلمة، فإن الإمام قال: وعندي أنه ما ذكره وجهًا مخرجًا.
هذه عبارته، ومعناه: أنه لم يذكر ما ذكر على أنه وجه مخرج.
قوله: وهذه المرأة- أي الناسية للعادة والوقت- تسمى بالمتحيرة: إما لتحيرها في شأنها، أو لتحير الفقيه في أمرها.
انتهى كلامه.
وهو غلط سقط منه شيء، وصوابه الذي قاله الرافعي وغيره: أنها تسمى متحيرة، لتحيرها، ومحيرة- بكسر الياء- لتحير الفقيه في أمرها.
فكل اسم له علة، فنسي أحد الاسمين، وجمع بين العلتين.
قوله: واغتسالها يكون بعد دخول الوقت على الأصح، وقيل: لو وجد دخوله، وانطبق آخره على أول الوقت- جاز.
انتهى.
وهذا الوجه لم يحكه المصنف على وجهه، فإن قائله يشترط- أيضًا- انطباق أول الصلاة على آخر الغسل، كما صرح به الأصحاب، حتى الرافعي فقال: وفي وجه: لو وقع غسلها قبل الوقت، وانطبق أول الوقت وآخر الغسل- جاز.
هذه عبارته.
قوله- فيما إذا كان على المتحيرة صوم يومين، وأرادت قضاءهما-: إنها تصوم
ستة أيام من ثمانية عشر يومًا: ثلاثة في أولها، وثلاثة في آخرها، فتبرأ ذمتها منها، لأن الدم إن كان قد طرأ في أثناء اليوم الأول منها انقطع في مثله من السادس عشر، وسلم لها السابع عشر والثامن عشر.
قال: ولا يختص الخروج عن العهدة بصوم الثلاث في أول الثمانية عشر متواليات، وكذلك في آخرها، بل لو صامت يومين في أول المدة، ويومين في آخرها، ويومين فيما بين ذلك، سواء كانا متصلين باليومين الأولين أو باليومين الأخيرين أو مفردين عنهما- خرجت عن العهدة.
ثم قال ما نصه: وضابط هذا: أن تعرف ما عليها من صوم وتصومه مثله بعد استكمال خمسة عشر يومًا من أول صومها الأول، وتصوم يومين فيما بين الصومين، مثاله: إذا كان عليها ثلاثة أيام صامتها في أي وقت شاءت، وصامت يومين بعدها إلى تمام خمسة عشر يومًا، وتصوم ثلاثة أيام عقب الخمسة عشر، فتخرج عما عليها بيقين.
انتهى كلامه.
وهذا الضابط الذي ذكره غلط فاحش، والعمل المتفرع عليه في المثال المذكور غلط- أيضًا- فإن الصواب فيما إذا أرادت أن تصوم مثله: أنها تصومه بعد استكمال ستة عشر، لا كما قاله من كونه بعد خمسة عشر، فإذا كان عليها صوم ثلاثة كما مثله هو، فصامتها في أول الشهر مثلًا، وصامت بعدها يومين- فإنها تصوم الثلاثة الباقية بعد ستة عشر، فتصوم السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، فعلى تقدير أن يطرأ الدم في أثناء اليوم الأول، فيقطع في أثناء السادس عشر- فتصح لها الثلاثة التي بعده، وأما على ما قاله المصنف من كونها تبتدئ بالسادس عشر فلا يصح لها يومان، فيبقي عليها يوم، فلا تبرأ ذمتها، وهذا واضح، وسبب الوهم: أن الرافعي ذكر أنها تضعف مع عليها وتزيد يومين، ثم لها حينئذ طريقان:
إحداهما: أن تصوم نصف المجموع متواليًا متى شاءت، والنصف الآخر بعد استكمال خمسة عشر من صومها.
والطريقة الثانية: ما حاول المصنف ذكره.
وقد الرافعي الطريقة الأولى، فسها المصنف منها إلى الثانية، فعبر بـ ((الخمسة عشر)).
قوله: نعم، يتصور أن تخرج عن عهدة اليومين بخمسة أيام لكن من تسعة عشر يومًا، فتصوم يومًا، وتفطر يومًا، وتصوم الثالث، ثم تصوم- أيضًا- السابع عشر من اليوم الأول والتاسع عشر منه، وفيما بين الرابع والسادس عشر تصوم اليوم الخامس،
وضابط هذا: أن تعرف ما عليها من صوم، فتصوم يومًا وتفطر يومًا، إلى أن تستوفيه، ثم تترك الصوم ثمانية عشر يومًا من أول صيامها، فتصوم يومًا وتفطر يومًا قدر ما صامت وأفطرت من أول المدة، وتصوم يومًا آخر فيما بين آخر فطرها بعد صيامها الأول والسادس عشر منه، مثاله: إذا كان عليها صوم ثلاثة أيام تصومها من أحد وعشرين يومًا، فتصوم يومًا، وتفطر ثانية، وتصوم ثالثه، وتفطر رابعه، وتصوم خامسه، فيحصل لها صيام ثلاثة أيام قدر ما عليها، وتصوم السابع عشر من أول يوم صامته والتاسع عشر منه، والحادي والعشرين منه، وذلك قدر ما صامته أولًا، وتصوم فيما بين اليوم السادس من أول صيامها واليوم السادس عشر منه يومًا آخر، فتخرج عن العهدة.
انتهى كلامه.
وهذه القاعدة التي أطلقها واقتضى كلامه اطرادها في جميع ما عليها، ليست كذلك، بل إنما تأتي إلى تمام سبعة أيام، وأما من الثامن فصاعدا فالأمر فيه كما قالوه من زيادة يومين على الضعف، ولا تتأتى البراءة بزيادة يوم كما ذكره الدرامي ونقله عنه في ((شرح المهذب)).
قوله: ولو كان رمضان ناقصًا والشهر الآخر تامًا: فعلى قياس الشافعي- وهو بطلان خمسة عشر يومًا من الكامل- لا يخفى الحكم، وعلى الطريقة المشهورة- وهو بطلان ستة عشر يومًا- فيحصل لها منهما سبعة وعشرون يومًا، والباقي عليها يومان.
وقال في ((المهذب)): يلزمها قضاء يوم واحد.
فمن الناس من خطأه، ومنهم من أجراه على ظاهره- وهو صاحب ((البيان)) - فقال: الشهر الهلالي لا يخلو في الغالب عن طهر كامل، فيحصل أربعة عشر يومًا كالكامل، وبعضهم يحكي عنه غير هذه العبارة، وهو: أن الشهر الهلالي لا يخلو عن طهر صحيح، إما متفرقًا وإما متتابعًا، فإذا كان الشهر تسعة وعشرين يومًا فلابد من وجود طهر كامل، فيدخل النقص على أكثر الحيض، لأنه يجوز نقصه، ولا يدخل على أقل الطهر، لأنه لا يجوز نقصه، قال بعضهم: هذا لا يصح، ومحل المنع فيه ما ادعاه من أن الشهر الهلالي لا يخلو من طهر صحيح، والمسلم: أنه لا يخلو عن طهر صحيح إنما هو الدور إذا كان ثلاثين يومًا، لا الشهر الناقص.
قلت: وهذا لا يقدح في قول العمراني، لأن مراده أن الشهر الهلالي لا يخلو عن طهر كامل وحيض عند الشافعي، ولذلك اكتفى في عدة المتحيزة بثلاثة أشهر، ووافقه جمهور أصحابه ... إلى أخر ما ذكره.
وهذا الذي قاله- رحمه الله- ليس بشيء، لأن التفريع على قول الاحتياط،
والشافعي وغيره يجوزون خلو الشهر الواحد عن الطهر الكامل بلا شك، واعتذروا عن الاعتداد بثلاثة أشهر بأن الصبر إلى سن اليأس حرج شديد، لأنه لا يرغب فيها إذ ذاك، فاكتفينا بالأشهر، لأن الغالب اشتمالها على ثلاثة أطهار، وقد ذكر المصنف هذا كله هناك، ولو استحضر المصنف هنا ما قالوه هناك لم يذكر ما ذكر.
قوله: فإن كان الذي عليها متتابعًا بنذر أو غيره، فإن كان بقدر ما يقع فيه في شهر صامته على الولاء، ثم مرة أخرى قبل السابع عشر، ثم مرة أخرى من السابع عشر، مثاله: عليها يومان، تصوم يومين متواليين والسابع عشر والثامن عشر، وتصوم بينهما يومين متتابعين.
ولو كان عليها شهران متتابعان صامت مائة وأربعين يومًا على التوالي، أربعة أشهر لستة وخمسين يومًا، وعشرين يومًا لأربعة أيام.
انتهى كلامه.
وهذا الضابط الذي ذكره ومثل له باليومين قد استدرك عليه الدرامي، وتبعه صاحب ((الحاوي الصغير)) فقال: محله إلى آخر اليوم السابع فقط.
قال: وشرطه: أن يقع الصوم المتوسط بعد الثالث من صومها الأول وقبل السادس عشر، فتترك يومًا بعد الصوم الأول وهو الرابع في مثالنا، ويومًا قبل الأخير وهو السادس عشر في المثال المذكور، ثم تصوم بينهما، وحاصله: أنها تصوم مرتين متفرقتين في خمسة عشر، والمرة الثالثة من سابع عشر صومها الأول، وأما الثامن إلى آخر الرابع عشر فطريقها فيه: أن تصوم ستة عشر يومًا مع قدر المتتابع متواليًا، والخمسة عشر فاصعدًا حكمها يعلم مما ذكره في الشهرين.
قوله: ويحرم عليها الصلاة، ويسقط عنها فرضها، للإجماع، ويدل على السقوط ما رواه مسلم: ((أن معاذة سألت عائشة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقال: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكن أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة)).
ويحرم عليها الصوم، للإجماع، ومفهوم خبر عائشة يدل عليه.
انتهى.
والخبر الذي نقله عن عائشة لا يدل بمنطوقه ولا بمفهومه على الترك، فإن العبادة قد يشرع فعلها ومع ذلك يجب قضاؤها لخلل فيها، وذلك كثير جدًا.
سلمنا دلالة الخبر على الترك، لكن لا يدل على تحريم فعله وهو المدعى.
قوله: ثم ليس لتحريم الصوم عليها معنى معقول كما قال الإمام، ويدل عليه أن عائشة لما سئلت عن الفرق عدلت إلى النص، وقد قيل: المعنى فيه: أن يضعفها.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من الاستدلال بقصة عائشة سهو، فإن عائشة إنما سئلت عن الفرق بالنسبة إلى القضاء لا بالنسبة إلى الأداء، وقد تقدم لفظه قريبًا، فراجعه.
قوله: والصحيح عند الجمهور: أن الحائض ليست مخاطبة بالصوم في حال الحيض.
ثم قال بعد ذلك: قال بعضهم: وفائدة الخلاف تظهر إذا قلنا: إنه يجب التعرض للأداء والقضاء في النية.
انتهى كلامه.
ومعناه: أنا إن قلنا بوجوبه عليها نوت القضاء، وإلا نوت الأداء، فإنه وقت توجه الخطاب عليها، وهذه الفائدة التي نقلها عن بعضهم وأقرها قد رأيتها مصرحًا بها في كتاب ((الذخائر)) بالتقرير الذي ذكرته والتعليل، والذي قاله غير صحيح، فإنه لا يلزم من كونه وقت توجه الخطاب أن يكون أداء، بل هو قضاء على كل حال، لخروج وقته الأصلي، بدليل من استغرق الوقت بالنوم مثلًا فإن الصلاة التي يفعلها بعد ذلك قضاءٌ بلا نزاع، حتى أول العلماء قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((فإن ذلك وقتها))، على وقت الفعل.
ورأيت لبعض الفضلاء- ممن قدم إلى ديار مصر بعد وفاة صاحب ((الذخائر)) بقليل- تصنيفًا قد شرع فيه في الرد على ((الذخائر))، فوضع على الربع الأول منها مجلدة لطيفة أبدى فيها مناقشات وتصحيفات وغير ذلك وقت لمصنفها، إلا أن فيه تعصبًا بينًا وتحاملًا غالبًا أنبأ عن شدة حسد- نعوذ بالله من ذلك- وهذا الموضع من جملة المواضع التي تكلم فيها، فقال في أثناء كلامه عليه: وكيف نقول إذا نوت الأداء؟ هل نقول: أداء صوم شهر رمضان، أو: أداء صومٍ ما، غير مضاف إلى ((رمضان))، وكل منهما لا يمكن صحته، ولقائل أن يجيب عن هذا المنع بما ذكره في القسم الأول والتزام صحته.
قوله: وقد أفهم كلام الشيخ أن التيمم لا يقم مقام الغسل في إباحة ما ذكرناه إذا وجد شرطه، ولا شك في أنه يقم مقامه.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من عدم الخلاف فيه ليس كذلك، فإن التيمم الواقع في الحضر في هذه الحالة فيه وجهان مشهوران نقلهما المصنف في آخر باب التيمم عن القاضي الحسين والخوارزمي:
أحدهما: أنه يقوم مقام الغسل في إباحة هذه الأشياء كما في السفر.
والثاني: أنه لا يحل به غير الفرض، فتحرم معه قراءة ما زاد على الفاتحة وما في معناها من النوافل، وفي الفاتحة وجهان.
قوله: إذا عرفت ما هو النفاس فأقله- كما قاله الشيخ-: مجة، أي: دفعة، وهي بضم الميم، مأخوذة من: مججت الماء، إذا رميت به من فيك، فكأن الرحم يرمي بالدم رمية واحدة ثم ينقطع.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كونها بضم الميم غلط، بل صوابه الفتح، وتعبيره بقوله: فكأن الرحم يرمي بالدم رمية واحدة، يدل عليه- أيضًا- فإن المرة من مصدر الثلاثي تكون بفتح الأول، وعادة المصنف أن يأخذ هذه الأشياء من ((لغات التنبيه)) للنووي، وقد وقع فيها على الصواب.
قوله: وفي ((ابن يونس)) تبعًا لـ ((المهذب)): أن المزني قال: أكثر النفاس أربعون يومًا.
ولم أره في غيرهما منسوبًا إليه، بل تفاريعه التي تأتي تدل على موافقة المذهب.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن المزني قد ذكره- أيضًا- الشاشي في ((الحلية)) والعمراني في ((البيان)) وابن أبي عصرون في ((الانتصار)).
قوله: أما إذا لم يخرج بعد الولد دم، ورأته بعد ذلك، ولم ينته النقاء إلى أقل الحيض: فهل يكون ابتداء النفاس من وقت الولادة، أو من وقت رؤية الدم؟ فيه وجهان في ((النهاية))، والمذكور منهما في ((تعليق)) القاضي الحسين: الثاني.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن القاضي سهو، فإنه إنما ذكر ذلك فيما إذا انقطع دم النفاس، ثم عاد قبل خمسة عشر أو بعدها، وقد تفطن المصنف في ((المطلب)) للصواب ونبه على خطأ المذكور هنا.
قوله: فيما إذا عبر دم النفاس الستين-: إن حكمه حكم الحيض في الرد إلى التمييز إن كانت مميزة، وإلى العادة إن كانت معتادة، وإلى الأقل أو الغالب- على اختلاف القولين- إن كانت مبتدأة.
ثم قال: والتعليل السالف في رد المبتدأة إلى أقل الحيض يقتضي ألا يجعل للمبتدأة في النفاس إذا أطبق بها الدم نفاسٌ أصلًا، بناء على أنه لا أقل للنفاس، فإنه يحتلم أن تكون ذات جفوف ... إلى آخر ما قال.
واعلم أن ما قاله- رحمه الله- لا يستقيم، لأن الذي يقول: لا أقل للنفاس، يقول: أقله لحظة، كما حكاه هو قبل هذا في الكلام على أقله، نقلًا عن الماوردي، وصرح به الرافعي حيث قال: فإن رددناها إلى الأقل فنفاسها لحظة.
مع قوله: إنه لا
حد لأقل النفاس.
قوله: وما ذكره الشيخ في الأحوال الثلاثة هو المذهب، ووراءه وجهان:
أحدهما: أن الدم إذا جاوز الستين كانت الستون نفاسًا، وما زاد استحاضة.
والثاني: أن النفاس ستون، وما زاد عليها حيض بشرطه.
ثم قال: ومحل هذا الوجه- كما قال الماودري- فيمن لم تكن مبتدأة بالحيض والنفاس، أما المبتدأة بهما فلا خلاف في أن ما جاوز الستين استحاضة.
نعم، هل يكون نفاسها الستين أو ما سلف؟ فيه الخلاف، وكلام الرافعي كالصريح في أن الخلاف في المعتادة والمبتدأة [كذا]، لأنه لما ذكر أن ظاهر المذهب ما ذكره الشيخ قال: وفيه وجهان آخران، أحدهما: أن الستين نفاس، وما زاد استحاضة، بخلاف ما في نظيره من الحيض، لأن الحيض محكوم به ظاهرًا لا قطعًا، فجاز أن ينتقل عنه إلى ظاهر آخر، والنفاس مقطوع به أو الولادة معلومة، والنفاس هو الدم الخارج بعد الولادة، فلا ينتقل عنه إلى غيره إلا بقين، وهو مجاوزة الأكثر.
فعلى هذا: نجعل الزائد استحاضة إلى تمام طهرها المعتاد، والمردود إليه في المبتدأة، أي: من أكثر الطهر، أو غالبه، أو أقله، على ما مر، ثم ما بعده حيض.
انتهى كلامه.
وما ادعاه- رحمه الله- من دلالة كلام الرافعي على الخلاف غلط فاحش، سببه: التباس وجه بوجه، فإن الذي حكى هو عن الماوردي نفي الخلاف فيه عن المبتدأة، ورأيته أيضًا في كلامه- إنما هو الوجه القائل بأن الزائد حيض، والوجه الذي دل كلام الرافعي على التسوية فيه بين المبتدأة وغيرها إنما هو القائل بأن الزائد استحاضة، فتأمله.
قوله: وعليه يدل قوله- عليه الصلاة والسلام-: ((فلتغتسل، ثم لتستثفر، ثم لتصل)) كما رواه أبو داود.
وتستثفر: بتاء معجمة باثنتين من فوق مفتوحة، وسين مهملة ساكنة، وتاء مفتوحة بثلاث ساكنة، وفاء مكسورة، وراء مهمة، ومعناه: أن تجعل المرأة على قبلها خرقة أو غيرها، والقطن أمس، لأنه جاء في حدث حبيبة بنت جحش أنه- عليه الصلاة والسلام- قال لها: ((أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب الدم)).
انتهى كلامه بحروفه.
وفيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره في ضبط ((تستثفر)) بقوله: وتاء مفتوحة بثلاث ساكنة، وهم سقط منه شيء، وصوابه أن يقول: وتاء مفتوحة مثناة، ثم ثاء مثلثة.
الأمر الثاني: أن تعبير بقوله: حبيبة بنت جحش، تحريف، إنما هي: حمنة، بحاء مهملة مفتوحة، ثم ميم ساكنة، ثم نون مفتوحة.
قوله: ووضوء المستحاضة يبيح الصلاة ولا يرفع الحدث على المذهب، فعلى هذا: لا يجزئها إلا نية استباحة الصلاة كما في التيمم، وقيل: إنه يرفع الحدث، وقياسه: أن تصح بنية رفع الحدث فقط، ولم أره، وقيل: يرفع الحدث الماضي دون المستقبل والمقارن، فعلى هذا: تنوي رفع الحدث للماضي والاستباحة للمقارن والمستقبل، وبه قال القفال، وغلطه الإمام.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كونه لم ير أحدًا يقول بالصحة فيما إذا نوى رفع الحدث فقط، غريب جدًا، فقد حكاه الرافعي والنووي في باب صفة الوضوء من كتبهما حتى في ((المحرر)) و ((المنهاج))، بل حكى الرافعي هذا الوجه مع قولنا: إن وضوءها لا يرفع الحدث، وعلله بأن الرفع يتضمن الاستباحة.
قوله: فرع: إذا كان من به سلس البول لو صلى قائمًا سال بوله، وإن صلى قاعدًا استمسك- فهل المستحب أن يصلي قائمًا أو قاعدًا؟ فيه وجهان، أصحهما في ((الروضة)) و ((الكافي)): الثاني، ولا يعيد على الوجهين معًا.
انتهى.
واعلم أن حكاية الوجهين في الاستحباب ليس له ذكر في ((الروضة)) ولا في ((الكافي)) ولا في أصوله كـ ((التهذيب)) و ((تعليقه)) القاضي حسين و ((فتاويه))، ولم أر من قاله غير المصنف، بل كلامهم يقتضي أنهما في الإيجاب، وكذلك كلام ((التحقيق)) و ((شرح المهذب)).
باب إزالة النجاسة
قوله: قلنا: قد قال به- أي: بنجاسة مني الآدمي- صاحب ((التلخيص)) تخريجًا، كما قاله القاضي الحسين وغيره، والماوردي قال: إن الكرابيسي حكاه عن القديم، وفي ((التتمة)) حكاه عن الشافعي ولم يقيده بالقديم، وأنه يكفي فيه الفرك، وسوى بين رطبه ويابسه.
انتهى كلامه.
وما حكاه عن ((التتمة)) من كونه لم يقيد هذا القول بالقديم، وأن الفرك فيه كاف- كلاهما غلط، فقد قال في ((التتمة)) ما نصه: ويحكى عن القديم قول آخر- وهو مذهب مالك-: أن المني نجس، رطبًا كان أو يابسًا، ويجب غسله في الأحوال كلها.
هذا لفظه بحروفه.
قوله: وفي ((التتمة)) حكاية وجه: أن القيء إذا لم يتغير يكون طاهرًا، وهو بعيد.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن صاحب ((التتمة)) لم يحكه وجهًا، بل جزم به.
الثاني: أن دعواه بعده ليس كذلك، ففي كتب المذهب- حتى ((الروضة)) وهذا الكتاب نفسه- أن البهيمة إذا أكلت حبًا ثم ألقته صحيحًا: فإن كانت صلابته باقية، وهو الذي لو زرع لنبت- كان طاهر العين، فيغسل ويؤكل، وإلا يكن نجسًا، وقياسه كذلك في القيء، بل أولى، لأن الخارج من الدبر أسوأ من الخارج من الفم، وحينئذ لو شب ماء وتقيأه فإنه يطهر بمكاثرته، وإن كان حبًا ونحوه غسله وأكله بالشرط المتقدم.
قوله: نعم، لو ماتت الدجاجة ونحوها وفي جوفها بيض ففي نجاسته ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كان قويًا فهو طاهر، وإن كان ضعيفًا رخوًا فنجس.
ثم قال ما نصه: والقاضي الحسين والغزالي قالا: إن لم يتصلب فنجس، وإن تصلب فوجهان.
وعليه جرى الرافعي.
انتهى كلامه.
وما حكاه عن الرافعي من متابعتهما على هذه الطريقة غلط، فإن المذكور في