الهداية إلى أوهام الكفايةصفحات 414-453
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 414-453
عن هذه الطبعة
عَلَم
الإِسْنَوي
الكتاب
الهداية إلى أوهام الكفاية
المؤلف
عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 772هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمي، مطبوع بخاتمة (كفاية النبيه) لابن الرفعةسنة النشر: 2009
عدد الأجزاء
1 (هو الجزء الـ 20 من مطبوعة كفاية النبيه) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

باب الوديعة

قوله: وإن أودع صبي ما لا ضمنه المودع عنده: ولا يبرأ إلا بالتسليم إلى الناظر في أمره.
ثم قال: لكن لو أتلف الصبي المذكور ما أودعه من غير تسليط، فالذي يظهر: براءته، فإن فعل الصبي لا سبيل إلى إحباط فعله، ويستحيل تضمينه مال نفسه، فتعينت البراءة.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه، قد صرح به الرافعي في أوائل كتاب الجنايات، قبل الفصل الثاني المعقود للمماثلة، ذكره في أثناء تعليلٍ.
قوله: وإذا مرض المودع عنده وجب عليه أن يوصي إلى أمين بأن يردها، وإلا يكن ضامنًا.
ثم قال: وإذا مات ولم يوص، فادعى المالك أنه قصر في ترك الإيصاء، وقالت الورثة: لعل الوديعة تلفت قبل أن يوصف بالتقصير- فالظاهر كما قاله الإمام: براءة الذمة.
انتهى.
وما نقله عن الإمام في هذا التصوير غلط وقع للرافعي، فتبعه عليه النووي في ((الروضة))، ثم المصنف، فإن الإمام تكلم فيما إذا ثبت الإيداع بطريقة، فذكر فيه صورتين: الأولى: أن يدعي الورثة التلف وتقول: لعله إنما لم يوصِ بها لأجل أنها تلفت على حكم الأمانة، ففيه تردد، وعدم الضمان أولى.
ثم ذكر الثانية فقال ما نصه: وإن قالوا: عرفنا الإيداع ولكن لم ندر كيف كان الأمر، ونحن نجوز أن تكون الوديعة قد تلفت على حكم الأمانة، فلم يوص لأجل ذلك: فإن ضمناهم في المسألة السابقة- وهي الجزم بدعوى التلف- فهاهنا أولى، وإن لم نضمنهم هناك فهاهنا وجهان: أحدهما: يجب، لأنهم لم يدعوا مسقطا، وهذا هو الأصح، والثاني: لا، لأن الأصل في الوديعة هو: الأمانة.
انتهى كلامه.
وحاصله: أن الصحيح في الصورة المذكورة في الكتاب على خلاف ما وقع فيه، وأن نسبة ذلك إلى الإمام غلط سببه اشتباه مسألة بمسألة على الرافعي فمن جاء بعده.

باب العارية

قوله: العارية: مشددة الياء، وروي تخفيفها، وجمعها: العواري- مشددًا ومخففًا- وهي مشتقة من: عار الرجل، إذا ذهب وجاء، وقيلك من ((العار))، لأن طلبها عار وعيب، قاله الجوهري.
انتهى.
ودعواه اشتقاقها من ((عار)) غير مستقيم، لأنه فعل، والاشتقاق- على المعروف- إنما هو من المصدر، وقد رده أيضًا بعضهم بأنه من ذوات الياء، يقال: عار يعير، و ((العارية)) من ذوات الواو، لأن جمعها: العواري.
وهو اعتراض مردود، لأنه يقال: عار يعير، وعار يعور- بالياء والواو- وحكاهما الجوهري.
قوله- نقلًا عن الشيخ-: ويكره إعارته الجارية الشابة من غير ذي رحم محرم.
انتهى.
وافق الشيخ على تقييد انتفاء الكراهة في المحرم بما إذا كان ذا رحم- أي: قرابة- وليس كذلك، فإن إعارتها للمحرم من الرضاع أو المصاهرة، وإعارتها من الزوج والمرأة- جائزة بلا خلاف كما ذكره النووي في ((تصحيحه))، والعلة مرشدة إليه.
قوله: ولو استعار صيدا، فتلف في يده: فإن كان المعير محرمًا، والمستعير حلالًا- فلا جزاء على المستعير، وعليه القيمة إن قلنا: لا يزول ملك المحرم عنه، وإن قلنا بزواله فلا، وعلى المحرم القيمة، لتقصيره بعدم الإرسال، قاله المحاملي: انتهى كلامه.
وإيجاب القيمة على المحرم سهو، والصواب: الجزاء أو الفدية.
قوله- في الكلام على ما إذا استعار شيئًا ورهنه-: وأبدى الرافعي احتمالًا لنفسه في جواز البيع في حال يسار الراهن، كما يطالب الضامن في حال اليسار، وكأنه لم يقف على ما حكيناه عن البندنيجي.
انتهى كلامه.
وما ادعها من أن الرافعي حكى ذلك احتمالًا لنفسه ليس كما قال، وذلك أن

الرافعي أولا نقل عن الإمام وحده: أنه لا يباع إلا بعد الإعسار ثم استدرك عليه، فقال: إن قياس المذهب هو البيع مطلقًا.
وهذا اللفظ لا يقال فيه: إنه احتمال، ولا: إنه له، بل بيان لحكم المسألة، ولأجل ذلك جزم به في ((المحرر)).
قوله: أما لو وضع الميت في القبر ولم يدفن، فكلام الرافعي يقتضي منع الرجوع في هذه الحالة، فإنه قال: وله الرجوع قبل الحفر وبعده ما لم يوضع فيه الميت.
ثم قال: وقال المتولي: له الرجوع، ومؤنة الحفر في هذه الحالة على ولي الميت، ولا يلزم المعير الضمان.
وكلام الإمام يقتضي ما ذكره المتولي.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ادعاه من أن كلام الرافعي يقتضي امتناع الرجوع بعد الوضع ليس كذلك، فإن الرافعي عبر بقوله: فله الرجوع قبل الحفر وبعده ما لم يوضع الميت، قال في ((التتمة)): وكذا بعد الوضع ما لم يواره التراب.
هذا لفظه، وحاصله: امتناع الرجوع في المسائل الثلاث، إلا أن الأوليين لم ينقلهما عن أحد، لوضوحهما، وأما الثالثة فلما لم يجدها إلا لصاحب ((التتمة)) نقلها عنه، ولم يصرح بموافقته ولا مخالفته.
نعم، خالفه في ((الشرح الصغير)) فصحح امتناع الرجوع.
الأمر الثاني: أن هذا النقل المذكور عن ((التتمة)) في وجوب الضمان على الولي غلط وقع من الرافعي، فتبعه عليه المصنف، والمذكور في ((التتمة)) هو الجزم بوجوبه على المعير، فإنه قال: فرعان: أحدهما: إذا رجع في العارية بعد الحفر قبل الدفن غرم لولي الميت مؤنة الحفر، لأنه بإذنه له في الحفر أوقعه في التزام ما قد التزم من المؤنة، وفوت عليه مقصوده لمراعاة مصلحة نفسه، فلو لم تلزمه الغرامة لأدى إلى الإضرار به.
هذا لفظ المتولي بحروفه.
قوله: وفيما سوى الإعارة للدفن يرجع فيه متى شاء.
انتهى.
أهمل مسألة أخرى، وهي ما إذا كفن أجنبي ميتًا، فإن الكفن باق على ملك الأجنبي في أصح الوجهين، كما ذكره في ((الروضة)) من ((زوائده)) في كتاب السرقة.
وإذا قلنا بالصحيح، فقال في ((الوسيط)) في باب الوصية: إنه يكون عارية.
وقال في السرقة: إنه من العواري اللازمة.
وذكر الرافعي معنى هذا- أيضًا- هناك.
ولو أراد الصلاة المفروضة، فأعارة ثوبًا ليستر به عورته، أو ليفرشه في مكان

نجس، ففعل وأحرم، وكان الرجوع والأخذ يؤديان إلى بطلان الصلاة- فيتجه منه، ويحتمل الجواز، وتكون فائدته طلب الأجرة، ويستثنى من رجوع المستعير ما لو استعار الدار لسكنى المعتدة، فإنه يمتنع عليه الرجوع وإن جاز للمعير، كذا ذكره الأصحاب في كتاب العدد.
قوله: وإن أتلف ولد العارية، ففي ضمانه وجهان بناهما القاضي الحسين وغيره على أن العارية تضمن ضمان الغصوب أم لا؟ فعلى الأول: يضمن الولد.
وعلى الثاني يكون حكمه كحكم ما لو هبت الري بثوب إلى داره.
ثم قال: ولا فرق في ذلك بين الولد الموجود حال العقد أو الحادث بعده.
وفي ((الجيلي)) تخصيص محل الخلاف بما إذا حدث، وجزم فيما إذا كان موجودًا حال العقد فتسلم الأم وتبعها الجحش: أنه لا ضمان.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن ((الجيلي)) خاصة قد صرح به القاضي الحسين والبغوي في ((فتاويهما))، ولم يذكر في ((الروضة)) من ((زوائده)) غيره، والتعميم الذي ذكره عجيب غير مستقيم، فإن القول بالضمان في الولد الحادث إنما محله إذا قلنا بضمان العارية ضمان الغصوب، كما صرح به الآن نقلًا عن الأئمة، والغاصب للأم إذا تبعها ولدها لا يكون ضامنًا لولدها في أصح الوجهين، كما اقتضاه كلام الرافعي، وصرح به في ((الروضة)).

باب الغصب

المصنف وإن احتمل عوده على القاضي أبي الطيب فإنه لا يصح أن يجاب به، لأنه- أيضًا- لم يتعرض للمسألة.
قوله: ولو فتح قفصًا عن طائر، فوقف، ثم طار- لم يضمن.
ثم قال: وغلط الروياني في ((البحر)) من صار إلى وجوب الضمان.
وحكى الرافعي عنه وعن الشيخ أبي خلف السلمي وغيرهما- اختيار وجوب الضمان.
انتهى كلامه.
وسياقه يشعر بأن ما نقله الرافعي عن الروياني غلط، وليس كذلك، فإنه قد صرح بذلك في ((الحلية))، وعبر بقوله: وهو الاختيار.
والغالب أن الرافعي إذا أطلق النقل عن الروياني فإنما يريد به ((الحلية))، فاعلمه.
قوله: ولا خلاف في أنه لو حمله- يعني الصبي- إلى مضيعة، فاتفق أن سبعًا افترسه، أنه لا ضمان.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم الخلاف ليس كذلك، فقد قال في ((المهذب)) لو كتف رجلًا، وألقاه في ارض غير مسبعة، فقتله سبع- وجبت الدية مخففة، لأنه قتل خطأ.
انتهى.
والصغير العاجز عن الانتقال كالرجل المكتوف إن لم يكن أولى منه بالوجوب.
قوله: منفعة الكلب تكون بالاصطياد وحفظ الزرع والماشية، واقتناؤه لذلك جائز، وفي حفظ البيوت وجهان، ظاهر النص: الجواز.
واقتناء الجرو الصغير الصالح للمنافع المذكورة عند كبره: هل يجوز؟ فيه وجهان.
انتهى كلامه.
والوجهان شرطهما: أن يكون الجرو من نسل معلم، فإن لم يكن كذلك لم يجز جزمًا، كذا ذكره البغوي في ((التهذيب)) في البيع، والصحيح من هذين الوجهين هو الجواز.
قوله: وإن غصب عصيرًا، فصار خمرًا، ثم صار خلا- رده وما نقص من قيمة العصير.

ثم قال: وقيل: يرد الخل، ويضمن مثله من العصير، هكذا حكاه في ((المهذب)).
وفي بعض نسخ ((التنبيه)) زيادة على هذا: وأرش ما نقص، أي: من قيمة الخل والعصير، وكأنه بناء على مذهب أبي ثور في أن الغاصب يضمن عند رده العين فوات الأسعار.
ومنهم من قال: يظهر بناؤه على أن الغاصب يضمن أرش السمنين.
ولم يظهر لي صحة ذلك، فتأمله.
انتهى كلامه.
والتخريج الأول الذي أشعر كلام المصنف بأنه ارتضاه، وهو تخريجه على مذهب أبي ثور- قد ذكر المصنف في ((المطلب)) أنه تخريج باطل، لأنه إنما قال ذلك إذا رد المغصوب بعينه، ورد الأصحاب عليه بأن ذلك كان يلزم اطراده فيما إذا تلف المغصوب ورد مثله، فدل كلامهم على أنه غير قائل به.
ثم قال: والأشبه عندي في تقريره غير ذلك، وهو أن المراد أرش ما نقص من قيمة العصير المردود عن قيمة العصير المغصوب لا بسبب ارتفاع الأسواق، بل بأن يكون قد تطور قبل الخمرية إلى حالة زادت بها قيمته، فيأخذ الأرش في مقابلة تلك الصفة الزائلة.
قال: وهو نظير قول الماوردي: إنه إذا غصب حنطة، فطحنها، ثم تلف الدقيق- يأخذ المثل وما نقص من قيمة المثل عن الدقيق.

باب الشفعة

قوله: أما إذا بيع البناء أو الغراس مع الأرض الحاملة له لا غير، وكان ذلك عريضًا بحيث يقبل القسمة- ففي ثبوت الشفعة وجهان.
أقيسهما في ((الرافعي)): المنع، لأن الأرض في هذه الحالة تابعة، والمنقول متبوع.
ثم قال: ولا فرق في جريان الخلاف بين أن ينص على إدراج المغارس والأساس في البيع، أو يقول باندراجها في البيع عند إطلاق بيع البناء والغراس على وجه، صرح بذلك الرافعي.
انتهى كلامه بحروفه.
والمتبادر إلى الفهم منه: أن ما نقله عن الرافعي عائد إلى الحالتين وهما التنصيص والإطلاق، وقد صرح بنقله عنه في ((المطلب))، ولم يتعرض الرافعي لشيء من ذلك، وإنما حكى الوجهين ورجح بلفظ ((الأشبه))، ولولا ما ذكره في ((المطلب)) وتعبيره- أيضًا- بقوله: ذلك، الذي هو إشارة للبعيد، ولم يعبر بقوله: به لأعدناه على الوجه.
قوله: بطول أغصانها وبسوقها.
البسوق- ببناء موحدة مضمومة، ثم سين، مهملة وقاف- هو الطول، تقول بسق النخل- بالفتح- بسوقا، قال تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق:10].
قوله: لقول عثمان: ((لا شفعة في بئر ولا نخل، والأرف تقطع كل شفعة)).
وحكى الجيلي عن الأزهري أن ((الأرف)) - بضم الهمزة، وفتح الراء المهلمة، وضم الفاء-: الحدود بين المواضع.
انتهى كلامه.
واعلم أن ضم الفاء وإن كان صحيحًا في هذا التركيب بخصوصه، لكنه لا مدخل له في تفسير المدلول اللغوي، فإنه لا فرق في ذلك بين ضمها وفتحها وكسرها، لأنه حرف إعراب، فلا يحسن من المصنف متابعة الجيلي عليه.
وذكر الجوهري أن ((الأرف)) المذكور جمع ((أرفة)) بضم الهمزة وسكون الراء، كغرفة وغرف، ثم ذكر هذا الحديث.
قوله: وفي ((أمالي)) أبي الفرج أن صاحب ((التقريب)) قال: إذا كان ما يقابل الشقص مما لا يثبت في الذمة بالسلم ولا بالقرض فلا شفعة فيه، لأنه تعذر أخذه بما ملك به

المتملك.
وهو غريب.
انتهى كلامه.
ونسبة هذه المقالة إلى صاحب ((التقريب)) سهو، إنما هو صاحب ((التلخيص))، فإن المصنف قد أخذ هذا الكلام من الرافعي، والرافعي قد نقله كما ذكرته لك، فقال: ويجوز أن يعلم- بالواو- لأن في ((أمالي)) أبي الفرج السرخسي أن صاحب ((التلخيص)) قال: إذا كان ما يقابل الشقص مما لا يثبت في الذمة بالسلم ولا بالقرض فلا شفعة فيه، لأنه تعذر أخذه بما ملك به المتملك.
وهو غريب.
هذا لفظ الرافعي بحروفه، وهو لفظ المصنف، وبه يعلم أنه أخذه منه، وأيضًا: فإن المصنف لم يقف على كتاب السرخسي، وإنما ينقل عنه بوساطة الرافعي، وقد تفطن في ((المطلب)) إلى الصواب فقال: وعن صاحب ((التلخيص)).
قوله: لو حضر جل مغنما، فأعطاه الإمام لحضوره شقصا من دار- فهل تثبت فيه الشفعة؟ نظر: إن أعطاه عن رضخٍ فلا، لأنه تبرع.
وإن أخذه بسهم مستحق ففيه وجهان.
انتهى.
وما ذكره من كون الرضخ تبرعًا قد خالفه في باب قسم الفيء والغنيمة، فقال: المشهور: أنه واجب، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يتركه قط، ولنا فيه أسوة حسنة.
هذا كلامه، ونقل الرافعي- أيضًا- أن الأكثرين عليه، فثبت مع ما وقع فيه من الاختلاف اندفاع ما ذكره من عدم الشفعة.
قوله: والشفعة على الفور في قول، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((الشفعة لمن واثبها))، أي: بادر.
وروي: ((كنشطة العقال: إن قيدت ثبتت، وإن تركت فاللوم على من تركها)).
انتهى.
النشطة: بنون مفتوحة، ثم شين معجمة ساكنة، وطاء مهملة.
قال ابن فارس وغيره: الأنشوطة تنحل إذا مد طرفاها، تقول: نشطت- بلا همز- إذا أردت العقد، فإن أردت الحل.
قلت: أنشطت- بالهمز- ومنه في خبر الرقيا: ((كأنما أنشط من عقال)).
قوله: وفي ((ابن يونس)) حكاية وجه عن المراوزة: أن الشفعة لا تبطل بذلك، أي بقوله.
بعني: ولم أقف عليه فيما وقفت عليه من كتبهم إلا على قولنا: إن الشفعة على التأبيد.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من إنكار هذا الوجه، تفريعًا على الفور- غريب، فقد صرح به الإمام في ((النهاية)) نقلًا عن رواية صاحب ((التقريب))، وحكاه المصنف عنه في ((المطلب))، وعلله بأنه قد يقصد أخذه رخيصًا، وأيضًا: فقد يقصد بذلك تطييب نفسه

وعدم القهر.
قوله: وإن أخر، وقال: لم أصدق المخبر، وكان المخبر صبيًا أو امرأة أو عبدًا- لم تبطل شفعته.
ثم قال: وفي ((المهذب)) قول: أنها تسقط بإخبار العبد والمرأة، تغليبًا لكم الخبر لا لحكم الشهادة، وهو في ((الوجيز)) و ((الرافعي)) الأظهر عند إخبار العدل.
انتهى كلامه.
وهو يوهم إيهامًا ظاهرًا أن الرافعي غاير بين المرأة والعبد، وأنه سلم عدم السقوط في إخبار المرأة، وليس كذلك، بل الصحيح فيهما معًا عند الرافعي: سقوط الشفعة، فاعلمه.
قوله: وإن توكل في بيعه سقطت شفعته على وجه، لأنه قد يتهاون في طلب زيادة عليه، فصار كما لو باع الوصي شقصا له فيه شفعة.
وقيل: لا تسقط كما لو توكل في الشراء.
ثم قال ما نصه وعن رواية صاحب ((التقريب)) جريانه في الوصي- أيضًا- وبه قال ابن القطان والقفال- أيضًا- كما حكاه ابن الصباغ، ووجهه بأنه ذلك يجب على المشتري بعد تمام العقد.
انتهى كلامه.
واعلم أن لفظ القفال هنا مجرور عطفًا على ((القطان))، تقديره: وابن القفال، كذا صرح به الذي نقله المصنف عنه- وهو ابن الصباغ- فقال في ((الشامل)): وحكى ابن القفال وجهًا آخر: أن له أخذه، لأن ذلك يجب له على المشتري بعد تمام العقد.
هذا لفظه.
إذا علمت ذلك فاعلم أن صاحب ((التقريب)) هو ابن القفال كما صرح به الرافعي في كتابه المسمى بـ ((التذنيب))، فقال: صاحب ((التقريب)) هو القاسم بن محمد بن على بن إسماعيل الشاشي، وهو ابن أبي بكر القفال الشاشي، مشهور بالفضل وحسن النظر، وبه تخرج كثير من فقهاء خراسان، وكتابه ((التقريب)) يدل على كماله.
هذا لفظ الرافعي، وذكر النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) نحوه- أيضًا- وعبر الرافعي في باب أدب القضاء، في آخر الأدب الثالث بقوله: وقال القاسم- يعني صاحب ((التقريب)) إن شاء الله.
وإنما أتى بالمشيئة، لأنه يفسر مراد غيره بـ ((القاسم)).
وما توهمه المصنف من المغايرة أوقعه فيه تعبير بعضهم بصاحب ((التقريب)) وبعضهم بابن القفال مع عدم علمه بالإلحاد وقد أوضحت حال الرجل في كتاب الطبقات

إيضاحًا بالغًا فليطلب منه.
قوله: وإن اشترى شقصين من أرضين في عقد واحد جاز أن يأخذ أحدهما.
وقيل لا يجوز.
ثم قال: أما إذا لم يكن شريكًا في الشقصين أخذ ما هو شريك فيه مقتصرًا عليه وجهًا واحدًا.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الخلاف ليس كذلك فإنه لو اشترى شقصا وسيفًا لم يكن له تبعيض الصفقة في قول بل يأخذهما أو يتركهما كذا حكاه ابن القاص في باب تفريق الصفقة من ((التلخيص)) وحكاه في ((المطلب)) عنه.
قال: ولو باع حصته قبل العلم بالشفعة ثم علم بطلت شفعته في أصح الوجهين عند جماعة، فعلى هذا لو باع بعض حصته فوجهان وجه الثبوت في حال الجهل وهو الأصح في ((التهذيب)) بقاء الضرر انتهى وهو يشعر بحكاية خلاف في ((التهذيب)) وليس كذلك بل في ((التهذيب)) الجزم بالثبوت.
قوله: وإن هلك بعض الشقص بغرق أخذ الباقي بحصته من الثمن ثم قال فعلى هذا يقوم الجميع حال العقد فإذا قيل مائة قوم بعد الغرق فإذا قالوا تسعين علم أن الفائت العشر فيأخذ الموجود بتسعة أعشار الثمن.
انتهى.
وما ذكره المصنف من تقويمه بعد الغرق غلط فإن مقتضاه اعتبار الزيادة والنقصان الحاصلين بعد العقد وهو باطل، بل الصواب أن يقول: قوم الباقي يوم العقد أيضًا.
قوله: فرع لو كان بين ثلاثة عقار فوكل أحدهم واحد من شركائه في بيع نصف نصيبه وجعل له إذا أراد أن يبيع مع ذلك نصيبه أو بضعه أن يفعل فباع نصف ما يملكه ونصف ما يملكه موكله من شخص.
قال الماوردي: فللموكل أخذ نصيب الوكيل وللوكيل أخذ نصيب الموكل، ولا يجوز للثالث أخذ نصيب أحدهما دون الآخر، لأن البائع واحد فإما أن يأخذ الجميع أو يدع.
وما قاله مبنى على أن اتحاد الصفقة وتفرقها يكون بالنسبة على العاقد وأن الوكيل له أخذ ما باعه وفي كل ذلك خلاف قد تقدم في موضعه.
وقد حكى الرافعي: إنه يمتنع على أحدهما أخذ نصيب صاحبه، لأجل تفريق الصفقة عليه.
انتهى كلامه.

واعلم أن الرافعي حكى ذلك وجهًا ضعيفًا في أخذ الموكل نصيب الوكيل ولم يتعرض لأخذ الوكيل نصيب الموكل فاعلم ذلك.
قوله: والحيلة في إبطال الشفعة بالجوار مباحة قبل العقد، وبعده.
قال البندنيجي: لأنها حيلة في إبطال ما ليس بواجب.
وأما الحيلة في إبطال الشفعة بالمشاركة فينظر فيها، فإن كان بعد وجوبها فلا يحل ذلك، لأنه حق قد وجب، فلا يجوز السعي فلا إسقاطه، وأما قبل وجوبها كما إذا فعل شيئًا يزهد الشفيع فيها.
قال أبو العباس: يكره ذلك، فإذا فعل صح.
وقال أبو بكر الصيرفي في كتاب ((الحيل)): هو مباح كما حكاه عنه البندنيجي.
وفي كلام الدبيلي في ((أدب القضاء)) له ما يدل على المنع، فإنه قال: ((إذا أراد أحد الشريكين في عقار أن يبيع نصيبه من غير شريكه، فلقنه إنسان أن يهب بعض نصيبه من المشتري ويبيع الباقي منه، فإن هذا التلقين لا يجوز، لأن فيه إسقاط حق الشفيع، والمشهور الأول.
وقد ذكر الأصحاب في ذلك صورًا.
منها: أن يبيع الشقص الذي قيمته مائة بمائتين، ثم يأخذ عرضًا قيمته مائة عن المائتين.
ومنها: أن يشتري الشقص بمائة وهو يساوي خمسين، ثم يحط عن المشتري بعد المجلس خمسين.
وفي هاتين الصورتين تغرير على المشتري.
ومنها: أن يشتري عرضًا من المشتري بمائتين وهو يساوي مائة، ثم يعطيه عن المائتين الشقص، وهو يساوي مائة إلى آخر ما ذكر.
وهو صريح في أن الخلاف المذكور في كراهة ذلك، لا فرق بين أن يكون مسقطًا للشفعة، أو مزهدًا فيها، وأن الدبيلي قائل بعدم الجواز مطلقًا، وليس كذلك، بل هو أعني أبا الحسين بن أحمد الدبيلي جازم بالجواز مع الكراهة فيما لا يمنع الأخذ، بل يزهد فيه كالتحيل في زيادة الثمر ونحوه وبالتحريم فيما يمنعه بالكلية، سواء كان مانعًا لأخذ الجميع، أو لأخذ البعض كما مثل المصنف، كذا رأيته في كتابه الذي نقل عنه المصنف وهو أدب القضاء المسمى ((منهاج القضاء))، وهذه المسألة مذكورة في أواخره، وابن الرفعة إنما صور المسألة التي حكى فيها هذه الأوجه فيما

يزهد خاصة، لا في مطلق التحيل، والحاصل أن ابن الرفعة توهم أن الدبيلي لا يقول بالفرق، فذكر ما ذكر وهو غلط فاحش، ورأيت في كتاب ((الحيل)) لابن سراق العامري أحد كبار الأصحاب ومتقدميهم استحباب الحيلة في دفع شفعة الجوار، وإطلاق تحريمها في المشترك ولم يفصل بين ما قبل البيع وبعده.
واعلم أن الكلام على الدبيلي قد ذكرته مستوفى في طبقات الفقهاء، فراجعه.

باب القراض

قوله: ولا يصح القراض إلا على الدراهم والدنانير.
ثم قال: وقيل: يجوز القراض على ذوات الأمثال، حكاه في ((الإبانة)).
وفي ((البيان)) عن المسعودي انتهى كلامه.
ومقتضاه أن المنقول عنه أولًا هو صاحب ((الإبانة)) غير المنقول عنه ثانيًا وهو المسعودي، وليس كذلك بل هما متحدان هنا، وذلك أن الفوراني صاحب ((الإبانة)) والمسعودي لا شك أنهما متغايران، وهما معًا من تلامذة القفال المروزي إلا أن ((الإبانة)) لما وصلت إلي اليمن ظنها العمراني وغيره من اليمنيين أنها للمسعودي فصاروا ينقلون عن المسعودي، ومرادهم بأنه الفوراني، فيحث وقع في البيان المسعودي فمراده به الفوراني، كذا قاله ابن الصلاح وغيره، وتفطن في ((المطلب)) للصواب، فقال: وحكاهما في البيان عن المسعودي لظنه أن ((الإبانة)) حين وردت عليهم اليمن أنها له، هذا كلامه هنا، وليس مطردًا كما ستعرفه في ((باب الرجعة)).
قوله: قال: وإن عقده إلى شهر على ألا يشتري بعده، أي وجعل له البيع صح، لأنه لو عقد مطلقًا ملك رب المال منعه من الشراء، أي وقت شاء، فلم يكن فيما شرطه منافاة لمقتضى العقد.
وفي ((المهذب)) وغيره وجه أنه لا يصح.
انتهى.
وتقييده بقوله: أي وجعل له البيع مقتضاه أنه لابد في جريان الوجهين من هذا الشرط حتى لو نهاه عن الشراء، ولم يصرح بجواز البيع لا يكون على الوجهين بل يجزم بالبطلان، وقد خالف ذلك في ((المطلب)) فقال: والخلاف في المسألة يظهر جريانه فيما إذا قال: قارضتك إلى شهر على ألا يشتري بعده، وسكت عن البيع نفيًا وإثباتًا، وكلام الشيخ في ((التنبيه)) يدل عليه، هذا كلامه، ولم يذكر ما يخالفه، واعلم أن الغزالي في ((الوسيط)) و ((الوجيز)) صور المسألة بما إذا صرح أيضًا بجواز البيع كما في ((الكفاية))، فتبعه الرافعي في الشرحين والنووي في ((الروضة)) عليه، وصور المسألة في ((المحرر)) بما صورها في التنبيه، وتبعه عليه في ((المنهاج)).

قوله: وإذا سافر العامل بالإذن نفقته في ماله في أصح القولين.
والثاني في مال المضاربة، ثم قال وأي قدر يكون في مال المضاربة؟ قيل: الزائد على نفقة الحضر، أي: كالركوب وزيادة ملبوس ومأكول وزيادة سعر في الماء والطعام، كما حكاه البندنيجي وثمن الخف والإدارة والسطحية والسفرة والمحارة، ونحو ذلك كما حكاه الرافعي، لأن ذلك هو الملتزم لأجل السفر، وهذا هو الأصح في الرافعي وغيره.
وقيل: الجميع أي ذلك، والطعام والإدام، والكسوة وأجرة المنزل، كما صرح به البندنيجي والرافعي.
انتهى كلامه.
واعلم أن الرافعي لم يتعرض لوجوب السطيحة والسفرة والمحارة، ولم يتعرض لما ذكره ثانيًا من أجرة المنزل فاعلمه.
قوله: وإذا عاد وجب عليه رد ما معه في أظهر الوجهين.
ثم قال: وفي ((البحر)) أن القاضي الطبري قال: رأيت في كتاب ((التهذيب)) لابن القفال في رد الكسوة وجهين.
انتهى.
تعبيره بالتهذيب تحريف بل هو ((التقريب)) بالقاف والراء، وقد تقدم في آخر الباب قبل إيضاحه.
قوله: ليس للعامل التصرف في الخمر شراء وبيعًا وإن كان ذميًا، فلو خالف واشترى خمرًا، أو خنزيرًا، أو أم ولد ودفع ثمن ذلك عن علم فهو ضامن، وإن كان جاهلًا فكذلك على الأشهر.
وقال القفال: يضمن في الخمر دون أم الولد إذ ليس عليها أمارة يعرفها.
وفي ((التهذيب)) عن بعضهم: التسوية بين الخمر وبينها في عدم الضمان.
قال الرافعي: وأبعد منه وجه نقله في ((الشامل)) أنه لا يضمن حالة العلم أيضًا.
انتهى.
وهذا الوجه الأخير نقله الرافعي كذلك، إلا أنه ليس مطابقًا لما في ((الشامل))، فإنه إنما حكى الوجه في الخمر خاصة، ومع ذلك فلم يصرح بكونه في حال العلم، ثم إن الوجه المذكور في شراء الخمر عالمًا أنه لا يصح هو في الذمي دون المسلم، لأنه يعتقده مالًا، قاله في ((البيان)).
قوله: ولو قال: خذ هذه الدراهم قراضًا وصارف بها مع الصيارفة، ففي صحته وجهان.
انتهى كلامه.

وما ذكره من حكاية الوجهين في صحة العقد غلط، فإن العقد صحيح وتصح مصارفته مع الصيارفة، لوجود الإذن، وإنما الوجهان في صحة مصارفته مع غيرهم، وقد أوضحه الرافعي فقال: ولو قال خذ هذه الدراهم قراضًا وصارف بها مع الصيارفة، ففي صحة مصارفته، مع غيرهم وجهان.
وجه الصحة: أن المقصود من مثله أن يكون تصرفه تصرفًا لا مع قوم بأعيانهم.
هذا كلامه.
وذكر في ((الروضة)) نحوه أيضًا، ولا شك أن المصنف إنما أخذ المسألة من كلام الرافعي فإن الرافعي قال في آخر الباب، وهذه فروع مبددة نختم بها الباب، ثم ذكر هذا الفرع، وقد فعل المصنف ذلك بعينه، فدل على ما قلناه، وصرح بذلك في ((المطلب)) فقال: ففي صحة معارضته وجهان في الرافعي، هذا لفظه وكيف تخيل- رحمه الله- منع المصارفة مع الصارف في حالة تصريح المالك بالإذن فيه.

باب العبد المأذون

قوله: في التفريع على أن العبد يملك بتمليك سيده: ولو وكل وكيلين حتى يهبا سالمًا لغانم وغانمًا لسالم، ثم جرى منهما جميعًا ذلك، لم ينفذ واحد منهما.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: جميعًا سهو، بل الصواب: أن يقول معًا، أي في وقت واحد، وإما إذا صدر منهما جميعًا فلا يستلزم ذلك إبطالهما، بل يحكم بصحة المتأخر، ويكون رجوعًا عن المتقدم، وقد صرح به الرافعي على الصواب.

باب المساقاة

قوله تنبيه: أراد الشيخ بالكرم العنب، وكان الأولى ألا يذكر لفظ ((الكرم))، ويذكر لفظ ((العنب)) كما حكيناه عن لفظ الشافعي في ((المختصر))، لأنه ثبت في ((صحيح مسلم)): ((لا تقولوا الكرم)).
انتهى.
واعلم أن الشافعي وإن عبر في موضع بالعنب، لكنه عبر في هذه المسألة بخصوصها في ((المختصر)) بما عبر به الشيخ فقال: فالمساقاة جائزة بما وصفت في النخيل والكرم دون غيرهما، هذا لفظ الشافعي، وكلام المصنف يوهم أن الشافعي لم يقع منه التعبير بالكرم خصوصًا في هذه المسألة من ((المختصر)).
قوله: فرع لو أقت المدة بإدراك الثمار فهل يصح؟ فيه وجهان.
وجه المنع: وبه قال الأكثرون الجهل بوقت الإدراك.
ووجه الجواز وهو الأصح عند الرافعي: أن ذلك هو المقصود انتهى كلامه.
وما نقله- رحمه الله تعالى- عن الرافعي غلط، فإن الرافعي هنا مشى على ما قاله الأكثرون، ووافقهم عليه، والذي صحح الجواز هو الغزالي.
قوله: فإن قيل: لم لا يجوز للمالك فسخ المساقاة ويستحق العامل أجره مثل ما عمله كما نقول في الجعالة؟ فالجواب: أن العمل في الجعالة مضبوط يمكن اعتباره، وهو في المساقاة غير مضبوط.
انتهى.
وما ذكره في الفرق ذهول، فقد صرح الأصحاب في مواضع من هذا الباب حتى الشيخ في هذا الكتاب الذي هو يشرح فيه جواز الفسخ بأسباب، ويرجع إلى أجرة المثل، وصرحوا أيضًا بأن العمل في الجعالة قد لا ينضبط، وحينئذ فنقول: القائل على تقدير جوازها يوجب المتيقن في الموضعين، والقول قول المالك في الزائد، لأن الأصل براءة الذمة منه.
قوله: ولنختم الباب بفروع: إذا كانت الأشجار بين شخصين نصفين فساقى أحدهما صاحبه على نصيبه، وشرط له أكثر من نصف الثمر من الجميع صح، وإن

شرط له نصف الثمرة لم يصح، لأنه لم يثبت عوضًا للمساقاة.
وهل للعامل أجرة المثل؟ فيه خلاف المزني وابن سريج.
ولو شرط جميع الثمرة للعامل فسد على الأصح كما ذكرناه، وفي استحقاقه أجرة المثل الخلاف السابق.
انتهى كلامه.
مسألة المزني وابن سريج صورتها على ما ذكره المصنف وغيره: أن يشترط الثمرة كلها للمالك.
وقال المزني: وهو الأصح لا أجرة للعامل، لأنه عمل مجانًا.
وقال ابن سريج يستحقها، لأن المساقاة تقتضي العوض، فلا يسقط بالرضا كالوطء في النكاح.
إذا علمت ذلك، فتخريج اشتراط النصف فقط على هذا الخلاف صحيح، وأما اشتراط جميع الثمرة للعامل فتخريجها على هذا الخلاف غلط ظاهر، لانتفاء المدركين السابقين، لا جرم وأن الرافعي خرج الأولى على ذلك الخلاف، ثم ذكر الثانية عقبها من غير فصل، فقال: وهل له الأجرة؟ فيه وجهان، لأنه لم يعمل له إلا أنه انصرف إليه هذا لفظه، وأوضح في ((الوسيط)) هذا التعليل الذي ذكره الرافعي فقال: وجهان مأخذهما أنه لم ينو بعمله مستأجره، فضاهى هي الأجير في الحج إذا نوى بعد التلبية صرف الحج إلى نفسه فلا ينصرف، وهل يسقط أجرته؟ فيه وجهان، هذا كلامه.

باب المزارعة

قوله: قال- يعني الشيخ-: المزراعة: أن يسلم الأرض إلى رجل، ليزرعها ببعض ما يخرج منها، وهذا التفسير يقتضي صدق هذه التسمية، سواء كان البذر من صاحب الأرض، أو من العامل، أو منهما، وقد قال به جماعة، والصحيح: أن المزارعة المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج من زرعها، والبذر من مالك الأرض، والمخابرة مثلها إلا أن البذر من العامل.
انتهى.
وهذا الذي ذكره في الفرق بين المزارعة والمخابرة، قد ذكره الشيخ عقب ذلك، فقال: ويكون البذر من صاحب الأرض.
تنبيه: ذكر المصنف أشياء: منها: أن الأكار هو الزارع، هو بفتح الهمزة وتشديد الكاف.
ومنها: أن الخبار اسم للأرض الرخوة، هو بفتح الخاء المعجمة وبالباء الموحدة والراء المهملة.
ومنها: أن الخبر اسم لشرب الأرض، اعلم أن الجوهري- قد ذكر: أن الخبر- بخاء معجمة مفتوحة وباء موحدة ساكنة- هي المزادة العظيمة، أي: القربة التي تسع ماء كثيرًا، فيجوز أن يكون المذكور في الكتاب هو هذا اللفظ، وأطلقوه على شرب الماء.
ومنها: المعاومة نهى عنها في الحديث، وهي جعل الثمرة للمالك عامًا وللعامل عامًا آخر، وتطلق- أيضًا- على بيعها لأعوام مستقبلة.

باب الإجارة

قوله: الإجارة- بكسر الهمزة: وقيل بضمها- مصدر أجره يؤجره إجارة، وهي مشتقة من الأجر، والجر ثواب العمل.
انتهى.
والذي ذكره- رحمه الله- في الاشتقاق غير مستقيم، فإن المصدر غير مشتق على المعروف، ولو فرعنا على اشتقاقه كما قال به الكوفيون، فإن المشتق منه إنما هو الفعل لا اسم آخر، وقد سبق نحو هذا الاعتراض في أول الكتاب.
قوله: وروى أنه - صلى الله عليه وسلم - لما ولد إبراهيم استأجر له ظئرًا يقال لها: أم سيف امرأة حبر بالمدينة يقال له: أبو سيف.
انتهى.
الظئر- بظاء معجمة مشالة مكسورة بعدها همزة ساكنة- هي المرضعة، والحبر اليهودي: العالم بشريعتهم، وهو بالحاء المهملة.
قوله: تنبيه: كلام الشيخ مصرح بأن الغناء حرام.
ثم قال ما نصه: وكلام القاضي أبي الطيب في ((باب بيع المصراة)) يقتضي خلافه، فإنه قال: وأما قول مالك: إن الغناء حرام فلا نسلم ذلك، وإنما قال الشافعي: إنه لهو ولعب وسخف، وليس من أهل الدين.
قلت: وليس ذلك بخلاف في المسألة، بل كلام الشيخ محمول على ما إذا اتبعه شيء من آلات الملاهي المحرمة، كالمزمار ونحوه، وما قاله القاضي محمول على ما إذا لم يصحبه شيء من آلة الملاهي، وقصد صرح بهذا الحكم في الحالتين الماوردي والشاشي.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من نفي الخلاف في المسألة وحمل الكلامين على حالتين قد ذكر ما يخالفه في كتاب الشهادات، وستقف هناك على لفظه، إن شاء الله.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن القاضي أبي الطيب أنه ذكره في باب ((بيع المصراة)) غلط، ليس له ذكر في ذلك الباب، وإنما ذكره في ((باب الخراج بالضمان))، وهذا الباب هو بعد باب المصراة فاعلمه، وقد ذكره في البيع من شرح الوسيط على الصواب.

قوله: فروع: إذا اكترى دابة إلى بلد فبلغ عمارتها، فللمكري استرداد الدابة، ولا يلزمه تبليغه داره، كذا أطلقه بعضهم.
وقال الماوردي: مثل ذلك إذا كان البلد واسعًا، فإن كان صغيرًا فله أن يركب إلى منزله.
قلت: ويتجه أن يتخرج على القولين فيما إذا استأجر حمالًا لحمل وقر إلى داره وهي ضيفة الباب هل عليه إدخاله الدار أم لا؟ ووجه الثبوت النظر إلى العرف انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن القول الثاني في الحمال هو وجوب إدخال الحطب إلى الدار بل لا يستقيم التخريج الذي يحاوله إلا بذلك، والذي ذكره غلط، بل الثاني إنما هو فساد العقد، وسبب الغلط أن الرافعي في أواخر هذا الباب عن زيادات العبادي فقال: وإنه إذا استأجر حمالًا ليحمل وقرًا إلى داره وهي ضيقة الباب، هل عليه إدخاله الدار؟ فيه قولان للعرف هذا كلامه، وتبعه عليه في الروضة، وهو يقتضي الجزم بصحة العقد، وإن القولين في الإدخال وعدمه فراجعت نسختين من ((الزوائد)) المذكورة، أحدهما بخط الفخر بن عساكر شيخ الشام في وقته وبمقابلته أيضًا، فرأيته قد عبر بقوله فيه قولان: أحدهما: يجب للعرف.
والثاني: أنه يفسد إلا أن يشترطه، هذه عبارته فلما توهم ابن الرفعة من عبارة الرافعي ما توهم صرح به فوقع في صريح الغلط، واعلم أن مدرك الإفساد يعارض العرف واللفظ، وأن تقييد المسألة بالباب الضيق عندنا، بل الملك لا معنى له.
والوقر: بكسر الواو، وهو الحمل قاله الجوهري.
قوله: فإن باع المكري العين من المكتري جاز، وقد أشار في ((الوسيط)) إلى خلاف في صحة البيع بقوله: ((والظاهر الصحة، وأنكره بعضهم، وبعضهم قال: إنه مصرح به في ((المحيط)) وكان مستخرجه من أصول في المذهب سأذكرها.
فإن قلنا بالصحيح: لا تنفسخ الإجارة خلافًا لابن الحداد.
وإن قلنا بالانفساخ: ففي عود ما بقي من المنفعة إلى البائع وجهان وفي رجوع المشتري عليه بصحته من الأجرة وجهان أيضًا.
ثم قال ما نصه، قلت: ومن القول بانفساخ الإجارة، ورجوع منفعة المدة الباقية إلى الأجير البائع وعدم رجوع المشتري عليه بقسطها من الأجرة تمسك القائل يصحح ما

أوهمه لفظ الغزالي من عدم صحة البيع، لكون ذلك ملازمًا للبيع فتصير المنفعة في تقيمه المدة كالمستثناة، والاستثناء باللفظ إذا كان مبطلًا للعقد كان الاستثناء بالشرع مثله.
دليله: بيع الجارية واستثناء حملها، وبيعها إذا كانت حاملًا بحر والله أعلم انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الخلاف الذي أوهمه كلام الغزالي ثابت، فقد رأيته مصرحًا به في شرح المصباح لأبي الخير سلامة بن إسماعيل بن جماعة المقدسي، وأبو الخير المذكور توفي قبل الغزالي بسنين كثيرة، فإن الغزالي توفي في سنة خمس وخمسمائة، وتوفي أبو الخير سنة ثمانين وأربعمائة، كما نقله المشقرني عن الحافظ المنذري، وأوضحته- أيضًا- في كتاب ((الطبقات))، ونقل ابن أبي الدم في كتاب ((العدد)) غيره من شرحه للوسيط عن ابن جماعة المذكور، وقال: إنه رجل مجهول وهو غريب منه، فقد ترجم له غير واحد منهم المقشراي والمنذري المذكوران ومنهم الكنجي في ((تاريخ بيت المقدس)) في ترجمة الفقيه سلطان 193/أالمقدسي ثم رأيته- أيضًا- مذكورًا في خطبة كتاب البيان الذي ألفه الفقيه سلطان المشار إليه في التقاء الختانين، فقال: كان عديم النظير في زمنه، لما كان مخصوصًا به من حضور القلب وصفاء الذهن وجودة الحفظ، هذا لفظه.
الأمر الثاني: ما ذكره من التمسك على إثبات الخلاف بانفساخ الإجارة إلى آخره تمسك فاسد، لأن جميع ذلك إنما هو تفريع على صحة البيع، والوجه الذي يخاف إثباته إنما هو إفساده، فكيف يستدل على الفساد بما هو مفرع على ضده، وهو قول الصحة.
قوله نقلًا عن الشيخ: وإن كان- أي: العين المؤجرة- عبدًا فأعتقه عتق، ويلزم المولى للعبد أقل الأمرين من أجرته أو نفقته.
ثم قال: وهذا الوجه لم أره لأحد، بل المحكى في المهذب وغيره: أن العبد هل يستحق على السيد أجرة المثل أم لا؟ فيه قولان: القديم: نعم، والجديد: لا، فعلى هذا هل يرجع على السيد بنفقته؟ فيه وجهان: أحدهما: أنها تجب في بيت المال.

والثاني: وهو الأشبه في الرافعي، والمختار في المرشد: أنها تكون على السيد استيفاء لما تقدم.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن ما أنكره قد ذكره في الروضة من زوائده، فقال: فإن قلنا: النفقة على السيد، فوجهان: أحدهما: تجب بالغلة ما بلغت.
وأصحهما: يجب أقل الأمرين من أجرة مثله وكفايته، هذه عبارته.
الثاني: أن ما نقله عن الرافعي هنا غلط، فإن الأشبه في الرافعي إنا هو الوجه الأول، وهو الوجوب في بيت المال، فانعكس ذلك على المصنف.
الأمر الثالث: أن القولين معًا في الجديد خلافًا لما ذكره هؤلاء وقلدهم فيه المصنف، فإن القول الذي نسبه المصنف إلى القديم، وهو القائل بالرجوع على السيد قد نص عليه في الأم في كتاب الصلح، وهذا الكتاب مذكور بعد أبواب اللعان فقال فيه في الكلام على ما إذا صالح على خدمة عبد سنة ما نصه: ((ولو كانت المسألة بحالها فأعتقه السيد، كان العتق جائزًا، وكانت الخدمة عليه إلى منتهى السنة يرجع بها على السيد، لأن الإجارة بيع من البيوع لا تنقض ما دام المستأجر مسلمًا)).
هذا كلامه بحروفه ومنه نقلته.
قوله: قال- يعني الشيخ-: ولا تستقر الأجرة في هذه الإجارة أي الواردة على الذمة، إلا بالعمل ثم قال: وفي الرافعي، والوسيط: أن الإجارة إذا وردت على الذمة وسلم دابة بالوصف المشروط، فمضت المدة عند المكري استقرت الأجرة لتعين حقه بالتسليم وحصول التمكين، ويمكن أن يحمل ما قاله الشيخ على ما إذا اعتمد العقد العمل، كما إذا قال: ألزمت ذمتك خياطة ثوب من صفته كذا بكذا، وما قاله الرافعي وغيره على ما إذا اعتمد الدابة فقال مثلًا: أجرتك دابة في ذمتي ونصفها.
انتهى.
وهذا الحمل الذي ذكره غير صحيح، فإن الرافعي صرح في القسمين بالاستقرار، فإنه صرح به أيضًا فيما إذا ألزم ذمة الحر عملًا فسلم نفسه أو عبده، ومضت المدة كما صرح به في الدابة، فعلم بذلك أن الرافعي يسوي بين الصورتين.
قوله: قال- يعني الشيخ-: وإن دفع إليه ثوبًا فقطعه قميصًا، فقال صاحب الثوب أمرتك أن تقطعه قباءً فعليك الأرش، وقال الخياط: بل أمرتني بقميص فعليك الأجرة

تحالفا على ظاهر المذهب.
ثم قال: وقد روى القاضي أبو الطيب: أن الشافعي قال في اختلاف العراقيين: كان ابن أبي ليلى يقول: القول قول المالك، وهذا أصح القولين، وعير القاضي يرونه أشبه القولين: انتهى كلامه.
وهو يوهم انفراد القاضي بنقل لفظ الأصح عن الشافعي، وليس كذلك، فقد عبر بهذه اللفظة بعينها جماعات منهم: المحاملي في كتاب القولين والوجهين وفي كتاب المجموع، ومنهم ابن الصباغ في ((الشامل)) والمتولي في ((التتمة)).
قوله: وفي المسألة خمسة طرق.
ثم قال: والطريق الخامس عن ابن سريج: إن جرى بينهما عقد فليس إلا التحالف، وإن لم يجر فالخياط لا يدعي الأجرة، وإنما النزاع في الأرش، فهل يصدق المالك أو الخياط؟ قولان.
انتهى.
وحكايته هذه المقالة طريقة خامسة سهو، تبع فيه الرافعي، فإن ذلك يقتضي طرد الخلاف السابق مطلقًا، سواء جرى عقد أم لا، وهو محال، فإن التحالف إنما يكون بعد الاتفاق على العقد.
وأيضًا: فإن التصوير والكلام جميعه إنما هو في طلب الخياط الأجرة ودفع الأرش عنه، ودعوى المالك عكس ذلك، نعم هذه مسألة مستقلة وحكمها متجه.

باب الجعالة

قوله: فرع لو فسخ المالك العقد في غيبة العامل بعد الشروع في العمل ولم يعلم المجعول له به، ثم تمم العمل.
قال المتولي: ذلك ينبني على القولين في عزل الوكيل قبل العلم.
وقال الإمام: لا يبعد تخريجه على ذلك، والظاهر أن الجعالة تنفسخ.
انتهى كلامه.
ومقتضاه: أن الخلاف المحكي في التتمة هو في أن الفسخ هل ينفذ أو لا ينفسخ حتى يستحق المسمى على وجه وأجرة المثل على آخر؟ ويؤيده- أيضًا- نقله عن الإمام ترجيح الفسخ، وليس الأمر كذلك، بل التخريج الذي ذكره صاحب التتمة إنما هو استحقاق أجرة المثل، وأما الفسخ فجزم بنفوذه، فإنه ذكر أن المجعول له بعد الاشتغال بالعمل مخير بين الترك والاستمرار.
ثم قال ما نصه: ((فأما الجاعل فلا خلاف أن له الرجوع، إلا أنه إن بلغ المجعول له خبر رجوع الجاعل عن الجعالة، فما بعد ذلك لا يستحق عليه عوضًا، وإن لم يبلغه الخبر فالمسألة تنبني على الموكل إذا عزل الوكيل ولم يبلغه العزل وقد ذكرناه، فأما علمه السابق على الرجوع فمضمون بأجرة المثل)).
هذا كلامه، فانظر كيف نفى الخلاف عن المرجوع وجزم آخرا بأن ما علمه قبل ذلك مضمون بأجرة المثل، ولو كان الأمر كما دل عليه كلام المصنف، لكان في كل منهما خلاف.
نعم، ما حكاه عن الإمام من أن الخلاف في جواز الفسخ مطابق لكلام الإمام، ولهذا إن الرافعي غاير بين المقالتين واستبعد كلام الإمام.

باب المسابقة

قوله نقلًا عن الشيخ: قال: وإن شرط الرمى عن القسى العربية أو الفارسية، أو أحدهما يرمي عن العربية، والآخر عن الفارسية حملًا عليه بمقتضى الشرط، وكذا لو شرط أن يرمي أحدهما بالنبل والآخر بالنشاب.
انتهى كلامه.
وما ذكره- رحمه الله- من المغايرة بين الرمي بالقسي العربية والفارسية، وبين الرمي بالنبل والنشاب غلط، فإن النبل ما يرمى به عن القوس العربية، والنشاب ما يرمى به عن القوس الفارسية.
كذا صرح به المصنف في باب الوصية من هذا الكتاب فقال: ثم قوس الرمي يطلق على قوس النبل، وهو قوس العرب، وعلى قوس النشاب وهو الذي يرمي بالسهام، وعلى قوس الحسبان وهو الذي يرمي بالسهام أيضًا، لكن سهامه صغار لا يراها الإنسان حتى تقع فيه، وهما للعجم، هذه لفظه، وصرح به أيضًا الأزهري في شرحه لألفاظ مختصر المزني، فقال: والنشاب: السهم الذي يرمي عن القسي الفارسية، والنبال التي يرمى بها عن العربية، هذا لفظ الأزهري بحروفه ومن كتابه نقلت.

باب إحياء الموات

قوله: وللأسباب المملكة للمال ثمانية: الميراث، والمعاوضات، والهبات، والوصايا، والوقف، والصدقات، والغنيمة، والإحياء.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الحصر في هذه الثمانية باطل، فإنه يخرج عنه أشياء.
منها: الاصطياد، ووقوع الثلج ونحوه في المكان الذي أعده لذلك، وانقلاب الخل خمرًا، والبيضة المذرة فرخًا، ودباغ الجلد، واللعان، والطلاق، والفسوخ كفسخ البيع والنكاح وغيرهما بالعيب، والإفلاس، وخلف الشرط، وتأخير تسليم المعقود عليه، وغير ذلك.
ومنها: النذر، كقوله: لله علي أن أتصدق بهذا الدرهم على زيد، أو على فقراء هذه البلد.
ومنها: حولان الحول على المال الزكوي، والفقراء محصورون أو غير محصورين.
ومنها: الهدايا، فإنها غير الهبة في اصطلاح الفقهاء، فإن أجاب بأنها داخلة في الهبة على ما قالوه في كتاب الأيمان فإنهم قالوا هناك: الهبة تمليك في الحياة بلا عوض، فكان يلزمه ألا يعد الصدقة.
قوله: وإن حمى الإمام أرضًا، لترعى فيها إبل الصدقة، ونعم الجزية، وخيل المقاتلة، والأموال العشرية، ومال من يضعف عن الإبعاد في طلب النجعة ولم يضر ذلك بالناس، جاز في أصح القولين، لأنه عليه الصلاة والسلام حمى النقيع لخيل المسلمين والمجاهدين ترعى فيه، كما خرجه أبو داود والبخاري.
انتهى كلامه.
وما ادعاه في هذا الديث من كون البخاري رواه ليس كذلك، فإن الذي رواه أنه عليه الصلاة والسلام حمى النقيع، هذا لفظه من غير زيادة عليه، ثم إنه رواه مرسلًا لا مسندًا واللفظ الذي ذكره المصنف رواه ابن حبان في صحيحه.
تنبيه: ذكر في الباب ألفاظًا منها: المعادن القبلية- بقاف وباء موحدة مفتوحتين، ولام مكسورة بعدها ياء النسبة-: موضع قريب من المدينة من جهة الفرع.

ومنها: الغورى بعين معجمة، وهو المنخفض من الأرض، والمراد به هنا تهامة.
ومنها: النقيع وهو بنون مفتوحة ثم قاف وبالعين المهملة، قال: فهو بلد صغير قريب من المدينة قدر ميل في ستة أميال، وهو مستنقع وينبت فيه الكلأ بخلاف بقيع الغرقد، فإنه بالباء.
انتهى.
والمراد بالبلد هنا هو الأرض، كما يقال بلاد تميم، وفي الحديث: ((كان إذا بات بأرض وهو مسافر))، قال: ((اللهم إني أعوذ بك من ساكني البلد))، أي: جان الناحية.
ومنها هنيء مولى عمر هو بهاء مضمومة، ثم نون مفتوحة ثم بالتصغير بعدها همزة، ومنها في الحديث: ((لا حمى إلا في ثلاثة ثلاثة: البئر وهي ملقى طينها، وطول الفرس، أي: ما انتهى إليه بخيله الذي ربط به، وحلقة القوم، أي: لا يجلس أحد في وسطها.
انتهى.
وقد وقع لفظ ثلاثة في لفظ المصنف مكررًا، فالأولى للعدد والثانية قد فسره بما ذكره، والذي رأيته في الصحاح: أن أثلب بهمزة مضمومة وثاء مثلثة ولام مفتوحة وباء موحدة: فتات الحجارة والتراب، فيحتمل أن يكون هو المراد في الحديث بإضمار الموضع ولكن تحرف على المصنف.
ومنها: البيدر: هو بباء موحدة مفتوحة، ثم بالمثناة من تحت ودال وراء مهملتين، هو المكان الذي يوضع فيه الزرع عند حصاده، ويقال له في اللغة الجرين بالجيم والمثناة من تحت، ويسمى في إقليم مصر الجرون بالواو.
ومنها: الجلسي منسوب إلى الجلس بجيم مفتوحة ولام ساكنة وسين مهملة، وهو المرتفع، ولذلك تسمى نجد جلسًا، يقال: جلس يجلس، فهو جالس إذا أتى نجدًا.
ومنها القدس- بقاف مضمومة ودال ساكنة وسين مهملتين- جبل عظيم بأرض نجد.
ومنها بهيسة: اسم امرأة بباء موحدة مضمومة، وهاء مفتوحة، ثم ياء للتصغير ثم سين مهملة.
ومنها: أبيض بن حمال هو بحاء مهملة مفتوحة وميم مشددة.
ومنها: مأرب بالباء الموحدة.
ومنها: الربذة- براء مهملة وباء موحدة مفتوحتين ودال معجمة- مكان به قبر أبي ذر.
ومنها: قرط بن مالك هو بقاف مضمومة وراء وطاء مهملتين.

باب اللقطة

قوله: قال- يعني: الشيخ- وإن كان نصفه حرًا ونصفه عبدًا، فهو كالحر على المنصوص ... إلى آخره.
ثم قال ما نصه: تنبيه: ظاهر قول الشيخ أن كالحر يقتضي أنه لا تنزع منه اللقطة.
وقد حكى ابن كج في أنها هل تنزع منه أو تبقى في يده، ويضم إليه مشرف؟ وجهين: والظاهر الانتزاع، ثم وجهين على القول بالانتزاع في أنه يسلم إلى السيد أو يحفظه الحاكم إلى ظهور مالكه، والأظهر الثاني.
انتهى كلامه.
وما ذكره عن ابن كج من تفريع هذين الخلافين على القول بإلحاقه بالحر، وصحة الالتقاط سهو، وإنما هما مفرعان على بطلان الالتقاط، كذا صرح به الرافعي في شرحه فقال: فإن قلنا لا يصح التقاطه، فهو متعديًا بالأخذ ضامن بقدر الجزية في ذمته، تؤخذ منه إن كان له مال ويقدر الرق في رقبته، وذكر القاضي ابن كج وجهين من أنه تنتزع منه أو تبقى في يده، ويضم إليه مشرف، والظاهر الانتزاع، ثم الوجهان على القول بالانتزاع في أنه يسلم إلى السيد أو يحفظه الحاكم إلى ظهور مالكه، والأظهر الثاني، هذا لفظه، ومنه أخذ المصنف.
قوله: وإن التقط ما لا يمتنع من صغار السباع، كالغنم، فهو بالخيار بين الأكل على آخره.
ثم قال: وإذا اختار الأكل، فأكل، فظاهر كلام الشيخ أنه لا يجب التعريف بعده، كما هو ظاهر النص.
وبه قال بعض الأصحاب، وصححه القاضي حسين، وحكى وجهًا آخر أنه يجب.
انتهى كلامه.
وما ذكره عن القاضي حسين وهم، فإن الذي صححه إنما هو وجوب التعريف، فإنه ذكر المسألة في أول الباب، وذكر أنه مخير بين أن يأكل ويغرم القيمة، أو يبيع ويحفظ الثمن، أو يمسكها وينتزع.

ثم قال ما نصه: وهل يجب عليه أن يعرفها، فعلى قولين: أحدهما: لا لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بتعريف الحيوان ولم يأمر بتعريف القيمة والثمن.
والثاني وهو الأصح: عليه أن يعرفها سنة في بعض البلدان التي تقرب من ذلك الموضع، هذا لفظه بحروفه فأشار بقوله بتعريف القيمة إلى حالة الأكل، وبقوله: والثمن إلى حالة البيع، ولم يذكر غير ذلك ثم ذكر أيضًا نحو ذلك فيما إذا وجدها في البلد، فإنه حكى الخلاف في أنه: هل يأكل أم لا؟ ثم قال: فإن قلنا: جاز له أكلها هل يجب عليه أن يعرفها؟ فعلى ما ذكرناه من الوجهين، هذا لفظه، ومقتضاه الوجوب أيضًا.
قوله: وإن كان ما وجده مما لا يمكن حفظه، كالهريسة، والخيار فهو مخير بين أن يأكل، وبين أن يبيع، فإن أكل عزل قيمته مدة التعريف، كما قاله الشيخ، ثم ظاهر كلامه يقتضي: أنه الذي يعزل القيمة، وإذا عزلها صارت ملكًا لصاحب اللقطة، كا صرح به القاضيان أبو الطيب والحسين وغيرهما.
وفي الرافعي: أنه يرفع الأمر إلى الحاكم ليقبض عن صاحب المال.
انتهى كلامه.
وكلامه يوهم إيهامًا كبيرًا أن القاضيين قد صرحا بأنه الذي يعزل وليس كذلك، فقد راجعت كلاهما معًا فلم أجد فيهما إلا مثل عبارة الشيخ، فينبغي أن يجعل التصريح راجعًا إلى صيرورته ملكًا وما يترتب عليه.
قوله: فإن قلنا: يرفع إلى القاضي ليقبض عن صاحب المال، فلم يجد حاكمًا، فهل للملتقط بسلطان الالتقاط أن ينيب عنه؟ فيه احتمال للإمام.
انتهى كلامه.
وتقييد هذا الاحتمال بحالة عدم الحاكم قلد فيه الرافعي وليس كذلك، فقد صرح الإمام بأن الاحتمال يجري مع وجود الحاكم وغيبته.
قوله: وإذا أقر القيمة، قال الغزالي: فلا تصير ملكًا لصاحب اللقطة، لكنه هو أولى بتملكها ويقدم بها عند إفلاس الملتقط، وفي ذلك نظر، لأنه لو كان كذلك لما سقط حقه بهلاك القيمة المفروزة وقد نص على السقوط، وعلى أنه إذا مضت مدة التعريف كان له أن يملك تلك القيمة، وهذا يقتضي صيرورتها ملكًا لصاحب اللقطة.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الغزالي من جواز تملكه للقيمة بعد التعريف غلط أوقعه فيه كلام الرافعي، كما أوضحته في المهمات.
وعبارته في الوسيط: فالأظهر: أنه لا يرتفع الحجر بل يحفظه أبدًا لمالكه، لأنه بدل

اللقطة لا عينها.
انتهى كلامه.
وذكر القاضي حسين: أنا إذا قلنا لا يحتاج إلى عزل القيمة، فلابد من عزلها بعد الحول وقبل التملك، لأن التمليك يستدعي عينًا، وتمليك الدين غير صحيح.
قوله: فروع: إذا وجد كلبًا يقتني فهل يجوز التقاطه لغير الحفظ؟ الذي مال إليه الإمام، لا، لأن الاختصاص به بالعوض ممتنع، وبغير عوض يخالف وضع اللقطة.
وقال أكثرهم: يعرف سنة ثم يختص به وينتفع، فإن ظهر صاحبه بعد ذلك وقد تلف، لم يضمنه، وهل عليه أجرة المثل لمنفعة تلك المدة؟ فيه وجهان بناءً على إجارته، وجعل ابن الصباغ الانتفاع به مخرجًا على جواز إجارته انتهى كلامه.
وما ذكره عن ابن الصباغ سهو، فإن الذي قاله إنما هو الذي قاله غيره، وهو تخريج الخلاف في ضمان الأجرة على الوجهين في الإجارة، فإنه قال ما نصه: فرع إذا التقط كلب صيد، كان له إمساكه ولم يكن له الانتفاع به، فإذا عرفه حولًا، كان له الانتفاع به ولا يضمن عينه، لأنه لا قيمة له، وأما المنفعة فينبغي أن تكون على الوجهين في جواز إجارة الكلب.
هذا لفظه بحروفه.

باب اللقيط

قوله: ولا ينفق عليه المتلقط من ماله بغير إذن الحاكم إذا أمكن، لأنه لا ولاية له عليه، وإن كان حاضنًا، وهذا ما ادعى الإمام والماوردي نفى الخلاف فيه.
وفي الجيلي أن في الحاوي حكاة وجه أن له ذلك، فإن أنفق ضمن.
وفي كتاب ابن كج وجه غريب: أنه لا ضمان انتهى كلامه.
وهو يقتضي أنه لم يظفر بخلاف في جواز الإنفاق، وهو غريب.
فقد صرح به الرافعي في أوائل كتاب الدعوى في الكلام على مسألة الظفر.
وحكى فيه قولين عن القفال، وعن السلسلة للشيخ أبي محمد، وهذا الوجه الذي حكاه المصنف في عدم الضمان، مرادف لقول الجواز بلا شك، كما أوضحته في ((المهمات)).

باب الوقف

قوله: ((وأما الكلب فجزم المعظم بمنع وقفه، وإن جازت إجارته، وقد أجاز بعضهم وقفه، واختلفوا في أصله، فالشيخ أبو حامد كما حكاه في الإبانة عنه، والماوردي والقاضي الحسين بنوه على جواز إجارته.
ومنهم من بناه على جواز هبته.
ومنهم من بناه على أن الوقف لا يقتضي نقل الملك، وقد حكى في البحر طريقة قاطعة بهذا الوجه، ونسبها الفوراني إلى القفال واختارها في المرشد.
ومن خرج هذا الوجه على ما ذكرناه، يلزمه تجويز وقف الموصى له بالمنفعة، ولم يجوزه)).
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الإلزام الذي ذكره آخر كلامه عجيب، فإنه خارج باشتراطهم أن تكون عينًا.
الثاني: أن ما حكاه هنا عن الفوراني غلط فإن الذي نسبه الفوراني في كتاب الإبانة إلى القفال: إنما هو الجزم بالمنع، فقال: وقال القفال: لا يجوز، لأنه لا يقبل نقل الملك، هذا لفظه في الإبانة من غير زيادة عليه.
قوله- نقلًا عن الشيخ: ((فإن وقف على قاطع الطريق أو حربي أو مرتد، لم يجز، وإن وقف على ذمي جاز.
ثم قال: فإن قيل: يظهر أن المراد بالذمي غير معين، كما أن مراده بقاطع الطريق والمرتد والحربي ليس شخصًا معينًا، بل من يقطع أو يرتد أو يحارب، إذ لو كان معينًا، لكان كما لو وقف على زيد مثلًأ، وكان قاطع طريق، فإنه يصح جزمًا، وكذا لو وقف عليه وهو حربي أو مرتد في وجه.
قلت: ليس الأمر كذلك، بل المراد الواحد المعين، فإن هذه الصيغة ليس فيها عموم، وما ذكر من أن المراد بقاطع الطريق واحد غير معين فصحيح، لأنه مضاف إلى الطريق، ومثل ذلك يقتضي العموم، وما ذكر من أن المراد بالحربي والمرتد غير معين ممنوع، لما ذكرناه)).
انتهى كلامه.
وهو تخليط فاحش، فإنه الصيغة إذا لم يكن فيها عموم، لا يلزم أن يكون مدلولها واحدًا معينًا، فقد يكون واحدًا غير معين، كما لو قال: لله علي أن أعتق عبدًا، فإنه يكفيه أي عبد كان، ولا يستقيم أن يريد العموم البدلي، لأنه لا يراد به أيضًا فرد معين، وقد جعله مغايرًا له، وكذلك دعواه أن المراد بمن يقطع الطريق واحد غير معين، ثم استدل عليه بأن المضاف يقتضي العموم في غاية العجب، لاسيما والقائلون بأن الإضافة مقتضاها العموم، إنما هو عموم الشمول، وحينئذ فلا يصح أن يريد الشمولي ولا البدلي، وسبب هذا جميعه هو كلامه فيما لا علم له به، ولو سكت عن مثل ذلك، لكان خيرًا له، ويكفيه ما يبديه في الفن الفقهي من العجائب والغرائب.
قوله: ((وطريق تصحيح الوقف على نفسه كما قال ابن يونس، وصاحب رفع التمويه: أن يقف على أولاد أبيه الذين من صفتهم كيت وكيت، ويذكر صفات نفسه)) انتهى.
واعلم أن ما ادعاه من أن صاحب رفع التمويه صححه بهذا الطريق غلط، فإنه إنما نقل ذلك عن غيره نقل مضعف له بعد أن ذكر- أيضًا- ما يقتضي عدم الصحة، فإنه قال: فرع: ولا يجوز أن يقف على نفسه، بل طريق ذلك أن يهبها لغيره ويقبضها إياه ممن يثق به أو يبيعها عليه بثمن ما، ثم يسأله إبقاءها عليه وعلى من شاء بعده.
وقيل: إن أراد أن يقف على نفسه، فله إليه طريق، وهو أن يقف على أولاد ابنه ويصف نفسه فيقول: وقفت هذا على أولاد فلان على كل من كان صفته كذا وكذا، ويذكر صفة نفسه، فإنه يدخل في ذلك الوقف.
هذا كلام رفع التمويه بحروفه.
والظاهر أنه أشار إلى ابن يونس، فإنه كثيرًا ما يتبعه فيما يقوله، ورأيت بخط بعض الفضلاء أن أبا علي الفارقي تلميذ الشيخ أبي إسحاق، ذكر هذه الطريقة، وكان ابن يونس اعتمد عليه فيها، وبالجملة فهي مردودة معنى، وهو ظاهر، ونقلًا فقد قال الغزالي في فتاويه: إذا وقف على أولاده، فإن انقرضوا، فعل عصبتهم، فمات بعضهم، وكان للواقف عصبة، لا يدخل بحكم العصوبة، لأنه يصير متعينًا لاستحقاق وقف نفسه، وبهذا خالف إذا وقف على المسلمين، لأنه على العموم فيدخل فيهم هذا كلام الغزالي.
وهو يقتضي إبطال ما تقدم بطريق الأولى فتبين أن لا مستند للتصحيح بهذه الصورة.
قوله: والمتفقهة: هم المشتغلون بتحصيل الفقه: مبتدئهم ومنتهيهم.

والفقهاء هم الذين حصلوا من الفقه شيئًا وإن قل، كذا قاله الرافعي.
والذي حكاه القاضي الحسين: أنهم الذين يعرفون من كل علم شيئًا.
انتهى ملخصًا.
وهذا النقل عن الرافعي من استحقاقه بما قل حتى يستحق بالمسألة الواحدة، هو كذلك فيه، وتابعه عليه أيضًا في الروضة، ولكن لا أعلم من ذكره قبله، فإن غالب الكتب المطولة، كالحاوي والبحر وتعليقه القاضي أبي الطيب وغيرها، ليس فيها تعرض للمسألة.
والذين تعرضوا لها، جزموا بأن هذا القدر لا يكفي، فذكر القاضي الحسين في هذا الباب من إحدى تعليقتيه، ما ذكره المصنف، وقال في التعليقة الأخرى: يعطى من حصل من الفقه شيئًا يهتدى به إلى الباقي.
قال: ويعرف بالعادة.
وقال في التهذيب في باب الوصية: يصرف لمن حصل من كل نوع، وكأن هذا هو مراد القاضي بقوله: من كل علم.
وقال الغزالي في ((الأحياء)): يدخل الفاضل في الفقه، ولا يدخل المبتدئ من شهر ونحوه، والمتوسط بينهما درجات يجتهد المفتي فيها، والورع لهذا المتوسط ترك الأخذ.
انتهى.
ونقله عنه النووي في كتاب ((البيع من شرح المهذب)) وأقره.
وقال في ((التتمة)) في الوصية أيضًا: إنه يرجع فيه إلى العادة، وعبر في كتاب ((الوقف)) بقوله: أي من حصل طرفًا، وإن لم يكن متبحرًا، فقد روي: أن من حفظ أربعين حديثًا عد فقيهًا.
انتهى.
ولا شك أن هذا اللفظ- أعني: عدم التبحر- هو الموقع للرافعي في الغلط، ثم إن ما ذكره الرافعي هنا، قد خالفه في كتاب الوصية فتأمله، وقد أوضحته في ((المهمات)).
قوله: ووقعت في الفتاوى مسألة في زمن الأستاذ أبي إسحاق: وهي أن من قال: وقفت داري هذه على المساكين بعد موتي، فأفتى الأستاذ: بأن الوقف يقع بعد الموت وقوع العتق في المدبر.
ثم قال: وقد حكى الرافعي عن فتاوى القفال في المسألة التي أفتى فيها الأستاذ: أنه لو أوصى بالدار بعد ذلك، كان رجوعًا.
انتهى كلامه.
وما حكاه من التمثيل بالإيصاء لم يذكره الرافعي، ولا يصح التمثيل به أيضًا، لأن مجرد الإيصاء لا يقتضي الرجوع، وإنما يقتضي على المشهور، وإنما حكى الرافعي عن القفال تمسك ذلك بالعرض على البيع، واعلم أن كلام النووي في الروضة هنا غير مستقيم، فتفطن لذلك، وقد أوضحته في المهمات، فراجعه إن شئت.

قوله: ولو وقف داره مسجدًا وشرط أن يصلي فيه طائفة بعينها دون غيره، فإذا انقرضوا، فعلى عامة المسلمين، فوجهان: أحدهما: أن شرطه غير متبع، لأن جعل البقعة مسجدًا، كالتحرير، فكيف يختص بجماعة.
والثاني وبه جزم القاضي حسين.
وقال الرافعي: يشبه أن تكون الفتوى به أولى أن يتبع، رعاية لشرط الواقف، فعلى الأول قال في التتمة: يفسد الوقف، لفساد الشرط، وقياس ما ذكرناه عن الإمام: أنه لا يفسد.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر المسألة من أن قياس ما قاله الإمام عدم الإفساد- غريب، فإن الإمام قد صرح به فقال: ومهما فسد الشرط في جعل، فالمذهب الثبوت أن الشرط يلغى وينفذ المسجد، فإن هذه الجهة مشابهة للأعيان، والشرط الفاسد إذا لم يقع على جهة التعليق، لا ينافي نفوذ العتق.
هذا لفظه.
ذكر ذلك في أواخر الباب قبيل فرع أوله: إذا علق الرجل عتق عبده.
واعلم أن الإمام قد ذكر طريقة لم يحكها المصنف ولا الرافعي، فإنه جزم بفساد الشرط في تخصيص المسجد لجماعة، وحكى الوجهين فيما إذا شرط ألا يقام فيه إلا شعار طائفة معينة، كالحنفية، أو الشافعية، قال: والمذهب- وهو القياس أيضًا- بطلان الشرط، والقائل بالصحة، قاله على سبيل المصلحة، إذ التنافس بين أرباب المذاهب غير خافٍ، والشرط مردود فصححناه.
انتهى ملخصًا.
وإلى هذا الكلام الأخير أشار الرافعي بقوله: ويشبه أن تكون الفتوى به أولى، وإن كانت طريقته في فرض الخلاف مخالفة لطريق غيره، كما قدمناه.
قوله: وإن وطئت الموقوفة بشبهة أو مكرهة، أخذ الموقوف عليه المهر، لأنه بدل منفعتها، وهكذا الحكم إذا زوجت، وحكى في الحلية في صورة الشبهة ثلاثة أوجه: أحدها هذا، ولم يبين ما عداه.
قال مجلي في الذخائر: ويحتمل أن يكون الثاني أنه يشترى به عبد، ويكون وقفًا.
والثالث: يكون للواقف، كما جعلنا التزويج إليه على قول.
قلت: ويظهر فيها شيء آخر، إن صح النقل وهو: أن منفعة البضع لا تدخل على وجه، لكونها غير معتادة، كما قلنا في الموصي بمنفعته، وحينئذ فيكون كوقف دابة لاستيفاء بعض منافعها، كالركوب مثلًا وسكت عن الثاني، وصححناه، فإن الباقي

يبقى للواقف على وجه، ورجحه الرافعي، ويستحقه أقرب الناس إلى الواقف على وجه آخر.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره هو وصاحب الذخائر عجيب، فإن كلام الشاشي في الحلية مشتمل على بيان الثلاثة، فإنه حكى في الولد ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يملكه الموقوف عليه.
والثاني: يكون وقفًا كأمه.
والثالث: يأخذه أقرب الناس إلى الواقف.
ثم قال عقبه من غير فاصل ما نصه: وحكى أيضًا من مهر الموقوفة إذا وطئت بشبهة، لمن يكون له المهر ثلاثة أوجه، هذه عبارته من غير زيادة عليه، وذلك إشارة إلى الأوجه السابقة المتصلة بالكلام، وذكر في المعتمد مثله أيضًا.
تنبيه: ذكر في الباب ألفاظًا منها: ابن جميل بجيم مفتوحة، وميم مكسورة بعدها.
ومنها: الأعتد بعين مهملة، وتاء مضمومة مثناة من فوق، بعدها دال مهملة، يقال: فرس عتد- بفتح التاء وكسرها- أي: معد للجري، لقوته وتمام خلقته، والعتاد: بفتح العين هو العدة، قاله الجوهري: فيجوز أن يكون الأعتد جمعًا.
ومنها: العمارة والفصيلة، ذكرهما في الكلام على الأنساب والقبائل، فالعمارة بكسر العين المهملة، كالتي تقبض الحراب.
والفصيلة بفاء مفتوحة، وصاد مهملة مكسورة، بعدها ياء مثناة من تحت.

باب الهبة

قوله: فرع تعم به البلوى، إذا أقر الأب بأن هذه العين ملك لابني، وهي في يدي أمانة، ثم ادعى بعد ذلك بأن المقر به كان نحلة، وقد رجعت فيه، وكذبه الولد.
جزم القاضي الحسين في التعليق هنا بأن القول قول الولد.
وقال في فتاويه: الظاهر أن القول قوله أيضًا.
وفي الإشراف أن القاضي أبا سعد أفتى في هذه المسألة بهراة بإثبات الرجوع، لأن الإقرار المطلق ينزل من السببين أو الملكين على أضعفهما، كما ينزل من المقدارين على أقلهما استبقاء للأصل القديم، والسبب الضعيف هنا، كون ذلك عن هبة، وأن الشيخ أبا الحسن العبادي، والقاضي أبا الطيب، والماوردي أفتوا بمنع الرجوع، لأن الأصل بقاء الملك له.
انتهى كلامه.
وما نقله- رحمه الله- عن الثلاثة المذكورين في آخر كلامه، أنهم أفتوا بمنع الرجوع، وأن صاحب الإشراف نقل ذلك عنهم غلط، فإن الذي أفتى بذلك منهم ونقله عنه في الإشراف، إنما هو أبو الحسن العبادي خاصة، وأما أبو الطيب والماوردي، فليس لهما ذكر في كتاب الإشراف بالكلية، فمن أحب مراجعته، ثم إن الذي أفتى به المذكوران إنما هو الرجوع، وقد نقله عنهما الرافعي في آخر الباب الثاني من كتاب الإقرار، فتلخص أن المذكور في هذا الكتاب غلط من وجهين، واعلم أن صاحب الإشراف: هو أبو سعد الهروي المفتي في هذه المسألة بإثبات الرجوع، ولذلك جمع النووي في فتاويه بين تعريفه بهما، فقال: وأبو سعد الهروي صاحب كتاب الإشراف، وقول ابن الرفعة، وفي الإشراف أن القاضي أبا سعد ... إلى آخره كالصريح في أنه غيره، وهو معذور فيما ذكره، فإنه كان- يرحمه الله- قليل الاطلاع على تراجم الأصحاب، والهروي صرح في تصنيفه باسمه تصريحًا يوهم الواقف عليه أنه غيره، فاغتر به.
قوله في المسألة: وقد رأيت للنووي التسوية بين الأب والأم والجد في ذلك، والتصحيح في الكل لقبول التفسير.

وعندي في ذلك نظر، فإن الأب يقدر على النقل من غير واسطة، ولا كذلك الأم والجدة إذا لم تثبت لها الولاية، فإن كان ما قاله نقلًا، وجب إتباعه وإن كان تخريجًا، ففيه ما ذكرناه.
انتهى كلامه.
وما نقله عن النووي صحيح ذكره في فتاويه، والبحث الذي أيده فيه المصنف غلط، فإن المسألة ليست خاصة بما إذا أقر لابنه الصغير، بل لو أقر للكبير، كان الحكم كذلك، كما يدل عليه كلام الرافعي وغيره ممن تكلم على المسألة، سلمنا أنه خاص بالصغير، لكن عدم القدرة على النقل لا تدفع علة الرجوع وهي التنزيل على الهبة.

باب الوصية

قوله: في قول الشيخ: وإن جعل إليه أن يوصي، أي: عن نفسه، أو عن الموصي، ولم يعين من يوصي إليه، ففيه قولان.
ثم قال بعد تعليل القولين ما نصه: أما إذا جعل له أن يوصي عن الموصي، صح، كذا حكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وصاحب البحر في الصورتين في كتاب الوكالة، وإن أطلقوا الكلام هنا، وكلام الرافعي مصرح بأن الخلاف في الصورة الثانية.
انتهى كلامه.
وهذا القسم مع تعبيره في أول المسألة بقوله: أو عن الموصي، غير مستقيم، لأنه تكرار ومخالفة، والصواب: أن يعبر أولًا بقوله: لا عن الموصي، ولعله كان هكذا، ولكن تحرف.
قوله: مسألة إذا وقف دارًا في مرض موته على ابنه الحائز لميراثه، وقلنا بالصحيح، إنها صحيحة، ولكن يوقف على الإجازة، فالمشهور أنه ليس للوارث إبطال الوقف في شيء منها إذا احتملها الثالث، لأن تصرف المريض في الثلث نافذ، فإذا تمكن من قطع حق الوارث جميع الثلث، فلأن يتمكن من وقفه عليه، وتعلق حق الفقراء بطريق الأول.
وعن القفال: أن للوارث إن ترك، ثم قال: ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يقبل الابن الوقف في حياة والده أو يقبل له لصغر، أو لا، لأن الرد والإجازة إنما يعتبران في الوصية بعد الموت.
وفي النهاية: تصوير المسألة بما إذا كان الولد صغيرًا أو قبله له الوالد.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله في آخر كلامه عن النهاية هو الصواب، وما ذكره قبله من كونه لا فرق ذهول عجيب وقع للرافعي فتابعه عليه النووي، ثم المصنف، وزاد.
فعبر عنه بتعبير غير مستقيم.
وتقرير ما ذكرناه: أن الصحيح على ما قاله الإمام في كتاب الوقف اشتراط القبول في الوقف على المعين وتبعه عليه هناك أيضًا الرافعي ثم النووي، فلا

فصول الكتاب · 16 فصل · 599 صفحة
جارٍ التحميل