كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الإِسْنَوي
- الكتاب
- الهداية إلى أوهام الكفاية
- المؤلف
- عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 772هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمي، مطبوع بخاتمة (كفاية النبيه) لابن الرفعةسنة النشر: 2009
- عدد الأجزاء
- 1 (هو الجزء الـ 20 من مطبوعة كفاية النبيه) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
باب ما يتم به البيع
قوله: ويعتبر في البيع ثلاثة أشياء: أحدها: العاقد وهو البائع والمشتري، والثاني: المعقود عليه وهو الثمن والمثمن، والثالث: الصيغة وهي الإيجاب والقبول.
قال في ((الوسيط)): وهذه الثلاثة الأركان لابد منها لوجود صورة العقد.
واعترض الرافعي على الغزالي فقال: إن كان المراد أنه لابد من وجودها في دخول صورة البيع في الوجود فالزمان والمكان وكثير من الأمور بهذه المثابة، فوجب أن تعد أركانًا، وإن كان المراد أنه لابد من حضورها في الذهن ليتصور البيع فلا نسلم أن العاقد والمعقود عليه بهذه المثابة، لأن البيع فعل من الأفعال، والفاعل لا يدخل في حقيقة الفعل، ألا ترى أنا إذا عددنا أركان الصلاة والحج لا نعد المصلي والحاج أركانًا؟! بل الأشبه أن الصيغة- أيضًا- ليست جزءًا من حقيقة فعل البيع.
انتهى كلام الرافعي، وأجاب المصنف فقال ما نصه: وجوابه: أن المراد الأول، وإنما لم نعد الزمان والمكان من الأركان، لأنه لا يعقل فعل من الأفعال بدونهما، عقدًا كان أو غير عقد، والعلم بذلك حاصل بالبديهة، فلذلك لم يذكرهما، بخلاف ما ذكره، فإنه لما اختلف فيه احتاج إلى ذكره.
انتهى كلامه.
وهذا الكلام غلط وذهول عجيب، فإن المختلف فيه إنما هو الصيغة، وأما العاقد والمعقود عليه والثمن والمثمن فلابد منها بالاتفاق.
واعلم أن المنقول: أن البائع والمشتري ليسا من الأركان، كذا جزم به القاضي الحسين في كتاب الوكالة من ((تعليقته))، قال: بخلاف الزوجين في النكاح.
وفرق بأنهما مقصودان فيه، بخلاف البيع.
قوله: وروى الخراسانيون عن ابن سريج تخريج قولٍ: أنه يكتفي في المحقرات بالمعاطاة، وروي عنه في ((التتمة)) أنه يكتفي بها فيما جرت العادة فيه بالمعاطاة ويعدونه بيعًا، ومقتضى هذا: أن خلاف ابن سريج ليس قاصرًا على المحقرات.
ثم قال ما نصه: ومثلوا المحقرات بالباقة من البقل، ومنهم من يمثلها بما دون
نصاب السرقة.
قال الرافعي: والأشبه الرجوع فيه إلى العادة، فما يعتاد فيه الاقتصار على المعاطاة بيعًا ففيه التخريج، ولهذا قال صاحب ((التتمة)) معبرًا عن التخريج: ما جرت العادة فيه بالمعاطاة فهو بيع، وما لا كالدواب والعقار والجواري فلا.
هذا آخر كلامه، وقد قدمت من كلام صاحب ((التتمة)) أن بينهما فرقًا، فلا يحسن الاستشهاد.
انتهى كلام ابن الرفعة.
وما ذكره- رحمه الله- في آخر كلامه اعتراضًا على الرافعي من أن الاستشهاد لا يحسن سهو، فإن الاستشهاد بما نقله عن صاحب ((التتمة)) لما ذكره بحثًا، واضح مطابق، بل الصواب على هذا التقدير أن نقول: فلا يحسن البحث الذي ذكره وعبر عنه بالأشبه، ووجهه: أن الذي يعد بيعًا بالمعاطاة أعم من المحقرات كما تقدم، فلا يصح تفسير المحقرات به، وجواب هذا أن نقول: إن الرافعي إنما أراد بقوله: والأشبه الرجوع فيه، أي: في التخريج، وهو الظاهر، وعلى هذا فلا إيراد.
قوله: إذا باع الأب أو الجد مال ابنه الصغير هل يفتقر إلى النطق بلفظ العقد، أو تكفي نية ذلك؟ فيه وجهان: فإن اعتبرنا الإتيان باللفظ فهل يفتقر إلى القبول؟ فيه وجهان.
انتهى.
ومقتضاه: أن الإيجاب لابد منه جزمًا، وأن الخلاف إنما هو في القبول، وليس كذلك، بل الوجهان في أنه لابد من اللفظين أو يكفي أحدهما، سواء كان إيجابًا أو قبولًا، كذا حكاه الرافعي وغيره، وذكره المصنف على الصواب في ((المطلب))، وقال: إنا إذا اكتفينا بأحد اللفظين فلابد أن يكون يصح الابتداء به.
قوله: وهذا التعليل من الماوردي مبني على اعتقاده أن البيع لا ينعقد بقوله: أبحتك هذا العبد بألف، أو: سلطتك عليه، أو: أوجبته لك، أو: جعلته لك، وما أشبه ذلك، وهذا إن أراده مع وجود النية، وجعل القائل كالشاهد فهو خلاف الظاهر من المذهب على ما حكاه الرافعي وغيره، والأصح على ما حكاه الغزالي.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما نقله عن الرافعي وغيره من تصحيح البيع بلفظ الإباحة مع النية غلط، ففي الرافعي الجزم بأنه لا يصح، وقال النووي في ((شرح المهذب)): إنه لا خلاف فيه.
الثاني: أن الرافعي لم يذكر ((أوجبت)) بالكلية.
الثالث: أنه لم يصحح شيئًا في ((سلطتك عليه))، والذي صحح الانعقاد إنما هو النووي في ((زوائده)).
قوله: وحكى- يعني الرافعي- في باب الاستثناء من كتاب الطلاق: أن الكلام
اليسير لا يقطع الاتصال بين الإيجاب والقبول على الأصح، فيتجه جريان مثل ذلك هنا.
انتهى كلامه.
واعلم أن الذي حاول تخريجه هو عين ما نقله الرافعي أو داخلٌ فيما نقله، فإنه عبر بالإيجاب والقبول كما تقدم، وهو يتناول الأبواب كلها إن لم نحمله على المتبادر إلى الفهم وهو المعاملات.
قوله: فروع: لو قال البائع.
بعتك بألف أفقبلت؟ فقال: نعم، أو قال: بعتك بألف، فقال: نعم- انعقد البيع، حكاه الرافعي في كتاب النكاح، وفي ((النهاية)) في كتاب ((الإقرار)) أن قول المشتري: نعم، لا يكون قبولًا.
انتهى كلامه.
وحاصله: أن الإمام قائل بأن ((نعم)) لا تكون جوابًا للمسألتين، وليس كذلك، بل إنما أجاب به في المسألة الثانية فقط، فإنه ذكرها قبيل فصل أوله: قال: والإقرار في الصحة والمرض- فقال ما نصه: مما أجراه الأئمة: أن الرجل إذا قال لمن يبايعه: بعت منك هذا بألف، فقال: نعم- لم يكن ذلك قبولًا، فإن قول القائل: نعم يترتب على استخبار وهو يقع خبرًا، والخبر يتردد بين الصدق والكذب، وقبول العقد إنشاء لا يتصف بصدق ولا كذب.
هذا كلامه، ولا يلزم من المنع في هذه أن يمنع عند الاستفهام، لأن ((نعم)) إذا لم يتقدمها استفهام لا يكون مدلولها إلا تصديق ما صدر من المتكلم وهو الإيجاب في مثالنا، فكأنه قال: صدقت في أنك رضيت بذلك وأوجبه، وإنما تكون مفيدة إجابة المتكلم إذا كان مستفهمًا، والصورة التي لم يذكرها الإمام قد وجد فيها الاستفهام، ووقعت ((نعم)) فيها مترتبة على التماس إنشاء.
قوله: ولو قال: بعتك بألف إن شئت، فقال: شئت- لم ينعقد، وفي ((التتمة)) عند الكلام في نية الوضوء والتبرد: أنه يصح.
ولو قال: اشتريت، فوجهان.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن ((التتمة)) قد نقله- أيضًا- المصنف عنه في ((شرح الوسيط))، وهو غلط عجيب، فإن صاحب ((التتمة)) إنما حكم بصحة الإيجاب فقط، ولم يتعرض لقول المشتري: شئت، فقال: وكما لو قال رجل لآخر: بعتك هذا الثوب بعشرة إن شئت، كان الإيجاب صحيحًا، لأنه لو لم يقل: إن شئت كان الخيار ثابتًا، فإذا صرح به لم يضره.
هذا لفظه، ثم صرح هنا بالمسألة التي ذكرها المصنف، وجزم فيها بالبطلان فقال: الخامسة عشرة: لو قال: بعتك هذا الثوب بعشرة إن شئت، فإن قال المشتري: شئت، لم ينعقد البيع، لأن لفظ ((المشيئة)) ليس من ألفاظ التمليك، وإن قال: قبلت، فوجهان.
هذا كلامه، وقد ذكر الشيخ محيي الدين أنه لا خلاف في عدم الصحة فيها، كذا ذكره في ((شرح المهذب))، لكن نص الشافعي على الصحة، كذا نقله عنه
الكرابيسي في ((أدب القضاء)) فقال ما نصه: وقال- يعني الشافعي-: إذا قال لعبده أنت حر بألف، أو: أنت طالق بألف إن شئت، فشاء العبد والمرأة- عتق العبد وطلقت المرأة وعليهما الألف، وكذلك إذا قال: قد بعتك هذا العبد بألف إن شئت، فقال: قد شئت- جاز البيع.
هذا لفظه بحروفه، ومنه نقلت، والنسخة التي نقلت منها أصل عتيق كتب ابن الصلاح عليها بالثناء عليه وباستغرابه وكثرة فوائده، ورأيت في ((الأم)) في كتاب الإقرار نحوه- أيضًا- فإنه قال: ما نصه: لو قال: هذا لك بألف درهم إن شئت، فشاء- كان هذا بيعًا لازمًا، ولكل واحد منهما الخيار، لأن قول إنشاء لا إقرار.
هذا لفظه.
قوله- في المسألة-: ولو قال: اشتريت، فوجهان، أظهرها- وهو اختيار القاضي الحسين، وبه أجاب القاضي أبو الطيب وابن الصباغ في كتاب ((الإقرار)) -: أنه ينعقد.
ولو قال الطالب: اشتريت هذا منك إن شئت، فقال: بعته منك إن شئت- قال الإمام في كتاب ((الإقرار)): الذي يجب القطع به: أنه لا ينعقد، فإن الموجب علق الإيجاب بالمشيئة بعد سبق التعليق، والتعليق يقتضي وجود شيء بعده، فلو قال الطالب مرة أخرى: اشتريت، أو: قبلت- قال: فالذي يقتضيه القياس عندي أن البيع لا يصح على قياس القاضي- أيضًا- فإنه يبعد حمل المشيئة على استدعاء القائلٍ، وقد سبق فتعين حمله على المشيئة نفسها، وإذا حمل على ذلك كان تعليقًا محضًا، والتعليق يبطل البيع.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام في كتاب الإقرار من تصوير المسالة بما إذا علق المشتري- أيضًا- كلامه، وأن تعليقه مقتضٍ للبطلان- قد نقله عنه المصنف في موضع آخر أيضًا، وهو غلط، بل أجاب الإمام بالبطلان مع كون المشتري لم يعلق كلامه، فقال ما نصه: ولو قال الطالب: اشتريت منك هذا العبد بألف، فقال: بعته منك إن شئت- فيجب القطع بأن البيع لا ينعقد، فإن الموجب علق الإيجاب بالمشيئة بعد سبق القبول، والتعليق يقتضي وجود شيء بعده.
هذا لفظه، ثم ذكر ما نقله عنه المصنف إلى آخره.
قوله: فنقول: إذا اشترى قريبه الذي يعتق عليه ثبت فيه الخيار للبائع، وفي ثبوته للمشتري خلاف مبني على أقوال الملك، فإن قلنا إن الملك للبائع أو موقوف، ثبت له- أيضًا- وإن قلنا: إنه للمشتري، لم يثبت على الصحيح، وفي ((الحاوي)) حكاية وجه أنه يثبت أيضًا.
انتهى كلامه.
وما نقله- رحمه الله- عن الحاوي من كونه قد حكى وجهًا ليس كذلك، بل جزم به.
نعم، حكاه الماوردي في خيار الشرط، ولا يلزم من التردد هناك حصوله هنا،
وقد قال الإمام في كتاب الإقرار: إن من يثبت الخيار لمن يشتري أباه يتردد في خيار الشرط، ويقول: إنا يثبت خيار المجلس من جهة أنه خيار شرعي، فأما الخيار الذي يتعلق ثبوته بالشرط والاختيار فلا وجه لثبوته.
هذا كلامه.
قوله: وفي جواز الخيار ثلاثة أيام ما رواه مسلم وأبو داود عن محمد بن يحيي بن حبان قال: كان جدي قد بلغ مائة وثلاثين سنة وما زال يخدع، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من بايعته فقل: لا خلابة، وأنت بالخيار ثلاثًا)).
انتهى كلامه.
واعلم أن هذه الزيادة التي ساق الحديث لأجلها، وهي قوله: ((وأنت بالخيار ثلاثًا)) - قد وهم في نسبتها إلى مسلم، والذي رواه مسلم عن ابن دينار: أنه سمع ابن عمر يقول: ذكر رجل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يخدع في البيوع، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من بايعت فقل: لا خلابة)) فكان إذا بايع يقول: لا خيانة.
وأورده- أيضًا- البخاري في ((صحيحه)) في باب ما ينهى عن إضاعة المال، وفي باب من باع على الضعيف، ولم يذكر فيه هذه الزيادة.
نعم، ذكرها في ((تاريخه))، ورواها- أيضًا- على الشافعي وغيره، وما وقع فيه المصنف هاهنا قد تفطن له في ((المطلب)) فذكره على الصواب أيضًا.
قوله: وينتقل المبيع إلى المشتري بنفس العقد في أحد الأقوال، وبانقضاء الخيار في الثاني، وموقوف في الثالث.
ثم قال: ومن فوائد الخلاف: نفقة المبيع على من تجب؟ وقد ذكره الجيلي، وقال: إذا قلنا بالوقف كانت عليهما ... إلى آخر ما ذكر.
وهذه المسألة التي لم ينقلها إلا عن الجيلي مشهورة للأصحاب المعتبرين على غير هذا الحكم الخارج عن القياس: فقد ذكرها الروياني في ((البحر)) في باب بيع المال الذي فيه الزكاة، وهو قبل زكاة المعدن، وصرح بأنا إذا قلنا بالوقف كانت- أيضًا- موقوفة تجب على من تبين الملك له، وذكرها أيضًا.
وذكر الرافعي: أن نفقة الولد إلى أن يعرض على القائف على الرجلين، فإذا ألحقه بأحدهما رجع الآخر عليه.
وقيده في العدة بما إذا أنفق بإذن الحاكم، وإلا لم يرجع.
والقاضي الحسين في كتابه المسمى بـ ((أسرار الفقه)) فقال: إن قلنا: إن الملك للبائع، فالنفقة عليه، وإن قلنا: للمشتري، فعليه، ذكر ذلك قبيل كتاب النفقات، ويعلم منه- أيضًا- من عليه النفقة على القول الثالث، لأن كون الملك فيه للبائع أو المشتري تظهر عند انقضاء الخيار، إلا أن المطالب منهما في مدة الوقف لا يعلم مما ذكره.
ثم إن الفطرة تتبع النفقة، وفطرة هذا العبد تنبني على أقوال الملك كما ذكره الرافعي في آخر باب زكاة الفطر، فلزم ما ذكرناه، والحاصل: أن المسألة مذكورة في غير موضعها، فلم يتفطن لها
المصنف، فقلد هذا الناقل الضعيف في حكم ضعيف.
قوله: والعلم بالأجل تارة يحصل بأن يقال: إلى يوم أو ساعة، فيصح وإن أطلق، لأنه يحمل على اليوم الذي هو فيه، كما لو حلف لا يكلم شهرًا ثم ينظر: إن كان العقد نصف النهار ثبت له الخيار إلى أن ينتصف النهار من الغد، والليل يدخل في حكم النهار للضرورة، وإن كان العقد بالليل فلابد أن يشترط الخيار في بقية الليل، كذا قاله في التتمة، وفيه نظر من حيث إنه جعل اليوم محمولًا على اليوم الذي هو فيه، وفي نظيره من الإجارة لا يصح، ولم يظهر لي فرق بينهما.
انتهى كلامه.
وما اعترض به على المتولي من أن نظيره في الإجارة لا يصح، واستشكل الفرق بينهما- فغريب جدًا، فإن الصحيح في ((الرافعي)) و ((الروضة)) فيما إذا قال: أجرتك شهرًا، وأطلق- أنه يصح، ويحمل على الشهر الذي هو يه، ويكمل من الشهر الذي بعده إذا كان في أثنائه، ولا فرق في التنكير بين اليوم والشهر والسنة، وقد صرح الرافعي في الإجارة باليوم بخصوصه، ولم يحك فيه إلا الصحة، فقال في الكلام على استئجار الثياب: وإن قال: يومًا، وأطلق- قال الصيمري: كان من وقته إلى مثله من الغد.
هذا كلامه، والغريب أن المتولي في ((التتمة)) قد صرح هنا بالصحة في الإجارة- أيضًا- فقال في الباب التاسع من أبواب البيع: التاسعة: إذا قال: بعتك بشرط خيار يوم، اقتضى إطلاقه اليوم الذي وقع فيه العقد، كما لو قال: أجرتك شهرًا، انصرف إلى الشهر المتصل بالعقد، وإذا قال: والله لا أكلمك شهرًا، انصرف إلى الشهر الذي بعد اليمين.
هذا لفظ المتولي، ثم ذكر بعده ما نقله عنه المصنف إلى آخره، فحذف استدلاله بالإجارة، ثم نسي، فظن أنه يقول بالبطلان، فاعترض عليه، لاسيما أن المصنف قد صحح في الإجارة عدم الصحة على عكس ما صححه الرافعي، فقال: إنه الصحيح الذي قطع به العراقيون.
واعلم أن ما نقله عن ((التتمة)) من أنه إذا كان العقد بالليل فلابد أن يشترط الخيار في بقية الليل، هو كذلك في ((التتمة)).
فاعلمه، فإن النووي قد نقل المسألة عنه في ((شرح المهذب)) على غير الصواب، فقد يقف عليه واقف فيظن صحة ذاك وبطلان ما ذكره المصنف.
قوله: ويجوز الاستبدال عن الثمن على الجديد.
ثم قال: ومحله إذا لم يكن الثمن مؤجلًا، أو كان ولكن لا اشتراك في علة الربا بينه وبين الثاني، أو كان مشتركًا لكنهما جنسان كالذهب والفضة، أما لو اتحد الجنس كالطعام عن الطعام لم يجز، وهذا ما حكاه القاضي في باب بيع الطعام.
هذا
كلامه، ثم نقل عن الشيخ أبي حامد جواز ما منعه القاضي، وعن الماوردي منع الاستبدال عن المؤجل مطلقًا، لأنه لا يملك المطالبة به.
إذا علمت ذلك فحاصل ما حكاه عن القاضي: أنه يمتنع استبدال الطعام عن الطعام المؤجل إذا كانا من جنس واحد، فإن كانا من جنسين كالقمح عن الشعير لم يمتنع، وهو خلاف ما ذكره القاضي، فإن الذي ذكره أن المؤجل إن لم يكن طعامًا جاز، وإن كان طعامًا فباعه بطعام لم يجز، وإن باعه بغيره جاز إذا تقابضا، وحاصله: منع بيعه بطعام آخر، ولم يشترط فيه أن يكون من الجنس، ومأخذه أنه بيع للربوي الحال بالمؤجل، وقبض المؤجل إذا بيع والحالة هذه إنما هو قبض حكمي، وذلك لا يكفي في الربويات كما أوضحوه في بابه، بل يتعين حمل كلام القاضي على أنه من غير الجنس، لأنه إذا كان بجنسه ونوعه كان أخذ الحال عن المؤجل تعجيلًا للمؤجل، وليس باعتياض كما جزم به الرافعي هنا.
وهذا التقرير لكلام القاضي هو الصواب المطابق لما ذكره، وقد قرره المصنف كذلك في ((شرح الوسيط)) على خلاف ما قرره هنا، ونقل فيه عن نص الشافعي ما قاله القاضي من التفصيل، وينبغي إذا كان المؤجل نقدًا فباعه بنقد أن يكون كالطعام بالطعام عند القاضي.
قوله: وفي الثمن ثلاثة أوجه:
والثاني: أنه النقدان لا غير، والمثمن ما يقابلهما على اختلاف الوجهين.
والثالث- وهو الأصح-: أن الثمن هو النقد، والمثمن: ما يقابله.
فإن لم يكن في العقد نقد، أو كان العوضان نقدين- فالثمن: ما اتصلت به الباء، والمثمن: ما يقابله، فإذا باع بغير النقدين في الذمة: فإن قلنا بالوجه الأول فيجوز الاستبدال عنه كالنقدين، وإن قلنا بغيره فلا يجوز.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره من أنا إذا فرعنا على جواز الاستبدال عن الثمن: أنه يجوز الاستبدال هذا على الوجه الأول، فواضح، لأنه الثمن عند هذا القائل، فإن الباء قد التصقت به.
وأما منعه الاستبدال على الوجهين الأخيرين فصحيح بالنسبة إلى الوجه الثاني، وهو القائل بأن الثمين هو النقدان لا غير، وأما بالنسبة إلى الوجه الثالث فلا، بل حكمه حكم الوجه الأول، لالتصاق الباء- أيضًا- وهو واضح.
قوله- في المسألة أيضًا-: ويظهر للاختلاف في أن الثمن ماذا، فوائد أخر، منها: إذا كان العوضان نقدين، فعل الأول: لا يمتنع فيجري في جواز الاستبدال عن كل
منهما الخلاف المذكور.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن الوجه الأول السابق في كلامه هو أن الثمن ما دخلت عليه الباء، وما لم تدخل عليه يكون مبيعًا، وحينئذٍ فيكون نفي المبيع في المسألة المذكورة إنما هو على الوجه الثاني لا على الوجه الأول، فانعكس على المصنف.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من حكاية الخلاف في هذه المسألة لم ينقله عن أحد، ولم أقف عليه لغيره، وهو فاسد، لأن هذا مصارفة، والمعتبر في الصرف هو القبض الحقيقي، ولهذا جزم الماوردي بمنع الإبراء منه، وقد جزم به المصنف- أيضًا- في آخر باب الربا.
قوله: ومنها: إذا كان العوضان عرضين، فلا يجوز على الثاني الاستبدال عن واحد منهما وجهًا واحدًا.
انتهى.
وما ادعاه من نفي الخلاف إذا قلنا: إن الثمن هو النقدان لا غير، باطل، وذلك لأن مثل هذا العقد ليس سلمًا على الصحيح، بل بيعًا تثبت فيه أحكامه، غير أن المبيع فيه دين، ولنا في بيع المبيع من بائعه قبل القبض خلاف مشهور، وهذا فرض منه.
قوله: أما إذا كان للبائع حق الحبس، ونقله بغير إذنه- فقد حصل نقل الضمان، وهل يملك التصرف؟ فيه وجهان في ((الوسيط))، والمذكور في ((الرافعي)) و ((الحاوي)): العدم، وفي ((النهاية)) - حكاية عن الشيخ أبي محمد أن الاستيلاء كما ذكرنا لا يقتضي نقل الضمان كما لا يقتضي التصرف، وهو بعيد.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن الاستيلاء مع النقل لا ينقل الضمان على هذا الوجه غلط، بل محله إذا وجد الاستيلاء ولم يوجد النقل، بأن كان بساطًا فجلس عليه، أو دابة فركبها ولم يشترها، كذا صرح به في ((النهاية)) في ضمن فصل أوله: ((قال: من ابتاع جزافًا))، وذلك أنه حكم بضمان ما اشتراه جزافًا وقبضه مكايلة، وبأن قبض المنقول يتوقف على القبض على الأصح.
ثم قال ما نصه إن قلنا: لابد من النقل في قبض المبيع، وجعلنا الاستيلاء قبض عدوان- فلو وجد الاستيلاء من المشتري من غير نقل فهو كالقابض جزافًا فيما اشترى مكايلة، وذكر شيخي وجهًا آخر: أن الاستيلاء- كما صورنا- لا يقتضي نقلًا للضمان، كما لا يقتضي التسلط على التصرف، وهذا بعيد.
هذا لفظ الإمام، وقد تفطن المصنف في شرح الوسيط لذلك، فذكره فيه على الصواب.
باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز
قوله: وفي الرافعي أن الظاهر عند الأصحاب: منع الاستصباح بالزيت النجس.
انتهى كلامه.
وهذا النقل غلط على الرافعي، فإن الموضع الذي ذكر الرافعي فيه المسألة هو صلاة الخوف، وقد صحح هناك الجواز في الشرحين معًا، وعبر فيهما بالأظهر، وصححه- أيضًا- النووي، ولم يتعرض للمسألة في هذا الباب.
قوله: وحكي عن القاضي الحسين وجه في جواز بيع السباع لأجل جلودها، وهو جارٍ في الحمار الذي تكسرت قوائمه، وفي الطيور إذا كان في أجنحتها فائدة، ومنهم من لم يجره في الطيور، وفرق بأن الجلود يمكن تطهيرها، ولا سبيل إلى تطهير الأجنحة.
انتهى كلامه.
والذي امتنع من إجراء الوجه في الطيور وفرق بهذا الفرق، هو الرافعي، فإنه نقل عن الإمام إجراء الوجه فيه.
ثم قال ما نصه: هكذا قال الإمام، لكن بينهما فرق، فإن الجلود تدبغ فتطهر، ولا سبيل إلى تطهير أجنحته.
هذا لفظه، والفرق المذكور ليس بصحيح، فإن الانتفاع بالريش في النبل ونحوه من اليابسات جائز، والبيع وقع في حال الطهارة، لأن الكلام في بيع الطير، ومع كونه باطلًا فليس طريقة لبعض الأصحاب وخلافًا ثابتًا عندنا، على خلاف إيراد المصنف في الموضعين.
قوله: وأما السباع التي تصلح للاصطياد كالفهد والنمر والهرة، وكذا ما يمكن القتال عليه كالفيل- فيجوز بيعهما، لوجود المنفعة المقصودة، وفي الفيل والهرة وجه: أنه لا يجوز بيعهما، حكاه في ((الحلبة)).
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من جواز بيع النمر لإمكان الاصطياد به، قد ناقضه في ش ((ر ح الوسيط)) فجزم بأنه لا يجوز بيعه، وبأنه من الحيوانات التي لا يمكن الصيد بها، وكلام الرافعي والنووي فيه- أيضًا- مختلف، وقد أوضحته في المهمات.
الأمر الثاني: أن هذا النقل المذكور عن ((الحلية)) غلط، لأنه إن أراد ((حلية)) الروياني فليس للفيل ذكر، وذكر الهرة، ولكن جزم بجواز بيعها.
وإن أراد ((حلية)) الشاشي- وهو المعتاد منه ومن غيره عند الإطلاق- فهو على العكس مما قاله الروياني فإنه ليس للهرة فيها ذكر، وجزم في الفيل بالجواز، وإنما حكى الخلاف قبل استئناسه وتعلمه فقال ما نصه: فأما ما لا نفع فيه من الحيوان ويرجى نفعه في الثاني: كالفهد الذي إذا علم نفع، والفيل إذا تأنس حمل وقاتل- ففي جواز بيعه في الحال وجهان: أحدهما: لا يجوز، والثاني: يجوز.
هذا لفظه، وكأنه تحرف عليه ((الفهد)) بـ ((الهرة))، ولم يحرر الخلاف ومحله، فوقع فيما وقع.
نعم، في ((الذخائر)) وجه: أنه لا يجوز بيع الفيل ولا الفهد، وفي صحته نظر، قال في شرح المهذب إنه لا خلاف في صحة بيعهما وبيع القرد.
قوله: وفي بيع السم الطاهر الذي لا يستعمل قليله في الأدوية وجهان في ((الحاوي))، وجه الجواز: الاعتماد على قتل الكفار به.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن ((الحاوي)) يقتضي أنه حكى الوجهين في السم الذي يقتل قليله وكثيره، وأن علة الجواز فيه هي قتل الكفار، وهذا غلط لم يذكره الماوردي، بل جزم في هذه الصورة بالمنع، وإنما حكى الخلاف في سم لا يضر قليله، فقال في باب بيع الكلاب فأما السم: فإن كان يستعمل تداويًا كالسقمونيا وما في معناه جاز بيعه، وما لا يستعلم تداويًا بحال فضربان: أحدهما: يقتل يسيره وكثيره، منفردًا ومع غيره، فبيعه لا يجوز لعدم المنفعة.
هذا لفظه، وهو كما قلنا.
ثم قال: والضرب الثاني: أن يقتل كثيره ولا يقتل قليله، أو يقتل مع غيره ولا يقتل بانفراده، فقد علق الشافعي القول في بيعه، فخرجه أصحابنا على قولين: أحدهما: أن بيعه باطل كالذي قبله، والثاني: جائز، لقصوره عن حال الأول.
ومن أصحابنا من جوز بيع قليله الذي لا يقتل، ومنع من بيع كثيره الذي يقتل، وهذا الفرق لا جوه.
له هذا لفظه.
قوله: ويجوز بيع الزرزور والطاوس، للاستمتاع بصورته، وكذا ما يستمتع بصوته.
انتهى كلامه.
وفيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره في الزرزور من الاستمتاع بالصورة ليس كذلك، بل العلة فيه عند الأصحاب هو الاستمتاع بالصوت، والمشاهدة- أيضًا- تقتضيه، حتى لو فرضنا
انقطاع صوته امتنع بيعه، على خلاف ما يدل عليه كلامه، والسبب في وقوع هذا الوهم له تعبير الرافعي، فإنه قال: ومنه ما ينتفع بلونه أو صوته كالطاوس والزرزور.
هذا لفظه، وهو من باب اللف والنشر: الأول للأول، والثاني للثاني، ولهذا عبر في ((الروضة)) بأن قال: بلونه كالطاوس، أو صورته كالزرور.
الثاني: أن هذا الكلام كالصريح في أن الزرزور لا يحل أكله مع أنه حلال، ولا خلاف فيه- أيضًا- كما قاله في شرح المهذب.
نعم، هذا الإيراد لا يخص المصنف، بل وقع لجماعة منهم الرافعي كما قدمت ذكره.
قوله: فما لا منفعة منه شرعًا كآلات الملاهي والأصنام إذا كانت بعد زوال صورتها، لا مالية لها، لا يجوز بيعها، وكذا لو كان له بعد الرصاص مالية على الأظهر عند عامة الأصحاب، وعليه يدل خبر جابر، ومنهم من جوز بيعها، ورأى الإمام الأظهر الجواز إذا كانت متخذة من جواهر نفيسة، بخلاف ما إذا اتخذت من خشب ونحوه.
انتهى كلامه.
وهو غلط من جهتين:
إحداهما: فيما نسبه إلى الإمام من اختيار التفصيل المذكور في آلات الملاهي، فإن الإمام إنما ذكره في الأصنام، وحكى في الملاهي وجهين من غير ترجيح.
الجهة الثانية: أن مقتضاه: أن تجويز الإمام إنما هو في الذهب والفضة والزمرد ونحوها، لأن هذه هي الجواهر النفيسة، وليس كذلك، بل عداه الإمام إلى كل ما له قيمة النحاس والصفر والعود وغيرهما.
والموقع للمصنف في هذين الوهمين هو تقليده للرافعي: أما الثاني فبصريح كلامه، وأما الأول فلإلباسٍ وقع في تعبيره، ولهذا وقع فيه- أيضًا- النووي في ((اختصار للروضة))، وعداه إلى ((شرح المهذب))، والمسألة ذكرها في ((النهاية)) في باب بيع الكلاب، وقد ذكرت لفظه في كتابنا المسمى بـ ((المهمات))، وهو الكتاب الذي من الله- سبحانه وتعالى، وله الفضل- بتمامة وإبرازه.
قوله: والمرهون لا يصح بيعه، لأن المقصود من الرهن الاستيثاق إلى حين قضاء الدين، فلو صح بيعه قبل ذلك لبطلت فائدة الرهن، وأبدى الإمام في كتاب الإقرار احتمالًا- في صحة بيعه، ويكون موقوفًا- من بيع المفلس ماله قبل فك الرهن.
انتهى كلامه.
واعلم أن في بيع الفضولي قولًا مشهورًا بأنه قديم: أنه يصح موقوفًا على الإجازة،
وقد جزم الإمام بجريانه في المرهون عند إجازة المرتهن، وأما القولان في وقف بيع المفلس على فك الحجر فإنهما ثابتان في الجديد بالاتفاق، وقد قال الإمام: إنهما لا يجريان في الراهن إلا على الاحتمال الذي أشار إليه المصنف.
ذكر ذلك كله في أول كتاب الإقرار في الكلام على إقرار المفلس، فاستحضر في أن مسألتنا قولًا جزم الإمام بثبوته، وهو غير القول الذي توقف في تخريجه.
قوله: وعليه يخرج ما قيل في بيع الأشجار المساقى عليها: إنه لا يصح، لأن المساقاة عقد لازم، وقد استحق العامل أن يعمل فيها ما يستحق به أجرًا، وبعض الناس يقول: كان يتجه على بيع الأعيان المستأجرة، من حيث إن العامل قد استحق جزءًا من الثمرة الذي مقتضى العقد أن يكون للبائع، وغفل عن ملاحظة هذا الأصل.
انتهى كلامه.
وما ذكره في هذا البحث من عزوه لبعض الناس غريب، فإن البحث المذكور للرافعي، إلا أنه لم يذكره في بابه، بل ذكره في آخر الإجارة، وهو السبب المقتضى لذهول المصنف عنه.
نعم، نقله النووي في ((الروضة)) من الإجارة إلى آخر المساقاة، وقد تكلمت في هذه المسألة كلامًا شافيًا لا مزيد عليه ولا محيد عنه، فلينظر من ((المهمات)).
قوله- في الكلام على بيع الفضولي-: وقد حكى هذا القول، أي: قول الصحة، من العراقيين المحاملي في اللباب.
انتهى.
وهذا النقل عن اللباب قلد فيه النووي في ((الروضة))، فإنه نقله عنه هكذا، مع أن المحاملي لم ينص على هذه المسألة، فإنه عدد بيوعًا للشافعي فيها قولان، ثم عبر في أثنائها بقوله: وبيع تفريق الصفقة أو بيع الموقوف.
هذا لفظه من غير زيادة عليه، ولا شك أن قولي الوقف يطلقان على هذه المسألة- يعني بيع الفضولي- ويطلقان على من باع مال أبيه ظانًا فبان ميتًا، وقد صرح هو بعد هذا بأسطر بذلك فقال: فائدة: هذه المسألة على القوم القديم ملقبة بوقف العقود، وهذا اللقب ينظم معها مسألتين ... إلى آخر ما قال.
قوله: وقد استدل له بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع إلى عروة البارقي دينارًا ليشتري به شاة، فاشترى به شاتين، وباع إحداهما بدينار، وجاء بشاة ودينار، فقال- عليه الصلاة والسلام-: ((بارك الله لك في صفقة يمينك)).
قال الماوردي: فكان لو اشترى ترابًا لربح فيه.
انتهى كلامه.
وإسناده هذه الزيادة الأخيرة- وهي الربح في التراب- إلى الماوردي، عجيبٌ، فإنها من تتمة الحديث ... كذا رواه الشافعي في الأم قبل باب كراء الإبل والدواب بأوراق، وكذلك أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن كما قاله في ((شرح المهذب))، ورواه- أيضًا- البخاري في باب علامات النبوة من ((صحيحه)) لكن بإسناد منقطع، وإنما رواه لأجل قطعة منه مسندة، ولفظ هؤلاء الثلاثة- أعني البخاري وأبا داود وابن ماجه- هو اللفظ الذي ذكره المصنف بعينه، إلا أن البخاري وابن ماجه روياه: ((التراب)) معرفًا بـ ((أل)) والسبب في وقوع المصنف في هذا الغلط أن الماوردي ذكر ذلك كله، فتوهم المصنف أن قوله: فكان لو اشترى ... إلى آخره، من لفظ الماوردي، فصرح به فوقع في الغلط، وقد أعاد المصنف هذا الحديث في الوكالة فيما إذا وكله في شراء شاة فاشترى شاتين، وسلم من هذا الاعتراض، فإنه ساق الكلام الأخير من متن الحديث، لكن وقع في اعتراض آخر ستعرفه في موضعه، إن شاء الله تعالى.
قوله: وأبدى الإمام في جواز بيع المنقطع الخبر، مع اتصال الرفاق، وعدم إجزائه في العتق عن الكفارة ظاهرًا- احتمالًا في جواز بيعه.
انتهى.
ومراد المصنف: أن الإمام قال: يحتمل جواز بيع العبد المنقطع الخبر مع تواصل الرفاق، وإن قلنا: لا يجزئ إعتاقه عن الكفارة ظاهرًا، والتركيب الذي عبر به المصنف فاسد، أفسده إعادته لجواز البيع في آخر الكلام.
قوله- في الكلام على المغصوب-: ويصح بيعه منه- أي من الغاصب- وكذا من غيره إذا كان البائع أو المشتري يقدر على نزعه منه عند الشيخ في المهذب، والماوردي وابن الصباغ والمحاملي، وهو الصحيح عند غيرهم، لكن يثبت للمشتري الخيار إذا كان هو القادر على تخليصه وقد جهل الحال عند الشراء.
انتهى كلامه.
وهو صريح في إثبات الخلاف في الصحة عند قدرة البائع، وهذا لا توجيه له، ولم أقف عليه لأحد- أيضًا- بل صرح النووي في شرح المهذب بأنه لا خلاف في الصحة.
قوله- في المسألة-: وكذا، أي: يثبت الخيار أيضًا للمشتري، إذا علم وعجز، لضعف طرأ عليه، أو قوة طرأت للغاصب، وفي الرافعي حكاية وجه أشار إليه الإمام: أنه لا خيار له.
انتهى كلامه.
واعلم أن إثباته لهذا الوجه ونقله إياه عن إشارة الإمام، قلد فيه الرافعي، فإنه قال: وفيه وجه آخر أشار إليه الإمام.
هذا لفظه، وما ذكره ليس مطابقًا لكلام الإمام، فإن
الإمام فرض ذلك في عجز البائع، والرافعي يتكلم في عجز المشتري، وقد نبه المصنف على ذلك في المطلب فقال- بعد حكاية لفظ الرافعي: قلت: الذي رأيت الإشارة فيه غير ذلك.
ثم ذكر ما قلناه.
قوله: فرع: لو باع قطع جمل وزنًا، وكان يباع بعضه إلى أن يوزن- ففي صحة بيعه وجهان منقولان في ((الرافعي)) في أواخر كتاب الإجارة عن ((فتاوي)) القفال.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن ((فتاوي)) القفال غلط، فإن القفال لم يتكلم في هذه المسألة، والذي نقله الرافعي هناك عن الفتاوي المذكورة إنما هو التردد في مسألة أخرى، ثم نقل عن الأئمة أنهم خرجوا هذه المسألة على الجوابين المذكورين.
قوله: وفي بيع الأعيان التي لم يرها المشتري قولان، أصحهما: أنه لا يجوز، لنهيه- عليه الصلاة والسلام- عن بيع الغرر، والثاني: يجوز إذا وصفها، أي بأن يقول: بعتك العبد التركي الذي في بيتي، إذا لم يكن ثم غيره.
ثم قال ما نصه: وقيل: يشترط مع ما ذكرناه ذكر معظم الصفات، وضبطه البغوي بما يوصف به المدعى عند القاضي.
وفي التتمة عدا هذا وجهًا آخر:
وقيل: يشترط استيعاب جميع صفات السلم.
وقال الماوردي: إنه ليس بشرط باتفاق الأصحاب.
وحكى عن البصريين أنه إذا استوعب ذلك بطل، لأنه يخرج عن بيوع الأعيان ويصير من بيوع السلم، والسلم في الأعيان لا يجوز.
انتهى كلامه بحروفه.
وفيما قاله أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن البغوي من ضبط الصفات بما يوصف به في الدعوى، يقتضي أن البغوي جازم بذلك أو مصحح له، وليس كذلك، بل حكى فيه وجهين من غير ترجيح، فقال ما نصه: ثم فيه وجهان: أحدهما: يشترط ذكر أوصاف السلم، والثاني: ما يوصف به المدعى عند القاضي.
هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن الماوردي من الاتفاق على أنه لا يشترط استيعاب صفات السلم، غلط، فإن الماوردي إنما نقل الاتفاق على أنه لا يشترط استيعاب الصفات كلها التي هي زائدة على صفات السلم، فإنه قال: والوجه الثاني: أنه لابد من ذكر الصفة، لأنه مبيع غائب فافتقر إلى ذكر الصفة كالسلم، فعلى هذا: إذا قيل: إن
الصفة شرط في صحة العقد، فهل يصح أن يصفه بأقل صفاته، أو لا يصح إلا بذكر أكثر صفاته؟ على وجهين.
ثم قال: فأما ذكر جميع صفاته فليس شرطًا باتفاق أصحابنا.
هذا لفظه.
وقال الشاشي في الحلية: هل يفتقر إلى ذكر الصفات؟ فيه ثلاثة أوجه، أظهرها: لا يفتقر، والثاني: إلى ذكر معظمها، والثالث: يفتقر إلى ذكر جميعها.
قوله: ولو كان المبيع عقارًا فلابد من ذكر البلد الذي هو فيه، وفي ذكر البقعة وجهان تقدم ذكرهما، ويشترط ذكر الحدود، ولا يكتفي باثنين منها، وهل يكتفي بذكر ثلاثة؟ نظر: إن لم يحصل بها التمييز لم يكف، وإلا كفي على الأصح، حكاه الماوردي، وإيراده يشعر بأن هذا لا يختص ببيع الغائب.
انتهى كلامه.
وما ذكره- رحمه الله- من تقدم ذكرهما صحيح، ومحله في آخر الباب قبله، وما نقله أيضًا- عن الماوردي في صلب المسألة صحيح، ومحله في ((الحاوي)) بعد نحو كراس من أول البيع، فقال تفريعًا على جواز بيع الغائب: فلابد- أي في العقار- من ذكر البلد الذي هو فيه، فيقول: بعتك دارًا بالبصرة، لأن بذكر البلد يتحقق ذكر الجنس ويصير في جملة المعلوم، فأما ذكر البقعة من البلد ففيه وجهان: أحدهما: يلزم، والثاني: لا، لأن البقعة تجري مجرى الصفة.
هذه عبارته.
وأما الذي نقله عنه- أي عن الماوردي- في ذكر الحدود، فذكره بعد ذلك بكراريس كثيرة في آخر باب ثمرة الحائط يباع أصله، مطابقًا لما نقله عنه المصنف، لكن لم يفرض ذلك في بيع الغائب، بل الفرض فيه يؤدي إلى أن يصير كلامه ((الحاوي)) الأول منافيًا لكلامه الثاني، فيكون الثاني مفروضًا على امتناع بيع الغائب، كما إذا رأى دورًا ثم أراد بيع واحدة منها، ونقل ابن الرفعة- أيضًا- في آخر الكلام أن في إيراد ((الحاوي)) ما يشعر بأن هذا لا يختص ببيع الغائب- كالصريح في أن بيع الغائب مراده ولابد، إلا أنه يختص به، وقد علمت أنه ليس كذلك.
قوله: وكذا بيع الجزر والشلجم والبصل والفجل في الأرض قبل قلعه لا يصح عند أكثر أصحابنا، لعدم إمكان وصفه، وبعضهم خرج ذلك على بيع الغائب.
انتهى.
و ((الشلجم)) المذكور هنا هو بالشين المعجمة وبالجيم، وهو المسمى بـ ((اللفت)) - باللام والفاء والتاء المثناة- كذا قاله في ((شرح المهذب)).
قوله: والثوب المطوي لابد من نشره.
قال الإمام: ويحتمل عندي جواز بيع الثياب التي لا تنشر بالكلية إلا عند القطع،
لما في نشرها من التنقيص، ويلتحق بالجوز واللوز ... إلى آخره.
هذا الكلام يقتضي أنه لم يظفر بخلاف في المسألة، وقد صرح بذلك في ((شرح المهذب)) فقال: هكذا أطلقه الأصحاب، وقطعوا به.
ثم نقل احتمال الإمام، واعلم أن الخلاف ثابت مشهور حتى جزم في ((شرح التلخيص)) بأنه لا يشترط، ونقله- أيضًا- عنه البغوي في ((فتاويه))، وجزم به الجرجاني في كتابه ((الشافي))، وحكى وجهين من غير ترجيح فيما إذا لم ينقص بالنشر، وعلل الجواز بأن الغرر يقل بمشاهدة ظاهرها، فتحصلنا على ثلاثة أوجه.
قوله: ولا يجوز بيع الثياب التوزية في المسوح على القول باشتراط الرؤية.
أما ((التوزية)) فبتاء مثناة من فوق مفتوحة، ثم واو مفتوحة مشددة، ثم زاي معجمة، وهي جنس من الثياب، منسوبة إلى ((توز)) بلدة من بلاد فارس مما يلي الهند.
ويقال لها أيضًا: توج- بالجيم- قاله ابن الصلاح في ((مشكل الوسيط)).
وأما ((المسوج)): فبميم مضمومة وسين وحاء مهملتين، جمع ((مسح)) بكسر الميم، وهو البلاس من الشعر.
ومراد المصنف بقوله على هذا القول، أي: القول الذي نحن الآن نفرع عليه، وهو اشتراط الرؤية، فاعلم ذلك، فإنه بعيد التبادر.
قوله: ولو رأى من المثلى أنموذجًا، وقال: بعتك من هذا النوع كذا- لم يصح.
ولو قال: بعتك من الحنطة التي في البيت، وهذا أنموذج منها: فإن لم يدخل الأنموذج في البيع فالأصح أنه لا يكفي، وإن أدخله فالأصح الاكتفاء.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن فرضه هذه المسألة في المثلى لا يستقيم، لأن البطيخ والقثاء والسفرجل والرمان والباذنجان والرانج والبيض وغيرها من جملة المثليات، ومع ذلك لا يكفي فيها هذا بلا شك، لأن رؤية البعض مع الاتصال بالباقي لا يكفي فيها، وذلك إذا كان صبرة واحدة، فبطريق الأولى عند انفصاله عنه، لأن رؤية بعض الصبرة أوقى وأولى بالصحة من الأنموذج، فإن فيها خلافًا قويًا مشهورًا، وبعض الصبرة فيها قول أو وجه ضعيف شاذ.
والموقع لابن الرفعة في هذا: أن الرافعي عبر بالمتماثلات، وهي المتساوية الأجزاء، فسبق ذهنه أو قلمه إلى المثليات.
الأمر الثاني: أن شرط الجواز في مسألة الأنموذج، مع ما ذكره المصنف: أن يرده إلى الصبرة قبل البيع، فأما إذا أدخله في البيع من غير رد فإنه يكون كمن باع عينين
رأى إحداهما وباعهما جميعًا، لتميزه عنه، هكذا ذكره البغوي في ((فتاويه))، وهو متعين لا شك فيه، قال: وكذلك لو جعل الصبرة صبرتين، ثم أراه إحداهما.
قوله: ولا يشترط مع ما ذكرناه من الرؤية- الذوق في، المذوق والشم في المشموم على الأصح، وهو ما ادعى الغزالي فيه الوفاق، وفي ((التتمة)) و ((البحر)) حكاية وجه في اشتراط ذلك واشتراط اللمس في الملموس من الثياب ونحوها.
انتهى كلامه.
وما نقله- رحمه الله- عن ((التتمة)) و ((البحر)) من حكاية هذا الوجه في لمس الثياب ونحوها غلط، فإنهما لم ينقلاه إلا في الشم والذوق، ولم يتعرضا للمس بالكلية، والرافعي قد سبق المصنف إلى هذا النقل عن ((التتمة)) خاصة، فلما رأى المصنف كلام ((البحر)) - أيضًا- ناقلًا لهذا الوجه في بعض ما نقله الرافعي عن ((التتمة))، عمم ذهولًا.
ثم إن الذهاب إليه بعيدًا جدًا، فإن الخل والمسك ونحوهما لا يعرف المقصود منهما إلا بالشم والذوق، بخلاف الثياب، فإن إدراك المقصود منها يعرف بدون اللمس.
واعلم أن من جملة الحواس: حاسة السمع، ولم يحكوا في ذلك خلافًا، فإذا باع ما يقصد لسماع صوته فهل يتخرج على الخلاف، أم يصح من غير سماعه جزمًا؟ فيه نظر، والمتجه: الثاني: والفرق: سهولة الشم والذوق، بخلاف السماع، فإنه إلى اختيار الطائر، ويدل عليه- أيضًا- جواز شرائه صغيرًا لفائدة سماع في المستقبل.
قوله: ولو رأى شيئًا، ثم عقد عليه، واختلفا في النقصان عن الحالة التي وقعت فيها الرؤية- فقد قيل: القول قول المشتري.
ثم قال ما نصه: وحكى الغزالي عن صاحب ((التقريب)) - وهو الأصح-: أن القول قول البائع، لأن الأصل عدم التغير واستمرار العقد.
قلت: ولو فصل مفصل فقال: إما أن يكون الاختلاف في نقص أصل الخلقة أو في نقصٍ حدث بعد أن كان كاملًا، فإن كان الأول بأن ادعى البائع أنه كذا، ووجد ولم يحدث فيه نقص- فيظهر أن القول قوله، وإن كان الثاني بأن ادعى البائع أنه كان كاملًا، وأن هذا النقص حدث قبل الرؤية، وأنه رآه ناقصًا كما هو الآن- فالذي يظهر أن القول قول المشتري، عملًا بالأصل في الموضعين، كما لو وقع مثل هذا الخلاف في عيب المغضوب بعد تلفه فإن الحكم كما ذكرنا على الأصح، وسنذكر- إن شاء الله تعالى- الفرق بين هذه المسألة ومسألة العيب الذي يمكن حدوثه في موضعها.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه هاهنا من أن الأصح تصديق البائع فقد ناقضه في ((المطلب))، فإن حكى عن الغزالي أنه صحح ما صححه هو هاهنا من أن القول قول البائع.
ثم قال عقبه ما نصه: وهو في ذلك متفرد عن الإمام، بل عن جل الأصحاب، فإنك قد عرفت أن كلام القاضي والفوراني والإمام ناص على الجزم بأن القول قول المشتري، وهو ما حكاه الماوردي عن نص الشافعي في كتاب الصرف، ورأيت في الإمام ما يوافقه.
انتهى كلام ((المطلب))، وبذلك يظهر أن ما ذكره في هذا الكتاب غلط من سبق قلم أو إسقاط، لأنه لا يمكن حمله على ترجيحه من جهة النقل، ولا البحث أيضًا، لأنه قد ذكر أن الظاهر من جهة البحث إنما هو التفصيل.
الأمر الثاني: أن العيب الذي لا يمكن حدوثه قد ذكره الشيخ في أواخر الرد بالعيب، ولم يذكر هناك الفرق الذي وعد هاهنا في آخر المسألة بأن يذكره فيه.
قوله: ولو غلب من جنس العروض نوع فهل ينصرف الذكر إليه عند الإطلاق؟ فيه وجهان، المذكور منهما في تعليق القاضي أبي الطيب في باب الربا، والمحكي عن أبي إسحاق، وهو المذهب في ((التتمة)) -: أنه ينصرف إليه.
انتهى كلامه.
واعلم أن كلام المتولي لا يطابق ما نقله عنه المصنف بالنسبة إلى حكاية الخلاف، فإن صاحب ((التتمة)) سوى في حكاية الخلاف بين الغالب وبين الموصوف، والوصف كافٍ، فراجع التتمة وتأملها.
قوله: ولو باع بنصف دينار صحيح، وشرط أن يكون مدورًا جاز إن كان يعم وجوده.
انتهى.
وتقييده الصحة بما إذا عم وجوده مقتضاه: أنه إذا كان عزيز الوجود لا يصح، وليس كذلك، فقد ذكر بعد هذا بقليل أنه إذا باع بنقد يعز وجوده فإنه ينبني على جواز الاستبدال عن الثمن: فإن جوزناه صح، ثم إن وجد فذاك، وإلا فيستبدل، وإن لم نجوز الاستبدال لم يصح.
وهذا الذي قاله يأتي في مسألتنا بعينه، لكن الذي أوقع المصنف في هذا هو تقليده للرافعي.
قوله: ويجري خلاف تفريق الصفقة فيما إذا باع معلومًا ومجهولًا إن قلنا: يجيز بكل الثمن، وإن قلنا: يجيز بقسطه من الثمن، فلا يصح وجهًا واحدًا، وحكى الرافعي على هذا وجهًا: أنه يصح، ويثبت له الخيار، فإن أجاز لزمه جميع الثمن.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الإبطال في المجهول ليس على إطلاقه، بل صورته إذا كان مجهولًا مطلقًا، فإن كان مجهولًا عند العاقد كالغائب كان مخرجًا على القولين.
كذا صرح به
البغوي في ((فتاويه))، ولأجل هذا صور النووي في ((شرح المهذب)) المجهول بقوله: وعبدًا آخر، وهكذا صوره الشيخ أبو حامد والجرجاني وغيرهما.
قوله: وإن جمع بينهما فيما لا عوض فيها كالرهن والهبة، فقد قيل: يصح فيما يحل قولًا واحدًا، نظرًا إلى العلة الأولى، أي: جهالة الثمن، قال الإمام: وهذا فيه نظر، فإن الدين لم يكن عوضًا عن الرهن فرهن الشيء بالدين المجهول لا يصح على الأصح كما سيأتي.
وما قاله يحتاج إلى تأمل.
انتهى كلامه.
ووجه ما قاله المصنف: أن المرهون- وإن تعدد- مرهون بكل جزء من الدين، فلا جهالة بالكلية.
وهذا الذي قاله صحيح في الكتابة والبيع لا يرجع إلى البيع، فإنه باطل قولًا واحدًا على ما حكاه الرافعي وغيره، لصدور أحد شقيه قبل تمام عقد الكتابة، وحكى الجمهور في كتاب الكتابة في صحة البيع طريقين: أحدهما: ما ذكرناه، والثاني: طرد القولين في الجميع.
انتهى.
وما حكاه عن الرافعي من الاتفاق على بطلان البيع ليس كذلك، فإن الرافعي قد ذكر المسألة هنا وفي باب الكتابة: فأما هاهنا فإنه لم يتعرض لإثبات الخلاف ولا لنفيه، بل جزم ببطلان البيع، وأما في باب الكتابة، فإنه حكى الخلاف فقال في أوائل الباب في الركن الثاني: ففيه طريقان: أحدهما- وبه قال صاحب ((الإفصاح)) -: أنهما على القولين فيما إذا جمع في صفقة واحدة بين عقدين مختلفي الحكم، وأظهرهما: أن البيع باطل، وفي صحة الكتابة القولان.
هذا كلامه.
قوله: واستئجار الكافر المسلم ينظر فيه: إن ورد العقد على الذمة صح، وإن ورد على العين قال القاضي أبو الطيب: من أصحابنا من قال فيه قولان كالشراء، ومنهم من قال: يصح، وهذا أظهر عند الرافعي.
انتهى كلامه.
ومقتضاه: أن الرافعي حكى طريقين وصحح طريقة القطع، وليس كذلك، فإنه لم يحك طريقة قاطعة فضلًا عن ترجيحها، وإنما حكى وجهين فقط، ورجح الصحة.
قوله: ولو باع عبدًا بشرط العتق على أن يكون الولاء للبائع ففيه قولان، والجمهور على بطلان العقد.
ثم قال: وعلى هذا- يعني الصحة- فهل يثبت الشرط المحكي عن الأصحاب؟ الذي لا يكاد يوجد غيره: أنه لا يثبت كما حكاه الرافعي، وقال الإمام: إنه فاسد.
وحكى وجهًا أنه يثبت الولاء للبائع من غير تقدير الملك.
انتهى كلامه.
وما ذكره- رحمه الله- من أن الإمام قد حكى وجهًا في ثبوت الولاء فهو غلط اتبع فيه الرافعي، فإن الإمام لم يحك عن أحد خلافًا، وإنما ذكره بحثًا فقال تفريعًا على قول الصحة ما نصه: وعلى هذا ففي الولاء المشروط نظر ذهب بعض الأصحاب إلى أن الوجه فيه إلغاء الشرط، وتصحيح العقد، وهذا فاسد مع أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالاشتراط، ومتعلق القول بصحة العقد قصة بريرة، فلا ينبغي أن نعتبر أصلها ونعطل تفصيل القول فيها، فإذن الوجه تصحيح الشرط إذا صححنا العقد، تعلقًا بقصة بريرة هذا.
لفظ الإمام، وقد تفطن المصنف في ((شرح الوسيط ((للصواب فقال: عدم ثبوت الولاء من نقل الإمام، وثبوته من فقه.
قوله: ولو جرى البيع بشرط الولاء دون العتق، بأن قال: بعتكه بشرط أن يكون الولاء لي إن أعتقه يومًا من الدهر- فقد ذكر في ((التتمة)) أن العقد باطل بلا خلاف، وقال في كتاب الحج: المشهور من المذهب فساد الحج، وهذا يشعر بخلاف.
انتهى.
وتعبيره بـ ((الحج)) سهو، وصوابه: الخلع.
قوله- فيما إذا اشترى أمة شراء فاسدًا، فوطئها فحملت منه-: ولو لم تمت من الولادة، ولكن نقصت قيمتها- قال الأصحاب: يجب عليه الأرش.
وفي ((النهاية)) في كتاب الصداق أنه لو أصدق زوجته جارية حاملًا، ولدت في يد الزوجة، وانتقصت قيمتها بالولادة- أنه يجب بناء هذا على المبيع إذا جرح في يد البائع، ثم سرت الجراحة في يد المشتري، وقد ظهر اختلاف الأصحاب في ذلك: فمنهم من جعل السراية من ضمان البيع، لأن سببها الجراحة، فعلى هذا نقصان الولادة من ضمان الزوج وإن حدث في يدها.
ومن أصحابنا من قال: نقصان السراية من ضمان المشتري، لأنه حدث في يده، فعلى هذا نقصان الولادة من ضمانها.
قلت: وقد يتجه أن يجري مثل ذلك هاهنا، وفيما إذا ماتت من الطلق، وما يتخيل بينهما من فرق فهو مندفع بما حكاه العمراني عن الطبري فيما إذا وطئ الغاصب الجارية المغصوبة، فحملت منه، ثم ردها وماتت من الولادة- أن في ضمانه لها وجهين، وغاية الأمر هنا أن يلحق بالغاصب.
انتهى كلامه.
وهذا البحث الذي ذكره- رحمه الله- لا يستقيم، وقد نبه هو عليه في حاشية الكتاب فقال ما نصه: هذا الإلزام غير صحيح، لأن محل القولين في الغاصب إذا كان
الولد لا يلحقه، والولد فيما نحن فيه لاحق به، فالتلف جاء من ولد نسب إليه، بخلاف ولد المغصوبة.
نعم، أبو عبد الله القطان حكى فيما إذا وطئ الغاصب الجارية المغصوبة عن جهل، وعلقت منه، وماتت في يد السيد من الولادة- في ضمانها قولين، فليأتيا في مسألة الكتاب، وقد يقال: بل الإلزام صحيح من جهة أن الولد وإن لم ينسب إلى الغاصب لكنه حصل العلوق به، وهي في يده وضمانه، فهل ينظر إلى حالة وجود العلوق الذي هو السبب، أو إلى حالة الوضع؟ فيه هذا الاختلاف.
هذا كلامه بحروفه.
باب الربا
قوله: الربا مقصور، وهو من: ربا يربو، فيكتب بالألف، وقد كتب في المصحف بالواو، فأنت مخير إذن في كتبه بالألف والواو والياء.
انتهى لفظه بحروفه.
وهذا الكلام الذي ذكره ظاهر الاختلاف، فإن قوله: فأنت مخير إذن ... إلى أخره، يقتضي أن ما ذكره قبل ذلك يكون علة لجواز الأوجه الثلاثة، وهو لم يذكر إلا علة كتابته بالألف والواو، فالأول: انقلابها عن الواو، والثاني: إتباع رسم المصحف، وأما كتابته بالياء فلم يذكر له علة، وقد ذكرها النووي في ((لغات التنبيه)) وغيره، وهي إمالة هذه الألف عند بعضهم، لتقدم الكسرة عليها، ولا شك أن المصنف أراد نقل ما في ((اللغات)) فترك بعضه نسيانًا، وقد استوفاه في شرح الوسيط.
قوله: وهو في الشرع: الزيادة في الذهب والفضة وسائر المطعومات.
انتهى.
وهذا الحد فاسد، فإن الزيادة من حيث هي لا دلالة فيها على الربا الشرعي بالكلية، وأيضًا: لكان ينبغي إذا ذكر هذا أن يزيد ((النقد)) فيقول: هو الزيادة في بيع النقد والمطعوم بمثلهما.
قوله: قال- يعني الشيخ-: وإذا باع من غير جنسه: فإن كان مما يحرم فيهما الربا بعلة واحدة كالذهب الفضة والحنطة والشعير جاز فيهما التفاضل، وحرم فيهما النساء والتفرق قبل التقابض، لقوله- عليه الصلاة والسلام-: ((إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد))، فشرط التقابض، وهو يستلزم الحلول)).
انتهى كلامه.
وهذا الاستلزام الذي ادعاه ليس كذلك، فإنه قد يبيع إلى أجل، ومع ذلك يقع القبض قبل التفرق، وهو واضح.
قوله: وذهب ابن أبي هريرة وطائفة من البغداديين إلى أن النص في العرايا ورد في التمر، وقيس عليه الكرم، وقد يستدل لهم بما روى الترمذي عن زيد بن ثابت أن رجالًا محتاجين من الأنصار شكوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الرطب يأتي، فرخص لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي كان بأيديهم)).
انتهى كلامه.
واعلم أن ما نسبه المصنف إلى الترمذي قد سبقه إليه ابن التلمساني في ((شرح
التنبيه)) فقلده فيه، والترمذي لم يذكر فيما رواه عن زيد بن ثابت أن ذلك كان بسؤال المحتاجين، ولفظه: عن زيد بن ثابت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((نهى عن المحاقلة والمزابنة، إلا أنه قد أذن لأهل العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها)).
قال أبو عيسى: هذا حديث ثابت.
ثم رواه عنه من طريق آخر.
ثم قال: وهذا أصح من الأول.
ورواه- أيضًا- من طريق ثالث عنه، ولفظه: ((أرخص في بيع العرايا بخرصها))، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح.
وقال: ومعنى هذا عن أهل العلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد التوسعة عليهم في هذا، لأنه شكوا إليه، وقالوا: لا نجد ما نشتري من الرطب إلا بالتمر، فرخص لهم فيما دون خمسة أوسق أن يشتروها فيأكلوا رطبًا.
هذا كلام الترمذي، وقد ذكره المصنف في المطلب على الصواب.
قوله: والأصل في تقرير هذه القاعدة- أي قاعدة ((مد عجوة)) - ما روى مسلم عن فضالة بن عبيد أنه قال: أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام خيبر بقلادة فيها خرز مغلفة بذهب ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو بسبعة، فقال- عليه الصلاة والسلام-: ((لا، حتى تميز بينه وبينها)) فقال: إنما أردت الحجارة، فقال- عليه الصلاة والسلام-: ((لا، حتى تميز بينهما)) قال فضالة: فرده حتى ميز بينهما.
انتهى كلامه.
واعلم أن قوله في الحديث: ((إنما أردت الحجارة ...)) إلى آخره.
فيه دلالة على بطلان العقد- أيضًا- إذا كان المقصود هو الجنس الآخر، وهو حجة لنا على أبي حنيفة في تجويز العقد والحالة هذه.
إذا علمت ذلك، فاعلم أن هذه الزيادة لم يخرجها مسلم في صحيحه، فإنه روى الحديث بن عبيد من ثلاث طرق دون الزيادة المذكورة، وبغير هذا اللفظ أيضًا:
أحدها: قال: أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب- وهي من الغنائم- تباع فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم - صلى الله عليه وسلم -: ((الذهب بالذهب وزنًا بوزن)) هذا لفظ مسلم.
والطريق الثاني والثالث بمعنى ذلك.
وأما الحديث الذي رواه المصنف فرواه أبو داود بلفظه وبزيادته، ولم يضعفه، فيكون حسنًا أو صحيحًا على ما علم من شرطه.
باب بيع الأصول والثمار
قوله: ولا خلاف في اندراج الأسفل من حجري الرحا إذا كان المبيع باسم الطاحون، وكذا الأعلى على الأظهر، ولا خلاف في أنه إذا قال: بعتك هذا الباغ أو البستان أو الحائط، دخل فيه الأرض والأشجار والحيطان ومجاري الماء، وإن كان فيها بناء فعلى الخلاف.
انتهى كلامه.
وما حكاه من نفي الخلاف فمردود في المسألتين جميعًا:
فأما الأسفل من حجري الرحا ونحوه كالإجانات في المدبغة، فالخلاف ثابت فيه في الرافعي وفي غيره كـ ((التتمة)).
وأما الحيطان فقد صرح بالخلاف فيها الروياني في ((البحر))، وضعف التفرقة بينها وبين ما في الأبنية الكائنة في البستان فقال: فرع: لو قال: بعتك هذا البستان، يدخل في البيع الأرض وما فيها من الأشجار.
ثم قال: وأما البناء الذي فيه والجدار المحيط به فعلى الطرق التي ذكرناها، وقال بعض أصحابنا: يدخل الجدار المحيط قولًا واحدًا، لأن البستان اسم لجميعها، وهو ضعيف عندي.
قوله: وإذا باع أرضًا وفيها زرع لا يحصد في السنة إلا مرة، كالحنطة والشعير والجزر والفجل وما في معناه، لم يدخل في البيع، وللبائع تبقية ذلك إلى أول إمكان حصاده.
ثم قال ما نصه: نعم، عليه- يعني البائع- قلع ما يضر بالأرض من عروق الذرة وأصول القطن، وهل يلزمه تسوية الأرض؟ الكلام فيه مثل الكلام فيما إذا كان في الدار المبيعة ما لا يسعه بابها، وقد حكى القاضي أبو الطيب فيه: أنه يجب نقض الباب حتى يخرج، ويلزم البائع ما نقض من الباب.
ثم قال: ويحتمل أن يقال: يلزمه بناؤه كما تلزمه تسوية الأرض.
انتهى كلامه.
وحاصله: أنه لا يجب- أيضًا- تسوية الأرض إلا على احتمال ضعيف، بل يجب أرشها، لأنه جعل الحكم فيها كالحكم فيما إذا نقض الباب، ثم أوجب في نقضه ما
ذكرناه، والذي ذكره غلط نبه عليه في حاشية الكتاب فقال: المنقول في مسألة نزع العروق: وجوب التسوية، لا وجوب الأرش كما بينت ذلك في المطلب، وهذه غلطة وقعت مني في فهم كلام الرافعي، حيث قاس هذه المسألة على مسألة توسيع الباب.
نعم، في الغصب وجه: أنه لا يجب على حافر الأرض التسوية، بل يجب الأرش، ولا يبعد مجيئه هاهنا.
هذا كلامه.
قوله: فرع: لو باع الأرض وما بها من زرع ... فإن كان قمحًا، ولم نجوز بيعه في سنبله- بطل فيه، وفي الأرض قولًا تفريق الصفقة.
اعلم أن هذه المسألة حكى فيها الرافعي طريقين مبنيين على أن الصفقة إذا فرقناها وصححنا فيما يصح هل يصح: بالقسط أم بالكل؟ فإن قلنا: بالكل، جاء في الأرض القولان في تفريق الصفقة، وإن قلنا: بالقسط، فلا يصح فيها، لأن التقسيط هنا ممتنع لتعذر قيمتها.
ثم صحح القطع بالبطلان، وعداه الرافعي في الكلام على تفريق الصفقة إلى كل عقد جمع مجهولًا ومعلومًا، وتبعه عليه المصنف في باب ما يجوز بيعه، وقد ذكرت لفظه هناك لغرض آخر، فراجعه.
إذا علمت ذلك فما جزم به المصنف هنا من طريقة القولين مناقض لما جزم به هناك، وأنه إنما يأتي على طريقة ضعيفة عنده وعند غيره.
قوله: ولا يجوز بيع الثمار قبل بدو الصلاح إلا بشرط القطع، لما روى مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها.
ثم قال: وذلك يدل على منع البيع مطلقًا .... فاستثنى منه ما قام الإجماع على جوازه، وهو البيع بشرط القطع، وبقي على عمومه فيما عداه.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من الإجماع قلد فيه الرافعي، وليس كذلك، فقد ذهب سفيان الثوري وابن أبي ليلى إلى أنه لا يصح البيع مع هذا الشرط- أيضًا- وممن نقل الخلاف فيه الشيخ تقي الدين في ((شرح العمدة)).
قوله: ولا يجوز بيع الزرع الأخضر إلا بشرط القطع.
ثم قال: وحكم أصول البطيخ والباذنجان ونحوهما عند الغزالي حكم الزرع، فلا يجوز إلا بشرط القطع إذا بيعت دون الأرض، والذي ذكره العراقيون وغيرهم: أنه يجوز، ولا حاجة إلى شرط القطع إذا لم يخف اختلاف ثماره.
انتهى كلامه.
وما نقله- رحمه الله- عن الغزالي من منعه بيع أصول البطيخ إلا بشرط القطع، سهو تفطن له في شرح الوسيط، فإن الغزالي إنما ذكر بيع البطيخ على أصوله، وقال:
إنه لا يجوز إلا بشرط قطعه، أي: قطع البطيخ.
قال: سواء بيع وحده أو مع أصوله.
وأبدى الإمام الرافعي في تجويزه بدون هذا الشرط وجهًا لنفسه، تخريجًا من جزم العراقيين وغيرهم بأنه يجوز بيع الأصول من غير شرط.
قوله: وفي الباقلاء واللوز قال: إنه يجوز بيعهما في قشرهما ما داما رطبين، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب عن ابن القاص والإصطخري.
انتهى كلامه.
وما حكاه هو عن القاضي أبي الطيب فصحيح، وأما حكاية أبي الطيب ذلك عن ابن القاص فمردودة، فإنه إنما جوز في الباقلاء خاصة، فقال في ((التخليص)): ولا يجوز بيع شيء وعليه قشران حتى ترفع العليا، إلا واحد وهو بيع الفول رطبًا، قلته تخريجًا.
هذا لفظه، ولم يتعرض المذكور- وهو ابن القاص- في المفتاح للمسألة.
قوله: وكان يتجه أن يلحق العلس بالأرز في جواز بيعه في قشرته، وقد جزم القاضي أبو الطيب فيه بالمنع في باب السلم.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي أنه لم يقف على الجواز في العلس لأحد، وهو غريب، فقد ذكر الرافعي المسألة في اللفظ السادس المعقود لبيع الثمار، وجزم بالجواز، وزاد الشيخ محيي الدين على ذلك، فقال في باب الغرر من ((شرح المهذب)): إنه لا خلاف فيه، أعني الجواز.
نعم، ذكر الرافعي في باب السلم أنه لا يجوز، وقد أوضحته في المهمات، ورأيت في ((شرح التخليص)) للشيخ أبي علي السنجي بعد نقل الجواز عن الدراكي فقط: أنه إن كان بقاؤه فيه من مصلحته جاز، وإلا فلا.
قوله: ولو اشترى ثمرة، فلم يأخذها حتى حدثت ثمرة أخرى، فاختلطت بها ولم تتميز، أو جزة فطالت، أو طعامًا فاختلط به غيره- ففي الانفساخ قولان، فإن قلنا: لا ينفسخ، فترك البائع للمشتري حقه- وجب القبول.
ثم قال: وإذا تركه فهل يكون هبة أو إعراضًا؟ فيه خلاف كما في النعل، صرح به الإمام.
انتهى كلامه.
واعلم أن الإمام قد ذكر المسألة هنا، وفي باب الخراج بالضمان، وقال: إن من أصحابنا من جعل الثمار كالنعل، ومنهم من قال: لا، فلا يلزم المشتري قبول منته.
ولا شك أن هذا الكلام ليس صريحًا في الخلاف حتى نقول: صرح به الإمام، بل ولا ظاهرًا فيه، فإن سياقه يقتضي التشبيه في وجوب القبول، وكيف يأتي القول بالإعراض مع استلزامه امتناع المشتري من التصرف، وحينئذ فلا يحصل المقصود من هذه الهبة، ونحن إنما منعنا الفسخ لأجلها.
فائدة: ذكر المصنف في الباب ألفاظًا:
منها: الكش، وهو- بضم الكاف والشين المعجمة- اسم للدقيق الذي في طلع كوز النخل.
ومنها: الإبان- بهمزة مكسورة، ثم باء موحدة مشددة، وفي آخره نون- وهو الوقت.
ومنها: الفرسك: بكسر الفاء، وسكون الراء، وكسر السين المهملة، وبالكاف، قال الجوهري: هو ضرب من الخوخ ينفلق عن نواه.
ومنها: في حديث رواه عن البخاري: ((نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تباع الثمرة حتى تشقح))، أي: تطيب، هو بالشين المعجمة والقاف والحاء المهملة.
قال الجوهري: أشقح النخل.
انتهى.
وكذلك التشقيح، قال في مسلم: والتاء مضمومة، والشين ساكنة، والقاف مفتوحة، ومنهم من فتح الشين.
قال: ويقال- أيضًا- بالهاء عوضًا عن الحاء.
ومنها: أن الشافعي أمر بعض أعوانه بأن يشتر له الباقلاء الرطب، والعون هو الربيع وكان الثمن كسرة على ما حكاه القاضي، والذي حكاه عن القاضي، والذي حكاه عن القاضي قد رأيته لشيخه القفال في شرح التلخيص، فنقل عن الربيع أنه قال: مر الشافعي ببغداد بباب الطاق، فأعطاني كسرة فاشتريت له بها الباقلاء الأخضر.
ورأيت في شرحه للشيخ أبي علي نحوه أيضًا.
والكسرة: هي القطعة من الدرهم أو الدينار، تكسر منه للحوائج الصغار، ومن ذلك قول الفقهاء: الدراهم المكسرة والقراضة، وتسمية القطعة بالكسرة مشهور في بلاد الشرق، وصحيح في اللغة.
قال الجوهري: الكسرة: القطعة من الشيء.
باب بيع المصراة والرد بالعيب
قوله: ووراء ذلك وجوه: أحدها: أن اللبن إذا كان باقيًا يرده.
ثم قال: الثالث: أنه لا يتعين التمر وإن كان غالب قوت البلد، وهو قول ابن أبي هريرة على ما حكاه الماوردي، بل يجوز إخراج ما يجزئ في زكاة الفطر، وهذا صححه الرافعي، انتهى كلامه.
وما نقله من تصحيح الرافعي هنا غلط، فإن الذي صححه الرافعي في كتبه كلها إنما هو تعيين التمر، وأما المجزئ في الفطرة فصححه، تفريعًا على أن التمر لا يتعين.
قوله: الخامس: أن الصاع لا يتعين، ولكن الواجب يتقدر بقدر اللبن، لما سبق من رواية ابن عمر، وعلى هذا فقد يزاد الواجب على الصاع وقد ينقص.
ثم منهم من خص هذا الوجه بما إذا زادت قيمة الصاع على نصف قيمة الشاة، وقطع بوجوب الصاع فيما إذا نقصت عن النصف، ومنهم من أطلقه إطلاقًا.
ثم على قول اعتبار القيمة، قال الإمام: تعتبر القيمة الوسط للتمر بالحجاز، وقيمة مثل ذلك الحيوان بالحجاز فإذا كان اللبن عشر الشاة مثلًا أوجبنا من الصاع عشر قيمة الشاة.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن الإمام غلط، ووقع للرافعي فقلده فيه المصنف، فإنه تفريع لا يلتئم بعضه ببعض، لأنه مفرع على أن الواجب يتقدر بقدر اللبن كما سبق في أول هذه المسألة، وأول هذا التفريع يقتضي اعتبار التمر والحيوان، والذي ذكره الإمام صحيح، فإنه قال: إنا إن لم نر إيجاب الصاع نعتبر قيمة التمر والحيوان، فإذا فعلنا جرى الأمر في المبذول على الحد المطلوب.
هذا كلامه، ولا شك أنه موهم، وقد أوضحه الغزالي في الوسيط فقال: إنا نقوم شاة وسطًا وصاعًا وسطًا في أكثر الأحوال، فإذا قيل: هو عشر الشاة مثلًا، أوجبنا من التمر ما هو قيمة عشر الشاة.
هذا كلامه، وليس فيه اعتبار اللبن لا في الأول ولا في الأخير، وقد اختصره الشيخ عز الدين على هذا المعنى أيضًا، وبالجملة: فاختصاره على ما قاله الرافعي ثم المصنف، غلطٌ محض.
قوله: وقول الشيخ: جعل، يرشد إلى أنه لا رد فيما إذا تحفلت الشاة بنفسها، وهو قضية ما صححه البغوي في مسألة المصراة.
انتهى.
وما يحصل من كلامه من تصحيح البغوي، عدم الرد إذا تحفلت بنفسها- غلطٌ، بل صحح العكس، وقد نقل هو عنه ذلك في موضعه، أعني ابن الرافعة.
قوله: أما حموضة الرمان المعروفة وحلاوته فليست بعيب، ولا خيار لفواتها، إلا أن يشترط، وعلى ذلك يحمل ما قاله الرافعي وغيره.
انتهى كلامه.
وما ذكره من إطلاق الرافعي، وأنه محمول على ما فصله غيره من الشرط وعدمه فغريب، فإن الرافعي قد صرح بذلك، فقال في أوائل خيار النقص: وليست حموضة الرمان بعيب، بخلاف البطيخ.
وقال في أواخر الباب فيما إذا اشترى مأكولًا لا يعرف عيبه إلا بكسرة: ولو شرط في الرمان الحلاوة فبان حامضًا بالغرر رد.
قوله: واعلم أن طريق معرفة الأرش: أن يقوم المبيع سليمًا، فإذا قيل: مائة، قوم معيبًا، فإذا قيل: تسعون، عرف أن التفاوت بينهما العشر، فيرجع بعشر الثمن، وفي القيمة المعتبرة ثلاثة أقوال: أحدها: وقت العقد، والثاني: وقت القبض.
ثم قال ما نصه: والثالث- وهو الأصح-: أقل القيمتين من يوم العقد إلى يوم القبض، لأنها إن كانت يوم البيع أقل فالزيادة حدثت في ملك المشتري، وإن كان يوم القبض أقل فما نقص من ضمان البائع.
انتهى كلامه.
واعلم أن الصحيح اعتبار الأقل كما قال، لكن هل المعتبر أقل الأمرين من يوم العقد والقبض حتى لا تعتبر الحالة المتوسطة، أو المعتبر أقل الأمور كلها من العقد إلى القبض؟ اختلف فيه كلام النووي: ففي الروضة الأول، وهو الذي قاله الرافعي في كتبه، وجزم في المنهاج بالثاني، فإنه غير عبارة المحرر، واعتذر في الدقائق.
إذا علمت ذلك فقد خلط المصنف مقاله: فتعبيره أولًا بالقيمتين يقتضي الأول، وتعبيره بيوم العقد إلى القبض يقتضي الثاني.
قوله: وإن وقف المبيع، أو كان عبدًا فأعتقه أو مات- رجع بالأرش.
ثم قال ما نصه: وحكى الإمام قبيل كتاب الرهن أن المزني ذهب إلى أن الرجوع بالأرش لا يثبت بعد تلف المقبوض.
انتهى كلامه.
واعلم أن الإمام إنما ذكر هذا النقل عن المزني في السلم خاصة لا في البيع، وقد سبقه إليه القاضي الحسين وبسطه، فلنذكر كلام القاضي ثم كلام الإمام، فنقول: قال القاضي قبل كتاب مختصر الرهن بأسطر: فصل: إذا أسلم في طعام، وقبض البعض
وأتلفه، ثم قبض الباقي واطلع على عيب به، فادعى أن المتلف كان به هذا العيب- فالقول قول المسلم إليه مع يمينه، لأن الأصل عدم العيب، فإن حلف تخلص، وإن نكل حلف المسلم، ورجع عليه بالأرش.
قال المزني: وجب ألا يجز له الرجوع بالأرش، لأنه يؤدي إلى أن يأخذ بعض المسلم فيه وبدلًا عن الباقي.
قلنا ليس هذا من الاستبدال في شيء، وإنما هو فسخ العقد في البعض، لأنه كاحتباس جزء، ألا ترى إنما يثبت له حق استرداد ما يقابل العيب من رأس المال، فإن نقص عشر القيمة مثلًا استرد عشر رأس المال، ولو أسلم في كر حنطة، وقبضها وأتلفها، ثم اطلع على عيب قديم بها ينقص عشر قيمتها- رجع على المسلم إليه بعشر رأس المال.
هذا لفظ القاضي، فتلخص أنه لم يخالف في البيع، بل في السلم، للمعنى المتقدم، وأما الإمام فإنه قد قال في الموضع المذكور أيضًا: فرع: إذا قبض المسلم المسلم إليه، وتلف في يده، واطلع على عيب- فرده والاستبدال منه غير ممكن بعد التلف، ولكن له الرجوع بالأرش، وهو قسط من رأس المال، وإذا حصل له الرجوع به لم يكن هذا استردادًا، ولكنه في حكم فسخ العقد في ذلك المقدار المسترد.
وذهب المزني إلى أن الرجوع بالأرش لا يثبت بعد تلف المقبوض.
هذا لفظه، ومراده بالمقبوض: إنما هو الذي يتكلم فيه، وهو المسلم فيه، فتوهم المصنف أنه للعموم، وإنه لمعذور في ذلك، لكن الإمام أخذه من القاضي على عادته، فكان من حقه إيضاحه كما أوضحه.
قوله: واعلم أن الكلام فيما يرجع بأرشه من العيوب فيما إذا خرج عن ملكه ونحو ذلك بمفروض فيما عدا الخصي، فإن كان العيب القديم هو الخصي فلا أرش له أصلًا، إذ لا نقص في القيمة حتى يعتبر من الثمن، صرح به الإمام والرافعي، وفي تعليله نظر، فإنه قال: لا أرش له كما لا رد، وقد صرح هو وغيره بثبوت الرد عند إمكانه بعيب الخصي.
انتهى كلامه.
وهذا الكلام الذي فهمه المصنف من كلام الرافعي غلط قبيح وذهول شنيع، فإن المراد أن المشتري في هذه الحالة قد امتنع عليه الأمران- وهما الرد وطلب الأرش- فانتقل المصنف عن صورة المسألة المطابقة للدعوى إلى صورة أخرى غير مطابقة، ثم اعترض عليه.
قوله- في أمثلة العيوب-: واعتياد الإباق كما صرح به الغزالي والإمام في باب السلم، دون المرة الواحدة، خلافًا لأبي علي الزجاجي والقاضي الحسين كما صرح
به في الموضع الذي سنذكره، وهذا منهما إشارة إلى أنه لو وجد في يد البائع ولم يوجد في يد المشتري كفى، وعلى الأول لا يكفي، وإلى ذلك أشار في الإشراف.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم الاكتفاء، تفريعًا على الأول وهو الاعتياد- كيف يستقيم؟! لأن الاعتياد لا يتوقف على تعاطيه عند المشتري.
نعم، راجعت الإشراف فرأيت فيه ما ذكره المصنف، إلا أن في كلامه ما يدفع الوهم.
قوله: وفي تعليق القاضي الحسين: أن محل الرد بعيب الإباق إذا تكرر منه في يد البائع، واشتهر ووجد في يد المشتري.
أما إذا وجد في يد البائع ثم وجد في يد المشتري بحيث تنقص القيمة لم يرد، لحدوث عيب آخر في يده.
انتهى كلامه.
وما نقله هنا عن القاضي الحسين يقتضي أن المرة الواحدة لا تكفي، وهو مخالف لما نقله عنه في المسألة السابقة، ومخالف- أيضًا- لما صرح به القاضي في تعليقه.
نعم، ذكر القاضي هذه المسألة بعبارة صحيحة فقال: فإن أبق في يده- يعني يد المشتري- ثم علم كونه آبقا: إن لم ينقص الإباق الثاني من القيمة، بأن كان قد تكرر ذلك منه، واشتهر به- رده، وإلا فلا، لحدوث العيب في يده.
هذا لفظه، وموضوع هذه المسألة إنما هو الكلام على أن الإباق في يد المشتري هل يمنع الرد بعيب الإباق الحاصل في يد البائع أم لا؟ وليس سياقها لبيان الإباق الذي يرد به على البائع مما لا يرد به عليه، فعبر المصنف عن ذلك بعبارة تدل على الثاني، ولا شك في أن اللفظ قد انعكس عليه، فإن قوله: وجد في يد المشتري، لو قدمه على ما قبله فقال: وفي تعليق القاضي: أن محل الرد بعيب الإباق إذا وجد في يد المشتري، إنما هو فيما إذا تكرر منه في يد البائع واشتهر به ... إلى آخره- لكان موافقًا لما قاله القاضي.
قوله: ولا رد بكون الرقيق عقيمًا وغير مخفوض أو مختون، إلا إذا كان الغلام كبيرًا يخاف عليه من الختان.
انتهى كلامه.
والمخفوض- بالخاء المعجمة وبالفاء وبالضاد المعجمة غير المشالة- هو المختون.
قاله الجوهري، قال: واختفضت الجارية، أي: اختتنت، والخافضة: الخاتنة.
إذا علمت ذلك علمت أن المذكور هنا غير صحيح، فإنه جعلهما شيئين، فقال: ولا رد بكونه كذا وغير كذا، والسبب في وقوع ذلك: أن الرافعي وجماعة عبروا بالخفض، وجماعة آخرون عبروا بالختان، فتوهم أنهما شيئان، وأن كل طائفة نصت
على ما يقله غيرها.
نعم، الخفض لا يكون إلا للمرأة، والإعذار للرجل، والختان يعمهما، ثم إن تعبيره بالغلام غير مستقيم، وصوابه التعبير بالرقيق، ليشمل الأنثى.
قوله:- وإن اختلفا في عيب يمكن حدوثه، أي: مثل تخريق الثوب، وكسر الإناء، والبرص، وأمثال ذلك، فقال البائع: حدث عندك، وقال المشتري: بل كان عندك- فالقول البائع، لأن حدوث العيب متفق عليه، والأصل عدم حصوله في يد البائع.
انتهى كلامه.
واعلم أنه كيف يستقيم الفرق بأن حدوثه متفق عليه، مع أن صورة المسالة في العيب الذي يمكن حدوثه، سواء قطعنا بحدوثه بعد وجود العيب أم احتمل مقارنتهما في الوجود كالعمى وغيره، فإنه يحتمل أن يكون طارئًا وأن يكون قد خلق أكمه.
تنبيه: ذكر في الباب مخلد بن خفاف في قوله- عليه أفضل الصلاة والسلام-: ((الخراج بالضمان)).
أما ((مخلد)) فإنه بميم مفتوحة، وخاء معجمة ساكنة، و ((خفاف)) بضم الخاء المعجمة وتخفيف الفاء، وهو غفاري، والحديث صححه الترمذي وغيره.
باب بيع المرابحة والنجش، والبيع على بيع أخيه
وبيع الحاضر للبادي والتسعير والاحتكار
قوله: وإذا اشترى سلعة جاز له بيعها من بائعها قبل إعطاء ثمنها له، وإن باعه بأقل، وكان الثمنان من نوع يجري فيه الربا.
ثم قال: وهذه المسألة تعرف بمسألة العينة، أخذا من العين وهو النقد الحاضر، نبه عليه ابن الصباع في مداينة العبيد.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن ابن الصباغ صحيح، لكنه بعيد في المعنى، ومخالف لكلام أهل هذا الشأن، فقد قال الجوهري: العينة- بالكسر- السلف، واعتان الرجل إذا اشترى بالنسيئة.
هذا كلام الجوهري، وذكر غيره مثله.
قوله: وما يزاد في الثمن ويحط منه في مدة الخيار يلحق برأس المال.
ثم قال: وفي الحاوي في باب بيع الطعام: أن النقصان إذا كان قبل التفرق كان فسخًا للبيع الأول، واستئناف بيع بعده بما بقي من الثمن الأول، حتى لو كان ذلك بعد تلف المبيع أو عتقه لم ينفذ النقص، ويبقى الثمن الأول بحاله، ولو كان قبل قبض المبيع ثم حط عنه شيئًا من الثمن، ثم تلف قبل إحداث عقد ثان- بطل العقد، وهذا الحكم في الزيادة.
ثم قال ما نصه: وأبطل في هذا الباب: أن يكون النقصان أو الزيادة فسخًا للعقد، وقال في أواخر باب الربا ... إلى آخر ما قاله.
وهذا الذي ذكره- رحمه الله- يقتضي اختلاف كلام الماوردي، فإن الكلام فيما إذا حصل ذلك في زمن الخيار، وليس الأمر كما قال المصنف، بل الذي قاله الماوردي في هذا الباب- أعني باب المرابحة- إنما محله بعد اللزوم، وقصد بذلك الرد على أبي حنيفة، فإنه قال بلحوق الحط بعد اللزوم، ويقدر فسخًا، وأجازه بما بقي فقال- أعني الماوردي-: فإن الزيادة والنقصان لا تلحق العقد بعد استقراره، وجوز ذلك أبو حنيفة، وجعل الزيادة والنقصان فسخًا للعقد الأول واستئناف عقدٍ ثانٍ، وهذا
فاسد من وجوه ثلاثة.
هذا كلام الماوردي.
قوله: روى الشافعي ومسلم بسندهما عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا بيع حاضر لباد، دعوا الناس في غفلاتهم يرزق الله بعضهم من بعض)).
انتهى.
واعلم أن قوله: ((في غفلاتهم)) ليست في رواية الشافعي ولا رواية مسلم، وروى الحديث- أيضًا- أبو داود والترمذي بدونها.
قوله: وإن قال: اشتريته بمائة، وباعه مرابحة، ثم قال: بل بتسعين- فالبيع صحيح، وفي ثبوت الخيار قولان.
ثم قال ما نصه: وقد بناهما الماوردي على أن إخباره بالتسعين كذب أم لا؟ وفيه خلاف، فمن لم يجعله كذبًا، ووجهه بأن التسعين تدخل في المائة- قال: لا يثبت للمشتري خيار.
قال: ومن جعله كذبًا، لأن التسعين بعض المائة، وهي مقابلة بعض المبيع، فلم يجز أن يخبر بأنها جميع الثمن ومقابلة بجميع المبيع- أثبت للمشتري الخيار.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن الماوردي غلط فاحش، فإن كلام المصنف فيما إذا كذب وقت البيع بزيادة، والبناء المذكور إنما يتصور في العكس، وهو ما إذا اشتراه بمائة ثم أخبر وقت المرابحة بأنه اشتراه بتسعين، وقد صرح الماوردي بهذا فقال: فصل: ولو اشترى ثوبًا بمائة درهم، فأخبر في بيع المرابحة أنه اشتراه بتسعين درهمًا- فقد اختلف أصحابنا: هل يكون كاذبًا في إخباره؟ على وجهين:
أحدهما: ليس بكاذب، لدخول التسعين في المائة، فعلى هذا الوجه: لا خيار للمشتري إذا علم بذلك.
والوجه الثاني: أنه كاذب، لأن التسعين بعض المائة، وفي مقابلة بعض المبيع، فلم يجز أن يخبر بأنها جميع الثمن وفي مقابلة جميع المبيع، فعلى هذا الوجه: للمشتري الخيار في الفسخ إذا علم بذلك.
هذه عبارة الماوردي.
باب اختلاف المتبايعين
قوله: ونص الشافعي هنا أن الحكم يبدأ بيمين البائع، وفي قول مخرج: بيمين المشتري، وفي قول: أنهما يستويان.
ثم قال: وهل هذا الخلاف في الاستحباب أو الاستحقاق؟ فيه وجهان في ((الحاوي))، أظهرهما: الأول، والذي نقله: الإمام الثاني.
انتهى.
وما نقله عن الإمام من كون التقدم على سبيل الاستحقاق غلط، فإن الإمام لم يتكلم في هذه المسألة بشيء.
نعم، نقل الإمام وجوب تقديم النفي على الإثبات، فسرى الوهم إلى المصنف بسببه، فاعلمه.
قوله: فيحلف: إنه ما باع بكذا، ولقد باع بكذا، ووراءه وجوه أخر، أحدها: أنه يكتفي بيمين النفي، قياسًا على سائر الخصومات، وهو مخرج من نصه فيما إذا كان في يد رجلين دار، فادعى كل منهما أن جميعها له، فإنه قال: يحلف كل منهما على مجرد نفي استحقاق صاحبه ما في يده، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر فالآخر يحلف يمينًا أخرى على الإثبات.
انتهى.
وما ادعاه من أن هذا هو القول المخرج من مسألة الدعاوى غلط، وإن كان وجهًا منقولًا، فإن الذي ذكره الأصحاب كلهم- حتى الرافعي- أن المخرج كالأول في أنه لابد من يمين أخرى للإثبات- أيضًا- إلا أنه لا يأتي بها متصلة بيمين النفي، بل بعد حلف صاحبه على النفي، فحلف الأول يمين النفي، ثم يحلفها الثاني، ثم يحلف الأول يمين الإثبات، ثم يحلفها- أيضًا- الثاني، حتى لو حلف الأول يمين النفي، فامتنع الثاني عنها- فلا يقضى للأول حتى يحلف يمين الإثبات، ولو امتنع الأول عن النفي وحلف الثاني عليهما- قضي له.
هكذا قاله الرافعي في المسألتين، على خلاف ما يقتضيه كلام المصنف، وعلله الرافعي باحتمال صدقه في نفي ما يدعيه صاحبه، وكذبه في ما يدعيه هو، وقد تفطن المصنف في ((المطلب)) لذلك، فذكره على الصواب كما ذكره غيره.
قوله: وقد خرج الأكثرون قولًا إلى مسألة الدعوى في الدار من مسألتنا: أنه يكتفي
فيها بيمين واحدة جامعة بين النفي والإثبات.
وحكى الإمام الغزالي ذلك في الدعاوى، وأثبت هنا التخريج من مسألة الدار إلى مسألتنا، وقال: إن مسألة الدار لا خلاف فيها.
انتهى.
واعلم أن التخريج من مسألة الدار إلى مسألتنا أشهر من عكسه، ودليله ما حكاه المصنف هنا عن الإمام والغزالي، والأصح: القطع في مسألتنا بالمنصوص كما قاله الرافعي، وطريقة التخريج ضعيفة عند الأصحاب، فإذا كانت التخريج في مسألتنا ضعيفة عند الأصحاب، مع أن الخلاف فيها أشهر من عكسه- فكيف يستقيم مع هذا أن يكون الأكثرون قائلين بالتخريج في عكسه؟! والذي أوقع المصنف في هذا: أن الرافعي قال: إذا فرعنا على التخريج من مسألة الدار إلى مسألتنا فهل يخرج من مسألتنا إلى مسألة الدار؟ قال كثيرون: نعم، والحق خلافه.
فذهل المصنف عن التفريع، وسبق وهمه من ((الكثيرين)) إلى ((الأكثرين))، وقد ذكر الرافعي ذلك في كتاب الدعاوى، وعبر بما هو أوضح من تعبيره هنا، فقال: والطريق الثاني: أنهما غير مقرين بحالهما، ولكن يخرج من نصه في هذه المسألة قول في التحالف، وفي التخريج من التحالف اختلاف لأصحاب الطريقة الثانية.
قوله- في المسألة-: والرابع: نقل القاضي أبو حامد في ((جامعه)): أن من أصحابنا من قال: يحلف كل منهما يمينين، فيقول البائع: والله ما بعت بكذا، ويقول المشتري: والله ما اشتريت بكذا، ثم يقول البائع: والله لقد بعته بكذا، ويقول المشتري: والله لقد اشتريته بكذا.
انتهى.
هذا قد تقدم الكلام عليه، وأنه هو القول المخرج، وحينئذ فنتحصل فيما سبق على ثلاثة أوجه فقط، لا على أربعة.
قوله: وإن قلنا: يحلف كل واحد يمينين، فإذا حلف الأول على النفي، ونكل الثاني عنه- عرضت على الأول يمين الإثبات، فإن حلف قضي له، وإن نكل لم يقض له، لاحتمال صدقه في نفي ما يدعيه صاحبه، وكذبه فيما يدعيه.
وعن الشيخ أبي محمد: أنه كما لو تحالفا.
انتهى كلامه.
ومتقضاه: أن ما قاله الشيخ أبو محمد وجه آخر مخالف لما تقدم، وليس كذلك، بل هو تفريع على عدم القضاء له، ولهذا عبر الرافعي بقوله ثم: عن الشيخ أبي محمد: أنه كما لو تحالفا، لأن نكول المردود عليه عن يمين الرد نازل في الدعاوى منزلة حلف الناكل أولًا.
هذا لفظه، فتوهم المصنف أنها مقالة أخرى.
قوله: ولو حلفا على النفي فوجهان، أصحهما- وبه قال الشيخ أبو محمد-: أنه يكفي ذلك، ولا حاجة بعده إلى يمين الإثبات، لأن المحوج إلى الفسخ جهالة الثمن، وقد حصلت، وهذا يظهر أنه عين القول المخرج ... إلى آخر ما قال.
وهذا الذي قاله عجيب- أيضًا- فإن هذا تفريع على أنه يحلف يمينين كما ذكره، والذي ذكره أولًا وادعى أنه المخرج إنما هو الاكتفاء بيمين النفي.
قوله: وقيل: لا ينفسخ إلا بالحاكم، لأنه فسخ مجتهد فيه فافتقر إلى الحاكم، كالفسخ بالعنة والإعسار.
انتهى.
وما جزم به من كون الفسخ بالعنة لا ينفذ إلا من الحاكم قد ناقضه في موضعه- وهو باب الخيار في النكاح- فقال: وفي استقلالها بالفسخ وجهان، أقربهما- وذكر في ((التتمة)) أنه المذهب-: الاستقلال، كما يستقل بفسخ المبيع بالعيب، والثاني- وهو مذهب العراقيين-: أن الفسخ إلى الحاكم.
هذا كلامه.
قوله: ولو رهن المبيع، ثم تحالفا- قال الرافعي: يخير البائع بين أخذ القيمة والصبر إلى انفكاك الرهن، فإن أخذ القيمة كانت للحيولة على الأصح.
قلت: وما قاله الرافعي من أن البائع يتخير فيه نظر، فإن الغزالي حكى فيما إذا طلق الرجل زوجته قبل الدخول، وكان الصداق مرهونًا: لو قال الزوج: أنتظر الفكاك للرجوع، فلها إجباره على قبول القيمة، خيفة من غرر الضمان إن قلنا: إن الصداق مضمون في يدها، وإن قلنا: لا ضمان، فهل يلزمه إجابتها؟ فيه وجهان.
ومنشأ هذا: أنه قد يبدو له المطالبة بالقيمة، وتخلو يدها في ذلك الوقت عن النقد.
وما ذكره من المعنى موجود في مسألتنا.
انتهى ملخصًا.
وما حاوله من التسوية بين المسألتين قد أجاب عنه في ((شرح الوسيط)) بأن القيمة إذا أخذت كانت عين الحق، وهنا إذا أخذت لا تكون عين الحق، بل للحيولة على الأصح كما تقدم.
قوله: وإن اختلفا في المبيع، فقال البائع: بعتك هذه الجارية بألف في ذمتك، وقال المشتري: بل بعتني هذا العبد بها- فالذي حكاه الشيخ أبو حامد والمحاملي والبندنيجي: أنهما لا يتحالفان، واختاره الإمام والبغوي.
انتهى.
وما حكاه عن الإمام من اختيار المنع ليس الأمر فيه كما قال، بل حاصل كلامه: الجواز، فإنه خرج الخلاف في هذه المسألة على الخلاف فيما إذا أقر لإنسان بألف من ثمن مبيع، فقال: بل عن قرض- هل يملك المطالبة أم لا؟ فإن قلنا: إنه يملك
المطالبة به، صار كالمعين، فإنه لو وقع مثل ذلك في العين ملك المطالبة بها وجهًا واحدًا، وإن قلنا: لا يملك المطالبة به، فلا تحالف.
ثم إن الإمام صحح اللزوم في مسألة الإقرار كما ذكره في موضعه، فاقتضى أن الصحيح التحالف، والغريب: أن المصنف مع ذكره لما ذكره أولا عن الإمام من اختيار المنع، قد نقل هذا التخريج بعد ذلك، ولكن السبب فيه: أن الرافعي قد وقع له- أيضًا- نقل اختيار ذلك عن الإمام، فقلده فيه المصنف، ولهذا عبر بعبارة الرافعي، ثم بعد ذلك نظر في كلامه فأخذ التخريج منه.
قوله في المسألة: وحكى القاضي أبو الطيب أن التحالف يجري في هذه الصورة- أيضًا- واختاره ابن الصباغ، واستدل له القاضي بأن ابن الحداد قال: إذا اختلف الزوجان، فقال: مهرتك أباك، فقالت: بل مهرتني أمي تحالفا.
انتهى.
وهذا التعبير الذي ذكره يقتضي عادةً أن ابن الصباغ لم يستدل بما استدل به القاضي، لأنه نقل عنهما معا القول بالتحالف، وأفرد القاضي بهذا الاستدلال، ولم يقل: واستدلا، فدل على ما قلناه، وليس كذلك، بل الاستدلال وقع منهما- أيضًا- فاعلمه.
قوله: ولو اختلفا في التسليم أجبر البائع على ظاهر المذهب، وحينئذ فإن كان الثمن مع المشتري أجبر على إعطائه، وإلا حجر عليه في جميع ماله إلى أن يحضر الثمن، فإن كان- أي الثمن- في بلد آخر، نظر: إن كان بينهما مسافة القصر ثبت للبائع الفسخ، لتصرره بالتأخير، فإن فسخ فذاك، وإن صبر إلى الإحضار دام الحجر.
ثم قال ما نصه: قال الرافعي: وحكي الإمام عن ابن سريج: أنه لا يفسخ، ولكن يرد المبيع إلى البائع ويحجر على المشتري، ويمهل إلى الإحضار، وادعى في ((الوسيط)) أنه الصحيح، وإن كان بينهما دون مسافة القصر فهو كما لو كان في البلد، أما لا لو كان على مسافة القصر؟ فيه وجهان.
هذا آخر كلام الرافعي، ومقتضاه: أن خلاف ابن سريج فيما إذا كان المال في مسافة القصر، والذي رأيته فيما وقفت عليه من ((النهاية)): أن ابن سريج قال: إن كان ماله غائبًا عن المجلس فيمهل المشتري إلى تحصيل الثمن، ولا يحجر عليه، ويرد المبيع إلى البائع إلى أن يتوفر عليه الثمن، وإذا انتهى الأمر إلى الامتناع إلى الوصول إلى الثمن، لغيبة شاسعة يعد مثلها امتناعًا ثبت له الفسخ.
انتهى كلام ابن الرفعة، رحمه الله.
والكلام عليه متوقف على نقل كلام الإمام، فنقول: قال في ((النهاية)) ما نصه: وقال
ابن سريج: إن كان ماله في البلد، ولكن كان غائبًا عن مجلس التسليم- فيمهل المشتري إلى تحصيل الثمن، ويحجر عليه، ولا يرد المبيع إلى البائع، فأما إذا كان ماله غائبًا عن البلد فليرد المبيع إلى البائع إلى أن يتوفر عليه الثمن، ولا يثبت حق الفسخ عند ابن سريج أصلًا بهذا الوقف الذي نص عليه الشافعي، وإنما يثبت إذا انتهى الأمر إلى الإعسار أو إلى امتناع الوصول إلى الثمن بغيبة شاسعة يعد مثلها امتناعها.
هذا كلام الإمام.
إذا علمت ذلك علمت أن في كلام المصنف أمرين:
أحدهما: أن ما اعترض به على الرافعي من أن الإمام لم يحك مقالة ابن سريج في حالة غيبة المالك، وأنما حكاها عنه فيما إذا كان ماله في البلد- غلط، سببه إسقاط من كلام الإمام، فإن الإمام قد ذكر المسألتين كما قد أوقفتك عليه، وهما: مسألة الرافعي، ومسألة المصنف، فأسقط المصنف من كلام الإمام من لفظ ((البائع)) إلى ((البائع)): إما لانتقال نظره، وإما لغلط في نسخته.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن ((النهاية)) فيما إذا كان ماله في البلد غائبًا علن المجلس، أن ابن سريج قال: إنه لا يحجر عليه، وير المبيع إلى البائع- غلط على العكس مما في ((النهاية))، فإن فيها عنه إثبات الحجر ونفي الرد كما قاله تقدم من حكاية لفظه، فتأمله.
وقد وقع في ((الرافعي)) هنا- أيضًا- غلط في هذه المسألة تبعه عليه في ((الروضة))، فإنه نقل عن ابن سريج أمرًا ثالثًا، وهو أنه يرد المبيع إلى البائع، ويحجر على المشتري، أعني بإثبات الأمرين، فتفطن.
باب السلم
قوله: وادعى الرافعي أن اسم ((السلم)) يشمل القرض- أيضًا- لكن حد السلم الشرعي يخرجه، وهو: العقد على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلًا.
انتهى.
وما نقله عن الرافعي عن شمول اسم السلم للقرض نقله عنه في ((المطلب)) - أيضًا- وهو غلط على الرافعي، فإن الرافعي إنما ذكر ذلك في لفظ ((السلف)) - بالفاء- فقال: وجمع في هذا الكتاب- يعني الغزالي- بين السلم والقرض، لتقاربهما واشتراكهما لفظًا ومعنى: أما اللفظ، فلأن كل واحد منهما يسمى سلفا، وأما المعنى، فلأن كل واحد منهما إثبات مال في الذمة بمبذول في الحال.
هذه عبارة الرافعي، وهو كلام صحيح صرح به غيره أيضًا.
قوله: ولا يلزم قبول الرأس والرجل من الطير، والرأس والذنب من السمكة، وكان بعض أصحابنا من البصريين يقول: ما كان من الطير صغيرًا لا يحتمل أن يباع مبعضًا، لزمه فيه أخذ الرأس والرجلين، وكذا ما كان من الحيتان صغيرًا، يلزم فيه أخذ الرأس والذنب، لأنه يؤكل معه ويطبخ.
والمذهب: الأول.
انتهى.
وهذا الذي جزم به من وجوب القبول في رأس الحوت، ولم يحك فيه خلافًا إلا وجهًا في الصغار- وهو الصواب كما أوضحته في ((المهمات)) فاعلمه، فإن الرافعي قد جزم بخلافه، فربما توهم الواقف عليهما أن المذكور هنا غلط.
قوله: ولا يحتاج في السمن إلى ذكر العتق والحداثة عند الشيخ أبي حامد، لأن العتيق لا يصح السلم فيه.
قال القاضي أبو الطيب: العتيق المتغير هو المعيب، لا كل عتيق، فيجب البيان.
انتهى.
وما نقله عن القاضي من وجوب البيان مطلقًا قلد فيه الرافعي، وليس كذلك، فقد نقل صاحب ((الشامل)) عنه: أنه إن اختلف قيمته وجب، وإلا فلا، فقال ما نصه: قال القاضي: ويقول حديث أو عتيق، إن كان يختلف.
وقال الشيخ أبو حامد: قال الشافعي: إطلاقه يقتضي الحديث، فإن العتيق معيب، وإنما يصلح للجراح.
وقال