أهل الأثرالأرشيف العلمي

الشبهة الخامسة

: ومن الشبه التي استند إليها القائلون بالاحتفال بالمولد النبوي قولهم: إن الفرح به صلى الله عليه وسلم مطلوب بأمر القرآن، من قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾.1
فالله أمرنا أن نفرح بالرحمة والنبي صلى الله عليه وسلم أعظم الرحمة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.2.3 ## الجواب عن هذه الشبهة : أن الاستدلال بهذه الآية على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي، من قبيل حمل كلام الله تعالى على ما لم يحمله عليه السلف الصالح، والدعاء إلى العمل به على غير الوجه الذي مضوا عليه، في العمل به، وهذا أمرٌ لا يليق؛ لما بينه الشاطبي في كتابه (الأدلة الشرعية من الموافقات) وهو أن الوجه الذي يثبت عن السلف الصالح العمل بالنص عليه، لا يقبل ممن بعدهم دعوى دلالة النص عليه.
قال: إذ لو كان دليلاً عليه لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين ثم يفهمه هؤلاء، فعمل الأولين كيف كان مصادقاً لمقتضى هذا المفهوم، ومعارضاً له، ولو كان ترك العمل4، فما عمل به المتأخرين من هذا القسم مخالف لإجماع الأولين وكل من خالف الإجماع فهو مخطئ، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تجتمع على ضلالة، فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنَّة والأمر المعتبر، وهو الهدى، وليس ثم إلا صواب أو خطأ، فكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ، وهذا كاف... وكثير ما تجد أهل البدع والضلالة يستدلُّون بالكتاب والسنة يحملونها مذاهبهم، ويغبرون بمشتبهاتهما في وجوه العامة، ويظنون أنهم على شيء، ولذلك أمثلة كثيرة: منها: استدلال التناسخية5على صحة ما زعموا بقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا

شَاءَ رَكَّبَكَ﴾.1
واستدلال كل من اخترع بدعة، أو استحسن محدثة لم تكن في السلف الصالح، بأن السلف اخترعوا أشياء لم تكن في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم: ككتب المصحف، وتصنيف الكتب، وتدوين الدواوين، وتضمين الصناع، وسائر ما ذكره الأصوليون في أصل المصالح المرسلة، فخلطوا وغلطوا، واتبعوا ما تشابه من الشريعة ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلها، وهو كله خطأ على الدين، واتباع لسبيل الملحدين، فإن هؤلاء الذين أدركوا هذه المدارك، وعبروا على هذه المسالك، إما أن يكونوا قد أدركوا من فهم الشريعة ما لم يفهمه الأولون أو حادوا عن فهمها، وهذا الأخير هو الصواب؛ إذ المتقدمون من السلف الصالح كانوا على الصراط المستقيم، ولم يفهموا من الأدلة المذكورة وما أشبهها إلا ما كانوا عليه، وهذه المحدثات لم تكن فيهم، ولا عملوا بها، فدل على أن تلك الأدلة لم تتضمن هذه المعاني المخترعة بحال، وصار عملهم بخلاف ذلك دليلاً إجماعياً على أن هؤلاء في استدلالاهم وعملهم مخطئون ومخالفون للسنة...... الخ.2
أن كبار المفسرين قد فسَّرُوا هذه الآية الكريمة، ولم يكن في تفسيرهم أن المقصود بالرحمة في هذه الآية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما المقصود بالفضل والرحمة المفروح بهما، ما عنته الآية السابقة لهذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ

فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.1
قال ابن جرير في تفسيره: (القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قُلْ)) يا محمد لهؤلاء المكذبين بك، وبما أنزل إليك من عند ربك. ((بِفَضْلِ اللَّهِ)) أيها الناس الذي تفضل به عليكم وهو الإسلام، فبينه لكم، ودعاكم إليه. ((وَبِرَحْمَتِهِ)) التي رحمكم بها فأنزلها إليكم فعلَّمكم ما لم تكونوا تعلمون من كتابه، فبصركم بها معالم دينكم وذلك القرآن ((فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)) يقول: فإن الإسلام الذي دعاهم إليه، والقرآن الذي أنزله عليهم، خير مما يجمعون من حطام الدنيا وكنوزها).2
ا. هـ. وقال القرطبي - رحمه الله - في ((الجامع لأحكام القرآن)) : قوله تعالي: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾.
قال أبو سعيد الخدري وابن عباس - رضي الله عنهم -: فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام.
وعنهما أيضاً: فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله.
وعن الحسن، والضحاك، ومجاهد، وقتادة: فضل الله الإيمان،

ورحمته القرآن - على العكس من القول الأول)1ا. هـ. وقال ابن كثير - رحمه الله - في تفسير: (يقول الله تعالى ممتناً على خلقه بما أنزله من القرآن العظيم، على رسوله الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، أي: زاجر عن الفواحش.
﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي: من الشبه والشكوك، وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس.
﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ أي: يحصل به الهداية والرحمة من الله تعالى، وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدِّقين الموقنين بما فيه، كقوله تعالى ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾2، قوله تعالى ﴿.. قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ.....﴾3، قوله تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾4، أي: بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق، فليفرحوا فإنَّهُ أولى ما يفرحون به)5ا. هـ. وقال ابن قيم الجوزية في تفسير يقوله تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ : (وقد دارت أقوال السلف، على أن فضل الله ورحمته: الإسلام والسنة)6ا. هـ.

وقال ابن عبد الهادي في الصارم المنكي في الرد على السبكي: (... ولا يجوز إحداث تأويل في آية، أو في سنة لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه، ولا بيَّنُوه للأمة، فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا، وضلوا عنه، واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر فكيف إذا كان التأويل يخالف تأويلهم ويناقضه؟.....)1ا. هـ. والشبه التي استند إليها القائلون بالاحتفال بالمولد النبوي كثيرة، وليس هذا مجال حصرها؛ لأن استقصاءها والإحاطة بها، تحتاج إلى مؤلف منفرد خاص بها، والقصد هنا هو الإشارة والتنبيه إلى بعض هذه الشبه، وقد ذكرت بشكل موجز ردود العلماء على هذه الشُّبه، وأنه ليس في أي واحدة منها دليل على جواز الاحتفال بالمولد النبوي.
ولكن القائلين بهذه البدعة أرادوا إضفاء الصبغة الشرعية على هذا الأمر المبتدع، فاستشهدوا بهذه الأدلة، وفسَّرُوها بما يوافق هواهم، وعقيدتهم الفاسدة، فكانوا كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾2- والله أعلم -.

المبحث الرابع

فصول الكتاب · 107 فصل · 441 صفحة
البدع الحولية
تأليف حمود بن عبد الله التويجري
الأولى، 1421 هـ - 2000 م
تقدّمك في الكتاب: الشبهة الخامسة — 33 من 107
فصول البدع الحولية · 441 صفحة
مقدمة الكتابالمقدّمَةأسباب اختيار الموضوعمنهجي في إعداد البحث.البدع لغةتعريف البدعة.البدعة في الاصطلاححكم البدع في الإسلامأسباب نشأة البدعأول بدعة ظهرت في الإسلامأسباب انتشار البدعآثار البدع على المجتمعوسائل الوقاية من البدعالبدع الحوليةشهر المحرمبعض الآثار الواردة فيه.بدعة الحزن في شهر محرم عند الرافضة1في اليوم العاشر من شهر محرم، وهو اليوم الذي عرف بـ (عاشوراء) أكرم الله سبحانه وتعالى الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - بالشهادة، وذلك سنة 61هـ2، وكانت شهادته مما رفع الله بها منزلته، وأعلى درجته، فإنه هو وأخوه الحسن سيد اشباب أهل الجنة3، والمنازل العالية لا تنال إلا بالبلاء، كما قال صلى الله عليه وسلم لما سُئِل: أي الناس أشد بلاءً؟ فقال: ((الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل: يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقّة خفف عنه، ولابدعة الفرح في يوم عاشوراء عند النواصب1تقدم في المبحث السابق، ذكر بدعة الحزن في يوم عاشوراء عند الرافضة، وفي هذا المبحث سنتكلم - إن شاء الله - عن الذين عارضوا الرافضة، فجعلوا يوم عاشوراء موسم فرح، وهم النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ومن الجهَّال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والكذب بالكذب، والشر بالشر، والبدعة بالبدعة، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء؛ كالاكتحال، والاختضاب، وتوسيع النفقات على العيال، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك مما يُفعل في الأعياد والمواسم، فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسماً كمواسم الأعياد والأفراح.2 وكان أول ظهورهم على زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لما أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: بعث علي -رضي الله عنه- إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة3، فقسمها بين الأربعة:شهر صفربعض الآثار الواردة فيه.بعض الآثار الواردة فيهبدعة التشاؤم بصفرشهر ربيع الأول1## بدعة الاحتفال بالمولد النبويأول من أحدث هذه البدعة.حالة المجتمع في ذلك العصر.حالة المجتمع في ذلك العصربعض الشبه التي عرضت للقائلين بهذه البدعة والجواب عنها.الشبهة الأولىالشبهة الثانيةالشبهة الثالثةالرد على هذه الشبهةالشبهة الرابعةالشبهة الخامسةطريقة إحياء المولدحقيقة محبته صلى الله عليه وسلمموقف أهل السنة من هذه البدعةشهر رجببعض الآثار الواردة فيه.تعظيم الكفار لشهر رجب.تعظيم الكفار لشهر رجب....عتيرة رجب.بدعة تخصيص شهر رجب بالصيام أو القيامبدعة صلاة الرغائببدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراجشهر شعبانبعض الآثار الواردة فيه.بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان.بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبانالصلاة الألفية المبتدعة في شعبانشهر رمضانفضل هذا الشهر وما ورد فيه.فضل هذا الشهر وما ورد فيهبعض البدع التي تقام في هذا الشهرقراءة سورة الأنعامبدعة صلاة التراويح بعد المغرببدعة صلاة القدربدعة القيام عند ختم القرآن في رمضان بسجدات القرآن كلها في ركعةبدعة سرد آيات الدعاءبدعة الذكر بعد التسليمتين من صلاة التراويحبعض بدع ليلة ختم القرآنبدعة التسحيرالبدع المتعلقة برؤية هلال رمضانبدعة حفيظة رمضانبدعة قرع النحاس آخر الشهربدعة وداع رمضانبدعة الاحتفال بذكرى غزوة بدر1:شهر شوالبعض الآثار الواردة فيه.بعض الآثار الواردة فيهبدعة التشاؤم من الزواج فيهبدعة عيد الأبرارشهر ذي الحجةبعض الآثار الواردة فيه.بدعة التعريف.بدعة التعريفبدعة غدير خمأول من أحدث هذه البدعة.حكم هذا العيد.مشابهة المسلمين للكفار في أعيادهم.تمهيدالاحتفال بعيد ميلاد المسيحالاحتفال بالنيروزالاحتفال بأعياد الميلادالاحتفالات والأعياد المحدثةالاحتفال برأس السنة الهجريةالاحتفال برأس القرن الهجريالاحتفال بذكرى بعض العلماءمشروعية مخالفة أهل الكتابالأدلة على تحريم مشابهة أهل الكتابالأدلة من الكتابالأدلة من السنةالأدلة من الإجماعآيات وأحاديث وآثار ذكرها شيخ الإسلام ابن تيميةمن الكتابمن السنةمن الإجماعمن الآثارالوجه الأولالوجه الثانيالوجه الثالثالوجه الرابعالوجه الخامسالوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالخاتمةأهم النتائج التي خرجت بها من خلال كتابي في موضوع ((البدع الحولية)) :
جارٍ التحميل