المسألة الثالثة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السيوطي
- الكتاب
- الاقتراح في أصول النحو
- المؤلف
- عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)ضبطه وعلق عليه: عبد الحكيم عطيةراجعه وقدم له: علاء الدين عطية
- الناشر
- دار البيروتي، دمشق
- الطبعة
- الثانية، 1427 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]
(حد اللغة , وهل هي بوضع الله أو البشر)
قال في (الخصاص):
" حد اللغة: أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم ".
واختلف هل هي بوضع الله أو البشر؟ على مذاهب:
أحدها: وهو مذهب الأشعري أنها بوضع الله.
واختلف على هذا: هل وصل إلينا علمها بالوحي إلى نبي من أنبيائه , أو بخلق أصوات في بعض الأجسام تدل عليها , واسماعها لمن عرفها ونقلها , أو بخلق العلم الضروري في بعض العباد بها؟
على ثلاثة مذاهب , أرجحها الأول , ويدل له ولأصل المذهب قوله تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها , أي أسماء المسميات.
قال ابن عباس: علمه اسم الصحفة , والقدر , حتى الفسوة والفسية.
وفي رواية عنه: عرض عليه أسماء ولده إنسانا إنسانا , والدواب فقيل: هذا الحمار , هذا الجمل , هذا الفرس.
أخرجهما ابن أبي حاتم في تفسيره.
وتعليمه تعالى دال على أن الواضع دون البشر , وأن وصولها بالوحي إلى آدم.
ومال إلى هذا القول ابن جني , ونقله عن شيخه أبي علي الفارسي , وهما من المعتزلة.
والمذهب الثاني: أنها اصطلاحية , وضعها البشر , ثم قيل: وضعها آدم.
وتأول ابن جني الآية على أن معنى (علم آدم): أقدره على وضعها.
وقيل: لعله كان يجتمع حكيمان , أو ثلاثة فصاعدا , فيحتاجون إلى الإبانة عن الأشياء المعلومة , فوضعوا لكل واحد منها لفظا , إذا ذكر عرف به.
وقيل: أصل اللغات كلها من الأصوات المسموعات , كدوي الريح والرعد ,
وخرير الماء , ونعيق الغراب , وصهيل الفرس , ونهيق الحمار , ونحو ذلك , ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد.
واستحسنه ابن جني.
والمذهب الثالث: الوقف , أي لا يدري: أهي من وضع الله أو البشر لعدم دليل قاطع في ذلك.
وهو الذي اختاره ابن جني أخيرا.
تنبيهان:
الأول: زعم بعضهم أنه لا فائدة لهذا الخلاف.
وليس كذلك , بل ذكر له فائدتان:
الأولى: فقهية , ولذا ذكرت هذه المسألة في أصوله.
والأخرى: نحوية , ولهذا ذكرها في أصوله تبعا لابن جني في (الخصائص) , وهي جواز قلب اللغة , فإن قلنا: أنها اصطلاحية جاز , وإلا فلا.
وإطباق أكثر النحاة على أن المصحفات ليست بكلام ينبغي أن يكون في هذا الأصل.
الثاني: قال ابن جني:
الصواب , وهو رأي أبي الحسن الأخفش , سواء قلنا بالتوقيف أن بالاصطلاح - أن اللغة لم توضع كلها في وقت واحد , بل وقعت متلاحقة متتابعة.
قال الأخفش: اختلاف لغات العرب إنما جاء من قبل أن أول ما وضع منها وضع على خلاف , وإن كان كله مسوقا على صحة وقياس , ثم أحدثوا من بعد أشياء كثيرة لا حاجة إليها , غير أنها على قياس ما كان وضع في الأصل مختلفا.
قال: وبجوز أن يكون الموضوع الأول ضربا واحدا , ثم رأى من جاء من بعد أن خالف قياس الأول إلى قياس ثان جار في الصحة مجرى الأول.
قال وأما أي الأجناس الثلاثة: الاسم , والفعل , والحرف , وضع قبل؟ فلا يدرى ذلك , ويحتمل في كل من الثلاثة وضع قبل.
وبه صرح أبو علي.
قال: وكان الأخفش يذهب إلى أن ما غير لكثرة استعماله , إنما تصورته العرب قبل وضعه , وعلمت أنه لابد من كثرة استعمالها إياه , فابتدءوا بتغييره , علما بأن لابد من كثرته الداعيه إلى تغييره.
قال: ويجوز أن يكون كانت قديما معربة , فلما كثرت غيرت فيما بعد.
قال: والقول عندي هو الأول , لأنه أدل على حكمتها وأشهد لها بعلمها بمصاير أمرها , فتركوا بعض الكلام مبنيا غير معرب , نحو: أمس , وأين , وكيف , وكم , وإذا , وحيث , وفبل , علما بأنهم سيستكثرون منها فيما بعد , فيجب لذلك تغييرها.