كتاب الصيام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
- عدد الأجزاء
- 5 [الكتاب مرقم آليا]
ثالثاً: القياس الصحيح على التوقيت اليومي فإنه بالإجماع أن لكل جهة من الأرض حكمها في التوقيت اليومي وأنه إذا طلع الفجر على قوم لزمهم الإمساك وإذا غربت الشمس على قومٍ حل لهم الفطر وإن كانت البلاد الأخرى لم تكن كذلك وهذا بالإجماع ولم يعارض فيه أحد مع أن فيه عموماً كعموم (إذا رأيتموه فصوموا) وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام (إذا أقبل الليل من هاهنا وأشار إلى المشرق وأدبر النهار من هاهنا وأشار إلى المغرب وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) ومعلومٌ أن هذا الحكم يختص بمن تحقق فيه هذا الشيء ومن لا فلا ولهذا كان القول الراجح بلا شك ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه إذا اختلفت مطالع الهلال فلكل قومٍ مطلعهم قال واختلاف المطالع ثابت باتفاق أهل المعرفة وعلى هذا فما توافق في مطلع الهلال ومغربه فالحكم واحد وإن تباعدت البلاد وإذا اختلف المطلع فإنه يختلف فيه الحكم وهذا أقرب مايكون إلى القواعد وعرفتم أيضاً أنه موافق للكتاب والسنة والقياس الصحيح وفي المسالة قول آخر ذهب إليه المؤلف وهو أنه إذا رُؤي في أقصى المشرق لزم أقصى المغرب أن يصوموا وإذا رؤي في أقصى المغرب لزم أهل المشرق أن يصوموا مع أن هذا يختلف فيه المطالع وكذلك بالنسبة للشمال والجنوب وهذا هو المذهب واستدلوا بعموم قوله (إذا رأيتموه فصوموا) وقالوا إن الخطاب للمسلمين عموماً فإذا رآه واحد منهم لزم الجميع.
والقول الثالث في المسألة أن الناس يرجعون إلى عمل السلطة والولاية فإذا كانت الولاية واحدة فإذا ثبت في جهة منها لزم كل من تحت هذه الولاية ولو تباعدت الأقطار وإلا فلا وهذا الذي عليه العمل الآن، العمل الآن حسب الولايات مثلاً هذه المنطقة يحكمها ناس وهذه المنطقة يحكمها ناس يجعلون كل منطقة لها حكمها لئلا يحصل الخلاف والنزاع وهذا وإن كان فيه وجهة نظر من جهة الاتفاق وعدم الاختلاف بين أمة واحدة محكومة بحكم واحد لكنه من الناحية النظرية ليس بجيد لأنه مثلاً إذا كانت الحدود بين دولتين وليس بين الدولتين إلا هذا الحد الذي يكون خمسة أذرع فمثلاً هل من المعقول أن تراه هذه الدولة ثم نقول: الدولة التي بيننا وبينها خمسة أذرع لايلزمكم الحكم هذا بعيد لكن من ناحية أن الناس ينضوون تحت ولاية واحدة ولا يختلفون له وجه نظر وهذا هو الذي عليه العمل على أنه مع الأسف الشديد أن بعض الحكومات تجعل العمل تابع للسياسة فإذا كانت العلاقات جيدة بين دولة وأخرى صاروا تبعاً لها وإذا كانت العلاقة رديئة أصبح لكل أهل بلد مطالعهم وهذا تلاعب بالشرع هذا لا يجوز إطلاقاً فإما أن يقال نعمل بالولاية ومن كان تحت ولاية واحدة فلهم حكم واحد إن صام الناس صاموا وإن أفطر الناس أفطروا وإما أن نقول: بأن رؤية الواحد رؤية للجميع أما التلاعب بدين الله فهذا لا يجوز بقي علينا من كانوا في بلاد الغرب وليس هناك دولة مسلمة تراعي هذا الأمر وتراقب القمر فمن يتبعون؟ أقرب ما يكون للنظر أن يتبعوا أقرب البلاد إليهم إذا كانوا يحكمون بالرؤية لأن هذا هو المعقول ومن العلماء من قال إنهم يتبعون مكة لأن مكة أم القرى كما سماها الله عز وجل فمتى ثبت في مكة لزم الناس الذين ليس لهم دولة مستقلة إسلامية لزم الناس اتباعها صوماً وفطراً ولكن الأقرب الأول أن يتبع أقرب البلاد الإسلامية إلى هذه البلاد الغربية إلا إذا كان للجالية المسلمة في هذه البلاد الكافرة إذا كان لهم
رابطة تربطهم فإنهم يتبعون الرابطة ولا يشذون عنها لأنها تعتبر بمنزلة الإمام.
السائل: إذا كانت يا شيخ الرابطة هذه لا تعتمد على الرؤية وإنما على الحساب فماذا نصنع؟
الشيخ: لكن هل إذا قلنا إن الحساب لا عبرة به هل ممكن أن نعتمد على الرؤية هناك في تلك البلاد؟ إذا كان يمكن بحيث يخرج أناس مرضيون في نظرهم وأمانتهم فنعم لا نعتمد رأي الرابطة ما دامت تحكم بالحساب أما إذا تعذر فقد سبق لنا أن بعض العلماء يقول (فإن غم عليكم فاقدروا له) أنه من التقدير الذي هو حساب منازل القضاء.
القارئ: ومن رأى الهلال فردت شهادته لزمه الصوم لقوله عليه الصلاة والسلام (صوموا لرؤيته) فإن أفطر يومئذٍ بجماع فعليه القضاء والكفارة لأنه أفطر يوماً من رمضان بجماع تام فلزمته كفارة كما لو قبلت شهادته.
ولا يجوز الفطر إلا بشهادة عدلين الحديث عبد الرحمن بن زيد، ولا أنها شهادة على هلال لا يدخل بها في العبادة فلم يقبل فيه الواحد كسائر الشهور ولا تقبل فيها شهادة رجل وامرأتين لذلك ولا يفطر إذا رآه وحده لما روي أن رجلين قدما المدينة وقد رأيا الهلال وقد أصبح الناس صياما فأتيا عمر فذكرا ذلك له فقال لأحدهما أصائم أنت؟ قال: بل مفطر.
قال ما حملك على هذا؟ قال لم أكن لأصوم وقد رأيت الهلال وقال الآخر: أنا صائم قال ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأفطر والناس صيام فقال: للذي أفطر لولا مكان هذا لأوجعت رأسك رواه سعيد.
الشيخ: هذه المسألة اختلف فيها العلماء فالمشهور كما قاله المؤلف إذا رأى وحده هلال شوال وجب عليه الصوم لأن هلال شوال لا يثبت إلا برؤية شاهدين وما دام لم يثبت شرعاً فإنه يجب عليه أن يصوم وقيل له أن يفطر سراً والأقرب أن لا يفطر سراً لاحتمال الوهم في رؤيته مخالفة الجماعة مفسدة ظاهرة فلا ينبغي له أن يخالف الجماعة بأمر يحتمل فيه الوهم وهذا أقرب إلى الصواب ولأنه أحوط بخلاف ما ذكرناه في أول الفصل بالنسبة للصوم لأنه إذا صام يوماً والناس لم يصوموا لا يضره.
القارئ: ولأنه محكوم به من رمضان أشبه الذي قبله فإذا صام الناس بشهادة اثنين ثلاثين يوماً فلم يروا الهلال أفطروا لقول النبي صلى الله عليه وسلم (فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين ثم أفطروا) حديث حسن.
الشيخ: المؤلف رحمه الله أحياناً يتعجب الانسان منه (فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) هذا في الصحيحين أو أحدهما وكان ينبغي له أن يستدل به لأنه أحسن من هذا اللفظ الذي ساقه.
القارئ: وإن صاموا لأجل الغيم فلم يروا الهلال لم يفطروا لأنهم إنما صاموا احتياطاً للصوم فيجب الصوم في آخره احتياطا وإن صاموا بشهادة واحد فلم يروا الهلال ففيه وجهان أحدهما لا يفطرون لقول النبي صلى الله عليه وسلم (وإن شهد اثنان فصوموا وأفطروا) ولأنه فطر يستند إلى شهادة واحد فلم يجز كما لو شهد بهلال شوال.
والثاني يفطرون لأن الصوم ثبت فوجب الفطر باستكمال العدة تبعاً وقد يثبت تبعاً ما لا يثبت أصلا بدليل أن النسب لا يثبت بشهادة النساء أصلا ويثبت بها الولادة ثم يثبت النسب للفراش على وجه التبع للولادة.
الشيخ: وهذا هو الأقرب فالصواب أنه إذا صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً أفطروا سواءً رأوا الهلال أو لم يروه لأنه يثبت تبعاً ما يثبت استقلالاً.
السائل: قول عمر في الأثر السابق (لولا مكان هذا لأوجعتك) ما فهمت هذا؟
الشيخ: يحتمل المراد المكان الذي هم فيه احتراماً له كما قال للرجلين الذين رفعا صوتهما عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام (لولا أنكما في مسجد الرسول ولستما من أهل هذا البلد لأوجعتكما ولضربتكما) يحتمل لولا صاحبك فتركت ذلك إكراماً لصاحبك وهذا أقرب إلى اللفظ.
السائل: شهادة الصبي هل تقبل في باب الصيام؟
الشيخ: لا تقبل لا بد أن يكون بالغا عاقلاً.
فصلٌ
القارئ: ومن كان أسيراً أو في موضع لا يمكنه معرفة الشهور بالخبر فاشتبهت عليه فإنه يصوم شهراً بالاجتهاد لأنه اشتبه عليه وقت العبادة فوجب العمل بالتحري كمن اشتبه عليه وقت الصلاة فإن لم ينكشف الحال فصومه صحيح لأنه أدى فرضه باجتهاده أشبه المصلي يوم الغيم وإن انكشف الحال فبان أنه وافق الشهر أجزأه لأنه أصاب في اجتهاده وإن وافق بعده أجزأه لأنه وقع قضاء لما وجب عليه فصح كما لو علم وإن بان قبله لم يجزئه لأنه صام قبل الخطاب أشبه المصلي قبل الوقت وإن صام بغير اجتهاد أو غلب على ظنه أن الشهر لم يدخل فصام لم يجزئه وإن وافق، لأنه صام مع الشك فأشبه المصلي شاكاً في أول الوقت.
الشيخ: إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يعلم دخول الشهر فإنه يتحرى ويصوم لقول الله تبارك وتعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) وقوله (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ومن القواعد المعروفة إذا تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن فهذا يرجع إلى غلبة ظنه ثم لا يخرج إما أن يوافق الشهر وإما أن يكون بعده وإما أن يكون قبله هذه ثلاث حالات لا يكون سواها فإن وافق الشهر فصومه صحيح وإن كان بعده فصومه صحيح لكنه يكون قضاءً وإن كان قبله فصومه غير صحيح لأنه صام قبل الوقت كمن صلى قبل الوقت ويحتمل أن يكون صومه صحيحاً لأنه أدى ما يجب عليه فبرئت ذمته وهذا أقرب إلى يسر الشريعة وسهولتها أما إذا بقيت الحال على ما هي عليه فإن صومه صحيح لكن كلامنا إذا بان الأمر على خلافه.
فصل
القارئ: ووقت الصوم من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس لقول الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ).
الشيخ: قول المؤلف (الفجر الثاني) يفيد أن هناك فجراً أول وهو كذلك وقد ذكر العلماء أن بين الفجرين ثلاثة فروق:
الفرق الأول: أن الفجر الأول يكون مستطيلاً في الأفق كذنب الذئب وأما الفجر الثاني فيكون معترضاً في الأفق يعني يمتد من الشمال إلى الجنوب وأما ذاك فيمتد من الشرق إلى الغرب.
الفرق الثاني أن الفجر الأول يكون ما بينه وما بين الأفق مظلم يعني كأنه نور مقطوع وأما الفجر الثاني فيكون ما بينه وبين الأفق مضيئاً.
والفرق الثالث أن الفجر الأول ينطمس بعد ذلك يعني أنه يرجع الجو مظلما وأما الفجر الثاني فلا يرجع الجو مظلماً بعده بل لا يزال الضوء منتشراً حتى تطلع الشمس فهذه ثلاثة فروق بين الفجر الثاني والفجر الأول أما مقدار ما بينهما فيختلف أحياناً يكون بينهما نصف ساعة وأحياناً يكون بينهما ساعة إلا ربع على حسب الظواهر الكونية الأفقية.
القارئ: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق) حديث حسن.
الشيخ: قول المؤلف (حديث حسن) فيه نظر إذا كان قد رواه مسلم وقوله في الحديث (لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال) لأن بلالاً رضي الله عنه يؤذن عند قرب الفجر وبيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام لماذا يؤذن؟ فقال (ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم) القائم الذي يصلي يرجعه حتى يتسحر والنائم يوقظه ثم قال عليه الصلاة والسلام (فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) هذا غير السياق الذي ذكره المؤلف (فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) أما اللفظ الذي ساقه المؤلف فيقول (ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق) المستطيل الذي يكون طولاً في السماء والمستطير الذي يكون عرضاً يشبه جناح الطائر لأن الطائر إذا أراد أن يطير يفرد جناحيه فلهذا سماه مستطيراً.
القارئ: وعن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس أفطر الصائم) متفق عليه ويجوز الأكل والشرب إلى الفجر للآية والخبر.
وإن جامع قبل الفجر ثم أصبح جُنباً صح صومه لأن الله تعالى لما أذن في المباشرة إلى الفجر ثم أمر بالصوم دل على أنه يصوم جُنبا وقد روت عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جُنباً من جماع غير احتلام ثم يغتسل ويصوم) متفق عليه.
الشيخ: أراد المؤلف أن يبين أن الإنسان يجوز له أن يأكل ويشرب ويجامع إلى أن يطلع الفجر لأن الله قال (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) فقال (يَتَبَيَّنَ) ولم يقل حتى يطلع حتى (يَتَبَيَّنَ) ولا يكون إشكال فيه (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) وإذا كان يجوز أن يجامع حتى يطلع الفجر لزم من ذلك أن يطلع الفجر وهو على جنابة، هذا وجه الدلالة من القرآن أما السنة فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح ُ جُنبا منً جماع أهله ويصوم وقد قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) وقولها (من غير احتلام) هذا من باب التأكيد وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتلم لأنه تنام عيناه ولا ينام قلبه ومن كان كذلك فإنه لا يمكن أن يحتلم لأنه لو احتلم لكان الفعل محرماً حيث أنه يدرك ذلك بقلبه وهو صلى الله عليه وسلم لا ينام ولذلك قال العلماء إن من خصائصه أنه لا يحتلم.
السائل: أحسن الله إليكم ما الجواب عما ذكره ابن كثير رحمه الله في احتلام النبي صلى الله عليه وسلم حيث فصل فقال إن أريد بالاحتلام تلاعب الشيطان فهذا ممتنع في حقه عليه الصلاة والسلام وإن أريد خروج الفائض من جسده من الماء فهذا يقع منه؟
الشيخ: والله ما أعرف هذا المعروف عن العلماء أنه من خصائص الرسول أنه لا يحتلم والاحتلام معروف أن الإنسان يرى في المنام مثل ما قالت أم سليم ترى في منامها ما يرى الرجل، والتفصيل هذا ما مر علينا والمعروف أنه لا يحتلم مطلقاً.
السائل: بارك الله فيك بعض الناس يترك جزءاً يسيراً من الليل لكي يتحقق أنه صام النهار كله؟
الشيخ: لا هذا القول ضعيف جداً لأنه قال (حَتَّى يَتَبَيَّنَ) ولو كان يجب أن يمسك جزءً من الليل لقال حتى يقرب.
السائل: أحسن الله إليك، طلوع الفجر الثاني هل هو محدد بالتوقيت أم يأخذ فترة من الزمن؟
الشيخ: إذا رأيت المشرق مضيئاً فقد أقبل النهار كما جاء في الحديث والتقاويم فيها تقديم خاصة في صلاة الفجر فيها تقديم خمسة دقائق على الأقل.
القارئ: وإن أصبح وفي فيه طعام أو شراب فلفظه لم يفسد صومه وإن طلع الفجر وهو يجامع فاستدام فعليه القضاء والكفارة لأن استدامة الجماع جماع وإن نزع فكذلك في اختيار ابن حامد والقاضي لأن النزع جماع كالإيلاج وقال أبو حفص لا قضاء عليه ولا كفارة لأنه تارك للجماع وما عُلِّق على فعل شيء لا يتعلق على تركه.
الشيخ: الصواب بلا ريب ما ذهب إليه أبو حفص رحمه الله وأنه ليس عليه إثم ولا قضاء هو فعل ما يباح له جامع قبل أن يطلع الفجر ثم طلع الفجر ومن حين طلوعه نزع وأخرج ذكره من فرج امرأته فكيف نقول: إن عليه الإثم والقضاء والكفارة أو على الأقل نقول: عليه القضاء والكفارة؟ الصحيح أنه ليس عليه شيء لأنه فعل فعلاً مأذوناً فيه وما ترتب على المأذون فليس بمضمون فإن قال قائل لماذا يتأخر لماذا لم يتقدم حتى ينهي جماعه قبل طلوع الفجر؟ قلنا لأن الله أذن له بذلك وهو حر وربما لا يطرأ عليه إلا في ذلك الوقت أو ربما يكون قادم من سفر أو ما أشبه ذلك من الأحوال فالصحيح أنه لا شيء عليه لا قضاء ولا كفارة ولا إثم أما لو استمر بعد أن تبين له الفجر فلا شك أنه آثم وأنه منتهك لحرمة اليوم فتلزمه الكفارة لأنه جامع في يوم الصوم فلزمه القضاء.
القارئ: وإن أكل شاكاًَ في طلوع الفجر صح صومه لأن الأصل بقاء الليل وإن أكل شاكاً في غروب الشمس بطل صومه لأن الأصل بقاء النهار.
الشيخ: إن أكل شاكاً في طلوع الفجر فصومه صحيح لأن الله قال: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ) والشاك لم يتبين له لكن لو تبين أنه بعد طلوع الفجر فهل عليه القضاء؟ الصحيح أنه لا قضاء عليه وربما يذكره المؤلف لكن هذا التعليق على الكلام هنا لا بأس به فالصحيح أنه لا قضاء عليه لأنه فعل ما هو مأذون فيه فله أن يأكل ويشرب حتى يتبين له الفجر وهذا لم يتبين له فأكل أوشرب ثم تبين بعد ذلك أنه في النهار نقول: لا قضاء عليه ولا أثم ولا كفارة إن كان مجامعاً، وأما إذا أكل شاكاً في غروب الشمس فإنه حرام عليه لأنه لا يجوز أن يفطر حتى يتيقن أن الشمس غربت والشك ليس بيقين فإذا أكل أو شرب ويقول والله ما أعرف هل غابت الشمس أم لا؟ نقول: هذا حرام عليك لا تأكل ولا تشرب حتى تتبين غروب الشمس فإن غلب على ظنه أن الشمس غربت دون أن يتيقن فالمذهب لا يجوز أن يفطر حتى يتيقن والصحيح أنه يجوز أن يفطر وأنه لا قضاء عليه ولو تبين أنه في النهار لما رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما (أن الناس أفطروا في يوم غيم على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس ولم يؤمروا بالقضاء) وهذا دليل على أنه لا قضاء عليهم إذ لو كان القضاء من شرع الله لبينه الرسول عليه الصلاة والسلام ولو بينه لحفظه الله ونقل إلينا لأن الشريعة محفوظة فلما لم يكن شيء من ذلك علم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بالقضاء وأنه لا قضاء عليهم ووقعت هذه المسألة في زمن عمر رضي الله عنه مرتين فمرة قال: اقضوا يوماً مكانه الخطب سهل ومرةً قال: إننا لم نتجانف لإثم فلا قضاء علينا لكن السنة حاكمة على كل أحد وهو أنه لا قضاء عليهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بالقضاء السائل: من جامع في نهار رمضان هل يلزمه الإمساك عن الأكل والشرب؟
الشيخ: إذا كان ممن يباح له الفطر كالمسافر فلا يلزمه الإمساك وإذا كان ممن لا يباح له فيجب عليه الإمساك ودليل هذا أن فعله هذا محرم فلا يستبيح به الواجب.
السائل: أليس الجماع مفسد ومن المفطرات؟
الشيخ: يفسد صومه ولا يأكل ولا يشرب لأن هذا الوقت محترم في حقه ولم يكن في الشرع ما يدل على أن حرمته زالت بخلاف ما إذا كان مسافراً.
السائل: بارك الله فيكم علام نحمل فعل بعض الصحابة ومنهم أبو بكر رضي الله عنه فقد صح عنهم أنهم كانوا يأكلون حتى يرتفع؟
الشيخ: هذا الفعل اجتهاد لكن بين أيدينا كلام الله (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) وما بعد الغايه مخالف لما قبله.
السائل: ومن قال خيط الفجر هو النهار؟
الشيخ: الرسول صلى الله عليه وسلم فسره بأنه بياض النهار والنهار ما يتم طلوعه إلا بطلوع الشمس.
باب النية في الصوم
القارئ: لا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام الواجب إلا بنية من الليل لكل يوم لما روت حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له) رواه أبو داود ولأنه صوم مفروض فاعتبرت فيه النية من الليل لكل يوم كالقضاء ونحوه وعنه تجزئه النية في أول رمضان لجميعه لأنه عبادة واحدة والأول المذهب لأن كل يوم عبادة منفردة لا يتصل بالآخر ولا يفسد أحدهما بفساد الآخر فأشبه أيام القضاء.
الشيخ: الصحيح الرواية الثانية أنه تجزئه نية واحدة من أول الشهر ما لم يوجد مبيح للفطر في أثناء الشهر فلا بد من استئناف النية فمثلاً إنسان سافر في أثناء رمضان انقطعت النية فإذا أراد أن يصوم بعد أن أفطر قلنا لابد من تجديد النية أما وليس هناك ما يبيح الفطر ولم يفطر فإنه تجزئه النية الأولى لأنك لو سألت كل إنسان حين دخل رمضان أتريد أن تصوم كل الشهر؟ لقال نعم وبناءً على ذلك يظهر أثر الخلاف في المثال فلو أن رجلاً نام قبل غروب الشمس اليوم ونحن في رمضان وبقي نائما ًحتى طلع الفجر من الغد فصومه على المذهب غير صحيح لأنه لم ينو من الليل كل يوم بليلته وعلى القول الثاني صومه صحيح وهو الصحيح.
القارئ: وفي أي وقت من الليل نوى أجزأه للخبر ولأن الليل محل النوم فتخصيص النية بجزء منه يفوت الصوم ومن أكل أو شرب بعد النية لم تبطل نيته لأن إباحة الأكل والشرب إلى الفجر دليل على أن نيته لم تفسد به.
الشيخ: هذا صحيح وهو خلاف ما يقوله العامة فالعامة يقولون إذا انتهيت من السحور وعقدت النية فإنه لا يمكن أن تأكل وهذا غير صحيح ما دام الليل باقياً فلك أن تأكل ولو نويت الصوم فلو أن الإنسان تسحر وانتهى من سحوره وعزم على أنه لن يأكل ولن يشرب ثم بدا له بعد ذلك وقبل الفجر فله أن يأكل ويشرب لأن الحكم منوط بطلوع الفجر.
فصل القارئ: ويجب تعيين النية لكل صومِ يومٍ واجب وهو أن يعتقد أنه صائمٌ غداً من رمضان أو من كفارته أو من نذره وعنه لا يجب تعيين النية لرمضان لأنه يراد للتمييز وزمن رمضان متعين له لا يحتمل سواه والأولى أصح لأنه صوم واجب فافتقر إلى التعيين كالقضاء فلو نوى ليلة الشك إن كان غداً من رمضان فهو فرض وإلا فهو نفل أو نوى نفلاً أو أطلق النية صح عند من لم يوجب التعيين لأنه نوى الصوم ونيته كافية ولا يصح عند من أوجبه لأنه لم يجزم به والنية عزم جازم.
الشيخ: الصواب في هذه المسألة إذا قال إن كان غداً من رمضان فصومه فرض وإلا فنفل أنه ينعقد لقوله النبي صلى الله عليه وسلم لضباعة بنت الزبير (فإن لك على ربك ما استثنيتي) وهذا في العبادة وكما علمتم أنه يجوز الاستثناء في الدعاء أيضاً.
فالصواب جواز ذلك وعلى هذا فإذا كان ليلة الثلاثين من شعبان وخاف الإنسان أن يثبت الشهر فلينم على هذه النية فإذا لم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر وعلم أن هذا اليوم من رمضان فنيته صحيحة وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأما إذا نوى نفلاً وعين فإنه لا يجزئه عن الفريضة وقول المؤلف رحمه الله إنه يجزيء عند من لم يشترط التعيين فيه نظر لأن هذا لم ينو صوماً مطلقاً بل نوى نفلاً وفرق بين الصوم المطلق وصوم النفل لأن النفل عين أنه نفل فكيف يجزيء عن الفريضة؟ أما لو نوى صوماً مطلقاً أنه صائم ولا في قلبه نوع الفريضة عن رمضان أوغيره فهذا نعم عند من يرى أنه لا يشترط التعيين يكون صومه صحيحاً لكن الظاهر أنه لا بد من التعيين لعموم قوله صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمريء ما نوى).
القارئ: وإن نوى إن كان غداً من رمضان فأنا صائم وإلا فلا لم يصح على الروايتين لأنه شك في النية لأصل الصوم.
ولا يفتقر مع التعيين إلى نية الفرض لأنه لا يكون رمضان إلا فرضا وقال ابن حامد يحتاج إلى ذلك لأن رمضان للصبي نفل.
الشيخ: الصواب أنه يتجه لرمضان ولا يشترط أن ينوي الفرض لأن رمضان لا يقع إلا فرضاً والإنسان يعرف نفسه ليس بصبي سيعرف نفسه أنه بالغ.
القارئ: ومن نوى الخروج من صوم الفرض أبطله لأن النية شرط فى جميعه فإذا قطعها في أثنائه خلا ذلك الجزء عن النية فيفسد الكل لفوات الشرط.
الشيخ: يقول إن نوى الخروج من صوم الفرض أبطله يعني بطل الصوم لكن لو نوى أن يكون نفلاً وهو لم يأكل ولم يشرب ولم يفعل مفطراً انعقد على أنه نفل ولهذا عبر بعضهم قال من نوى الفطر فكمن لم ينو ولم يعبر بقوله أفطر لأنه إذا قال أفطر معناه أنه لا يمكن أن يبني آخر اليوم على أوله فإذا قال كمن لم ينو صار لو نوى النفل في آخر اليوم أجزأه وهذا هو الواقع فإذا نوى الإفطار من الفرض ثم لم يأكل ولم يشرب ونوى أن يكون نفلاً أجزأه لأن النفل يصح بنية من أثناء النهار.
السائل: لونذر صيام يوم معين لكن حدثته نفسه أن يقطع الصيام وليس بعزم؟
الشيخ: الصحيح أن التردد لا يبطل النية لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان عليه حتى يعزم على الفصل أما التردد هل يفطر أو لا يفطر؟ الصحيح أنه لا يفطر وأما إذا عزم على فعل محظور عزم أن يأكل وعدل عن هذا الفعل فإنه لا يفطر لأنه إنما أراد فعل المحظور ولم يفعله وهذا حتى المشهور من المذهب أنه إذا عزم على فعل المحظور ولم يفعله فإنه لا تبطل عبادته كما لو نوى أن يتكلم في أثناء الصلاة ولكن لم يتكلم.
مثال ذلك رجل يصلي وسمع قرع الباب وألح المستأذن في القرع فهم المصلي أن يبطل صلاته لأجل أن يرد عليه يعني هم أن يكلمه ولكنه لم يفعل فصلاته صحيحة الحاصل أن التردد في النية لا يضر على القول الراجح والعزم على فعل محظور لا يبطل العبادة قبل فعله لأن بطلان العبادة مرتب على فعل المحظور ولم يفعله.
فصلٌ
القارئ: ويصح صوم التطوع بنية من النهار لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال (هل عندكم شيء؟) قلنا لا قال (إني إذاً صائم) رواه مسلم.
الشيخ: الخلاصة الآن أن العزم على إبطال العبادة يبطلها سواءً في الصيام أو غيره والعزم على فعل المحظور في العبادة لا يبطلها حتى يفعل والتردد في النية هل يقطعهما أو لا؟ الصحيح أنه لا يبطلها لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى ينتقل منه.
فصل
القارئ: ولأن في تجويز ذلك تكثيراً للصيام لأنه قد تعرض له النية من النهار فجاز كما سومح في ترك القيام والاستقبال في النافلة لذلك.
الشيخ: إذاً التطوع يجزيء في أثناء النهار والدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل هل عندكم شيء؟ قالوا لا قال (إني إذاً صائم) و (إذاً) ظرفٌ للحال يعني من الآن أكون صائماً فدل ذلك على أنه يصح أن يصوم النفل من أثناء النهار ولكن يثاب على اليوم كاملاً أولا يثاب إلا من النية؟ في هذا قولان للعلماء منهم من قال إذا صححنا صومه وجب أن يكون له ثواب ذلك اليوم كله لأنه ليس هناك صومٌ يكون نصف نهار ومنهم من قال بل لا يثاب إلا من النية وعللوا ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إنما الأعمال بالنيات) وإذا كانت الأعمال بالنيات فما سبق النية ليس منوياً فلا يثاب عليه وهذا هو الصحيح وينبني على ذلك إذا كان صوم النفل مما عُيِّن فإنه وإن صح الصوم لا يجزيء عن المعين مثاله: رجل في أثناء اليوم الثالث عشر من الشهر نوى أن يصوم الأيام البيض فعقد النية من نصف النهار فهل يجزئه هذا عن صوم اليوم الثالث عشر؟ على الخلاف إن قلنا إنه يثاب من أول النهار أجزأه وإن قلنا لا يثاب إلا من النية لم يجزئه لأن هذا لم يصم ثلاثة أيام من النهار بل صام يومين ونصف يوم أما ما ليس معين كالنفل المطلق فهذا وإن أثيب ثواب نصف اليوم لم يضره (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره).
السائل: قبل غروب الشمس أفطر فهل يثاب على ما مضى من اليوم؟
الشيخ: لا يثاب لأنه أفسد العبادة.
القارئ: وفي أي وقت نوى من النهار أجزأه في ظاهر كلام الخرقي لأنه نوى (في) النهار أشبه ما قبل الزوال واختار القاضي أنه لا يجزيء بنية بعد الزوال لأن النية لم تصحب العبادة في معظمها أشبه ما لو نوى مع الغروب قال أحمد من نوى التطوع من النهار كتب له بقية يومه وإذا جَمَّع من الليل كان له يومه.
الشيخ: واذا أجمع أي عزم لأن الإجماع في اللغة العزم، وكلام الخرقي وكلام القاضي أصحهما كلام الخرقي وأنه يصح ولو بعد الزوال ثم الثواب ذكرناه قبل قليل لكن الإمام أحمد قال من نوى التطوع من نهار كتب له بقية يومه أي أنه يثاب على ذلك من النية كتب له بقية يومه يعني من حين نوى وإذا أجمع من الليل كان له يومه.
القارئ: فظاهر هذا أنه إنما يحكم له بالصيام من وقت النية لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى) وقال أبو الخطاب يحكم له بالصوم الشرعي المثاب عليه من أول النهار لأن صوم بعضه لا يصح.
الشيخ: يعني فإذا كان الشرع قد صحح الصوم من أثناء النهار لزم أن ينسحب الحكم على أوله لأن صوم بعض يوم لا يصح شرعاً لكن ما قاله الإمام أحمد أقيس وأقرب للصواب إنه إنما يثاب من وقت النية (إنما لكل أمريء مانوى).
باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة
القارئ: يحرم على الصائم الأكل والشرب للآية والخبر فإذا أكل أو شرب مختاراً ذاكراً لصومه أبطله لأنه فعل ما ينافي الصوم لغير عذر سواءً كان غذاءً أو غير غذاء كالحصاة والنواة لأنه أكل وإن استعط أفسد صومه لقول النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) رواه أبو داود وهذا يدل على أنه يفسد الصوم إذا بالغ فيه بحيث يدخل إلى خياشيمه.
الشيخ: يقول المؤلف رحمه الله يحرم على الصائم الأكل والشرب للآية وهي قوله تعالى (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) والخبر حديث أبي هريرة (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) وكذلك الحديث القدسي يقول الله تعالى (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) ثم قال (إن أكل أو شرب ذاكراً لصومه مختاراً بطل) الذاكر ضده الناسي والمختار ضده المكره بقي قيد ثالث ليته جاء به عالماً وضده الجاهل، وقوله (سواء كان غذاءً أو غير غذاء) المأكول والمشروب ثلاثة أقسام قسم نافع وقسم ضار وقسم لا نافع ولا ضار وكلها تفطر فالنافع كالتمر والخبز والماء والعصير وما أشبه ذلك والضار كالخمر والدخان والحشيش وما أشبهه والذي ليس فيه نفع ولا ضرر كما مثل به المؤلف كالحصاة وخرزة السبحة وما أشبهها هذه ليست بها نفع ولا ضرر ومع ذلك تفطر الصائم إذاً كل ما دخل جوفه فإنه مفطر على أي حال كان فان قال قائل أرأيتم لو أن الطبيب نزّل الآلة الكاشفة على المعدة (المنظار) فهل تفطر أو لا؟ نقول: إن كان فيها مادة دواء يمكن أن يستقر في المعدة فإنها تفطر أما إذا كان مجرد آلة فهذا الآلة لن تبقى في المعدة سوف تسحب لأنه بمجرد ما ينظر إلى المعدة ويكشف عليها يطلع الآلة لكن إن كان فيها مادة دهنت بها لتسهيل دخولها فإنها تفطر.
فائدة: حديث أبي داود (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) صحيح أو حسن ثم إن المبالغة في الاستنشاق يشكو بعض الناس أنه إذا بالغ تأثر واحتقن الماء في خياشيمه وآلمته الخياشيم فمثل هذا لا يلزم ويقال يكفي أن تدخل الماء في منخريك يعني ليس بلازم أن تشفطه لأن بعض الناس حسب ما نسأل يقول إنه يشق عليه إذا دخل الماء إلى خياشيمه بقي فيها ثم آلمه فنقول: الواجب إدخال الماء في المنخرين فقط وما زاد على ذلك فهو سنة ما لم يكن في ذلك ضرر فإن كان فيه ضرر فإنه يكون ممنوعاً منه لقوله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً).
القارئ: وإن أوصل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان أو إلى دماغه مثل أن احتقن أو داوى جائفة بما يصل جوفه أو طعن نفسه أو طعنه غيره بإذنه بما يصل جوفه أو قطر في أذنه فوصل إلى دماغه أو داوى مأمومة بما يصل إليه أفطر لأنه إذا بطل بالسعوط دل على أنه يبطل بكل واصل من أي موضع كان ولأن الدماغ أحد الجوفين فأبطل الصوم ما يصل إليه كالآخر.
الشيخ: هذه مسائل ينبغي أن نذكر كل مسألة وحدها:
أولاً يقول إن أوصل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان استثنى الفقهاء رحمهم الله الإحليل يعني الذكر فقالوا إذا أوصل إلى جوفه شيئاً عن طريق الذكر فإنه لا يفطر وذلك لأن البول يخرج من المثانة رشحاً وإذا كان يخرج منها رشحاً فإنه إذا أدخل شيئاً من ذكره لم يدخل إلى جوفه ولكن الصحيح خلاف ما قاله المؤلف وخلاف المذهب أيضاً وهو أنه لا يفطر بشيء من ذلك وضرب لهذا أمثلة وكذلك إذا وصل إلى دماغه مثلُ أن احتقن فإذا احتقن فكلام المؤلف يدل على أنه يفطر لأن الحقنة وصلت إلى جوفه عن طريق الدبر والصحيح أنه لا يفطر لأن هذا لا يسمى أكلاً ولا شرباً ولا يعطي الجسم ما يعطيه الأكل الشرب فلا يشمله النص لا لفظاً ولا معنى لا لفظاً لأنه ليس بأكل ولا شرب ولا معنى لأنه لايحصل به ما يحصل من الأكل والشرب كذلك يقول (أو دواى جائفة) الجائفة هي الجرح الذي يصل إلى الجوف كالبطن مثلاً إنسان انخرق بطنه فصار يداويه بدواء يقول المؤلف إنه يفطر بذلك والصحيح أنه لا يفطر لأن هذا ليس بأكل ولا شرب ولا يحصل به ما يحصل بالأكل والشرب (أو طعن نفسه أو طعنه غيره بإذنه بما يصل جوفه) إنسان طعن نفسه بسكين مع البطن فدخلت السكين إلى الجوف يقول المؤلف إنه يفطر والصحيح أنه لا يفطر لأنه ليس أكلاً ولا شرباًَ ولا بمعني الاكل والشرب وقوله (طعنه غيره بإذنه) هل يجوز للغير أن يطعنه إذا أذن له؟ لو قال يا فلان جزاك الله خيراً خذ هذه السكين اطعن بطني يجوز أولا؟ لا لا يجوز بل يجب عليه أن يمنعه من ذلك حتى لو رآه يريد أن يطعن نفسه وهو قادر على منعه وجب عليه أن يمنعه لأن هذا من باب إنكار المنكر ومن باب إنقاذ المعصوم لكن الفقهاء رحمهم الله يذكرون المسائل في كل باب بحسبه لو جاءت هذه في الجنايات لقالوا إنه يحرم ولا يجوز لكن الكلام على أنه هل يحصل الفطر بذلك أو لا؟ الصحيح لا أما كلام المؤلف فنعم.
(أو قطر في أذنه فوصل إلى دماغه) فإنه يفطر أيضاً لأن الدماغ أحد الجوفين لكنه الجوف الأعلى والمعدة الجوف الأسفل فإذا قطر في أذنه فوصل إلى دماغه فإنه يفطر والصحيح أنه لا يفطر لأن هذا ليس أكلاً ولا شرباً ولا بمعنى الأكل والشرب ولا يصل إلى مكان الأكل والشرب (لأنه إذا بطل بالسعوط دل على أنه يبطل بكل واصل من أي موضع كان أو داوى مأمومة بما يصل إليه أفطر) المأمومة هي الجرح الذي في الرأس ووصل إلى أم الدماغ وأم الدماغ في جوف الرأس فإذا دواى المأمومة ووصل إلى الدماغ فإنه يفطر بناء على القياس الذي ذكره المؤلف أنه جوف فما وصل إليه فهو كالواصل إلى المعدة وهذا قياس ليس بصحيح فالصواب أنه لا يفطر بذلك وقوله (أفطر بالسعوط) ما هو السعوط؟ السعوط من الأنف فيقال في الجواب عن هذا
أولاً أن السعوط ورد في النص ما يدل على أنه طريقٌ يحصل به الفطر وهو حديث لقيط بن صبرة (بالغ في الاستشناق إلا أن تكون صائماً).
ثانياً أن السعوط إذا أدخل من الأنف شيء فإنه يصل إلى المعدة ويتغذى به الإنسان.
ثالثاً: أنه مما جرت العادة بإيصال الطعام منه إلى المعدة جرت به العادة وهومنفذ واضح يصل إلى المعدة فقياس ما سواه عليه قياس مع الفارق والقياس مع الفارق لا عبرة به.
القارئ: وإن اكتحل فوصل الكحل إلى حلقه أفطر لأن العين منفذ لذلك يجد المكتحل مرارة الكحل في حلقه ويخرج أجزاؤه في نخاعته وإن شك في وصوله لكونه يسيراً كالميل ونحوه لم يفطر نص عليه وإن أقطر في إحليله شيئاً أو أدخل ميلاً لم يبطل صومه لأن ما يصل المثانة لا يصل إلى الجوف ولا منفذ بينهما إنما يخرج البول رشحا فهو بمنزلة ما لو ترك في فيه شيئاًَ وإن ابتلع ما بين أسنانه أفطر لأنه واصل من خارج يمكن التحرز عنه فأشبه اللقمة.
الشيخ: المسألة الأولى إن اكتحل فوصل الكحل إلى حلقه فإنه يفطر والصحيح أنه لا يفطر بالكحل ولو وصل إلى حلقه ولو نزل إلى معدته وذلك لأن العين ليست منفذاً وقول المؤلف إنها منفذ فيه نظر حتى لو قدر أن الكحل يسري في العروق حتى يصل إلى الحلق فإن هذا ليس منفذاً معتاداً للأكل والشرب فليس أكلاً ولا شرباًَ ولا بمعنى الأكل والشرب ثم يقال ينتقض عليكم بما ذكرتموه أن الإنسان لو وطيء على حنظل والحنظل معروف فإنه إذا فُقيء الحنظل يجد طعمه في حلقه يدخل مع المسام حتى يصل إلى الحلق ومع ذلك يقولون إنه لا يفطر لأن الرِّجل ليست منفذاً معتاداً فيقال والعين أيضاً ليست منفذا معتاداً وعلى هذا فيجوز للصائم أن يكتحل ولو بما يصل إلى حلقه ولا شيء عليه لكن إذا وصل إلى حلقه وأحس بطعمه ووصل الطعم إلى الفم فإنه يجب عليه أن يتفله فإن لم يفعل وابتلعه صار مفطراًُ بذلك، بقي عندنا لو أن إنساناً أُدخل في معدته الكشاف كشاف دقيق يسمى بلغة الطب "منظار" لو أدخل في معدته منظار وهو صائم هل يفطر أو لا؟ في هذا تفصيل إن كان في هذا المنظار أدوية لتسهيل مروره فإنه يفطر لأن هذا الدواء سوف يباشر المعدة وهو قد دخل من الفم وإن لم يكن فيه شيء فإنه لا يفطر لأن هذا المنظار سوف يخرج لن يبقى في المعدة ولئلا يقال ما الفرق بينه وبين الخرز لو ابتلع خرزا فإنه يفطر فما الفرق بينهما؟ نقول: الفرق أن هذا سوف يخرج من المعدة فلا يبقى فيها، على كل حال متى ما صحبه شيء صار مفطرا فلا يجوز استعماله للصائم في رمضان ويؤخر إلى الليل وإلا فالأمر واسع وإذا ابتلع ما بين أسنانه سواء عن طريق الخلال أو عن طريق اللسان يعني حاول بلسانه أن يخرج ما بين أسنانه وابتلعه أو عن طريق الخلال فإنه يفطر لأنه ابتلع طعاماً ولو كان قليلا لكن ذكر الفقهاء مسألة هنا في مسألة ابتلاع ما بين الأسنان قالوا إذا أخرجه بالخلال فلا يبتلعه حتى في غير الصيام وإن أخرجه بلسانه ابتلعه اذا
لم يكن صائماً ولا يظهر لي وجه التفريق بين هذا وهذا والأولى أن لا يبتلعه إذا كان يخشى أن يكون قد تلوث بأوساخ الأسنان ومن هنا نعلم أن الإنسان لو ابتلع ما بين أسنانه من لحم الإبل انتقض وضوؤه مع أنه شيء يسير لأنه يسمى أكلاً وإن كان يسيراً.
السائل: وإن استنشق بخوراً فما الحكم؟
الشيخ: إذا استنشق بخورا فإنه إن كان يصل إلى جوفه فلا يجوز لأنه في معنى الشرب لأنه أجزاء ولهذا لو استنشق طيبا وشم طيباً فإنه لا يفطر لأنه ليس له أجزاء تتصاعد وتدخل في الجوف.
السائل: ما حكم استخدام بخاخ الربو للمريض؟
الشيخ: بعض الناس يصاب بضيق التنفس فيضخ بمضخة لكن قالوا إن هذه ما تصل إلى المعدة وإنما تفتح القنوات الهوائية فقط وقد صدرت فتوى من دار الإفتاء أنها لا تفطر وهو الذي نفتي به لكن هناك شيء أظنه كلبسات هذا الغبار يدخل في الجوف فلا يستعمل إلا إذا كان الإنسان مريضاً فإنه يفطر ويستعمله فإن كان يرجى زوال هذا المرض ينتظر حتى يزول وإن كان لا يرجى أطعم عن كل يوم مسكين.
السائل: في مسألة البخور لو نظرنا إلى العلة التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام وهو أنه (يدع طعامه وشرابه وشهوته) والبخور ليس طعاما ولا شرابا لأن الإنسان لا يتغذى أو يشبع أو يروى إذا شم البخور؟
الشيخ: ليس بشرط أن يكون شراباً نافعاً ولهذا لو أنه ابتلع حصاة أو خرزة فإنه يفطر فإذا أدخلت أي شيء ولو كان لا ينتفع به الجسم لو بلع الإنسان الخرزة السبحة ما فيها نفع إطلاقاً تخرج كما هي صار مفطراً.
السائل: أحسن الله إليك لكن دلالة الأحاديث على مثل هذه المسألة الفرعية من أي وجه؟
الشيخ: العموم فهذه تعتبر طعاماً أو شراباًَ لكنها هي لا تنفع ليس بشرط أن ينتفع وإلا كان نقول يجوز للإنسان أن يبلع الأشياء التي ما لها غذاء مثل العلوك وغيرها.
فصلٌ
القارئ: وما لا يمكن التحرز منه كابتلاع ريقه وغربلة الدقيق وغبار الطريق والذبابة تدخل في حلقه لا يفطِّره لأن التحرز منه لا يدخل تحت الوسع ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
الشيخ: الذي لا يمكن التحرز منه ولم يقصده الإنسان فهذا لا يضر أما لو تقصده فينظر إذا دخل من أنفه ووصل إلى جوفه فإنه يفطِّر فلو أن إنساناً مثلاً يغربل الدقيق وجعل يستنشقه عمداً حتى وصل إلى جوفه فإنه يفطر بذلك لأنه تعمد إدخال هذه الأجزاء من الدقيق إلى جوفه أما إذا كان لا يمكن التحرز منه فإنه لا يضر.
القارئ: وإن جمع ريقه ثم ابتلعه لم يفطر لأنه يصل من معدته أشبه ما لو لم يجمعه وفيه وجه أخر أنه يفطره لإمكان التحرز منه.
الشيخ: الصحيح أنه لا يفطِّره لأنه لم يُدخِل شيئاً من الخارج بل هذا ريقه جمعه وابتلعه، وإن كان الفم له حكم الظاهر لأن الفم حكمه حكم الظاهر ولذلك لو أنه تمضمض بالماء فإنه لا يضره ولهذا تجب المضمضة في الوضوء وفي الغسل لأنه في حكم الظاهر.
القارئ: وإن ابتلع النخامة ففيها روايتان إحداهما يفطر لأنها من غير الفم أشبه القيء والثانية لا يفطر لأنها لا تصل من خارج وهي معتادة في الفم أشبه الريق.
الشيخ: النخامة الصحيح أنه لا يفطر بها لأنها لم تدخل من خارج بل هي من البدن ولكن لا يجوز أن يبتلع النخامة إذا وصلت إلى فمه لأنها مستقذرة وقد نص الفقهاء رحمهم الله على أن بلع النخامة إذا وصلت إلى الفم حرام لاستقذارها واستهجانها وربما تحمل إمراضاً تتأثر بها المعدة فلذلك نقول إنه يحرم ولكن الكلام على أنها هل تفطر أولا؟ الصحيح أنها لا تفطر وهذا في النخامة التي تصل إلى الفم فأما النخامة التي تنزل من الخياشيم إلى الحلق فهذه لا تفطر قولاً واحداً لأنها لم تصل إلى شيء في حكم الظاهر فلم تدخل إلى البدن من خارج فلا تفطر حتى على المشهور من المذهب وما يفعله بعض الموسوسين الذين يشددون على أنفسهم إذا أحس بالنخامة من خياشيمه إلى حلقه جعل يحاول إخراجها فهذا غلط يقال أولاً أن هذا لا يضرك وثانيا أن هذا من باب التشديد والتنطع بالعبادة والتشديد والتنطع بالعبادة مما نهي عنه.
القارئ: ومن أخرج ريقه من فمه ثم ابتلعه أو بلع ريق غيره أفطر لأنه بلعه من غير فمه أشبه ما لو بلع ماءً.
الشيخ: هذا صحيح إذا أخرج الريق إلى الشفتين ثم عاد فابتلعه فهذا يفطر لأنه انفصل من الفم وكذلك لو أخرج السواك بعد أن تسوك ثم أعاده مرة ثانية إلى الفم وفيه ريق ثم امتصه في فمه وبلع الريق فإنه يفطر.
القارئ: ومن أخرج درهماً من فمه ثم أدخله وبلع ريقه لم يفطر لأنه لا يتحقق ابتلاع البلل الذي كان عليه ولذلك لا يفطر بابتلاع ريقه بعد المضمضة والتسوك بالعود الرطب ولا بإخراج لسانه ثم إعادته.
الشيخ: من أخرج درهما من فيه ثم أدخله وبلع ريقه لم يفطر لأنه لا يتحقق ابتلاع البلل والدرهم هي النقود من الفضة هذا إنسان وضع في فمه درهماً ثم أخرجه ثم أعاده في فمه مرة ثانية وهذا ربما يستعمله بعض الناس لتنظيف الدرهم ربما يكون فيه وسخ فيدخله في فمه ويحركه بلسانه من أجل أن يتنظف فهذا الرجل أخرج الدرهم فوجد أنه ما زال فيه وسخاً فأدخله ثانية فهذا لا يفطر لأنه كما قال المؤلف لا يتقين انفصال شيءٍ من الريق دخل إلى الجوف كما أن الرجل لو تمضمض فإنه لا يلزمه أن يتفل ريقه كما يفعله بعض الموسوسين بل نقول إذا توضأت ومججت الماء فلا تكلف نفسك بعدها حتى لو أحسست بطعم الماء في فمك فإنه لا يضرك وهذا هو ظاهر هدي الصحابة رضي الله عنهم والسلف الصالح أنهم لا يتكلفون ولا يتنطعون في دين الله يقول المؤلف (ولذلك لا يفطر بابتلاع ريقه بعد المضمضة والتسوك بالعود الرطب) التسوك بالعود الرطب بشرط ألا يكون له طعم فإنه لا يضره لأنه وإن كان رطباً ليس جافاً لا يتحقق الإنسان أن هذه الرطوبة انفصلت من السواك ودخلت في جوفه أما لو كان له طعم وابتلع الطعم فإنه يفطر لأننا نتحقق أن جزءاً منه دخل في جوفه يقول رحمه الله (ولا بإخراج لسانه ثم اعادته) انسان أخرج لسانه وهو رطب عليه الريق ثم أعاده ولنفرض أنه جمع ريقه على لسانه ثم أخرجه ثم رده لماذا لايفطر؟ لأنه لم ينفصل بخلاف الذي أخرج ريقه إلى ما بين شفتيه ثم أعاده فهذا فارق محله ودخل من خارج فيكون مفطراً.
القارئ: ولو سال فمه دما أو خرج إليه قلس أو قيء فازدرده أفطر لأن الفم في حكم الظاهر وإن أخرجه ثم ابتلع ريقه ومعه شيء من النجس أفطر وإلا فلا.
الشيخ: عندنا بالمخطوطة (منجس) نسخة والمسألة هذه يقول (إذا سال فمه دماً) وهذا يحصل لبعض الناس تكون لثته رديئة إذا تسوك خرج الدم فهنا يجب أن تنتبه لهذا إذا حصل فلا تبتلعه لأن الدم ليس مما يخرج من الفم ليس معتاداً ًفإن بلعته وأنت عالم بالحكم فإنه سوف يأتينا إن شاء الله أنه من شروط المفطرات العلم فإنك تفطر ولكن هل يجوز أن يبتلع الإنسان هذا الدم؟ لا ولو كان غير صائم لعموم قوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) وكذلك أيضاً (لو خرج إليه قلس أو قيء فازدرده أفطر) القلس ما يخرج من المعدة عند التجشي مثلاً إنسان تجشى فخرج منه قلس وهو ما دون ملئ الفم ثم ابتلعه فإنه يفطر لأن هذا القلس وصل إلى الفم والفم في حكم الظاهر ثم عاد إلى الجوف فيفطر بذلك وكذلك القيء والقيء ما كان ملء الفم أو أكثر فمثلاً إنسان خرج منه قيء يعني أحس باضطراب المعدة حتى خرج ما فيها أو بعضه ثم ما بقي ابتلعه فإنه يفطر ووجه ذلك ظاهر أن هذا الطعام أو الشراب خرج إلى ما كان في حكم الظاهر وهو الفم ثم عاد إلى المعدة فكان مفطراً، (وإن أخرجه ثم ابتلع ريقه ومعه شيء من المنجس أفطر وإلا فلا) إن أخرجه ضد إزدرده يعني أخرج هذا القيء أو القلس أو الدم ثم ابتلع ريقه فإن كان معه شيء من القلس أو القيء أو الدم أفطر وإن لم يختلط به شيء فإنه لا يفطر وهذا واضح وقول المؤلف (من المنجس) يدل على أن دم الآدمي وقيئه وقلسه نجس وهذه فيها خلاف بين العلماء وليس هناك دليل على نجاسة دم الآدمي إلا ما خرج من السبيل القبل أو الدبر وليس هناك دليل أيضاً على نجاسة القيء ومن المعلوم أن القيء يكثر مع الناس ولو كان نجساً لكان مما تتوافر الدواعي على نقل تطهيره ومن المعلوم أيضاًَ أن الأطفال الصغار يتقيئون بين أيدي أمهاتهم ولم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أمر بغسل قيئه لكن البول أمر بغسله وبين حكمه وسكوته عن القيء دليل على أنه ليس بنجس ومن
المعلوم أن القاعدة العامة عندنا أن الأصل في الأشياء الطهارة فلا ينجس شيء منها إلا بدليل والأصل في الأشياء الحل فلا يحرم شيء منها الا بدليل إلا العبادات فالأصل فيها الحظر والمنع إلا بدليل مشروعية والله أعلم.
فصلٌ
القارئ: ومن استقاء عمداً أفطر ومن ذرعه فلا شيء عليه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه).
الشيخ: عندي بالمخطوطة (فليس عليه قضاء) نسخة.
القارئ: ومن استقاء عمداً فليقض) حديث حسن وإن حجّم أو إحتّجم أفطر لقوله صلى الله عليه وسلم (أفطر الحاجم والمحجوم) رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد عشر نفسا وقال أحمد حديث ثوبان وشداد بن أوس صحيحان.
الشيخ: هذا الفصل ذكر فيه المؤلف رحمه الله شيئين مما يحصل بهما الفطر
الأول القيء وهو معروف والثاني الحجامة.
أما القيء فقد قسمه النبي صلى الله عليه وسلم إلى قسمين قسم غلب وقسم طُلب فما غلب فإنه لا يفطر لأنه بغير اختيار الإنسان وما طلب فإنه يفطر أما الأول وهو ماغلب فإنه لا يفطر فعلته ظاهره وهو أن الإنسان لم يختره ولم يرده ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها وأما الثاني فوجهه أنه إذا طلب القيء فقاء خلت معدته من الطعام فلحقه الضعف الذي قد لا يستطيع أن يكمل صومه إلا بمشقة فكان من رحمة الله تعالى أن جعل القيء عمداً مفطراً وإذا كان مفطراً قلنا إن كان الصوم واجباً حرم الاستقاء وإن كان نفلاً جاز الاستقاء وقلنا له كل واشرب حفاظاً على صحته فتبين بذلك أن الفطر بالقيء المتعمد هو وجه النظر والقياس.
وأما الحجامة فنقول إذا حجم الإنسان فإنه سوف يكون باختياره أو احتجم أي طلب من يحجمه فسيكون أيضا باختياره ولهذا لم يقسمها الرسول صلى الله عليه وسلم كما قسم القيء بل قال (أفطر الحاجم والمحجوم) والحديث صححه الإمام أحمد وغيره ولا معارض له على وجه صحيح وفي حديث ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهومحرم واحتجم وهو صائم) وفيه كلام للعلماء فليس معارضاً صحيحاً ونقول أما فطر المحجوم فظاهر مناسبته للحكمة والغاية الحميدة التي جاءت بها الشريعة لأن المحجوم سينزف منه دمٌ كثير ومعلوم أن هذا يضعف البدن ويرهق البدن فمن رحمة الله بعباده أن من احتجم أفطر وحينئذ نقول إن كان احتجامه لضرورة جاز في الفرض والنفل ونقول له الآن كل واشرب وإن كان لغير ضرورة حرم في الفرض وجاز في النفل ونقول لمن كان متنفلا وأراد أن يحتجم احتجم ولكن كل واشرب لأنك أفطرت من أجل أن تعيد للبدن قوته فكان هذا مناسباً تماماً للحكمة لكن ما هي الحكمة في الحاجم؟ الحاجم لم يخرج منه دم قال بعض أهل العلم إن هذا تعبد ما ندري لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أفطر الحاجم) وقلنا سمعاً وطاعة وعلى العين والرأس أما ما الحكمة؟ فعقولنا أقصر من أن تدرك جميع حكم الله ولا ندري لكننا نتعبد لله بذلك وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الحكمة أن الحاجم حسب الطريقة المعروفة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لابد أن يمص القارورة التي يحجم بها وعند المص لا بد أن يصعد إليه شيء من دم الإنسان من غير أن يشعر بدخوله لكن تعمد أن يمص وهو يعرف أنه لا بد أن يجتذب نفسه شيئاً من الدم وإذا وصل إلى معدته شيء من الدم أو غير الدم فإنه يفطر فإن كانت هذه العلة مستقيمة فذاك وإن لم تكن العلة مستقيمة فالعلة طاعة الله ورسوله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) ونحن
عبيد مربوبون إذا قال ربنا شيئاً وإذا قال رسوله شيئاً قلنا سمعاً وطاعة ربما يكون تعبد الإنسان بما لا يعقل حكمته أبلغ من تعبده بما يعقل حكمته لأنه إذا تعبد ما يعقل حكمته حمله على التعبد بذلك السمع والعقل إذا كان يعقل حكمته واذا كان لا يعقل صار أشد انقياداً وذلاً للشرع لأنه يتعبد لله بما لا يعقل معناه لا يتعبد إلا لمجرد السمع والطاعة إذاً هذان نوعان مما يفطر وهما القيء عمداً لا بد أن تقيد والثاني الحجامة ولكن يسأل بعض الناس إذا هاجت كبده أي معدته فهل عليه أن يمسكها وهل له أن يستقيء حتى يستريح؟ لأنه أحياناًُ تموج وتهيج المعدة ويحب الإنسان أن يستقيئ فهل نقول يلزمك أن تمسكها وتردها إذا كان صومك فرضاً أو نقول إذا هاجت وماجت فاستخرجها حتى لا تكون ضرراً عليك؟ الجواب إذا كان هناك ضرر لا شك أنا نقول استخرجها وأفطر ولكن إذا كان ما فيه ضرر فهنا نقول لا تستخرجها ولا تردها إن غلبتك فدعها وإن سكنت فلا تستخرجها وقال بعض العلماء القول بالإفطار بالقيء والحجامة قولٌ على خلاف القياس فلا يعمل به لأن الإفطار بما دخل لا بما خرج كما أن الوضوء مما خرج لا مما دخل سبحان الله من أين جاءت القواعد هذه؟ فالوضوء مما خرج لا مما دخل لئلا ينتقض الوضوء بلحم الإبل لأن لحم الإبل داخل وهنا قالوا الفطر بما دخل لا بما خرج لئلا يبطل الصوم بالحجامة والقيء فنقول عفا الله عنكم إننا لا يمكن أن نعارض قول الله ورسوله بمثل هذه التعليلات العليلة ومن أين أخذتم هذه القواعد؟ أمن الكتاب؟ أو من السنة؟ أو من الإجماع؟ من قال هذا؟ نقض الوضوء بما جعله الشرع ناقضاً سواء كان داخلا أو خارجا والإفطار بما جعله الشارع مفطراً سواءً داخلاً أم خارجاً هذا الصواب أما أن نقعد قواعد ليس لها إلا مجرد طرد في أكثر المسائل هذا ليس بصحيح.
صحيح أن أكثر ما ينقض إذا خرج لا ما دخل لكن إذا جاءت السنة لابد أن نقول بها وكذلك في مسألة الفطر أن الأكثر مما دخل لا مما خرج لكن مع ذلك يفطر ثم نقول لهم ما تقولون لو استمنى فأمنى أيفطر أم لا؟ وهو مما خرج المهم على كل حال أنه لا يمكن لإنسان عارض الكتاب والسنة إلا وجدت في قوله خللاً أول خلل المخالفة ثم النقض بالعلل والحكم التي هو يقر بها على كل حال الصحيح أن من استقاء عمداً أفطر ومن غلبه القيء فلا يفطر وأن من حجم أو احتجم فانه يفطر.
فائدة: شيخ الإسلام رحمه الله له رسالة صغيرة اسمها حقيقة الصيام مفيدة جداً لطالب العلم لو رجعتم إليها استفدتم إن شاء الله.
فصلٌ القارئ: وتحرم المباشرة للآية فإن باشر فيما دون الفرج أو قبل أو لمس فأنزل فسد صومه فإن لم ينزل لم يفسد لما روي عن عمر رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله صنعت اليوم أمراً عظيماً قبلت وأنا صائم قال (أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم؟) قلت لا بأس قال (فمه؟) رواه أبو داود، شبه القبلة بالمضمضة لأنها من مقدمات الشهوة والمضمضة إذا لم يكن معها نزول الماء لم يفطر كذلك القبلة.
الشيخ: عندنا بالمخطوطة (لكونها من مقدماته) نسخة، هذه المسألة يقول تحرم عليه المباشرة للآية الحكم التحريم والدليل الآية فلننظر هل الآية تدل على التحريم ننظر يقول الله تعالى (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) إلى آخر الآية، لكن المباشرة التي في القرآن والملامسة التي في القرآن لا تكون إلا للجماع كل مواضع ذكر المباشرة في القرآن والملامسة في القرآن للجماع فقوله (بَاشِرُوهُنَّ) أي جامعوهنّ كما يدل على ذلك سبب نزول الآية أنه الجماع وعلى هذا فلا دليل في الآية على ما قال ثم ظاهر كلامه رحمه الله أن المباشرة حرام لمن تحرك شهوته ولمن لا تحرك هذا أيضاً ليس بصحيح ويدل عليه حديث عمر حيث قال رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم (صنعت اليوم أمراً عظيماً قبلت وأنا صائم قال أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم قلت فلا بأس قال فمه؟) يعني فما الذي يجعلك تفطر مثلاً أو نقول مه بمعنى كف عن السؤال فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أن ذلك لا بأس به كما لو تمضمض الإنسان فإنه لا يفطر كذلك لو قبل فإنه لا يفطر ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم (سئل عن قبلة الصائم فأشار إلى أم سلمة وبينت أنه كان يقبل فقيل يا رسول الله أنت غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال إني لأعلمك بالله وأتقاكم له) أو كلمة نحوها فهذا دليل على جواز القبلة للصائم حتى وإن كان بشهوة حتى ولو أمذى على القول الصحيح لأن الله تعالى وسَّع على العباد والإنسان ولا سيما الشاب قد لا يستطيع أن يبقى من طلوع الفجر إلى غروب الشمس يستمتع بأهله لكن إذا عرف الإنسان من نفسه أنه سريع الإنزال وشديد المحبة لأهله فهنا نقول اترك التقبيل لأن هذا عرضة إلى إفساد الصوم وهي وسيلة قريبة كثير من الناس ليس سريع الإنزال أو قوي الشهوة أو ليس شديد المحبة لأهله فلا يحصل الإنزال بسرعة فالصواب إذاً أن القبلة حلال سواء كانت بشهوة
أوبغير شهوة ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل عمر رضي الله عنه هل أنت فعلت ذلك بشهوة أم لا؟ بل ظاهر حديث عمر صنعتُ شيئاً عظيماً أنها كانت بشهوة.
القارئ: ولو احتلم لم يفسد صومه لأنه يخرج من غير اختياره.
الشيخ: أفاد المؤلف رحمه الله بأن ما يحصل للصائم بغير اختياره من المفطرات لا يفسد الصوم وهو كذلك فلو احتلم الإنسان وهو نائم صائم فلا شيء عليه حتى لو فرض أنه نام على تفكير يفكر في الجماع وانتشر ذكره ونام على هذه الحال فإنه لا يفطر لأنه حين إنزال المني ليس مختاراً لذلك.
القارئ: وإن جامع ليلاً فأنزل نهاراً لم يفطر لأن مجرد الإنزال لا يفطر كالاحتلام وإن كرر النظر فأنزل فسد صومه لأنه إنزال عن فعل في الصوم أمكن التحرز عنه أشبه الإنزال باللمس وإن صرف بصره فأنزل لم يفطر لأنه لا يمكن التحرز عنه وإن أنزل بالفكر لم يفطر لذلك وإن استمنى بيده فأنزل أفطر لأنه إنزال عن مباشرة أشبه القبلة وسواء في هذا كله المني والمذي لأنه خارج تخلله الشهوة انضم إلى المباشرة به فأفطر به كالمني إلا في تكرار النظر فلا يفطر إلا بإنزال المني في ظاهر كلامه لأنه ليس بمباشرة.
الشيخ: خلاصة هذه الجمل أنه إذا أنزل عن فعل وهو يقظان فسد صومه سواء كان الفعل بيده أو بتدحرجه على الأرض أو ما أشبه ذلك وإذا أنزل بغير فعل فإنه لا يفسد صومه مثل أن يفكر فينزل فإنه لا يفسد صومه لأنه لا فعل منه وإذا أنزل بنظر فإن كان بنظرة واحدة وصرف بصره فإنه لا يفطر وإن كان بتكرار النظر فإنه يفطر والمذي كالإنزال إلا في تكرار النظر فإنه إذا أمذى به فإنه لا يفطر بخلاف الإمناء والصحيح أنه لا يفطر بالمذي مطلقا وأن الإنسان لو باشر زوجته بتقبل أو ضم أو ما أشبه ذلك فأنزل مذياً فإنه لا يفطر.
لعدم وجود الدليل على ذلك بقي أن يقال والمني أيضاً لا يفطر به حتى ولو كان بفعله لأنه ليس هناك دليل على ذلك؟ فيقال نعم هو ليس هناك دليل واضح في هذه المسألة لكن قد يستدل على ذلك بقوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي (إنه ترك طعامه وشاربه وشهوته من أجلي)، والمني شهوة بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم (وفي بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال أراءيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر) ومعلوم أن الذي يوضع هو المني ففي هذا الحديث والذي قبله إذا ضم بعضهما إلى بعض ما يدل على أن إنزال المني إذا كان من فعله فإنه يفطر وأما قول المؤلف (فإن جامع ليلاً فأنزل نهارا) فمراده بذلك المني الذي كان من الجماع الأول وأما إذا أنزل نهاراً بفعل جديد فعلى ما سمعتم لكن ربما يجامع الإنسان ويخرج المني لكن لايتكامل خروجه ثم يبقى شيء يخرج بعد طلوع الفجر.
السائل: إذا تبرع الصائم بالدم فهل هو كالحجامة؟
الشيخ: أحسنت هذا سؤال جيد يقول إذا تبرع الإنسان بدمه وهو صائم فهل هو كالمحجوم؟ الجواب نعم إذا أخذ منه كثير بقدر دم الحجامة بحيث يضعف به البدن فإنه يفطر وحينئذ نقول إذا كان الصوم واجباًُ فإنه لا يجوز أن يأذن بسحبه منه إلا إذا كان الثاني مضطراً فحينئذ نقول لا بأس أن يسحب منك وافطر أما إذا كان نفلاً فالأمر واسع وإذا كان الثاني غير مضطر فإنه لا يسحب منه ينتظر إلى الليل.
السائل: بالنسبة للدكتور الذي يسحب الدم؟
الشيخ: هذا سؤال جيد يقول بالنسبة للدكتور الذي يسحب الدم هل نقول هو كالحاجم يفطر؟ على الراجح لا يفطر أما على المذهب فإنه يفطر فلأنهم يقولون إن إخراج الدم بغير الحجامة لا يفطر حتى لو أخرج الإنسان أكثر من دم الحجامة فإنه لا يفطر لأنهم يرون أن المسالة تعبدية فيقتصر على ما جاء به النص وأما على رأي شيخ الإسلام فشيخ الإسلام يطرد القاعدة يقول حتى الحاجم لو حجم بآلة بدون مص فإنه لا يفطر كذلك الطبيب.
السائل: بارك الله فيكم ما يؤخذ للحرارة لو أخذه الصائم كتحميله من أسفل فهل تفطر؟
الشيخ: الصحيح أنها لا تفطر بناءً على أن الحقنة لا تفطر فالحقنة على قاعدة المذهب تفطر لأن الحقنة عند أهل المذهب مفطرة.
السائل: من ذرعه القيء وهو يصلي هل يخرج من الصلاة أو يمسكها في سره أو ماذا يفعل؟
الشيخ: هو إذا كان لا يمكن فليخرج من الصلاة خصوصاً على قول من يرى أن القيء إذا كان كثيراً نقض الوضوء فهذا لابد من الخروج وهو أيضاً لو بقي يلوث المسجد فيتعدى ضرره.
السائل: ما رأيكم في حديث ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة بالحجامة؟
الشيخ: حديث أبي سعيد أنه أذن فيها لا يدل على هذا وحتى هذا الحديث يكون ضعيفاً لأن حديث أوس وشداد أصح منه على كل حال أنا أحلتكم على رسالة حقيقة الصيام لشيخ الإسلام ففيها فوائد جمة ما تجدونها في غيرها.
السائل: عرفنا أن الحجامة تفطر ولكن ما حكمها على الصائم؟
الشيخ: محرمة على الصائم الفرض إلا للضرورة يعني أحياناً يهيج الدم بالإنسان حتى يغمى فحينئذ لا بأس عليه أن يحتجم.
مسألة: سبق لنا أن الإمذاء لا يفطر به الصائم ولو حصل عن تقبيل أو مباشرة ونحو ذلك لعدم الدليل والقاعدة أن ما ثبت بدليل لا ينقض إلا بدليل فهذا الرجل صائم يعني بمقتضى الشريعة فلا يمكن أن نفسده إلا بدليل وسبق لنا أن الإمناء يفطر به الصائم كما هو قول جمهور الأمة والمذاهب الأربعة وذكرنا الدليل وأن دلالته خفية وأنها مركبة من دليلين.
فصلٌ القارئ: وما فعل من هذا ناسياً لم يفطره لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أكل أحدكم أو شرب ناسيا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) متفق عليه وفي لفظ (فلا يفطر فإنما هو رزق رزقه الله تعالى) فنص على الأكل والشرب وقسنا عليه سائر ما ذكرناه.
الشيخ: هذا دليل خاص في أن من فعل مفطراً ناسياً فلا شيء عليه ولدينا دليل عام وهو قوله تبارك وتعالى (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله تعالى قد فعلت وقال صلى الله عليه وسلم (إنما أطعمه الله وسقاه) يؤخذ منه فائدة عظيمة وهي أن الناسي لا يضاف فعله إليه ولو فعله إنما ذلك من عند الله عز وجل ويقول المؤلف رحمه الله وقسنا عليه سائر ما ذكرناه بقي عليه واحد لم يذكره وهوالجماع وسيأتينا إن شاء الله قول المؤلف فيه ولكن القول الصحيح أن الجماع كغيره وأن الإنسان لو جامع زوجته ناسياً فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة عليه لعموم الأدلة وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم الأكل والشرب لأنه أكثر فنصف الناس ليس عندهم زوجات ومن عندهم زوجات فأكثر مايكون لديهم هو الأكل والشرب فتخصيصه بذلك لأنه الغالب وإلا فلو أن الإنسان نسي وجامع زوجته فإنه لا شيء عليه وقال بعضهم بل عليه الكفارة والقضاء لأن النسيان في الجماع نادر ولأنه لو نسي لم تنس زوجته فيقال قد يكون صائماً تطوعاً وزوجته مفطرة فلا تظن أنه صائم ولكن هذا لا يفيد لأن صوم التطوع ليس فيه كفارة ولكن على كلام الفقهاء يبطل صومه والصحيح أن القاعدة مطردة كل محظور فعله الإنسان ناسياً فإنه لا يضره لا بإفساد العبادة ولا بالكفارة المرتبة على ذلك الفعل.
القارئ: وإن فعله مكرها لم يفطر لقوله صلى الله عليه وسلم (من ذرعه القيء فليس عليه قضاء) فنقيس عليه ماعداه.
الشيخ: هذا دليل خاص لكنه دليل بقياس وإذا أردنا أن نجعل المسألة من باب القياس فالأولى أن نأتي بالآية (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فإنه إذا كان يعذر بالإكراه على الكفر فما دونه من باب أولى.
القارئ: وإن فعله وهو نائم لم يفطر لأنه أبلغ في العذر من الناسي.
الشيخ: هذا أيضا كذلك لو فعله وهو نائم فإنه لا يفطر يعني لو قبل زوجته وهو نائم وأنزل أو ما أشبه ذلك فإنه لا يفطر بهذا لأن النائم لا ينسب إليه فعل بدليل قوله تبارك وتعالى في أصحاب الكهف (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ) فأضاف تقليبهم إليه مع أنهم هم الذين يتقلبون لكنهم لما كانوا نائمين لم ينسب الفعل إليهم فان قال قائل ما تقولون فيما لو انقلب نائم على طفل فقتله؟ الجواب عليه الدية والكفارة وذلك لأن قتل النفس لعظمه لا يشترط به القصد.
القارئ: وإن فعله جاهلاً بتحريمه أفطر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أفطر الحاجم والمحجوم) في حق رجلين رآهما يفعلان ذلك مع جهلهما بالتحريم ولأنه نوع جهل فلم يعذر به كالجهل بالوقت وذكر أبو الخطاب أنه لا يفطر لأن الجهل عذر يمنع التأثم فيمنع الفطر كالنسيان.
الشيخ: هذا كلام المؤلف رحمه الله أنه إذا فعل هذه المفطرات جاهلاً فإنه لا يعذر فيفسد صومه وعليه القضاء واستدل بحديث (أفطر الحاجم والمحجوم) وهما لا يعلمان أن الحجامة مفطرة ومع ذلك قال (أفطر الحاجم والمحجوم) وقد أورد ابن القيم هذا الحديث على شيخه الذي يقول إنه لا يفطر مع الجهل ولا يفسد صومه مع الجهل فقال إن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقل أفطرتما فاقضيا فهو لم يخاطبهما وإنما ذكر حكماً عاماً فمراده الجنس لا الشخص ثم هذان الرجلان نُظر في فعلهما إذا انطبقت عليه الأدلة بأنه يجب عليهما القضاء أو أن صومهما فسد عملنا به وإلا فلا وهذا الذي قاله الشيخ رحمه الله جواب سديد لأن الرسول لم يوجه الخطاب إليهما ويقول أفطرتما إنما قال (أفطر الحاجم والمحجوم) ثم ينظر في انطباق هذا الحكم على هذين الرجلين إذا كانا جاهلين فعندنا أدلة تدل على أن الجهل يعذر به فالصواب أن الجهل يعذر به فلو فعل واحداً من هذه المفطرات جاهلاً فإنه معذور لدينا أدلة عامة وأدلة خاصة الأدلة العامة (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وقوله (َلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) الخاصة عدي بن حاتم رضي الله عنه كان يريد أن يصوم وكان يقرأ الآية (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) فجعل تحت وسادته عقالين وهو الخيط الذي تربط به يد الناقة أحدهما أسود والثاني أبيض وجعل يأكل ويشرب وينظر إلى العقالين فلما تبين له أحدهما من الأخر أمسك فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال له (إن وسادك لعريض أن وسع الخيط الأبيض والأسود) لأن الخيط الأبيض والأسود هما النهار والليل وهذه الوسادة تحتها الليل والنهار قاله النبي عليه الصلاة والسلام من باب المداعبة فالرسول يعلم أنه لم يضع الليل
والنهار تحت الوسادة ولم يأمره بالقضاء وهذا جهل بالحكم حيث فهم من الآية ما لم يقصد بها وأما قول المؤلف رحمه الله انظر إلى التعليل والقياس يقول ولأنه نوع جهل فلم يعترف به كالجهل بالوقت فقاس المختلف فيه على المختلف فيه والقياس من شرطه أن يكون الأصل المقيس عليه متفقاً عليه بين الخصمين وهذا غير متفق عليه فنحن نقول الجهل بالوقت أيضا عذر يمنع الصائم من فساد الصوم ودليل ذلك ما رواه البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت أفطرنا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في يوم غيم ثم طلعت الشمس فهؤلاء أفطروا جهلاً بالوقت ولم ينقل أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمرهم بالقضاء ولو كان القضاء من شرع الله لأمرهم به ولنقل لأنه شريعة لابد أن تبقى فلما انتفى ذلك علم أن القضاء ليس بواجب وأما قول هشام بن عروة لما سئل عن القضاء قال أو بدٌ من قضاء؟ يعني لا بد أن يقضوا فهذا رأيه وعروة أبوه أفقه منه قال لا قضاء ومعلوم أنه إذا تنازع رجلان في مسألة فالمرجع إلى الكتاب والسنة فالصواب أنه إذا أكل جاهلاً بالوقت سواء من أخر الليل أو من أوله فإن صومه صحيح ولا يلزمه القضاء حتى في الجماع ولهذا لو جامع ظناً منه أن الليل باقٍ فتبين أنه في نهار فصومه صحيح ولا شيء عليه ومن جهل بوجوب القضاء وهو يدري أن هذا مفطر وأن هذا حرام لكن لم يعلم أنه يلزمه القضاء فهل يلزمه؟ نعم يلزمه وكذلك لو جامع في نهار رمضان وهو ممن يجب عليه الصوم ولم يعلم أنه يلزمه الكفارة فإن الكفارة لاتسقط عنه لأن الجهل بالعقوبة ليس عذرا بل العذر هو الجهل بالحكم ودليل ذلك قصة المجامع فإن المجامع لم يعلم بما يلزمه من الكفارة ومع ذلك أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة.
القارئ: وإن تمضمض أو استنشق فدخل الماء حلقه لم يفطر لأنه واصل بغير اختياره ولا تعديه فأشبه الذباب الداخل حلقه وإن بالغ فيهما فوصل الماء ففيه وجهان أحدهما لا يفطر لأنه بغير اختياره والثاني يفطر لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه لقيط بن صبره حفظاً للصوم فدل على أنه يفطره ولأنه تولد بسبب منهي عنه فأشبه الإنزال عن مباشرة وإن زاد على الثلاث فيهما فوصل الماء فعلى الوجهين وإن أكل يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب أو أن الفجر لم يطلع وقد طلع أفطر لما روي عن حنظلة قال (كنا بالمدينة في رمضان وفي السماء سحاب فظننا أن الشمس قد غابت فأفطر بعض الناس ثم طلعت الشمس فقال عمر من أفطر فليقض يوماً مكانه) رواه سعيد بن منصور بنحوه ولأنه أكل ذاكراً مختارا فأفطر كما لو أكل يظن أن اليوم من شعبان فبان من رمضان.
الشيخ: ما ذكره رحمه الله في مسالة المبالغة الصحيح أنه لا يفطر لأن المبالغ ما تعمد أن ينزل الماء إلى جوفه ولكن الماء تهرب فنزل إلى جوفه كما أنه لو تمضمض تمضمضاًَ ليس شرعياً ليس عن وضوء ثم نزل الماء من هذه المضمضة إلى جوفه فإنه لا يفطر.